شجاعة أن ترضى بقبول الله

 

 

 

 

شجاعة أن ترضى بقبول الله

 

إنّ في علم اللاّهوت مبدأً أساسيًّا يخبرُنا أنّ الإيمان أو الكتاب المقدّس يحويان الإجابة على أكثر الأسئلة عمقًا في قلب الإنسان. فالإيمانُ عن الحياة، حياتي. وكأنّي في الإيمان أضعُ وجودي الإنسانيّ تحت الأشعّة السينيّة الفاحصة. فالإيمانُ يساعدُني على أن أحيا حياةً أفضل، على أن أصبح أكثر إنسانيّةً، أكثر تكاملاً. الإيمان هو اكتشافُ أنّ هناك وحدةً: الله أعمقُ أساسٍ لوجودي.

 

السؤال:

إنّ واحدًا من أشدّ احتياجات الإنسان هو حاجته إلى أن يكون مُعترفًا بفضله، فكلّ إنسانٍ يودُّ أن يكون ذا قيمةٍ. وهذا لا يعني إحتياجه إلى سماعِ المديح المكرَّرِ (رغم أنّ هذه الرغبة موجودة كذلك، ولكنّها ليست على الدرجة ذاتها من الأهميّة). يمكننا أن نقول إنّ كلّ إنسانٍ يريدُ أن يكون محبوبًا، وفي هذا إعترافٌ ضمنيٌّ بعدمِ الأمان.

 

وللحبِّ مفاهيمُ عديدةُ كتعدّد روائح الزهور، فالحبّ عند بعض الناس إحساس عاطفيّ، وعند البعض الآخر هو شعورٌ رومنطقيّ، وعند غيرهم هو حاجةٌ جنسيّةٌ بحتة. ثمّة حبٌّ أعمقُ: القبول.

 

فلكلّ إنسانٍ رغبةٌ جامعةٌ في أن يكون مقبولاً - مقبولاً لذاته. فإن شعر الإنسانُ أنّه غيرُ مقبولٍ على الإطلاق، كان الأثرُ السلبيُّ والجرحُ النفسيُّ والألمُ النّاتج من هذا مصيريًّا وطويل المدى. وحينما لا أكون مقبولاً، يكون الجرح داخليًّا. فالطفلُ غيرُ المحتفى به قد حُطِّم في أعماق وجوده، والتلميذُ الذي يشعرُ بأنّه غيرُ مقبولٍ من معلّمه لن يتعلّم، والرجلُ الذي يشعر بأنّه غيرُ مقبولٍ من زملائه يعاني قرحة في المعدة ويكون سببًا للآلام في بيته. فقد كشفَتْ حياةُ الكثيرين من نزلاء السجون أنّ نقطة تحوّلهم عن الطريق السويِّ كانت إفتقارَهم إلى من يقبلُهم حقيقةً. وكذلك الراهبةُ حينما لا تشعرُ بأنّها مقبولةٌ في رهبانيّتها لا تستطيعُ أن تكون سعيدةً. إنّ حياةً لا قبول فيها هي حياةٌ فقدت أعمق إحتياجات الإنسان.

القبولُ يعني أنّ البشر الذين أعيشُ معهم يهبونني الإحساسَ بالإحترام الذاتيّ، والشعورَ بأنّي ذو قيمة عندَهم، وبأنّهم سعداء لأنّي أنا.

 القبولُ يعني الترحابَ بي على سجيّتي. فبالرغم من حاجتي إلى النموّ فأنا غير مرغم عليه أو مضطرّ إليه! فأنا غير مقيّدٍ بالماضي أو الحاضر. بالأحرى أملك الحريّة للنموّ، للتفوّق على أخطاء الماضي.

 

 القبولُ يعني ألاّ أحتاج إلى حجابٍ بيني وبين الآخرين. نستطيع أن نقول إنّ القبول هو رفع الستار. كلّ شخصٍ منّا فُطِرَ على كثيرٍ من المواهب والقدرات، ولكنْ إن لم تُستدعَ هذه المواهبُ والقدراتُ بدفءِ لمساتِ القبولِ من الآخرين ستبقى مطمورة في إنتظار الكشف عنها.

 

فالقبول يهب الحريّة لكلّ ما بداخلي. فقط حينما أكون محبوبًا بكلّ معنى القبول وعمقه أستطيعُ أن أكون ذاتي.

 

 فالحبّ والقبول من الآخرين يجعلانني حقًّا الإنسان الفريد الذي جُبل بقصدٍ. ولكن حينما يُعترفُ بالفرد نتيجة إنجازاته فهذا لا يُعبّر عن قيمته الشخصيّة، إذ إنّه ليس فريدًا، فقد يكون هناك آخرون قادرون على تحقيق الإنجازات ذاتها أكثر إتقانًا.

 

ولكن حينما يكون الشخص محبوبًا لذاته، فحينئذٍ فقط تكون شخصيّتُه فريدة لا بديل لها.

من ثمّ فإنّني حقيقةً أحتاج إلى هذا القبول لأكون ذاتي. فحينما لا أكون مقبولاً فأنا نكرة، لا شيء؛ لا أستطيع الوصول إلى تحقيق ذاتي. الشخص المقبول هو شخصٌ سعيدٌ لأنّه منفتحٌ ومنطلقٌ وقادرٌ على النموّ.

 

وقبولي شخصًا ما لا يعني إنكاري معايبه، أو تجاهلها، أو إعطاءَ هذه المعايب ثوبًا جذّابًا أو محاولة لتبريرها، كما لا يعني رؤيتي أنّ كلّ ما يفعله حسنٌ وجميلٌ. العكس صحيح، فحينما أُنكرُ معايبه فأنا بكلّ تأكيد لا أقبله، ولم ألمسْ بعد أعماق هذا الإنسان. فقط حينما أقبل الآخرين أستطيعُ مواجهة نقائصهم.

 

ولتوضيح ذلك بطريقةٍ سلبيّةٍ نقول: إنّ القبول يعني أنّي لا أعطي الفرد أبدًا الإحساس بأنّه بلا قيمة. فأن لا تتوقّع شيئًا البتّة من شخصٍ ما يعادل قتله؛ فهذا يجعلُه عاجزًا عن الإنتاج، عقيمًا غير قادرٍ على شيء. وقيل إنّ المصابين بمرض ترقّق العظام من الأطفال يخدشون الحائط في محاولة إستخراج الكلْس. وبالمثل فإنّ غير المقبولين من البشر عامّة يخدشون الحائط في محاولة الحصول على القبول. وما هي بعض أعراض عدم القبول؟

التفاخر: وقد يكون هذا بطريقةٍ غامضةٍ غير مفهومة أو بسيطةٍ وواضحةٍ ليُمدّوا أنفسهم بالمديح الذي يريدونه بشقّ النفس.

الجمود: فعدم القبول يسبّبُ نقصًا في الأمان في دربِ الحياة ونقصًا في الشجاعة، فيقعدهم هذا عن المجازفة ولو بخطوةٍ واحدةٍ في أيّ جانبٍ من جوانب الدرب.

عقدة النقص: وهذه ببساطة تجمع ما تقدّم.

العادة السّريّة: أيّ متعة سطحيّة أخرى. فغيرُ المقبولين يحملون في أعماقهم الكثير من العوز والحرمان، فيحاولون بجهد جهيد إغتنام كلّ ما يستطيعونه من متع الحياة بالوسائل السهلة السطحيّة.

الرغبة الملحّة في الإعتراف بهم: وهذا يبدو في الخوف الشديد من التطفّل، وفي احتياجٍ متطرّف إلى جذب الإنتباه، وميلٍ شديدٍ إلى الشعور بالتهديد، والمبالغة، والنميمة، والشكّ في الآخرين. هذه بعض أعراض المتعطّشين للقبول.

الإنسانُ المتّزنُ حقيقةً لا يحتاجُ إلى الإنغماس في مثل هذه الأمور. كتب إيريك إريكسن في كتابه "لوثر الشابّ".

يتعلّمُ الإنسانُ في علاقاته الأولى شيئًا يأخذه معظم الأفراد ممّن عركوا الحياة - وما زالوا - بعقولهم قضيّةً مسلّمًا بها أغلب الوقت. فقط علماء النّفس والكهنة والفلاسفة بالفطرة يعلمون كم هو مؤلم أن يكون إفتقادنا هذا الشيء ممكنًا. وقد أسميتُ كنز الطفولة المبكّر هذا "الثقة الأساسيّة"؛ وهي أولى اللّمسات النّفسيّة لتكوين الشخصيّة الإنسانيّة، وأساسُ كلّ صفة أخرى.

 

 الثقة الأساسيّة في العواطف المتبادلة هي أساسُ التفاؤلِ وحسنِ النيّة في إفتراض أنّ هناك إنسانًا بدونه لا نستطيع أن نعيش. في حالة عدم نموّ مثل هذه الثقة الأساسيّة في الطفولة المبكّرة، بسبب عيب في الطفل أو في المحيط العائليّ، يموت الأطفال نفسيًّا، فلا يتجاوبون مع التعلّم، ولا يستطيعون هضم غذائهم، ويفشلون في الدفاع عن أنفسهم ضدّ الإلتهابات. وغالبًا ما يموتون جسديًّا مثلما ماتوا نفسيًّا.

 

الإجابة:

مقبول أنا لدى الله كما أنا - كما أنا، وليس كما يجب أن أكون. وادّعاء ذلك، هو ادّعاءٌ أجوف، لأنّي دائمًا لستُ كما يجب أن أكون. فأنا أعلم أنّي في الحقيقة لا أسيرُ في خطٍّ مستقيم. فهناك منعطفاتٌ عديدةٌ، وقراراتٌ خاطئةٌ كثيرةٌ على طريق الحياة. هذه كلُّها مجتمعةً جاءت بي إلى حيث أنا الآن. والكتاب المقدّس يخبرني أنّ "المكان الذي أنت قائمٌ فيه أرضٌ مُقدّسة" (خر 3/ 5). فالله يعرفُ إسمي: "هاءنذا على كفَّيَّ نقشتُك" (أش 49/ 16). فالله لا يستطيعُ النظر إلى كفّه من دون أن يرى إسمي، وإسمي هو أنا!

 

الله يضمن لي أن أكون ذاتي.

 

 

يقول القدّيس أوغسطينس:

الصديق هو ذلك الشخصُ الذي يعرفُ عنك كلّ شيءٍ وما زال يقبلك. هذا هو الحلم الذي نشترك فيه جميعًا: اليوم الذي قد ألتقي فيه بذلك الإنسان الذي أستطيع الحديث إليه حقيقةً، فيفهمني ويفهم الكلمات التي أتفوّه بها، ذلك الذي يستطيعُ الإصغاء  إليّ، وسماع حتّى ما لم أقلْه. ثمّ بعد هذا يقبلني حقيقة. الله هو ملء هذا الحلم. الله يُحبّني بمثلي وإحباطاتي، بتضحياتي وأفراحي، بفشلي ونجاحي.

 

الله ذاته هو أعمق أساسٍ لوجودي. فأن أعرف أنّي مقبول لدى الله يختلف تمامًا عن أن أحيا ذلك القبول. فليس كافيًا أن أملك، بل أن ألمس ولو مرّة واحدة حبّ الله. ثمّة مزيدٌ يُطلبُ لبناء حياة الإنسان على حبّ الله. أحتاج إلى وقت طويل لأؤمن بأنّ الله يحبّني كما أنا.

فكم من مرّة أُعْلِمنا بأهميّة حبّنا لله، وهذا حقيقيّ. ولكنّ الشيء الأكثر أهميّةً هو أنّ الله يحبّنا! فحبّنا لله يأتي في المقام الثاني.

 

حبّ الله إيّانا هو المبادر. هذا هو الحبّ الذي أعنيه: ليس حبّنا لله ولكن حبّ الله إيّانا: "لم نكن أحببنا الله بل هو أحبّنا" (1 يو 4/ 10). هذا هو الأساس. وقد نوّه كارل راهنر بأنّنا نعيش في زمنٍ جذَبَتْ فيه سياساتُ الكنيسة الإهتمام (على سبيل المثال: تعاليم العقيدة، تنظيم الأسرة، الكهنوت، البتوليّة، ديوان الحبر الأعظم). وقد تكون هذه علامة إيمان عميق، وقد تكون أيضًا علامة نقصٍ في الإيمان. فأساس الإيمان هو أن أعرف نفسي مقبولاً لدى الله: "ونحن عرفنا المحبّة التي يُظهرها الله بيننا، وآمنّا بها" (1 يو 16/ 4). هذا هو مضمون إيماننا - حبّ الله لنا. فالتلاميذ كلّهم ليسوا إلاّ خبر الإيمان كُرّر اثنتي عشرة مرّة عن ذلك الحبّ بالذات، الإيمان بالمحبّة التي عند الله لنا.

في اللّيلة السابقة لموته صلّى يسوع للآب: "أحببتَهُم كما أحببتني... لتكون فيهم المحبّة التي أحببتني إيَّاها" (يو 17/ 23، 26). يبدو غير عاديّ وصعب التصديق أنّ حبّ الله لنا كحبّه لابنه الوحيد يسوع المسيح، ومع ذلك فهذا تمامًا ما يخبرنا به الكتاب المقدّس. فنحن أبناء البشر مقسّمون في طرقٍ عديدة:

1- الزمان: نحن نختبرُ الوقت متتاليًا، كلّ لحظة تأتي تلو الأخرى، فوقتنا مجزّأ. أمّا مع الله فالأمر مختلف تمامًا. الله يعيش دائمًا في زمن واحد أبديّ - الآن (اللّحظة الحاضرة) - بلا إنقسام. فالأبديّة تعني أنّ الوقت كلّه مركّز في لحظة واحدة تظلّ باقية أبدًا بلا نهاية أو إنقضاء.

2- المكان: لنا حدود معيّنة في الإمتداد. أمّا الله فهو واحد كامل.

3- الحبّ: نحن مقسّمون في حبّنا، فنحبّ شخصًا ما جدًّا 90% أو حبًّا عاديًّا 50% أو بأقلّ من المعتاد 20% ولكنّ الله لا يقيس حبّه.

 

 الله لا يستطيع أن يحبّ إلاّ حبًّا كاملاً 100%. فإذا كنّا نفكّر في الله كما لو كان شخصًا يستطيع تقسيم حبّه، فنحن نفكّر في أنفسنا.

 

الله هو الوحدة الكاملة التامّة. فنحن نملك الحبّ. أمّا الله فهو الحبّ. حبّه ليس نشاطًا يمارسه، بل هو ذاته.

 

 فإذا استطعنا فهم بعض هذه الفكرة لفهمنا أنّ الله لا يستطيع إعطاء ابنه 100% من حبّه ثمّ 70% إيّانا. ولو إستطاع هذا لما كان هو الله. فحينما نقرأ حوار القدّيسة كاثرين السينيّة نكوّن إنطباعًا بأنّ الله ببساطة لم يكن لديه شيء سوى شغل نفسه مع القدّيسة كاثرين. وهذا صحيح. فاهتمام الله وانتباهه غير المشتّت لها ولكلّ فرد منّا حقيقة.

يُعرّف تيليك الإيمان بأنّه: "الشجاعة في أن ترضى بقبول الله". وهنا يعني قبول الله إيّانا. وقد نفكّر في أنّ مثل هذا الإيمان لا يحتاج إلى كثير من الشجاعة، بل على العكس، يبدو سهلاً وليّنًا.

 

 ولكنّ الشجاعة مطلوبة أكثر الأحيان، وهي غالبًا تعوزنا. لم نحتاج إلى الشجاعة لنرضى بقبول الله إيّانا؟

 

 أوّلاً حينما تصيبنا الإحباطات، نميل إلى الشكوى: كيف سمح الله بذلك؟ نبدأ الشكّ في حبّه. نحن نحتاج إلى الكثير من الشجاعة كي نؤمن بقبول الله إيّانا، غير ملتفتين إلى ما قد يحدث لنا؛ ومثل فعل الإيمان هذا يذهب إلى أبعد من خبرتي الشخصيّة. فالإيمان حينئذ يكون نتيجة إقتناع بحياة قبلتُها.

 

 ثانيًا حبّ الله لانهائيّ؛ فنحن لا نستطيع الإمساك به أو التحكّم فيه. الشيء الوحيد الذي نقوى على فعله هو القفز إلى عمقه اللاّنهائيّ؛ ونحن لا نحبّ القفز، نحن نخشى التسليم الكامل.

 

 يقول المرتدّ سفن ستولب إنّ الإيمان يعني تسلّق درج مرتفع، وحينما نصل إلى قمّته، نسمع صوتًا يقول: "إقفز وسوف أتلقّاك". الذي يقفز هو رجل الإيمان، فمن الشجاعة أن تقفز.

 

 هناك سبب ثالث على درجة كبيرة من الحسّاسيّة، وصعب الفهم، ولكنّه لا يقلّ أهميّة أو واقعيّة: ذلك أنّنا بيُسر نؤمن بحبّ الله إيّانا عامّة. ولكنّني أجد صعوبة شديدة في الإيمان بأنّ الله يحبّني أنا بالذات. لماذا أنا بالذات؟

 

هناك قلّة قليلة ممّن قبلوا ذواتهم حقيقة ورضوا بقبول الله إيّاهم. وبالتأكيد فإنّه من النادر جدًّا أن نلتقي شخصًا إستطاع التفوّق على السؤال: لماذا أنا؟ نحن لا نستطيع تأسيس قبول الذات على ملكاتنا وقدراتنا الذاتيّة. فمثل هذا الأساس لا يلبث أن يتهاوى مُحطّمًا. فقبول الذات هو فعل إيمان حقيقيّ.

 

فعندما يحبّني الله يتحتّم عليّ قبول ذاتي - إذ لا يحقُّ لي أن أكون أكثر تطلُّبًا ممّن خلقني. أيحقُّ لي؟

 

 

                                                      الأب بيتر ج. فان بريمن اليسوعيّ        

                                                                    

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية