كلّ واحد منّا توما

 

 

كلّ واحد منّا توما

 

كلّ واحد منّا توما

 

كلّ واحد منّا توما والإبن الشاطر. فقد علَّمنا يسوع، قبل غيابه، أنَّ كلَّ إنسان في الأرض هو صورة له وابن لله الآب. وكلّ ما إلتبس وجهه علينا، ذكَّرتنا به الوجوه التي من حولنا. ومع نفحة العماد، وفرح اللّقيا والوحدة به في الأسرار، لا نزال أحيانًا كثيرة نعيش بالضّياع واليأس، تمامًا مثل توما: فقد نقلت إليه المريماتُ بأنَّ الربَّ ترك القبرَ وقام، وعاد تلميذا عمّاوس - والشّمسُ عند المغيب - ليخبراه بأنّهما عاينا الربَّ، وبقي توما في وجعه وإحباطه يقول: "إن لم أضعْ يدي في جروحه، فلن أُصدِّق".

 

نحن أيضًا نلقى كلّ يوم على طريقنا من يبشِّرنا بوجود الربّ وبحقيقة قيامته، ولكنّنا لا نريد أن نصدِّق بأنَّ الربَّ يتجسَّد بالمقهور واليتيم والمنبوذ والجائع إلى لُقمة العيش والكرامة، لأنّنا آلفنا على أنَّ الحياة في جماعتنا، لا تطيب إلاّ بصحبة العظماء والأغنياء. فلهؤلاء المقامات الأولى في الكنائس، وبهم يهتمّ رعاةُ القطيع، ويفتخر بهم في الإحتفالات من يرتادون دور العبادة. تمامًا كما كان يحلم توما ورفاقه بأن يروا المسيح ملكًا جبّارًا يُعيد إلى الأُمّة إستقلالها، ويُنشئ منهم شعبًا يتحكَّم بالعالم، وكأنَّ حبُّ المسيح للفقير والمقهور - بنظرهم - هو فتاتٌ متساقط من فضلات عشايا "الجبابرة".

 

ثمَّ، حولنا، كلُّ شيء يدعونا للشكّ: فأهل الغشّ والإحتيال يعتبروننا جُبناء فاشلين إذا لم نَغْتَنِ من تعب البسطاء والسُذَّج. أقوياء السِّلاح يستذلُّوننا لأنّنا إذا لُطِمنا أَدَرْنا وجهنا الآخر؛ المتعالون والمدَّعون الكبر، يحتقرون مسلكَنا، لأنّه - برأيهم - تعبير عن ضعف شخصيَّة. واسترسالٌ في العبوديَّة. فنحن خاسرون هذه الدّنيا ودنيا الآخرة لأنَّ الربَّ القدير - على حدِّ قولهم - لن يكون إله صعاليك.

كأنَّهم كلَّهم ما عرفوا أنَّ مَن مات على الصّليب قد جعلَ مِن خشبة الذلّ شعارَ إنتصار على الضّعف ورمزًا لقوَّة لا تُقهَر، وعلامة مجدٍ لكلِّ مَن رذلهم حكّام الدّنيا والمغرورون بأمجادها. لن يتسنَّى لهؤلاء أن يضعوا إصبَعَهم في جروحات مَن صلبوا، ولا أن يعرفوا ما معنى "طوبى لمَن لم يروني وآمنوا".

 

من ذكريات آبائنا نحتفظ ببعض ما كتبوه لنا:

"كفاكم ما أمضيتم من الزمان في الأخذ بإرادة الأُمم، وأنتم واغلون في عُهر وشهوات، وسُكر، وقُصُوف... فهم، في هذا يجدون أنَّ من الغرابة ألاّ تجاروهم في غَمْرِ طيشهم ذاك، وعليكم يُجدِّفون. فإنَّهم سيؤدُّون حسابًا إلى الذي هو عتيد أن يدين الأحياء والأموات... قبل كلِّ شيء، أحبُّوا بعضكم بعضًا، حبًّا مستمرًّا. أضيفوا بعضكم بعضًا، كلُّ واحدٍ وفق ما نال من هبة... بمقدار ما تشترِكون بآلام المسيح إفرحوا. وإن عيَّروكم باسمه، فطوبى لكم... لا يكونَّن فيكم مَن يتألَّم لأنّه قاتلٌ أو سارق أو فاعل سوء أو مراقب لشؤون الغير؛ أمّا إذا كان فيكم مَن يتألَّم لأنّه مسيحيّ، فلا يخجل... إن كان البارّ، بعد جُهدٍ يخلُص، فما حال الكافر؟... فاصحوا واسهروا لأنَّ خصمكم إبليس، كأسدٍ زائرٍ يرودُ طالبًا مَن يبتلع. فقاوموه راسخين في الإيمان"...

متى تعود إلينا يا ربُّ، فنصحو من تيهنا ونركع على قدميك صارخين: "ربّي وإلهي؟".

 

الأب أمبروسيوس الحاج

    

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية