فضيلة الفِطنة

 

 

 

فضيلة الفِطنة

 

ما الفِطنة؟ ما هو مصدرها؟ ما هي ثمارها؟

 

 

ما الفِطنة؟

 

في الحقيقة، هذه الكلمة لا تطنُّ طنينًا جيّدًا في آذان العالم المعاصر. فالفِطنة تعني في مفهومنا أن نكون حذرين في قيادة سيّارتنا والمحافظة على قواعد السير، وكذلك أن ننتبه ألّا نأكل كثيرًا وألّا نشرب بإفراط، إلخ... إلّا أنّ كلمة الفِطنة تعني أكثر من معناها المألوف في التقليد اليونانيّ وفي الكتاب المقدّس، حيث تتعدّد الإشارة إليها.

 

فهذه الكلمة تذكّر أوّلًا بالحكمة، أعني القدرة على قراءة الأحداث وفهمها، وبالتالي العمل في ضوء حضور الله.  إنّنا نجد في كتاب الحكمة على سبيل المثال: "فعرفتُ كلّ ما خفي وكلّ ما ظهر لأنّ مُهندِسة كلّ شيء علّمتني، وهي الحكمة" (7: 21). 

 

وفي الرسالة الأولى إلى أهل قورنتس، يكتب بولس التالي: "ومع ذلك فإنّنا بحكمة نتكلّم بين المؤمنين الراشدين، وليس بحكمة هذه الدنيا أو بحكمة رؤساء هذه الدنيا، ومصيرهم للزوال" (2: 6). ويقول القدّيس يعقوب من ناحيته: "وإن كان أحد منكم تنقصه الحكمة فليطلبها من عند الله يُعطها، لأنّه يعطي جميع الناس من دون حساب" (يعقوب 1: 5).

الفِطنة بالتالي هي مرادف للحكمة، أعني معرفة تفسير ما يجري، وقرار ما ينبغي فعله بشريًّا، كلّ ذلك في ضوء الله عزّ وجلّ. والفِطنة تعني أيضًا التمييز، والقدرة على الإدراك، وسط ما نعتزم أن نقوم به، وما يوصلنا إلى الله وما يبعدنا عنه، ما هو متوافق وروحَ الربّ يسوع وما يحزنه ويكدّره (1 قورنتس 2: 15): "وأمّا الإنسان الروحيّ، فيحكم في كلّ شيء ولا يحكم فيه أحد" والمقصود هنا هو مَن يقدر على التمييز، متسلِّحًا بالحكمة الإلهيّة، بين طرق السلوك والوجود المتعدّدة المتوافقة والإنجيل وتلك التي تبقى عنه بعيدة.

 

والفِطنة تعني أيضًا الحسّ بالمسؤوليّة من قِبل الإنسان، أي العمل من ناحية والاضطلاع بمسؤوليّات أعماله الخاصّة الشخصيَّة من ناحية أخرى.

 

وختامًا، إنّ الفِطنة (وأكرّر ما قلته آنفًا إنّ الكتاب المقدّس يماهي بين الفِطنة والحكمة) تعبّر في التقليد الكتابيّ وعند آباء الكنيسة عن فكرة أخرى استعادها القدّيس توما الأكوينيّ، أعني فكرة القرار الذي نتّخذه بواقعيّة وبإحساس الواقع، من دون تردّد ومن دون خوف من المجازفة.

 

 

 فكم نحن بعيدون هنا عن تصوّرنا الحاليّ مفهوم الفِطنة الذي يدفعنا إلى التردّد والاحتراس!

 

وإذا ما أردنا أن نلخّص نقول: بحسب الكتاب المقدّس والتقليد، الفِطنة هي حكمة تشاهد الأحداث البشريّة في ضوء الله.

 

 إنّها تمييز بفصل بين ما يقودنا إلى الله وما يحيدنا عنه. إنّ الحسّ بالمسؤوليّات الذي يضطلع بانعكاسات الأفعال الشخصيّة.

 

 إنّها القدرة على اتّخاذ القرارات العقلانيّة الشجاعة من دون التخوّف من نتائجها السلبيّة، على حسابنا.

 

ونستطيع أيضًا الإشارة إلى الفِطنة بواسطة كلمة إنتباه أو حذر، تلك الحالة التي يبقى فيها القلب والفكر واعيَيْين ليتّخذا القرارات المناسبة، بطريقة حسّيّة وشُجاعة، فيقومان ببعض المبادرات لخدمة الله وعيش الإنجيل.

 

 

ما هو مصدر الفِطنة؟

وإن كنّا نفهم الفِطنة على هذا المنوال، فإنّه لا يمكن أن يكون منشأها سوى الرّوح القدس: إنّ الرّوح القدس بنفسه هو الذي يجعلنا نكتشف الاحتراس المسيحيّ. وإنّي لأستشهد هنا راضيًا  بصلاةٍ عميقة المعنى ألّفها الكاردينال ج.هـ نيومان، متوسّلًا عطيّة الاحتراس أو الحكمة:

 

"أيّها النور العذب، وجّهني، في عمق الظلمات التي تطوّقني، أنت وحدك وجّهني دومًا إلى الأمام. الليل غارق في الظلمة وبعيد هو بيتك، لكن أنتَ وجّهني إلى الأمام أكثر فأكثر، قُدْ خُطايَ، فما هو بعيد لستُ متمسّكًا برؤيته منذ الآن، يكفيني أن أسير نحوه خطوة بعد خطوة. لم أسلك هذا السلوك في السّابق، فإنّي لم أتوسّل إليك لكي تدفعني إلى ما هو أبعد. كنت أرغب في اختيار طريقي، إلّا أنّي أريد منذ الآن أن توجّهني أنتَ إلى الأمام. كن مرشدي أيّها النور العذب، وجّهني أكثر فأكثر إلى البعيد".

 

بالإضافة إلى ما سبق، تولد فضيلة الاحتراس من اختبار التمييز وبموجبها نتدرّب على الحكم الموضوعيّ بما يوجبه الله.

 

وإليكم هذا المثل: إنّنا محاطون اليوم بوسائل الاتّصال من راديو وتلفزيون وصحف، فالفِطنة بالتالي تكمن في تلك الغريزة الرّوحيّة التي تدفعنا إلى إشغال التلفزيون أو إلى إطفائه، إلى المشاهدة أو عدم المشاهدة، إلى القراءة أو عدمها.

 

 

وهكذا فإنّ الفِطنة تُتيح لنا أن نتّخذ القرارات التي بفضلها لن نكون أسرى لتلك الوسائل ولن نرزح تحت وطأتها من ناحية. ومن ناحية أخرى، تعلّمنا فضيلة الاحتراس ألّا نقبل كلّ ما يصل إلى إلينا وأن نمحّص الأخبار تمحيصًا، وأن نقارن بعضها ببعضها الآخر، وأن نتعرّف على مصادرها، وأن ننتظر تأكيدها. إنّها تقودنا، بكلمة وجيزة، إلى النطق بالحكم الصائب.

 

 

وفي الختام، إنّ الفِطنة، ثمرة الرّوح القدس واختبار التمييز، تولد أيضًا من تلك العادة الحقيقيّة الموجّهة إلى الصمت وإلى الهدوء، إلى كلّ ما  يجانب الأحكام والأفعال المتهوّرة. في الغالب وخصوصًا عندما نتكلّم، نبدو قليلي التبصّر، فاقدي الاتّزان وعديمي الحكمة، وذلك بالمواجهة والفِطنة، لأنّ كلماتنا لا تولد من لحظة صمت ومن لحظة توقّف عن الحركات وعن التفكير.

 

 

ما هي ثمار الفِطنة؟

وفقًا لما شرحناه للتوّ، ينبغي لنا أن نجني الثمار التي من شأن الفِطنة المسيحيّة أن تحملها.

 

إنّ مَن تغذّي الفِطنة المسيحيّة حياته ومن هو حكيم بالمعنى الإنجيليّ، يجد نفسه في سلام مع ذاته، ومتصالحًا والواقع. وهو لا يعيش في الأوهام ولا يخيب أمله على الإطلاق، إذ إنّه يستطيع تقويم كلّ أمرٍ من الأمور الجارية بموجب وعي موضوعيّ للحالة الواقعة. إنّه يعرف كيف يستبق الأمور وكيف يفكّر قبل أن يتصرّف.

 

إذًا الفطنة تولّد الحكمة اليوميّة والتوازن وهدوء النفس والسكينة الباطنيّة والسلام والانتظام والصفاء. إنّها تتيح لنا أن نرى ما هو أساسيّ.

 

 

أسئلة ذاتيّة

إليك بعض الأسئلة التي يمكن أن تجيب عن واحدة أو أخرى منها شخصيًّا عبر التأمُّل ثانية في ما سبق:

ـ ما هي الفضيلة التي تبدو لك الأشدّ أهميّة اليوم، من بين الفضائل السبع التي ذكرناها؟

 

ـ ما هي الفضيلة التي أعتبرها الأشدّ ضرورة من غيرها، في حياتي الشخصيّة والعالميّة والمهنيّة؟

 

ـ في زمننا الحاضر، ما هي النقائص الواضحة التي تنتج من عدم تطبيق مبدأ الفِطنة في مجالات القول والفكر والفعل؟

 

 على سبيل المثال، إلى أين قادتنا قلّة الفِطنة في إدارة الأمور الاجتماعيّة والمدنيّة والساسيّة؟

 

في المقابل، ما هو الدافع الذي يعزّز ممارسة الفِطنة؟

 

 كيف نستطيع أن نجلس على مقاعد مدرسة الفِطنة بوجه أفضل وأوفر؟

 

ـ كيف نعيش أخلاقيّة الفِطنة التي تشكّل أساس أخلاقيّة التمييز؟

 

 

 

خلاصة

إنّي أدعوكم، والحال هذه، إلى إيجاد أمثلة في الفِطنة بالكتاب المقدّس، وكذلك أمثلة في الحكمة والتمييز.

ولمساعدتكم، إني أقترح عليكم دراسة شخصيّة بطرس كما رسمها الفصلان العاشر والحادي عشر من كتاب أعمال الرسل.

 

 فالقدّيس بطرس، قبل أن يعمّد الوثنيّ كورنيليوس، كان في حالة صراع لاتّخاذ خيار صعب، إذ كان عليه أن يدخل بيت وثنيّ، وذلك ما كانت تمنعه الشريعة، وبالتالي كان عليه أن يتوقّع محاكمة من الذين ليسوا من أترابه.

 

 فالفصلان العاشر والحادي عشر يصفان بوجهٍ صريح المراحل المختلفة التي تقود بطرس إلى حُكمٍ فَطِنٍ وشُجاع لما عليه أن يقوم به، وهو تجرّأ على أن يترك مسكنه وأن يتبع الجنديّ، وأن يجتاز عتبة بيت وثنيّ، وأن يعلن البشرى وأن يمنح سرّ المعموديّة.

 

فهو مارس فضيلة الفِطنة والتمييز، وأصغى إلى الرّوح القدس الذي كلّمه في رؤيا، وراقب تطابق بعض الأحداث البشريّة وتذكّر بعض المراحل من حياة يسوع.

 

ونحن أيضًا نقدر على أن نحيا فضيلة الفِطنة هذه، على خطى القدّيس بطرس.

                                            

                            الكاردينال كارلو ماريا مرتيني اليسوعيّ

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية