كيف تُولَد ولادة جديدة

 

 

 

 

 

كيف تُولَد ولادة جديدة

 

"كيف يمكن الإنسان أن يولد وهو شيخ كبير" (يو 3/ 4)

 

أوّلاً، صَدِّق أحلامك

هل أنت راضٍ عن نفسك؟ هذا الكيان الذي حقَّقتَه حتّى الآن، والموجود أمامك، هل أنت سعيد به، أم أنّك تحلم بكيان آخر؟

 

 عليك أن تسأل نفسك: هل أنا هو "الأنا"؟، أم يُوجَد من خلفي كيان آخر ينتظر أن يظهر؟

 

هذا هو السؤال الذي يجب على كلّ فرد أن يطرحه على نفسه، متسائلاً عن حقيقة كيانه:

 

 مَن أنا؟ وما هي أبعاد شخصي الحقيقيّة؟ أو، بأسلوبٍ آخر: مَن هذا الشخص الذي أحلم أن أكونه وأن أحقّقه يومًا ما؟.

 

فإذا لم يكن لديك طموح وأحلام بأن تكون في صورة أفضل، وهذه كارثة، فهناك فرق في اللغة بين الطمع والطموح، فالطمع مرفوض والطموح مطلوب. الطمع نقيصة والطموح حسنة وميزة، لأنّ الطموح هو النزعة إلى أبعد وأعلى وأسمى وأكبر وأفضل. هذا هو الطموح، وبدونه لا يكون الإنسان إنسانًا.

 

 فالفرد بدون هذه النزعة إلى التفوّق المستمرّ ينقصه الكثير، لأنّ ما يميّز الإنسان عن الحيوان هو هذه الصفة، فالمجتمعات الحيوانيّة هي مجتمعات ثابتة مستقرّة، تتكاثر وتتوارث أجيالاً وأجيالاً عَبرَ ملايين السنين من دون أيّ تغيير لعدم وجود صفة الطموح عندها.

 

 لنتأمّل البقرة وهي ترعى في الحقل، فماذا تفعل؟ هي تأكل وعيونها نصف مفتوحة، تفعل اليوم ما فعلته أسلافها بالأمس، وما ستفعله ذرّيّتها بالغد. ليس عندها رغبة في التغيير، فهي تأكل وتشرب وتنام وكفى. هكذا كان مجتمع البقر منذ ملايين السنين، وهكذا سيكون بالمستقبل.

 

 ولنتأمّل أيضًا في مجتمع النمل وهو مجتمع متطوّر نسبيًّا، لكنّ سلوكه لم يتغيّر منذ ظهوره على الأرض، وسيظلّ كذلك، كما كان وكما سيكون من جيل إلى جيل. هذه هي المجتمعات الحيوانيّة.

 

 أمّا الإنسان فهو يختلف تمامًا عمَّا سواه، في داخله شرارة معيّنة جعلته منذ ظهوره على الأرض وحتّى الآن يخطو خطوات سريعة إلى الأمام. فهو المخلوق الوحيد القادر على التقدّم والتطوّر والنموّ.

 

حتّى أحقّق إنسانيّتي، يجب أن أزرع في قلبي وذاتي بذرة الطموح ونزعة التفوّق، فهناك كثيرون قانعون وراضون بحياتهم. ربّما نقول إنّ هذا حسن، لكنّي أرى أنّه حسن وسيِّئ في الوقت نفسه.

 جميلٌ أن تكون راضيًا عن نفسك، لكن، في الوقت نفسه، لا يجوز أن تفتقد الرغبة في أن تكون في حالة أفضل، لا من الناحية المادّيّة فقط، بل على جميع الأصعدة.

 

فهناك مَن يردِّد دائمًا عبارة "الحمد لله.. كلّه تمام". حين تسأله عن حياته وعن عمله، هل هو سعيد، فيقول: الحمد لله، كلّه تمام، أكسب قليلاً، وأعيش في حياة منتظمة. فحلمه النهائيّ أن يظلّ موظّفًا في أجهزة الحكومة، مستمتعًا بالتأمينات والمعاشات والترقيات والعلاوات الدوريّة إلخ، وهذا ما يعطيه شعورًا بالأمان والإطمئنان. أنا أخاف على مثل هذا الشخص، أخاف على مَن يبحث عن الأمان والضمان.

لا أهاجم الموظّف الذي يعمل في دواوين الحكومة، لكنّي أقول له: حتّى في وضعك هذا، حاول أن تضيف إلى ذاتك أبعادًا أخرى وتطلّعات أخرى وأحلامًا جديدة. وكن على يقين أنّ هناك الكثير من الطرق التي لم تسلكها بعد، وهي مفتوحة أمامك، فلماذا لا تطرقها؟.

 

إحلم، فالحلم ليس خطيئة، والإنسان هو ابن أحلامه، وإنسان الغد هو ابن أحلام اليوم. صَدِّق أحلامك، فأحلامك ليست خيال، بل حقيقة، والمرء الذي لا يحلم يكون قلبه صغيرًا وأفقه ضيّقًا.

 

 إحلم، فالأحلام هي تطلّعاتك إلى الغد، سواء أكانت أحلام اليقظة أم أحلام النوم. إنّها تفتح الآفاق للمستقبل، لأنّها، كما نعرف في ضوء التحليل النفسيّ، تُعبِّر عن كلّ ما هو في داخل الذات ولم يظهر بعد، لكنّه في انتظار فرصة للظهور.

 الأحلام تدلّ على رغبات دفينة تصبو إلى التحقيق والإنجاز، هي صرخات من داخل الذات تناجي الفرد بأن يتنبّه إليها، هي نداء من داخل ذاته العميقة.

لكن هناك مَن يكتم أحلامه، يكتم تلك التطلّعات قائلاً: دعنا نكون واقعيِّين، وهو يعني بهذا القول: دعنا نظلّ على حالنا، أيّ لنكن مثل المجتمعات الحيوانيّة التي تتكاثر وتتوالد على المنوال نفسه.

 

 ولكن واأسفاه، فهناك إنسان جديد ينتظر أن يولَد في داخلك، وكما أنّ الجنين يبدأ في الحركة بعد فترة معيّنة من الحَمْل، مُعبِّرًا بتلك الحركات عن رغبته في الخروج إلى الدّنيا، هكذا إنساننا الحقيقيّ الذي نحمله في داخلنا، فهو يعمل مثل هذه الحركات في صورة أحلام وتطلّعات، وغالبًا ما ننهره ونقول له: أصمت.

 

كثيرًا ما نستيقظ من النوم، أو نفوق من أحد أحلام اليقظة، ونقول: آه... لقد كان مجرّد حلم. ونقصد بذلك أنّه وهم، أو شيء غير حقيقيّ. لكنّي أؤكّد أنّه حقيقة، وقد يكون الواقع الذي نعيش فيه هو الوهم، فعلينا أن نعكس نظرتنا إلى الحقائق، لأنّ الحلم يشير إلى المستقبل، والواقع يشير إلى الماضي. والآن ما هي أحلامك؟

 

بإمكانك أن تأخذ ورقة وقلمًا وتدوِّن أحلامك. هناكَ مَن يقول: أنا لم أحلم منذ مدّة، فقد كنت أحلم وأنا مراهق، وكان عندي الكثير من الآمال والتطلّعات. فالمراهق يحلم ويفكّر ويتمنّى عمل أشياء كثيرة. هذه إحدى صفات زمن المراهقة، بل يمكن القول أنّ المراهق الذي لا يملك هذه التطلّعات هو إنسان غير طبيعيّ، فهو إن لم يحلم بأن يكون مثل طرزان أو جيمس بوند، أو يحلم بأن يكون مثل نابليون أو يوليوس قيصر أو أَينشتَين، أي لا يملك هذه الأمنيات، فهو ليس بشابّ طبيعيّ. وكم من فتاةٍ في سنّ المراهقة حلمت بأن تكون مثل فاتن حمامة أو مارلين مونرو، أو مثل مُذيعات التليفزيون، فإنّ هذه الفتاة، إن لم تفعل ذلك لن تكون طبيعيّة.

لكنّ المأساة تقع حين تلتفّ حول الشابّ مجموعة من الكبار الممتلئين بالحكمة، محاولين إسكاته وإجهاض جميع أحلامه وتطلّعاته قائلين: كن واقعيًّا ودعك من هذه الأفكار والخيالات، اسمع منّا، فنحن أكبر منك، وعندنا خبرة في الحياة تفوق خبرتك، فارجع مرّة أخرى إلى واقعك.

 كم وكم من أولياء الأمور قضوا على مستقبل أبنائهم نتيجةَ نظرتهم المحدودة إلى الإنسان، ولم يصدّقوا أحلام بنيهم، وهذا هو أكبر خطأ في التربية.

 

إنّ تطلّعات الشباب هي إذًا ضروريّة، لكنّي أضيف: لا في زمن المراهقة فقط، بل أطالبكم بأن تكونوا كالمُراهقين طوال حياتكم. بالطبع، لا أقصد التصرّفات والنوازع، بل الأحلام والتطلّعات، فيجب أن تحتفظ بهذه النزعة وهذه الرؤية التي للمراهق، لأنّ كيانك الذي ستظهر به غدًا هو نتيجة أحلام اليوم.

 

فإنّ روّاد التاريخ وعظماءه كانوا أشخاصًا يحلمون، فتمكّنوا من صُنْع التاريخ، وهذا ما جعلهم يأخذون بزمام الأحداث. ربّما تقول: أنا لا أريد أن أكون كهؤلاء فدعني على حالي. أقول لك: أنت مخطئ، ففي داخلك قدرات كبيرة، ويجب عليك أن تنمّيها، وهذه مسؤوليّتك.

 

 

ثانيًّا، حَطِّم أغلالك

 

كثيرًا ما نقرأ في الإنجيل عن بشر استولت عليهم أرواح شرّيرة، وقام المسيح بطرد هذه الأرواح (متّى 8/ 16 ومر 3/ 11 ومر 5/ 13 ولو 4/ 36 ولو 6/ 18). وأحيانًا ما نتصوَّر هذه الأرواح في صورة مخلوقات مخيفة، لها قرون وأجنحة مثل أجنحة الخفافيش، وأظافر طويلة، وذيلٌ معقوف، وأشباه ذلك. لكنّي أؤكّد أنّ هناك أرواحًا شرّيرة من نوع آخر تُكبّل الإنسان، ومن أشهر هذه الأرواح الخوف، فهو يشلّ الإنسان. وكلمة يشلّ هي أقرب وصف يصَوِّر المعنى الذي أقصده. فالإنسان المشلول داخليًّا هو مكبَّل ومقيَّد نتيجةً للخوف. فحين ينوي القيام بخطوة نراه يحسب النتائج مقدّمًا: ماذا سيقول عنه الآخرون؟ وحين يختار اتّجاهًا ليسلكه يسأل السؤال نفسه، وحين يبدأ مشروعًا يفكِّر أوّلاً في احتمالات الفشل، وحين ينوي السفر إلى مكان معيَّن يفكّر في عدم نجاح المهمّة التي سيقوم بها.

 

 

"إنطلق"...

 

 إتّخذ من هذه الكلمات شعارًا لحياتك بعد اليوم، وحين تنطلق، حاول أن تفكّ العقدة التي تملَّكت عليك منذ مدَّة.

 كلّ واحد منّا عنده عقدة تكبِّله، قد تكون بسبب رسوب في امتحان، أو إخفاق في حبّ، أو فشل في مشروع، أو فشل في صداقة، أو حادث معيَّن... كلّ واحد منّا اتَّخذ مقلبًا في حياته، وهذا أمر طبيعيّ.

 لكنّ هناك مَن تأثّر بهذا الحدث، ويعيش الآن في خوف من تكرار هذا الإخفاق. فهو يحافظ على الحدّ الذي وصل إليه ويقول: كفى. إبحثْ عن الحدث الذي أثّر في حياتك وأوقَفَ طريقك، وظلَّ يمنعك من الإنطلاق. إبحث عنه الآن وضع إصبعك عليه، لكي ينفتح أمامك الطريق لتحقيق ذاتك.

 

 حاول أن تفكّ تلك العقدة التي تكبّلك. وهذا هو معنى فحص الضمير، فهو لا يعني العودة إلى الماضي والنظر إليه بمرارة وإحباط. كلاَّ، فإنَّ فحص الضمير هو أن تكتشف ماذا يمنع تحقيق ذاتك حتّى تنطلق إلى الأمام.

 

هذا الأمر يتطلّب منك شجاعة كبيرة حتّى تفكّ أغلال الماضي وتنطلق نحو المستقبل. من المؤسف أن يكون معظم البشر أسرى لماضيهم، فهم مكبَّلون بقيود الماضي، ولا يمتلكون المقدرة على الإنطلاق إلى ما هو أبعد. هم مقيَّدون بأغلال المجتمع ورأي الآخرين فيهم، مقيَّدون بالتقاليد والعادات، وجميعها قيود خارجيّة تمنعهم من أن يتمكّنوا من الإنطلاق. وهم مقيَّدون بأغلال داخليّة، وهي أصعب وأخطر من الأغلال الخارجيّة، وأهمّ تلك القيود الداخليّة هو الخوف.

حين أدعوك إلى أن تُولَد ولادةً جديدةً وأن تتغيّر، قد تتعجّب وتقول: كيف يكون ذلك؟

 

 فأنا عندي عادات معيّنة لا أستطيع الإنفكاك منها. وكلمة عادات توحي بوجود قالبٍ ثابت. لكنّي أؤكّد لك أنّ العادات غير قابلة للتغيير، لا وجود لها في الإنسان، مع أنّ العديد من الناس يعتقدون أنّ الإنسان، بعد أن يصل إلى سنّ النضوج، يصعب عليه أن يتخلّى عن التربية التي تربّاها في طفولته.

 

هناك مَن يدّعي أنّه عصبيّ، ويعتقد أنّ الله خلقه هكذا، وسيبقى طوال عمره كذلك. وآخر يقول إنّه ميَّال إلى الغيرة، لأنّ الله خلقه هكذا، وثالث يقول: أنا كسول بطبعي، ولا أحبّ العمل، ورابع يدَّعي أنّه أنانيّ، ويتصوَّر أنَّه سيظلّ هكذا مدى حياته.

لا وجود لشيء يبقى مدى الحياة، ولا وجود لقالب معيّن يتشكَّل فيه الإنسان كتمثال الجبس الذي يحتفظ بشكله ثابتًا.

 

 الإنسان هو الكائن الوحيد القابل للتغيّر القادر عليه، ولا وجود لعُمْرٍ معيَّن تتوقّف عنده هذه المقدرة على التغيّر.

 

 فمن غير المنطقيّ أن نعتقد أنّ الإنسان بعد بلوغ سنّ العشرين أو الثلاثين أو حتّى الخمسين يكون قد وصل إلى مرحلة يصعب عليه أن يغيّر صفاته غير المرغوب فيها.

 

البشرى الكبرى التي أُوصلها إليك اليوم هي أنّ الإنسان قابل للتغيير. وأنا أقول ذلك عن تجربة، فمع أنّي في سنّ يناهز السبعين، أتغيَّر يوميًّا، وأشعر في كلّ يوم بأنّني أستطيع أن أخطو خطوات خارجَ إطار عاداتي. وهناك أشخاص يأتون ليطرحوا عليّ مشكلة معيَّنة أملاً في حلّها، كخلاف مع الزوج أو الزوجة أو الأبناء، أو حتّى مع الذات، وفي الإرشاد أقول لهم: هذه المشكلة لها حلّ، فلا وجود لخطأ يستحيل إصلاحه، وأوّل خطوة في التغيير هي الإقتناع بهذه الحقيقة، فمَن يؤمن في قلبه يرى كيف يتحقّق المستحيل.

 

أريد أن أتوقّف عند قصّة إبراهيم وسارة كما وردت في سفر التكوين (18/ 1 - 15). كان عمر إبراهيم 99 عامًا، وكانت زوجته سارة عاقرًا وعمرها 90 عامًا. فوعده الله بأنّه سيكون له نسل من زوجته سارة، وكرّر عهده له أكثر من مرّة. وفي أحد الأيّام، حضر الله عند باب خيمته في هيئة ثلاثة رجال، وبشّره بأنّه سيكون له ابن من سارة التي كانت مختبئة وراء باب الخيمة تستمع إلى الحوار، فضحكت لأنّ عمرها كان يناهز التسعين. فقال الله لها: لماذا ضحكتِ؟ فأنكرت سارة أنّها ضحكت. فقال لها: بل ضحكت، ومن هنا جاءت تسمية الابن إسحق وهي كلمة تعني الضحك. وكان ما وعد به الربّ، وحملت سارة وولدت إسحق، فما من شيء مستحيل عند الله.

لنا في هذه الحادثة عِبرة وعظة، فلا تقلْ إنّك كبير في السنّ، وأنّه من الصعب أن تتغيَّر. إنّك تستطيع، في أيّ سنّ، أن تتغيَّر لتُحقّق ذاتك.

 

هذه هي البشرى، فأنا "أبشّركم بفرحٍ عظيم".

 

يا أخي، هناك إنسان جديد في داخلك ينتظر أن يخرج إلى الوجود، وهذا الإنسان هو أنت.

 

 وكما حدث لإبراهيم وسارة، وكما حدث لإليصابات العاقر، وكما حدث لمعظم الأنبياء، فالبُشرى موجَّهة إليك اليوم.

 

 ثق بأنّك لست عاقرًا، أيًّا كان عمرك، وآمن بأنّ ذلك لا يمثّل عائقًا في سبيل تحقيق ذاتك، لأنّ الشيخوخة لا تتوقّف على سنٍّ معيَّن.

 

"إنّ الرّوح القدس سينزل عليكِ وقدرة العليّ تظلّلكِ" (لو 1/ 35).

وهذا الرّوح الذي حلَّ على العذراء ما زال يعمل، وهو قادر على أن يحلّ على كلّ واحد منّا، ويحقّق في قلوبنا المعجزة المنتظرة التي لم تظهر حتّى الآن، فهو الذي يُخرج الحياة من الموت، والصحّة من المرض، والنّور من الظلمة، والحكمة من الجهل، والوجود من العدم. علينا أن نؤمن بذلك، فأحيانًا ما يكفي أن تؤمن بشيء حتّى يتمّ.

كثيرًا ما نشكّ في أنفسنا وفي قدراتنا، نشكّ في مقدرتنا على التغيّر، فيحدث في حياتنا نوع من الجمود والركود واليأس والإحباط. عندئذ نردّد "لا  فائدة". هذه الجملة لا تعبّر عن إيمان قويّ، والأب روفائيل خزام اليسوعيّ وضع كتابًا أسماه ما فيش فايدة، خلاصته أنّ من يقول: "ما فيش فايدة" هو إنسان غير مؤمن.

عليك أن تلغي كلمة يأس من حياتك، لأنّ كلمات يأس أو إحباط أو كبت أو استياء هي كلمات غير مسيحيّة، ونسترجع في هذا الصدد قول مرتا للمسيح:

 

"يا ربّ لو كنت ههنا لما مات أخي. ولكنّي ما زلت أعلم أنّ كلّ ما تسأل الله، فالله يعطيك إيّاه" (يو 11/ 21، 22). كان من الممكن أن تستسلم لليأس والحزن بعد موت أخيها الوحيد. لكنّ الإيمان يبدأ حين تبطل الحلول البشريّة، ولي في هذا الموضوع كتاب عنوانه "إله المستحيل، من الأمل إلى الرّجاء"، فحين ينتهي الأمل يأتي الرّجاء. فالأوّل هو من البشر، لكنّ الثاني هو من عند الله.

لا وجود لشيء اسمه يأس في الحياة المسيحيّة.  طه حسين لو كان قد استسلم لليأس حين فقد بصره في سنّ السابعة، لما أثرى المكتبة العربيّة بمؤلّفاته، لكنّه تحدَّى إعاقته.

 

فحياتك تبدأ حين تتحدّى هذه الإعاقة التي لا يُشترط أن تكون بدنيّة. كلٌّ منّا مُعاق بمعنى أنّ به جوانب محطَّمة في حياته.

هذا هو الشباب. إنّ مسألة الشباب والشيخوخة لا تتعلّق بعمر الفرد، فما دام في القلب إيمان وانطلاق، يكون الشباب.

 

 

ثالثًا، لا تخف من المجهول

"بالإيمان لبَّى إبراهيم الدعوة فخرج إلى بلد قُدّر له أن يناله ميراثًا. خرج وهو لا يدري إلى أين يتوجّه" (عب 11/ 8).

عليك أن تغامر في المناطق التي لا تعرفها، لأنَّ المغامرة سوف تفتح أمامك آفاقًا جديدة.

فإنّ هذه الأبعاد تنكشف لك بقدر ما تلقي بنفسك في المجهول، حيث الهواء والشمس والرّياح والطيور... وشيئًا فشيئًا تخرج كلّ مكنونات ذاتك نتيجةً لهذا الإنطلاق. لذلك أقول لك: إنطلق ولا تخف، ولا تنتظر أن تضمن جميع الإحتمالات لكي تدخل في مشروع، علمًا بأنّ كلّ بداية تحتاج إلى قدر من المغامرة.

 

والمجهول عنصر أساسيّ من دعوة الله لك، فهذا هو الأسلوب الذي يتّبعه الله حين يريد أن يدعو البشر أفرادًا أو جماعة.

 

حين أراد أن يكون له شعب في العهد القديم ليبدأ مسيرة الخلاص، اختار شخصًا هو إبراهيم (تك 12/ 1 - 4)، وفي أوّل حوار معه قال له: "إنطلق من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك، إلى الأرض التي أريك" (تك 12/ 1).

 

لم يقل له سأعطيك تأشيرة دخول إلى هذا البلد أو ذاك، بل قال له: إذهب...، إلى أين يا ربّ؟... هذا ليس شأنك. فهذا هو أسلوب الله حين يدعو إنسانًا فلا يُعلمه إلى أين سيأخذه، لأنّ المجهول يشكّل عنصرًا أساسيًّا من الدعوة: "بالإيمان لبّى إبراهيم الدعوة فخرج إلى بلد قُدِّر له أن يناله ميراثًا، خرج وهو لا يدري إلى أين يتوجّه" (عب 11/ 8).

وهكذا أيضًا فعل الله مع معظم الأنبياء. فهذا شأنه في مسيرة موسى النبيّ الذي كان يعيش مستريحَ البال في مِديَن، مكتفيًا برعي أغنامه. قال: "فالآن، اذهب! أُرسلك إلى فرعون. أخرج شعبي بني إسرائيل من مصر" (خر 3/ 10)، ولم تُجِد أعذار موسى في رفض دعوة الله. وهذا الأسلوب نفسه استخدمه الله مع الشعب المختار الذي انتزعه من مصر ليلقي به في مجاهل الصّحراء ذهابًا وإيّابًا حتّى وصل به إلى أرض فلسطين.

حين أراد المسيح أن يختار اثنين من تلاميذه، خاطبهما في أوّل لقاء معهما قائلاً: إتبعاني، "فتركا الشباك من ذلك الحين وتبعاه. ثمّ مضى في طريقه فرأى أخوين آخرين هما يعقوب بن زبدى ويوحنّا أخوه، مع أبيهما زبدى في السّفينة يصلحان شباكهما، فدعاهما فتركا السّفينة وأباهما من ذلك الحين وتبعاه" (متّى 4/ 20 - 22).

إتبعني واترك كلّ شيء... إلى أين يا معلّم؟... لا تسألني، فهذا السؤال لا مجال له، تعالَ فقط واتبعني. وللشابّ الغنيّ قال: "إذا أردت أن تكون كاملاً، فاذهب وبع أموالك وأعطها للفقراء، فيكون لك كنز في السّماء، وتعال فاتبعني" (متّى 19/ 21)... "فدنا منه كاتب وقال له: يا معلّم، أتبعك حيث تمضي. فقال له يسوع: إنّ للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكارًا، وأمّا ابن الإنسان فليس له ما يضع عليه رأسه" (متّى 8/ 19 و 20).

إنّ الله يتّبع دائمًا هذا الأسلوب مع الإنسان حين يدعوه، فيأخذه إلى المجهول، ومن خلال ذلك يخلق منه إنسانًا جديدًا، فلا وجود لإنسان جديد أو لشعب جديد إلاّ من خلال انتزاعه من مكانه والقذف به إلى غياهب المجهول.

 بيد أنّ الإنسان يميل عادةً إلى التشبّه بالنبات الذي يضرب بجذوره في الأرض، لكنّ الله ينتزعه لأنّه يريد منه أن ينطلق ويكون حرًّا.

حين يسألني أحد الشباب قائلاً: أنا أريد أن أكون راهبًا معكم. أريد فقط أن أعرف ما هي جميع التفاصيل: إلى أين سأذهب، وكيف سيتمّ تكويني، وبعد كم سنة سأصير كاهنًا، ومَن سيكون رئيسي، وأين سأقيم. لمثل هذا الشابّ أقول: وداعًا، اذهب إلى أيّ عمل في مصلحة حكوميّة، فهناك تضمن كلّ شيء.

 

 لكن مَن يتبع المسيح في الدعوة الكهنوتيّة أو الرّهبانيّة فعليه أن يقبل تجديد الذات، وعليه أن يقبل المجهول كشرط أساسيّ، وأن يكون مستعدًّا للقيام بأيّ خدمة، سواء في القاهرة أو في اليابان أو في أواسط أفريقيا، أو حتّى في القطب الشماليّ.

 

لا تسأل ماذا ستعمل، فهذا هو شرط تحقيق حرّيّتك. إلقِ بنفسك كما فعل بطرس حين ألقى بنفسه في البُحَيْرة (متّى 14/ 29)، وأيضًا حين قال: "لكنّي بناء على قولك أرسل الشباك" (لو 5/ 5)، إنَّ دعوة المسيح هي دعوة إلى المجهول، ومن خلال ذلك ينشأ الفرح والسّعادة والإنطلاق، ومَن اختبر ذلك يعيش نشوى إنسانيّة وروحيّة لا مثيل لها.

أتذكّر حين كنت أقوم برحلات مع تلاميذي، كنت أقول لهم: سنذهب إلى أماكن مجهولة، وسنقوم بمغامرات. فمَن كان يخاف منهم، كنت أقول له: مع السلامة، يُستحسن ألاّ تأتي معنا. أمّا الآخرون الذين كانوا مولعين بهذه التحديّات، فكانوا فرحين لأنّهم اكتشفوا سعادة غير محدودة بعد أن عاشوا التجربة بأنفسهم.

هناك ربّات بيوت تعلّمن صناعة بعض المأكولات بطريقة معيّنة، ويحرصن على تكرارها بالمقادير وكيفيّة الصّنع نفسها طوال حياتهنّ من دون القيام بمغامرة تجربة طريقة أخرى. هؤلاء يفضّلن الوقوف في الجانب الأشدَّ أمنًا. لكن هناك غيرهنّ تقول إحداهنّ: لماذا لا أجرّب إضافة قدر من السكّر، أو أنقص بعض الماء، أو أترك الصينيّة لمدّة أطول في الفرن إلخ، ومثل هذه التجارب قد ينتج عنها مأكولات أشهى.

أخيرًا أقول: في داخلنا إمكانات كبيرة لم يظهر منها شيء، فإذا كنت رسّامًا أو مهندسًا أو... وقد حقّقت جزءًا بسيطًا من هذه الإمكانات، فلماذا يُدفن المتبقّي منها؟. حاول أن تُظهر جميع مكنونات ذاتك.

 

 

رابعًا، إيمانك يحرّرك

"ليكن لك بحسب ما أمنت" (متّى 8/ 13)

 

حين أعطى المسيح تلاميذه القدرة على غفران الخطايا، أعطاهم السلطان أيضًا على إخراج الشياطين، وأن يَحلّوا أغلال الناس، ويقولوا لهم: إنطلقوا. وأكبر خدمة يمكن الكاهن أن يقدّمها للمسترشد هي أن يساعده على فكّ أغلاله، بأن يقول له: لا تهتمّ، بل انطلق، وستستطيع... غير المعقول... بل الممكن. وكانت معجزات المسيح في هذا الإطار. فها هو إنسان مشلول منذ ثمان وثلاثين سنة يرقد بجوار البِرْكة، "فعلم يسوع أنّ له مدّة طويلة على هذه الحال. فقال له: أتريد أن تشفى؟" (يو 5/ 6)... هلمّ امشِ... أَمشي؟!... نعم... إيمانه خلَّصه. لأنّ قدرة الإيمان بعمل المعجزات هي قدرة خطيرة، وكلّ شيء ممكن لمَن يؤمن: "فكلّ شيء تطلبونه وأنتم تصلّون بإيمان تنالونه" (متّى 21/ 22).

"وسمع يوحنّا وهو في السجن بأعمال المسيح، فأرسل تلاميذه يسأله بلسانهم: أأنت الآتي، أم آخرَ ننتظر؟ فأجابه يسوع: إذهبوا فأخبروا يوحنّا بما تسمعون وترون: العميان يبصرون والعرج يمشون مشيًا سويًّا، والبرص يبرأون والصمّ يسمعون، والموتى يقومون والفقراء يُبَشّرون" (متّى 11/ 2 - 5). ماذا يعني هذا؟ هذا يعني وجود قدرة إنطلاقيّة دخلت إلى العالم بتجسّد المسيح، وهذه هي البشارة، فقد أتى المسيح ليعطي الإنسان هذه القدرة. وجميع المعجزات التي صنعها تدور في المعنى نفسه، قمْ وانطلق... قمْ واذهب... قمْ وامضِ.

 

 

عليك إذًا أن تؤمن بذاتك، فالإيمان بالذات والإيمان بالله هما وجهان لعملة واحدة، فأنت تؤمن بنفسك لأنّك تؤمن بالله.

 

ومن دواعي الأسف أنّ هناك مَن يفصل بين الله الذي يتخيّل أنّه فوق، والإنسان الذي يعيش على الأرض.

 

 أنت تؤمن بالله، لكنّك لا تثق بنفسك، إذًا أنت لا تعني ما تقول، فإن كنت غير واثق بنفسك، لن تكون مؤمنًا بالله.

 

الثقة بالله وبالذات، فنحن أمام فعل واحد، ولا توجد ثقة بالله من دون أن تشمل، في الوقت نفسه، الثقة بالنّفس، لأنّ الله يسكن في داخلي.

 

"الربّ معكم... والربّ مع جميعكم... ومع روحك أيضًا"، ما معنى هذه العبارات التي نردّدها في القدّاس؟ إنّها تعني أنّ الله داخل أرواحنا، وهو يصنع المعجزات فينا.

 

هدفي في الحياة هو أن أغيّر العالم لأنّي لست وحدي، بل الله حيٌّ فيّ، والله لا ينام، والرّوح القدس هو مثل العاصفة.

 

 أنا أؤمن بالله، لا بطريقة "نؤمن بإله واحد آب ضابط الكلّ"، التي نردّدها بدون وعي في معظم الأوقات، بل أؤمن بإله حيّ نابض في داخلي، هو ربّ الحياة وربّ القيامة، وهو الذي قال لي: مَن آمن بي وإن مات فسيحيا.

 

 المأساة أنّ إيماننا يمكن أن نصفه بأنّه إيمان تقليديّ عقائديّ، لكنّ المطلوب هو أن يكون لنا إيمان حيّ.

 

 في داخلك ينبوع الإله الحيّ، وحين نقول: "الربّ مع جميعكم... ومع روحك أيضًا..."، يجب أن نشعر بأنّ الربّ هو ربّ الحياة... ربّ الكون... فالذي فجَّر الينابيع في جوف الجبال هو يفجِّر حياته وروحه في قلب كلّ إنسان.

 

يا عزيزي القارئ، حياتك تبدأ اليوم، وكن على يقين بأنّ هناك أحداثًا خطيرة ستحدث الآن. أنا مؤمن بقوّة الرّوح، وعندي إيمان به.

وإذا لم يكن لي الإيمان بذلك الضابط الكلّ القدير القادر على كلّ شيء... ربّ القيامة، فأنا غير مؤمن وما زلت منكمشًا في لحافي الصغير متخوّفًا من أن أمدّ رجليّ.

وحين يثق الإنسان بنفسه، يجب ألاّ يعتبر أنّ هذه الثقة هي على حساب ثقته بالله. لا تناقض بين الإثنين. فثقتك بنفسك هي ثقة بمواهب الله التي أعطاك إيّاها.

 

 ومن المفروض أن يتحوَّل إيماننا بالله إلى إيمان بذواتنا، وإلاّ يكون إيمانًا مبتورًا...

 

وكثيرٌ من المسيحيّين يعيشون هذا النوع من الإيمان، لأنّ اتّكالهم على الله هو اتّكال سلبيّ، لأنّهم ينتظرون أن يعمل الله كلّ شيء في حياتهم. لكنّ الله يقول لك: أعطيتك جسمًا ويدَيْن ورجلَيْن وعقلاً سليمًا، أعطيتك قدرات رهيبة، فاستغلَّ كلّ هذا، واعتمد على نفسك لأنّي أنا الذي وضعت كلّ هذا فيك، أنا أعمل في داخلك، وثقتك فيَّ يجب أن تتحوّل إلى ثقة في إمكاناتك حتّى تكون ثقة حقيقيّة.

حبّذا لو تؤمن بالقدرات التي لم تظهر فيك!

 

وهذا هو سرّ الإيمان، فعظيم هو سرّ الإيمان، لأنّ الإيمان هو التصديق بالمجهول: "فالإيمان قِوام الأمور التي تُرجى وبرهان الحقائق التي لا تُرى" (عب 11/ 1)، والتصديق اللامعقول، هو التصديق بالمعجزة: "الحقّ أقول لكم: مَن قال لهذا الجبل: قُم فاهبط في البحر، وهو لا يشكّ في قلبه، بل يؤمن بأنّ ما يقوله سيحدث، كان له هذا" (مر 11/ 23).

 

 

إيمانك يجعلك تكتشف ذاتك، وما بعد الذات. إنّه عالَم جديد وإنسان جديد... دهاليز وقاعات... أحداث خياليّة سوف تبدأ في حياتك.

 

خامسًا، لك أقول: قم

"ثمّ دنا من النعش، فلمسه فوقف حاملوه.

فقال: يا فتى، أقول لك قُم" (مر 7/ 14)

أدعوك، عزيزي القارئ، إلى التأمّل في قصّة قيامة لعازر التي أراد المسيح أن يجعل منها خلاصة تعاليمه ومعجزاته. وقعت أحداث هذه المعجزة في آخر حياته على الأرض كخاتمة لجميع تعاليمه والآيات التي قام بها، وحدثت أيضًا قبل قيامته بأسبوع، وكأنّه يريد من خلال ذلك أن يقول لنا: كما أنّني سأقوم بعد أسبوع، أنا أدعوكم جميعًا إلى القيامة نفسها.

كان لعازر صديقًا حميمًا للمسيح، وكثيرًا ما كان يزوره في منزله إذا مرّ بالقرب من قريته بيت عنيا، حيث كان يرتاح ويتناول طعامه (متّى 21/ 7 ولو 10/ 38 - 42 ويو 12/ 1، 2)، فقالوا ليسوع: لعازر مريض وقد أوشك على الموت، فما كان منه إلاّ أن قال: هذا المرض ليس للموت. ومات لعازر، وسمع يسوع بوفاته، وتأخَّر يومين آخرين في المكان الذي كان يُبشِّر فيه، ثمّ ذهب إلى بيت عنيا حيث كانت تقيم أسرة لعازر.

"أنا القيامة والحياة. مَن آمن بي، وإن مات، فسيحيا، وكلّ مَن يحيا ويؤمن بي لن يموت للأبد" (يو 11/ 25 و26). هذا كان تعليق المسيح على نبأ وفاة صديقه لعازر، وهي كلمات لم يفهمها أحد من الحاضرين، إذ كانوا في حالة ترقّب لما سيفعله بعد موت صديقه بأربعة أيّام. قال لهم: أين وضعتموه؟ وكان حجر كبير موضوعًا على فم القبر، فطلب منهم المسيح أن يرفعوه، فكان الردّ: "يا ربّ، لقد أنتن، فهذا يومه الرابع. قال لها يسوع: ألم أقل لك إنّك إن آمنتِ ترين مجد الله؟... ثمّ صاح بأعلى صوته: يا لعازر، هلمّ فاخرج" (يو 11/ 1 - 45). يا مَن مات منذ أربعة أيّام وأنتن، يا مَن لفّوه باللفائف، لك أقول: قم. دوَّى هذا النداء في داخل القبر، فخرج الميت محرّرًا من لفائفه، بعد أن وصل هذا النداء إلى عمق أعماقه، فارتعش ودبَّت الحياة فيه وتحرّك.

كلّ فرد منّا ملفوف في لفائفه مثل لعازر، وموضوع في قبر وُضع عليه حجر كبير، فهو مكبَّل بقيود، وراقد. لكن هناك إنسان فوق البشر، وهو الوحيد الذي يستطيع أن يقول لك: أنا القيامة والحياة، مَن آمن بي وإن مات فسيحيا... ثق يا بنيَّ... ثق حتّى لو كنتَ في قبر، لو كنت ميتًا، فإنّك تستطيع أن تقوم بكلمة منه.

 

هذا هو الإيمان، الإيمان بالله، والإيمان بالقيامة. فالمسيح هو الحياة وما بعد الحياة، وهو الذي قال "أنا القيامة والحياة...". وإيماننا به يحلّ لفائفنا التي عشنا مكبّلين بها. نحن مصابون بالشلل، وكلمة المسيح تدفعنا إلى الأمام، وتُخرجنا من القبور، وتلقي بنا مرّة أخرى في دروب الحياة.

يا فلان، لك أقول: قم. هكذا يناديك المسيح في هذا اليوم، فاطلب منه أن يجعل هذه الكلمات تدوّي في أذنيك، وتجعلك تنطلق إنطلاقًا جديدًا، وتحرّرك من أغلالك التي قُيِّدتْ بها نفسُك، تجعلك تنطلق وتحيا، تجعلك تنمو وتحقّق ذاتك، ليتمجّد الله فيك، لأنّ مجده هو الإنسان الحيّ. المسيح يناديك كما نادى الشابّ الميت: "يا فتى، أقول لك: قُم" (لو 7/ 14)، قُمْ وانطلق. كنتَ منكمشًا خائفًا متوقّعًا، ها أنتَ ترى حقيقة ذاتك، أنتَ عالَم... أنتَ كون... أنتَ عملاق، وأبعادك سوف تظهر يومًا ما بكلّ ما فيها، فإذا كنت تؤمن إيمانًا حقيقيًّا بالقيامة، يجب أن تحقّق فيك هذه القيامة من الآن وفي المكان الذي أنت فيه، لأنّ القيامة ليست حدثًا مستقبليًّا، بل هي حدث حاضر. قُمْ وانطلقْ.

لكنّ كياننا سيظهر يومًا ما، في قيامة الأموات، بكلّ أبعاده، فنرى، يومًا ما، ذواتنا فنتعجّب ونقول: أهذا هو أنا؟.. غير معقول.

 

نعم هذا هو أنت. لكنّ هذه القيامة هي اليوم والآن، فلا تنتظر وتقول: إن شاء الله، حين يقيمني الله. كلاّ، الله يقيمك اليوم، لأنّ اليوم هو يوم الخلاص وليس غدًا أو في آخر الأزمنة. فإنّه يقول: في وقت القبول استجبتك، وفي يوم الخلاص أعنتك. فها هوذا الآن وقت القبول الحسن، وها هوذا الآن يوم الخلاص" (2 قور 6/ 2).

 

 

                                                              الأب هنري بولاد اليسوعيّ

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية