عندئذ فتح أذهانهم ليفهموا الكتُب

 

 

 

عندئذ فتح أذهانهم ليفهموا الكتُب

 

 

أخذهم الدّهش والذعر

 

ليس غريبًا أن يأخذ الدّهش والذعر من الرّسل مأخذه كلّما ظهر لهم يسوع إذ ليس أمرًا إعتياديًّا أن يقوم إنسان من بين الأموات. جميعهم رأوه مكلَّلاً بالشَّوك، يحمل الصّليب على كتفيه ويتألَّم. جميعهم رأوه موضوعًا في القبر، ولو من بعيد، وقد دُحرج على باب القبر حجر كبير. ورأوا أنَّ رؤساء الكهنة والكتبة والفرّيسيّين، قد أمروا بوضع حرّاس. على باب القبر.

 

صحيح أنّه قد أنبأهم، "إنَّ ابن الإنسان سيسلَّم إلى رؤساء الكهنة والكتبة، فيحكمون عليه بالموت ويدفعونه إلى الأُمم ليسخروا منه ويجلدوه ويصلبوه، وفي اليوم الثالث يقوم" (متّى 20/ 18 - 19). لكن ذلك لم يقنعهم ولم يترسَّخ في أذهانهم.

نعم لقد أحبُّوه وآمنوا به وتبعوه. تركوا كلَّ شيء وإلتزموا به. لكنَّهم بقوا متحيِّرين:

 

وهل هو أمر طبيعي أن يقوم إنسان من بين الأموات؟

 

هل العقل البشري والمنطق يقبلان بذلك؟

 

 ليس عجيبًا أن نراهم، بعد القيامة، "خائفين مضطربين" "غير مصدّقين من الفرح... منذهلين" ويراود موقفهم الشكّ والإرتياب.

 

كلّهم، عاشوا هذين الشكَّ والإرتياب. ولو كان توما هو وحده الذي تجرَّأَ وأعلن وقال: "لن أُصدِّق. إلاّ بعد وضع إصبعي في الجراح". يومها تفهَّم يسوعُ موقف توما...

 

وها هو المسيح اليوم يظهر للرّسل مجتمعين ويقول لهم: "لِمَ هذا الإضطراب، ولِمَ الهواجس تنبعث في قلوبكم. أُنظروا يديَّ ورجليَّ. فإنّي أنا هو. جسُّوني وانظروا، فإنَّ الرّوح لا لحم له ولا عظم، كما ترَون لي" (لو 24/ 38).

 

ليس غريبًا أن يرقى الشكّ إلى قلوب الرّسل والتلاميذ. فالشكّ ميزة من ميزات الإنسان. قد يكون طريقًا للكفر والإلحاد، وقد يكون سبيلاً للتأكُّد والإيمان.

 

والشكّ في مثل هذا الوضع الذي يعيشونه اليوم أمرٌ أكثر من طبيعي. فالموت هو الأمر المحتَّم على كلِّ إنسان. وها هو معلِّمهم قد مات. ومَن مات لا يعود مجدَّدًا إلى الحياة. وقيامة معلِّمهم ليست بالأمر الطبيعي... وليس من السَّهل عليهم التصديق.

 

لكن، وهنا التناقض، هذا هو الواقع الذي سيبنى عليه إيمانهم الجديد. وهذا ما سيُدعَون للتبشير به. لأنَّ هذه هي الحقيقة التي بدأوا يلمسونها لمس اليد، الحقيقة التي بدونها لا معنى ولا أساس لإيمانهم.

 

الإيمان المسيحي لا يُبنى على البحث والتّحليل ولا على النظريّات، إنّه يُبنى على الحدث الواقعي، والإختبار الملموس والمعاش. أساس هذا الإيمان العلاقة الشخصيَّة والمحبَّة، لا العقائد والأفكار.

 

 والمسيح يريد من رسله أن يتأكَّدوا من هذا الحدث الذي سيكونون شهودًا له. لذلك يتراءى لهم عدَّة مرّات بعد قيامته، يكلِّمهم ويأكل معهم، لتأتي شهادتهم فيما بعد، مبنيَّة على أساس متين. فإنّهم بعد حلول الرّوح القدس عليهم في اليوم الخمسين، سيكون حدث القيامة نقطة الإنطلاق لتبشيرهم وسيكون محطّ الكلام عندهم ما يقوله بطرس ويوحنّا لرؤساء الكهنة: "نحن لا نستطيع إلاّ أن نقول ما رأيناه وما سمعناه... (أع 4/ 20).

 

عندئذ فتح أذهانهم ليفهموا الكتُب

 

الكتب المقدَّسة ركيزة للإيمان. كُتُبُ العهد القديم تمهِّد الطريق لمجيء المسيح. وكتُب العهد الجديد تنقل إلينا أهمَّ أحداث حياته على الأرض، وتعاليمه وأعماله. من خلالها يكلِّمنا الربّ: "بأنواع كثيرة وأشباه شتّى كلَّم الله آباءنا منذ القديم".

 

الرّسل بمجملهم، يعرفون الكتُب، لكنَّهم، لم يكونوا ليفهموها إلاّ بصورة مشوَّهة ومغلوطة في معظم الأحيان؛ والكتبة الذين كانوا مؤتمنين على هذا التعليم كانوا يقعون غالبًا في أخطاء جسيمة إذ إنّهم كانوا يتوقَّفون عند المعنى الحرفيّ. وهذا ما يفسِّر موقفهم الرّافض من يسوع وخوفًا من أن يقع الرّسل في المهاوي والمخاطر ذاتها، ها يسوع، "يفتح أذهانهم ليفهموا الكتب".

 

الإنجيل المعاش

الإضطراب والهواجس، الدّهش والذعر، هي أمور إعتياديَّة بالنسبة لأيّ إنسانٍ يعيش أحداثًا غير إعتياديَّة وتتخطَّى إدراكه البشري. وأيَّ واحدٍ منّا يعتاد على نمط معيَّن من الحياة يتأقلم معه ويعيش فيه قد يجد نفسه في حالة ضياع وهلع إذا ما تغيَّرت المعطيات فجأة وبصورة ملفتة للإنتباه وهو لم يستطع أن يفهمها أو يستوعبها.

وهل من أمر يوصل الإنسان إلى مثل هذا الهلع وهذا الضياع أخطر وأهمّ من أن يسمع أنَّ أحدهم قام  من القبر، ثمَّ يراه ويسمعه يتكلَّم معه؟

 

من ناحية ثانية، فإنَّ الشكَّ هو ميزة أساسيَّة من ميزات الإنسان الذي يريد فهم أسرار الحياة ودوافن الأمور ويبقى عائشًا في قلق طالما لم تتوضَّح له الأمور.

 

وعلى صعيد الحياة الإيمانيَّة لا بدَّ من أن يكون لهذه المتغيّرات تأثير عميق. فالكثيرون منّا إعتادوا على نمط معيَّن من الصلاة مثلاً، أو هم عاشوا نمطًا معيَّنًا من التفكير... وإذا بالأمور تتغيَّر أقلَّه في بعض الممارسات فيعتبرون أنَّ الدِّيانة تغيَّرت فيتشكَّكون... أمّا الذي يصلون إلى مستوى معيَّن من العلم والثقافة فغالبًا ما يعتبرون أنّه أصبح بإمكانهم سبر أغوار الكون دون الحاجة إلى الله.

 

 فيحاولون إيجاد الأجوبة على تساؤلاتهم المصيريَّة بالإستناد فقط إلى قدراتهم العلميَّة الشخصيَّة، واضعين جانبًا كلّ أمور الدّين، فيتحوَّل الشكّ عندهم إلى إلحاد، والتساؤل إلى رفض قاطع للحقيقة ولله. مثل هؤلاء يذكِّروننا بالذين يتحدَّث عنهم بولس الرّسول: "أنَّ بعضهم يرتدُّون عن الإيمان في الأزمنة الأخيرة ويتبعون أرواحًا مضلَّة..." (1 طيم 4/ 1 - 2) أو ما يقوله أيضًا: "وأعلم أنّه ستأتي في الأيّام الأخيرة أزمنة عسيرة يكون فيها النّاس عاقّين ناكري الجميل فجّارًا... مؤثرين اللّذّة على الله، يُظهرون التقوى لكنَّهم ينكرون قوَّتها. فأعرض عن أولئك النّاس" (2 طيم 3/ 1 - 5).

 

جميعنا، دون شكّ، نمرّ بمثل هذه الأوضاع، فنعيش أحيانًا حالات من الإضطراب. وكالرّسل ننزوي بأنفسنا ونغلق علينا الأبواب، ولا نقبل أن نتخلّى عن بعض القشور. فيصبح الإيمان بالنسبة إلينا وكأنّه من آثار الماضي ومن الذكريات ولا يعود له أيُّ تأثير في حياتنا اليوميَّة.

 

جميعنا، في مثل هذه الحالات، نفاجأ بأن نرى المسيح قد دخل إلى حياتنا بالرغم من الأبواب المغلقة، ليصدمنا ويقول لنا: لماذا أنتم خائفون يا قليلي الإيمان... ها أنذا معكم إلى منتهى الدّهر، فاذهبوا وكونوا لي شهودًا...

 

فما علينا إلاّ أن نفتح قلوبنا وعقولنا وآذاننا للمسيح، لكي يفتح أذهاننا لنفهم الكتُب.

 

الأب جورج أبو جودة

 

       

  

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية