في أصول تربية المرأة

 

 

 

في أصول تربية المرأة

 

 

في أصول تربية المرأة

 

1- مفهوم التربية 

إنّ التربية عبارة عن معرفة موسوعيّة كاملة تتصف بأكبر قدر ممكن من الشموليّة وتقوم على الفرضيّة التي تشبِّه النفس باللّوح المصقول الذي يمتلئ حتى الإشباع ممّا يحفر فيه من انطباعات بفعل العقل والمنطق والذاكرة. إنّ نظامًا تطوَر وفقا لمثل هذه المبادئ سبَب لنفسه بنفسه من خال نواقصه البينة، نقدًا تصاعديًا وأخيرًا عاصفة ضدّه. وهو يشبه اليوم بيتًا متداعيًا لم يبقَ منه هنا أو هناك سوى مدماك أو إطار نافذة بينهما كومة أنقاض تبرز في وسطها أحيانا حجرة جديدة. جلّ مبتغانا هو أن يصير من الممكن إخلاء كلّ ما ذكرناه أعلاه وتنظيفه لتشييد بناء جديد وفقاً لتصميم واحد وعلى أساسات ثابتة. فمنذ سنوات ونحن نشهد صراعًا من أجل مفهوم جديد للتربية ليس في الحقيقة إلّا مفهومًا قديمّا لها.

 

ليست الثقافة تملكًا ظاهريا للمعرفة، بل هي الصيغة أو الشّكل الذي تتخذه الشخصيّة الإنسانيّة بتأثير من عوامل خارجيّة عديدة، والتطور التدريجيّ المحتمل لهذا الشكل. إنّ المادّة التي تتخذ لها شكلا ليست إلّا مجموع الاستعدادات والكفاءات الجسديّة - الروحيّة الفطريّة تُضاف إليها مواد بناء أخرى منها تلك التي تأتي من الخارج فتندمج بالجسد اندماجًا عضويًا. أمّا الجسد فيستخرجها من العالم المادّي. وأمّا الرّوح فمن وسطها الفكري، دنيا الأشخاص والأشياء التي منها تغتذي.

إنّ اتّخاذ الشكل، أو القولبة الأولى والأساسيّة، يحدث انطلاقـًا من الداخل، فكما الصّورة الباطنيّة الموجودة في بزرة الغرسة هي قوّة غير منظورة تكون سببًا لأن تنمو هنا شجرة أرز وهناك شجرة زان، كذلك توجد في الإنسان صورة باطنيّة تدفعه بقوّة إلى التطوّر في اتّجاه معيّن وعلى شكل محدّد يصبُ في شخصيّة ناضجة، مكتملة وفريدة.

تتداخل هذه القوى الأوليّة الفاعلة مع قوى أخرى يأتي بعضها من مصادر خارجيّة والبعض الآخر من الداخل. إنّ الطفل الصغير، بمجموع أهليته الجسديّة - الروحيّة مع ما يرافقها من توق باطنيّ، موجود في كليته بين يديّ المربّي. أمّا إذا كان الطفل سوف يبلغ ويحقق ما هو مقدّر له أن يبلغه، فهذا أمر منوط بمدى حصول جسده وروحه على مواد البناء الضروريّة لنموّه.

 

إنّ تدريب الاعضاء التي يحتاج إليها الجسد والرّوح ليتناولا ويستوعبا غذاءهما، لجزء أساسيّ من عمليّة التربية والتطور. فمن خصائص العناصر الروحيّة، اذا اكتفينا بها، أنّها لا تبلغ جهوزيّتها الكاملة إلّا من خلال تفعيلها، وبمقدار ما تتعامل مع مادّة مناسبة: مثل الحواس عبر التوفيق والتفريق والمقاربة بالألوان والاشكال والأنغام والأصوات إلخ... والإدراك عبر النشاطات المعرفيّة والفكريّة، والإرادة عبر انجازاتها ومنها الخيار والقرار والتضحية، والإحساس عبر الرّقة والحنان والتحرّكات التي تمليانهما. إنّ توزيع النشاطات الخارجيّة المناسبة يساهم في تهذيب القوى.

إنّ التأثيرات البيئيّة غير الاراديّة والفاعلة تندرج في عداد المداخلات الخارجيّة النظاميّة. وإنّ ما يتمكَن من الولوج إلى داخل الرّوح من العالم الخارجيّ ولا يقتبل فقط الحواس والعقل إنّما يلتحم بالرُّوح ويمتزج بها. لكن هذه المادّة لا تعود، بفعل انخراطها الحيّ في الرُّوح مادة بحتة بل تفعل فيها وتتفاعل معها مساهمة في قولبة الرّوح، ومساعدة ايّاها على اتّخاذ صورتها المقررة.

إنّ القوى الفاعلة في إطار البيئة الروحيّة كأيادي المربِين الناحتة المقولبة لا تصطدم فقط بما يحدّدها ويقيّدها من جرّاء التشكّل الداخليّ الأوّليّ، بل تواجه أيضًا طاقة تكوينيّة باطنيّة أخرى. فإذا كان الطفل كائنًا يعهد به إلى المربّين، يبقى الإنسان الرَّاشد العاقل المدرك لحريته مسؤولاً هو نفسه عن نفسه، بفضل إرادته الحرّة، ويستطيع أن يعمل على تربية ذاته ويُعنى بتأهيلها، منفتحًا على التأثيرات البنّاءة أو مقفلاً بابه في وجهها. وكما أنّه يظلّ رهن القوى البنّاءة الخارجيّة، هكذا فإنّه يبقى ملزمًا بالقدرات التي أعطيت له ومنها الطاقة الفعّالة الأولى. فما من أحد يستطيع أن يصنع من نفسه ما لم يكن قد سبق وفطر عليه.

فما من قوّة فاعلة مقولبة لا ترتبط بحدود الطبيعة إلّا واحدة، وهي قادرة على أن تبدّل من الداخل حتى الصورة الداخليّة: إنّها قوّة النعمة.

إنّ التربية أمر معقَد، ولغز لا يبدو أنّه خاضع للارادة بالقدر الذي تمناه وحلم به عصر الأنّوار. ولأنّ هذا الأخير فاته أن يحسب لعوامل التربيّة الجوهريّة حسابًا، كان لا بدّ لنظامه التربويّ من الغرق والانهيار.

 

2- طبيعة المرأة ودعوتها 

 على كلِّ عملٍ تربويّ ينطلق من الخارج أن يأخذ الطبيعة بعين الاعتبار. لذا كان شعار المُصلحين في القطاع المدرسيّ: فلنتبنّ كلّ ما يأتي من الأولاد أنفسهم. ولأنَّ الطبيعة فرديّة، فلتكن التربية فرديّة ولتتفتّق المواهب والطاقات من خلال النشاط العمليّ: مدرسة عمليّة وعفويّة. إن شئنا أن نضع أسسًا لنظام تربية المرأة فيأتي سليمًا ومتينًا، وجب علينا طرح الأسئلة التالية:

1- ما هي طبيعة المرأة وما هو الهدف التربوي الذي نستشفه من خلال هذه الطبيعة؟ ما هي الطاقات الباطنية البناءة التي تستوجب انتباهنا؟

2- كيف يمكن للعمل التربويّ الخارجيّ أن يدفع بالعمليّة الباطنية إلى الأمام ويساعدها على الاكتمال؟

 

في إطار معالجة السؤال الاوّل بودّي أن أحصر اهتمامي بطبيعة المرأة كإمرأة. إنّ الفروقات الفرديّة التي قد تلامس أحيانا أطراف النموذج الذكريّ وتتخطّاها الى ما هو أبعد منها، أمر لا يكمن انكاره. لدى كلّ امرأة مخزون طاقات وهبات يرشدِها لدعوة خاصَة، بغض النظر، عن أنوثتها. وإنّ الأخذ بهذه الفرديّة تحدٍ يواجه أي عمل تربويّ. أمّا نحن، فسوف يتركز بحثنا على الأسس المميّزة الخاصّة بتربية المرأة، محاولين استخراجها والتشديد عليها.

إنّ طبيعة المرأة قائمة على قدرها الأصليّ: أن تكون زوجة وأمًّا. فالواحدة على صلة وثيقة بالأخرى. إنّ جسد المرأة مكوّن بحيث هو قابل لأن يصبح واحدًا مع جسد آخر ويغذي فيه ومنه حياة إنسانيّة جديدة. ما يطابقه من ناحية أخرى، أنَّ روح المرأة مهيئة لأن تخضع لرئيس في طاعة واستعداد للخدمة، وأن تكون في الوقت عينه دعامة ثابتة له، كما يكون الجسد المروَض للنفس التي تروحنه، لا أداة طيّعة فحسب، بل أيضًا مصدر قوّة يمنحها مكانة ثابتة في العالم الخارجيّ. والمرأة كذلك قابلة لأن تكون لنفوس كثيرة الملجأ والموطن حيث ترتاح. إنّ كلاّ من المرافقة والأمومة الروحيتين لا تقفان عند حدود الزواج والأمومة بحسب الطبيعة، بل تشملان كلّ انسان يقف يومًا على خط أفق المرأة الخاص بها.

 

على روح المرأة أن تكون واسعة متّسعة لكلّ ما هو إنسانيّ منفتحة عليه؛ ولها أن تكون ساكنة وهادئة بحيث لا تخشى الشّعلة الخافتة أن تطفئها العواصف الهوجاء؛ كما لها أن تكون دافئة فلا يجمد الصقيع، البذور الرخصة النضرة؛ وأن تكون صافية حتى لا يعود فيها من زوايا مظلمة تتمكّن الطفيليات من التعشيش فيها؛ وأن تكون في ذاتها واحدة موحدة فلا يفلح أي ضغط خارجيّ في تعريض حياتها الباطنيّة للخطر؛ وأن تكون فارغة من ذاتها لكي يكون لحياة الآخر مكان لها فيها؛ وأخيرًا، أن تكون سيّدة على ذاتها وعلى جسدها أيضًا فتبقى الشخصيّة بأكملها على استعداد وجهوزيّة لتلبية كلّ نداء.

إنّ كلّ ما ذكرنا هو صورة مثالية للمقومات الروحيّة لدى المرأة. من أجل هذا كوّنت روح المرأة الأولى، وهكذا ينبغي أن نتصوّر روح أمِّ الله. أمّا عند جميع النساء الأخريات، فقد بقيت بذرة لهذا الانفتاح دفينة، هي في أمسِّ الحاجة إلى رعاية خاصّة وعناية، إن لم تكن الأعشاب والأشواك قد فرغت، بعد من الفتك بها والقضاء عليها.

على روح المرأة أن تكون منفتحة، قريبة من كلّ ما هو إنسانيّ، تتَسع لاستيعابه فلا يعود غريبًا عنها. ولمن المؤكّد أنّ روح المرأة مؤهّلة بالفطرة لذلك، فاهتمامها الرَّئيسيّ ينصب عمومًا على العلاقات الإنسانيّة وكلّ ما يمتّ إلى الإنسان بصلة. هاكم ما يحدث عندما تستسلم روح المرأة إلى ميلها الطبيعي بطريقة قلّما تأتي مناسبة للهدف. فالاهتمام هنا يكون، محض فضول وإرادة في معرفة الناس وعلاقتهم، ويكون أحيانًا مجرّد رغبة في خرق مجالات جديدة.  فعندما يكون هذا الميل وحده المتّبع، لا يعود في الأمر، للرّوح نفسها ولا للآخرين، من منفعة فهي تخرج من ذاتها الى حدٍّ ما، وتبقى واقفة أمام الوقائع، متفرِّجة على مسافة، قتضيّع نفسها من دون أن تأتي الآخرين بشيء. وليس لروح المرأة من ربح إلّا بمقدار ما تخرج من ذاتها للبحث والتفتيش فتعود إلى ذاتها محمّلة: أمّا التفتيش فعن الكنز الخفيّ، ذاك الكامن في كلِّ روح إنسانيّة،  والذي لا يغنيها وحدها فحسب بل يغني أيضًا كلّ روح تنفتح عليه. إنّ من يفتش هو من يقف أمام الرُّوح الإنسانيّة في رهبة مقدّسة مُدركًا أنّ أرواح النّاس ملكوت الله، وأنّه لا يحقّ الاقتراب منها إلّا لمن أرسل إليها. وأمّا المرسل فإنّه سوف يجد ما يبحث عنه. وأمّا المرسل إليه، فإنّ أحدهم سوف يجده لا محالة فيحظى بالحِمى والأمان. عندها لا تبقى الرُّوح واقفة في الخارج بل تحمل الغنيمة الى ديارها حيث يتسّع مداها الداخليّ اتّساعا يمكّنها من استيعاب ما تحمل.

 

سوف تكون روح المرأة ساكنة لأنّ الحياة التي ترعاها خجولة، لا تتكلّم إلّا بصوت خافت. فإن هي ضجّت، فلن تعود قادرة على السَّماع ولا يمضي بعدها وقت طويل إلّا وتكون الحياة قد صمتت وتوارت. أمّا حول إذا ما كانت روح المرأة مهّيأة فعلا لذلك، فهذا أمر يبدو للوهلة الأولى أنّ عكسه هو الصّحيح، لأنّ روح المرأة غالبًا ما تكون في حركة، والحركة تحدث ضجة وتدعو إلى الافصاح والاعلان والحديث عن ذاتها. وإلّا من أين كان لنا أن نفهم كيف أن بعض النساء يتوصّلن إلى ذلك عندما يهرب إليهم المرء ليجد راحة وأذنا تُصغي حتى إلى ألطف الأصوات وأضعفها.

 

وذلك لا يتمّ إلّا بتحقيق الشّروط الأخرى أي أن تفرغ الرّوح من ذاتها وتغدو واحدة موحّدة في ذاتها. واذا تقدّمت الذات الشّديدة الصّخب، وتوغلت في داخلها يصير بالتأكيد اتّساع وسكون افساحًا في المجال لكي يجد شيء آخر لنفسه مكانا فيها فيصبح مسموعًا. لكن مثل هذا الأمر ليس فطريًّا لا عند الرَّجل ولا عند المرأة. يقول نصّ صلاة ألمانية قديمة: "أيّها الرَّب إلهي، خذني من ذاتي واجعلني كلّي ملكًا لك". فنحن لسنا قادرين على ذلك بل الله وحده هو القدير. لكن أن تتوجَّه إليه في الأمر، أسهل على المرأة، منه على الرَّجل، لأنّ في المرأة رغبة كامنة في أن تهب ذاتها كلّها لمن تصبح خاصّته. وبإدراكها أنّ لا أحد غير الله قادر على أن يأخذه كلّه لذاته، وإنّها بتكريس الذات لسواه تسلبه ما هو أصلا حقّ له - في هذا خطيئة- لا يعود تقديم الذات صعبًا اذ تكون قد تحرّرت هي ذاتها من ذاتها. ومن البديهيّ عندئذ أن تختلي الرّوح في قصرها. فإن هي خرجت من ذاتها فلأنها مرسلة، كونها خادمة سيّدها، وعلى أهبة دائمة لخدمة من يطلب منها السيّد أن تخدمه، ومنهم بالدرجة الأولى رأسها المنظور لا سيّما الزوج أو أيّة صلة شرعيّة أخرى.

 

حارة هي روح المرأة بطبيعتها، لكن حرارتها الطبيعية ليست ثابتة، فهي تستهلك أو تتعطل حيث تكون الحاجة إليها ماسّة. وتكفيها شرارة متطايرة لتصير نارًا آكلة تدمّر حيث يكون عليها أن تدفئ باعتدال. ومرّة أخرى، لا يأتي العلاج إلّا بحلول النّار السماويّة محلّ النار الأرضيّة. فعندما تلتهم النّار السماويّة، أي الحبّ الإلهيّ كلّ مادّة غير نقية، عندها فقط تستعر في الرّوح شعلة هادئة لا تدفئ بل تضيء فيصبح كلّ شيء نورًا ونقاءً وصفاء.

هكذا فإنّ كلّ شيء يشير إلى أنّ المرأة لا تستطيع أن تصير ما هي من أجله معدّة منذ البدء إلّا بولوجها القولبة من الداخل بفعل النعمة. لذا وجب أن يكمن جوهر تربية المرأة في تثقيفها الدّينيّ.

 

3- العمل التربويّ الخارجيّ

لقد رأينا أنّ مساعدة القوى الداخليّة المقولبة من الخارج يفترضه كلّ عمل تربويّ، لا سيّما في دعم الأعضاء الجسديّة والعناصر الذهنيّة، وإتاحة الفرصة أمامها صقل المعطيات المتوفرة وتقديم المادّة التربويّة المناسبة في الشكل المناسب لها. هذا ما يقدر العمل التربويّ الخارجيّ على أن يحققه. أمّا في إطار نظريّة متكاملة لتربية المرأة، فإنّنا نضيف إلى ما سبق ذكره معالجة الجسد. أمَّا الآن، أكتفي بالكلام على تثقيف المرأة الروحيّ، وأحصر اهتمامي في التعمّق فيه. حتى تستطيع الرُّوح أن تنمو، تحتاج إلى أن تقتبل في ذاتها شيئا ما. إنّ ما تقتبله الرّوح باطنيّ، وهو ما ينساب في كيانها. أمّا ما لا يقتبله سوى الحواس والعقل فيبقى امتلاكًا خارجيًا ليس إلّا. لقد أطلقنا اسم " الخيور" على تلك المواد التي تتمتّع في ذاتها بما يقدّرها على الانسياب إلى داخل الرّوح فتصير طيّعة لها ورهنًا لارادتها، تتصرّف الرّوح بها كما تشاء. أنا ذلك الـ"ما" أو الشيء الذي يمكّن الرّوح من كلّ ما ذكر، فقد أسميناه "قيمة".

إنّ توقـًا طبيعيًا عارمًا إلى مثل تلك القيم الروحيّة المغذّية يسكن روح المرأة ويشير إليه حسّها الجمالي المرهف، وحماستها تجاه كلّ ما هو في الأخلاق نبيل وشريف، وسهولة إدراكها لأسمى القيم الأرضيّة الملتصقة بكيان الرّوح التصاقـًا حميمًا.

الأمر لا يتعلّق باقتبال المادة البانية للرّوح فقط، بل في أن تتم قولبتها بالطريقة الصّحيحة، على أن يوفّر لها الدّعم لأن تتخذ لها الشكل الصّحيح. وإنّ عملية القولبة هذه تستلزم حدود العقل الذي يشرعها وينظمّها ويرعاها. إنّ تشييد العالم الخارجيّ وتثبيت سلّم الخيور والقيم فيه يناسبان المكان الذي تخصّصه لهما الرّوح بعقلانية. وبما أنّ الرّوح ليست ممسوخة مشّوهة، بل حقا متخلّقة، كانت قادرة على المقابلة والتمييز والوزن والقياس فلا يعود من الجائز أن تمتلئ إثارة مشوّشة تنقلها إلى حالة من الحماسة تغرق فيها، بل لزم أن تكتسب إحساسًا رفيعًا وفطنة حادة.

أضف عقلا مرنًا مدرّبًا. حتى وإن قلّ نشاط المرأة العقليّ التجريدي ولم يشكّل الاقتبال العقلي البحت لديها تثقيفا حقيقيا بعد، يبقى العقل مفتاحًا لمملكة الرّوح، وعينا للرُّوح التي من خلالها ينفذ النور إلى ظلمتها فيضيئها.

وفي خطاب ألقته في مدينة غراتس، قالت أودا شنايدر Oda Schneider  في سياق كلامها على رسالة المرأة، أنه يكفي المرأة أن تحبّ من غير أن تتابع وتسأل عن موضوع هذا الحبّ وغائيته، وفيهما يكمن خطر الضلال، تحديدًا، عبر فقدان الهدف والاتّجاه.في ذلك الخطاب تمّ الافصاح عن معنى القيادة الذكوريّة وعرضها، من غير أن يعني ذلك انقطاعًا للمرأة عن الحكم بذاتها أو الزامًا لها بالتبعية. من الممكن توظيف القدرات العقليّة المتوفرة حتى تكتسب المرأة صفاء وتزداد حدّة، علمًا أنّها مهما بلغت فيهما من درجات عالية يبقى اكتسابها غير كاف وقابلا أبدًا للمزيد. لكن لا يجوز بالتأكيد أن يتمّ تدريب العقل ويستغرق العمل في بنيانه على حساب تهذيب الإحساس والعاطفة؛ ممَّا قد يعني تحويل الوسيلة إلى غاية.

 

إنّ العقل ليس بنظريّ بحت، بل إنّه عمليّ، يواجه يوميًا واجبات مختلفة. وبما أن تدريب هذه القوى ذو أهميّة فائقة بالنسبة إلى الحياة اللاحقة، فقد كان التدريب يجري بالتمرّن على مهمّات حسّيّة والتمرس فيها، وليس عبر معالجة المعضلات النظريّة التي كانت لتتعارض أصلاً وطبيعة المرأة؛ لأنّ هذه الأخيرة مفطورة على الإلمام بالملموس الحسيّ أكثر منه بالذهنيّ المجرّد. ويتضمن هذا الأمر، تربية للارادة، تلك المطلوب منها في هذا الاطار أداء ثابت مستمرّ كالقرار والخيار والتخلّي والتضحية.. أمّا تهذيب العواطف والإحساس فللمهمّات الحسّية والتمرّس فيها دور لا يقلّ ضرورة وأهميّة عن دورها في مواكبة العقل.

 

لأن يطلب عادة في الحياة من غالبية النساء أن يُظهرن قدرات عمليّة، فإنه لن يصير الى تربية نساء عمليّات قادرات نشيطات حازمات مستعدّات للتضحية إلّا اذا أتيح لهّن، مجال للنشاط والمشاركة. ومن هنا تظهر بعض الخطوط العريضة المؤسِسة لبرنامج من أجل تربية المرأة وفقا لمقتضيات طبيعتها ودعوتها. وفي جميع الأحوال، يبقى أن النشاطات العمليّة الحسّية تفرض نفسها إلى جانب التمرين الذهنيّ التجريديّ.

 

لذلك نرى أنّ رسالة المدرسة المميّزة تكمن في أن تعرف وتفهم الفتيات العالم والناس ويتعلّمن أصول السّلوك والتعامل معهم. أمّا القول أنّ المعرفة ومعاملة المخلوقات لا تكون صحيحة إلّا اذا انبثقت من علاقة بالخالق صحيحة، فإنّه أمر واضح وملحّ.

نختصر القول أنّ الجزء الأهم في عمليّة التربية هو التربية الدينية. إنّ ألحّ الواجبات على الاطلاق وأشدها هو أن تفتح للطفل مدخلا إلى الله وتشقّ له طريقا للوصول إليه. أمّا أن تتمتع بثقافة دينية فهذا يعني أن يكون لك إيمان حيّ. والإيمان الحيّ قائم على معرفة الله ومحبّته وخدمته.

 

من يعرف الله- بالمعنى والنسبة اللذين تكون فيهما هذه المعرفة ممكنة عبر النّور الطبيعيّ والفائق الطبيعة- لا يعود يسعه إلّا أن يحبّه، ومن يحبّه لا يستطيع إلّا أن يخدمه. فإن الإيمان الحيّ يغدو مسألة عقل وقلب معًا، فعل إرادة وعمل. ومن يفهم كيف يوقظ الإيمان، يدرّب بذلك جميع القوى. لكنّه من الممكن أيضا إيقاظ الإيمان من خلال تعبئة عامّة لجميع القوى عبر استنفارها وحشدها لا بالتّعليم العقلاني الجاف، بل بتوجيهات دينية تنبع من ملء الحياة الروحيّة الشخصيّة التي تقود إلى عمق الألوهة وتعرف كيف تصوّر الله في لطفه، وتضرم الحبّ وتدعو إلى اثباته في الفعل والعمل وهذا ما يحقّ لها لأنّ الإنسان نفسه هو الذي يقوم بها. وحيث تستعر الرّوح نراها تطالب هي نفسها بالأفعال وتتشبث نهمة بأشكال الحياة الإيمانيّة العمليّة كما قرّرها الله وحدّدتها الكنيسة المقدَّسة: مشاركة في الذبيحة الإلهيّة التي تكتمل فيها الحياة الإيمانيّة، كونها ذبيحة بالاتّحاد مع المخلّص في الافخارستيّا، والاحتفال بتسبيح الله، وجميع أعمال المحبّة التي تتمّ من خلالها خدمة المسيح وأعضاء جسده السِّرِّي. بهذا تنفتح الرُّوح على ملء العالم الرّوحي الفائق قدرة البشر فيدخل إليها دفق لا ينضب من المواد المثقفة تبنيها وتقولبها.

 

4- مقتضيات الحاضر ( طرائق مقترحة للمتابعة العملية)

بهذا آتي إلى المطالبة بموقع تربويّ، تكون فيه الحياة مع الله والناس، ويكون العمل من أجل الله والناس.  لقد استخلصت الفكرة من طبيعة المرأة ودعوتها.

ماذا ينتظر زمننا الحاضر من النساء؟

لقد رمى معظمهن في العوز والفاقة فصرن في حاجة الى كسب قوتهن بأنفسهن. وهو زمن يتوقع من هؤلاء اللواتي يضطلعن بجملة التدبير المنزلي أن يقمن به بأسلوب عقلاني فيؤول ذلك الى دعم الوضع الاقتصاديّ العامّ. كما يدعوهنّ هذا الزمن، زوجات وأمّهات إلى المساهمة في شفاء الشعب الأخلاقيّ. وإنّه ليتوقع منهنّ أن يمهّدن الطريق إلى السّماء؛ ممّا يعني أنّه يطالب بنساء يمتلكن معرفة في الحياة ولباقة وكفاءة عمليّة ويتحلّين بصمود أخلاقي، لأنَّ حياتهن قائمة على الله ولا يزعزعها شيء.

 

في مدارس الفتيات تشكّل الثقافة العامّة التي تتطلبها طبيعة المرأة ودعوتها نواة التعليم: ثقافة دينية أساسيّة، مناسبة في النسبة والشّكل لكلّ عمر ومرحلة. يضاف الى ذلك مدخل الى الاقتصاد والتدبير المنزليّ وأصول العناية بالطفل وإلمام بكلّ ما يتعلّق بالشباب والأعمال السياسيّة الاجتماعيّة، ويتمّ ذلك ليس فقط من باب النظريّات البحتة، لكن بأسلوب يجمع بين المبادئ والأعمال التطبيقيّة لا من خلال نشاطات مخبريّة، بل عبر حلّ لمسائل واقعيّة. فتبرز هنا الخصوصيّة من خلال الميول والمواهب الفرديّة ممّا يمهّد الانتقال الى المدرسة المهنيّة.

 

إنّ الانتقال من مركز التعليم العامّ الى مدرسة مهنيّة هو الأمر المطلوب والمرغوب فيه. وإنّ التحضير للعمل خلال فترة زمنيّة غير محدّدة هو حاجة اقتصاديّة، فهو يخدم تكوين الشخصيّة ويندرج في صميم مصالحها. أضف الى ذلك أنّ الحديث يدور هنا حول حاجة اجتماعيّة ملحّة. تشكّل المهنة المكان الذي يلتحق فيه الفرد بالجماعة وينخرط فيها. إنّ رسالة المرأة هي في قدرتها على صهر دعوتها العامة كإمرأة، مع مهنتها الشخصيّة بحيث تطبع تلك المهنة ببصمة أنثويّة مميّزة.

 

على جميع التدابير الإصلاحيّة كالتي تتعلّق مثلا بمبدأ التدريب المهنيّ أو التعليم العامّ أو الجماعة المدرسيّة، أن توضع على المحك فتخوض مرحلة تجريبيّة تمتحن خلالها على نطاق ضيّق من قبل إصلاحيِّين متحمِّسين للمشروع يطبّقونه في مدارس نموذجيّة خاصَّة أو رسميّة ليصار من بعدها إلى قرار رسميّ عامّ بمتابعته أو التخلّي عنه.

 

ما يُرجى من إصلاح في تربية المرأة، يجد له بداية يتجمّع بعض النساء الكاثوليكيّات المصمّمات على المضيّ قدما، الثابتات في الإيمان، المسلّحات بثقافة تربويّة متينة، والمتمرّسات خاصّة بجميع أساليب العمل الحديثة، فيشرعن في إعادة تعمير تلك المدرسة بدءًا بالأسس حتى أعلى البناء. أضف إليهنّ، بالطبع، مجموعة من ذوي التلامذة، ممَّن لديهم ما يكفي من الشّجاعة والثقة ليجرأوا على تسليم أولادهم الى تلك المدرسة، ومجموعة من المحسنين المموّلين. أمّا الأوساط والسلطات الرسميّة، فإنّي أتمنّى عليها، مؤقتا، وفي مرحلة أوليّة، أن تؤمّن فقط للمعلّمين فسحة، فتتيح لمن يشاء من بينهم أن يعمل وفق ما يتناسب ومفهوم التدريب الجديد، تفكيك مواد البناء القديم وحرِّية التحرّك.

 

لقد عمدت، في سياق هذا العرض المفصّل، على طرح مسألة تربية المرأة كنقطة مركزية، ممعنة في التشديد على أن النساء، مثل الرّجال، هنّ كيان فرديّ. وأنّه من الواجب أن تؤخذ فرديتهنّ بعين الاعتبار في العمليّة التربويّة.

وربما يكون من المجدي أيضًا والضروريّ، لتفادي أي سوء للفهم، أن نردّد أن المرأة والرَّجل، بطبيعتهما البشريّة، لهما غاية تربويّة مشتركة وهي أن يكونا كاملين كما أنّ أباهما الذي في السّماوات كامل هو.

إنّ تجسيد الهدف أمام أعيننا في شكله المرئيّ، تمّ واكتمل في شخص يسوع المسيح. أمّا غايتنا فهي أن نكون صورة عنه وله. ولنا في هذا كلّ طريق وغاية. إنّ المسيح نفسه هو من يقولبنا لهذه الغاية من خلاله وبه، فننمو معه على أنّنا أعضاء وعلى أنّه الرَّأس.

 

لكن المادّة الأوليّة كانت في البدء مختلفة. لقد خلق الله الانسان ذكرًا وأنثى، وخصّ كلاّ منهما برسالة مميّزة في جسم الإنسانيّة. وبالسّقوط في الخطيئة فسدت الطبيعة الذكريّة والطبيعة الأنثويّة، لكنّهما تتخلّصان من وسخهما في مسبك النحّات والمربّي الإلهي.

أمّا من يستسلم إلى هذه القولبة من غير قيد أو شرط، فهو لن يشهد قيام الطبيعة فيه في نقائها الأولي فحسب، بل إنّه سوف ينمو إلى ما هو أبعد من طبيعته ليصير مسيحًا آخر، مسيحًا ثانيًا تسقط فيه كلّ الحدود فتصبح جميع القيم الإيجابيّة في الطبيعتين الذكريّة والأنثويّة متّحدة. لكن أي عمل تربويّ إنسانيّ وجب أن يُبنى انطلاقـًا من الأساس الطبيعيّ.

 

 

 

اديت شتاين 

(القديسة تريزا بنديكتا للصليب)

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية