كيف نحبّ؟

 

 

كيف نحبّ؟

 

في كلٍّ منّا ميل فِطريّ إلى الحبّ. ولتنميته لا بدّ من مراعاة شرطَيْن: الخروج من الذات واحترام شريعة الحبّ الأساسيّة في جميع أعمالنا ومبادراتنا.

 ولبلوغ هذا الهدف لا بدّ من الإبتعاد بحريّة عن تعقيدات أساليب حياتنا واهتماماتنا المفرطة بالسلطة، والمال والعلم العقلانيّ. بذلك نستطيع بلوغ البساطة، والأمور الأساسيّة، والحقيقة المخلِّصة، أي الله.

يقول الكردينال جوزف رتسِنْغر إنّ الحبّ هو أن نريد الآخر، أن نريد سعادته، وأن نبدي له العطف والحنان:

 

"من المهمّ أن نعرف أنّ الحبّ الحقيقيّ أمرٌ خطير. أن نحبّ الآخر يعني أنّنا نريد صالحه الحقيقيّ وأنَّ لنا من الشجاعة ما يدفعنا إلى مقاومته إن هو لا يرى الخير ويرتمي ارتماءً أعمى في الشرّ. (...) المحبّة هي أن نريد الآخر: أن نريد أن يكون على خير حال، أن يكون سعيدًا، أن يجد ذاته. هي أن نبدي له العطف، ولا يمكننا أن نهبه هذا العطف إلاّ إذا كان رائدَنا ما هو صالح حقًّـا وإذا اجتهدنا أن نساعده ليصبح صالحًا.

 

 

 فلا يمكن أن يصدر فعل المحبّة الحقّ إلاّ ممّا هو صالح ويقود إلى الصلاح. لذا يتضمّن الحبُّ دومًا بعضًا من نكران الذات، من هبة الذات للآخر، وبعضًا من المساعدة الفعليّة في سبيل خيره، من مساعدته لكي لا ينغلق على نفسه ويحبس كلّ شيء ضمن حدوده، بل لكي يجد سبيل الخروج من ذاته، سبيل الإنشراح والإكتمال، على نحو ما يحصل لحبّة القمح التي تنمو. (...) ولقد رأينا أنّ شريعة التجاوز هذه هي جوهر الحبّ. ومن الواضح أنّ فعل الذي يحبّني هو أيضًا مثل هذا الفعل، ويجب أن ينتزعني من ذاتي التي أميل بسهولة إلى الإنغلاق فيها.

وقال يسوع في تعليمه:

 

"فكلّ ما أردتم أن يفعل الناس لكم، افعلوه أنتم لهم: هذه هي الشريعة والأنبياء" (متّى 7: 12).

وأعلن أيضًا:

"كلَّما صنعتم شيئًا من ذلك لواحد من إخوتي هؤلاء الصّغار، فلي قد صنعتموه" (متّى 25: 40).

وبين الوصايا العشر نجد:

"أحبب قريبك حبّك لنفسك".

فحبّ القريب ليس إذًا خاملاً عديمَ الإحساس، بل على العكس، إنّه يتجسَّد في العمل. ولا يكفي أن نعيش بدون أن نقترف شرًّا، بل يجب أن نفعل خيرًا. تلك رسالة حياتنا.

يستعمل المسيح فعل "فَعَل" ليعني العمل. وهو يدعونا لنكون عمّال حبّ، عمليًّا. ولا يمكننا أن نتشدّق بالخطابات المنمَّقة في هذا الموضوع بدون أن نبادر إلى العمل.

 

 

علينا أن نعامل الآخر كما نحبّ أن نُعامَل، وأن نفعل الخير معه كما نحبّ أن يفعل الآخرون الخير معنا، وأن نحترمه كما نحبّ أن نُحتَرَم، وأن نشاركه أحزانه كما نحبّ أن يشاطرونا أحزاننا، وأن نطعمه إذا جاع، ونحمل إليه بعض الدفء الإنسانيّ إذا كان في برد السجون، ونزوره إذا أُهمِل في آخر مراحل حياته ووُضع في أحد البيوت المسمّاة "دُور المسنّين"، ونداويه إذا مرض، كما نحبُّ أن يفعل الناس بنا.

 

 

ولكن علينا أيضًا ألاّ نستغيبه ولا نجرحه، ولا نقلّل من احترامنا له، وبمختصر الكلام، لا نؤذيه. فالمطلوب إذًا أن نذهب إلى الآخر، إلى الفقير، أي إلى المحتاج. إنّ الحبّ بالنيّات، كما الإيمان بالنيّات، إن بقيت النظريّات بدون تطبيق، هما طريقان خادعان لا يوصلان إلى مكان، سوى إلى حياة مضطربة لا هدف محدّدًا لها. ما دام قلبنا يخفق، فلا ينبغي أن ندع حياتنا تصمت، على حدّ ما قاله القدّيس أوغسطينس، ونِعْمَ القول:

"لا تدع حياتك تصمت أبدًا.

"عندما ترتِّل هلّلويا،

أعطِ الجائعَ خبزًا،

ألبس العريان،

استقبل مَن لا مأوى لهم.

عندئذ لن يرتّل صوتك وحده،

بل يدك ترتِّل أيضًا

عندما تطابق أعمالُك أقوالَك.

إن سَبَّح لسانُك الله في بعض الأوقات،

فعلى حياتك أن تسبِّحه بدون انقطاع.

إن لم ترتِّل إلاّ بصوتك، سوف تحدث فترات صمت،

ولكن دعْ حياتَك تكون ترتيلاً لا يوقفه شيء.

رتّل بصوتك حتّى تسمعَه الآذان،

ولكن لا يَصمتَنَّ قلبُك أبدًا.

لا تَدَعْ حياتك تصمت أبدًا!".

 

 

الحبّ هو عطاء، هو أن نُعطي من ذواتنا متخلّين عن بعضٍ من ذواتنا. الحبّ فيه بعض نكران الذات. الحبّ عطاء، كما أنّ الله عطاء، إذ أعطانا كلّ شيء: عيونًا لنرى، ولكن أيضًا للنظر إلى الآخر ولنعطيه، نوعًا ما، نظرنا؛ آذانًا لنسمع، ولكن أيضًا لنصغي إلى الآخر ونعطيه سمعنا؛ أيادي لتلمس، ولكن أيضًا لنمدَّها إلى الآخر؛ قلبًا لنحيا، ولكن أيضًا لنحبّ الآخر.

 

كتب "أبونا منصور لبكي":

"إن كنت أومن بالله، أَبلُغُ سلام القلب. وكيف يتجلّى هذا السلام؟ من خلال موقف باطنيّ، من خلال السكينة والإبتسامة والغفران. فلا بدّ من إخماد الحقد الموجود في الآخر، بواسطة دَفْقٍ من الحبّ. لا بدّ من ممارسة المحبّة، لا المحبّة المادّيّة وحدها، إن كانت ممكنة، بل أيضًا محبّة النظر، والآذان، واليد...".

 

 

علينا أن نُدرك أنّنا لم نأتِ إلى هذه الدنيا من باب المصادفة، بل من أجل رسالة أساسيّة هي رسالة الحبّ. فعلينا إذًا أن نتمِّمها من خلال الدور الذي ينبغي لنا أن نؤدِّيه عبْرَ ما يميِّز كلاًّ من مهننا أو وظائفنا.

 

 لكلّ منّا، في عمليّة بناء الإنسانيّة، مسؤوليّة يجب أن نقوم بها ونحن نحبّ الآخرين، ما يعني أنّنا نتمِّم بمحبّة واجباتنا اليوميّة وأنّنا نسعى دومًا من أجل خير الذين هم مرتبطون بنا أو الذين نعمل معهم: الطبيب مع مرضاه وزملائه، المهندس مع زبائنه وزملائه، رئيس الجمهوريّة مع المواطنين والوزراء، الوزير مع كوادر وزارته وموظَّفيها، النائب مع ناخبيه والموظّفين المرتبطين به، رئيس المؤسَّسة مع جميع الموظّفين في المؤسَّسة التي يديرها، كاهن الرعيّة مع رعاياه، وجميعنا مع أقربائنا.

 

 

ولبلوغ هذا الهدف ينبغي ألاّ نُهمل أيّ جهد لكي نوفّر ونتقاسم وننمّي، ضمن علاقاتنا، جوًّا من السخاء على جميع الصُعُد.  ويجب أن يشعر مخاطبُنا بأنّه موضع اهتمامنا حتّى يمرَّ بيننا وبينه تيّار حبّ متبادل، علمًا بأنّه لا ينبغي أن ننتظر مبادلَتنا بالمثل في كلّ مرّة نقوم ببذل ذواتنا.

 

 

 فمجّانيّة بذل الذات هي من أهمّ أساسات الحبّ. ولا بدّ من أن نحارب بدون هوادة اللامبالاة التي تُبْعدنا عن الآخرين وحالاتهم النفسيّة وما فيهم من حاجة إلى التواصل معنا، ثمّ تعزلنا وتُغلقنا على ذواتنا وتخنق تدريجًا ميلنا الطبيعيّ إلى الحبّ. وعلى العكس، فمن الضروريّ أن تظلّ عيوننا مفتوحةً مترقّبةً لترى الذين هم بحاجة إلينا، ولا نطيِّب ضمائرنا مكتفين بأن نقدِّم الحسنات حينًا بعد حين.

وجَّه بيتر زِيفلَد Peter Seewald إلى الكردينال جوزف رَتْسِنْغِر السؤال التالي:

 

"أليس عجيبًا أنّه، على الرغم من تأصُّل الرغبة في الحبّ تأصُّلاً عميقًا بكلّ واحدٍ منّا، يظلّ الناس يحسبون أنّ كلّ ما سوى ذلك هو أهمّ: النجاح، الجنس، الجاه، المال، السلطة؟ فعلينا أن نلجأ إلى كلّ قوانا لنتعلَّم كيف بلوغ هذا الهدف، ولا نقوم بأيّ جهد، أو نكاد، لنتعلّم فنّ الحبّ".

فأجاب الكردينال رَتْسِنْغِر عن هذا السؤال مشدّدًا على الإمكانات الموجودة فينا وعلى الدور الذي دُعي كلّ واحد منّا للإضطلاع به في هذه الدنيا:

 

"جميع ما ذكرتَ تقريبًا هو طُرُقٌ مختصَرَة، الغايةُ الأُولى منها تحاشي مغامرةِ فقدان الذات، للوصول بأسرع ما يكون إلى الهدف المنشود. هذه واحدة. والثانية هي أنّ بذلَ الإنسان إمكاناته الشخصيّة هو جزء من دعوته، وبذلك فقط يتمّم رسالته، ألا وهي أن يكون كائنًا محبًّـا.

 

"على المرء أن يؤوِّن الإمكانات الموجودة فيه ويتعلَّم أنّ له دورًا يقوم به في هذه الدّنيا. لذا فإنّ الجهود التي يَبْذلها لإتقان إحدى المِهَن لا تناقض البتَّة رسالة الحبّ الأساسيّة، بل هي تحقيقُها العمليّ. ولا أُحقِّق رسالتي، رسالة الكائن المعَدِّ للحبّ، إلاّ إن صرتُ تمامًا مَن أستطيع أن أكون، إن أعطيتُ ما يمكنني أن أعطي، إن نمَّيتُ في الخليقة وفي العلاقات بين البشر الإمكاناتِ التي تساعدنا لنعيش معًا، إن عملتُ بحيث تستطيع خصوبةُ الحياة والعالم أن تُنبت ما يشبه حديقةً نجد فيها الهناء والحرّيّة.

 

 

"وتنحرف رسالةُ الحبِّ الأساسيّةُ هذه عندما لا ترمي التنشئةُ المهنيّة سوى إلى تطوير إمكانات، أو عندما تنفصل السيطرة على العالم وإمكانيّة الحصول على الثروات أو التمتّع بالسلطة، عن رسالة الحبّ الباطنيّة التي هي أن نُوجَد من أجل الجميع؛ أو أيضًا عندما تُبَدَّأُ السلطة على السّخاء؛ أو أيضًا عندما يقودنا تثبيتُ الذات، والإنغلاقُ على الذات، والأولويّة التي نوليها الأشياءَ التي تُحيط بنا، إلى خنق قدرة الإنسان على الحبّ. عندئذٍ يصبح المرءُ خاضعًا للأشياء ولا يعود بإمكانه تقويمها التقويم الصّحيح.

 

"مهمٌّ ألاّ نَعُدَّ إمكاناتنا والتنشئة المهنيّة أمورًا ثانويّةً بحدّ ذاتها. ولكن ينبغي أن تظلَّ جميع إمكانات الإنسان وقدراتُه التقنيّة في اتّحادٍ بالوحدة الباطنيّة، وألاّ تعمل مستقلَّةً. فعندما تُضْحي ممارسة السلطة واقعًا قائمًا بذاته وشبه ميزة من ميزات الإنسان، عندئذ تصبح استعبادًا وتُناقِض الحبّ".

 

 

ينبغي أن نستفيد من كلّ مناسبة تُتيح لنا أن نذهب إلى الآخر، لا بل يجب أن نفتّش عنها، من دون أن نوفّر أيّ جهد بحجَّة عدم الوقت لدينا أو عدم الإمكانات. حيثما يوجد محتاج، فهناك أيضًا يتوجَّب وجود الحبّ مبادَرَةً وعملاً.

يدعونا البابا بِنِدِكْتُس السادس عشر للحبّ طالبًا إلينا أن نوجِّه اهتمامنا إلى الأشخاص الذين يعيشون في "الصّحراء"، ولا سيّما الصّحراء الباطنيّة التي راحت، ويا للأسف، تكتسب في حياة كلّ منّا أبعادًا تكبر يومًا بعد يوم:

 

"يجب أن تَحُثَّ خشيةُ المسيح المقدّسة جميع الرّعاة، ولا ينبغي أن يظلّوا غير مبالين بكون أعدادٍ كبيرة من الناس تعيش في الصّحراء. وأنواع هذه الصّحاري كثيرة. منها صحراء الفقر، وصحراء الجوع والعطش، ومنها صحراء الإستسلام، والعزلة، والحبّ المهدَّم. ومنها صحراء غياب الله وفراغ النّفوس التي لا تشعر بكرامتها ولا تعرف طريق الإنسان. وتكثر الصّحاري الخارجيّة في عالمنا لأنّ الصّحاري الباطنيّة أصبحت واسعة شاسعة. لذلك لم تَعُد كنوزُ الأرض في خدمة بناء جنّة الله، حيث يمكن الجميع أن يعيشوا، بل أضحت مسخَّرة لمصالح قوى الإستغلال والدّمار".

ينبغي أن تَلفت انتباهَنا كلُّ حالة خاصّة، علمًا أنّه لا بدَّ أن يظلَّ همُّنا تعميمَ فاعل الرّفاه على جميع البشر ومعالجة الشرخ الإجتماعيّ.

 

 

الحبّ هو أن نعطي ونعطي ذواتنا: أن نعطي مالاً بدون شكّ، ولكن لا المال فقط، بل قبل كلّ شيء أن نعطي من ذواتنا. وسأستشهد مرّة أخرى بكتاب الكردينال رَتْسِنْغِر. فإنّه، في أحد المقاطع، يدعونا لنجعل حبَّنا قابلاً للتصديق من خلال بذل ذواتنا وعدم إراحة ضميرنا بتقديم المال فقط:

 

"إن قلنا إنّ العطاء ليس أوّلاً أن نعطي مالاً، فهذا تحصيل حاصل. بالطبع، يمكن المال أن يكون ضروريًّـا. ولكن يمكن الإكتفاءَ بتقديم المال أن يكون مهينًا للآخر، وهذا ما لاحظته مرّات كثيرة في العالم الثالث، إذ يقول الناس:

 

 "إن اكتفيتم بأن ترسلوا إلينا المال، فإنّكم تضرّوننا أكثر من أنّكم تفيدوننا. ذلك بأنّ المال يحَوَّل بسهولة، ما يزيد الوضع سوءًا. لا بدَّ من أن تأتوا أنتم، من أن تقدّموا ذواتكم، وأيضًا من أن تساعدوا وتسهروا على أن تُسْتَعمل هباتكم على نحو سليم. لا ينبغي أن توزِّعوا المال وحسب، مريحين ضمائركم ومتحاشين ما نطرح عليكم من أسئلة".

 

"الإستمرار في إعطاء المال أو المهارات لا يكفي. وفي هذا المجال كان المرسلون مثالاً بليغًا، فإنّهم حملوا رسالة الله، وجعلوا الحبّ قابلاً للتصديق، وأطلقوا طريقة عيش جديدة فقدَّموا ذواتهم، لا لمدّةِ مغامرةٍ شائقة تصل إلى سنتين أو ثلاث، بل على مدى حياتهم، مندمجين في الشعوب التي تبنَّوها. فإن كنّا لا نعود ونتعلَّم هذه القدرة على تقديم ذواتنا تقدمةً كاملة، بقيتْ سائر التقدمات الأخرى ناقصة.

 

"وما نقوله على الصّعيد العالميّ ينسحب أيضًا وطبعًا على الأفراد. روى رِيلْكِه قصّة جميلة. كان يمرّ بانتظام أمام متسوّلة فيضع قطعة نقود في قبَّعتها. وكانت في كلّ مرّة تبقى لا مبالية عديمة التأثّر كمن لا روح له. وفي أحد الأيّام قدَّم إليها رِيلْكِه وردة، فاستنار وجهها للحال ورأى، للمرّة الأُولى، أنّ لديها أحاسيس. فابتسمت واختفت ومدَّة ثمانية أيّام لم تعد إلى التسوّل لأنّ ما قدِّم إليها يومذاك كان أكثر بكثير من المال.

 

"فهذه القصّة تُظهر بوضوح أنّ زهرةً، أو لفتة انتباهٍ أو قبولٍ للآخر، تعنيان في بعض الأحيان أكثر من قطعة نقود أو هبةٍ مادّيّة".

وهذا يذكّرني بالمثل اللبنانيّ المألوف: "لاقِينِي ولا تطَعْمِيني".

المطلوب استماعٌ إلى الآخر يَشعر بشعوره من أجل التقاطٍ واضح لرسائل الإستغاثة التي يبعث بها إلينا: إستغاثة مادّيّة، عاطفيّة، روحيّة، أو سواها.

 

 

                                                                  د. صلاح ميشال بُو رَعْد

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية