لاهوت الجسد

 

 

 

لاهوت الجسد

 

بعد وقت قصير على موت Michel- Ange إستُدعيَ Paolo Veronese إلى محكمة التفتيش، متّهمًا بأنّه رسم وجوهًا غير لائقة في لوحة العشاء السِّرِّي الأخير. أجاب الرَّسَّام أنّه على غرار ذلك، قد رُسمت الأجساد عارية في الكنيسة الصغيرة Chapelle Sixtine بصورة غير لائقة. وكانت بالتحديد محكمة التفتيش بذاتها التي دافعت عن Michel- Ange  من خلال جواب أصبح شهيرًا: ألا تعلم أنّه لا يوجد شيئًا في هذه الصور لا يأتي من الرُّوح؟

نحن معاصرو الحقبة أو الزمن الحديث، لدينا صعوبة في فهم هذه الأقوال، لأنّ الجسد يبدو لنا وكأنّه مادّة جامدة، ثقيلة، تتعارض مع المعرفة والحريَّة اللَّتين تتميَّز بهما الرُّوح.  بيد أنّ الأجساد التي رسمها Michel-Ange مسكونة بالنّور، بالحياة، بالعظمة والأبّهة.

كان يريد بذلك إظهار أنّ أجسادنا تخبّئ سرًّا. بها، يظهر الرُّوح ويعمل. هذه الأجساد مدعوّة لأن تكون أجسادًا روحانيَّة ، كما يقول القدِّيس بولس (1 كورنتس 15: 44).

 

إذًا نستطيع أن نتساءل: أيستطيع مصير هذا الجسد أن ينوّر مراحل طريقه؟

 إذا كان الجسد مدعوًّا لأن يكون روحانيًّا، ألا يجب على تاريخه أن يكون عهد قران بين الجسد والرُّوح؟

بالفعل، بعيدًا عن تعارضه مع الرُّوح، إنّ الجسد هو المكان حيث يستطيع الرُّوح السكن. على ضوء ذلك، من الممكن فهم أنّ أجسادنا ليست مادة جامدة، ثقيلة، بل إنّها تتكلّم، إذا استطعنا سماعها، تتكلّم لغة الحبّ الحقيقيّ.

إنّ أوّل كلمة في لغة الجسد هذه نجدها في خلق الإنسان. إنّ جسدنا  يكلّمنا عن أصل لا يمكن أن نرّده لذواتنا. "أنت... الذي كوّنني في بطن أمّي" (مزمور 139: 13) [أنت ملكت قلبي، وأدخلتني بطن أمّي].

 

 نستطيع التأكيد أنّ الجسد، بكشفه عن نقطة الأصل أو المصدر، يحمل في طيّاته معنىً بنويًّا، لأنّه يذكّرنا أنّنا من خلال أهلنا الذين نقلوا إلينا الحياة، ـ أنّ  أصلنا من الربّ الخالق.

 

 

عندما يتعرّف على الحبّ الأوّل والأصيل الذي أعطاه الحياة، يستطيع الإنسان قبول ذاته، ويتصالح مع الطبيعة ومع العالم.

 

 يستتبع خلق آدم خلق حوّاء. إنّ الجسد المأخوذ من الربّ، مدعوّ لأن يجعل وحدة الحبّ بين الرَّجل والمرأة ممكنة من خلال نقل الحياة.

 

إنّ أجساد آدم وحوّاء تبدو، قبل السَّقطة، بتناغم متكامل. هناك لغة بينهما لم يخلقاها، هي غريزة الحُبّ (éros) المتجذّرة في الطبيعة، تدعوهما بواسطة الخالق، لكي يستطيعا إعطاء ذواتهما لبعضهما البعض.

 ندرك بذلك أنّه بالحبّ، "يُخْلَق" الإنسان "من جديد".

 

 يقول Danté:

 إنّها حياة وحدة الإثنين الجديدة في جسد واحد. إنّ الافتتان الحقيقيّ للجنس يولد من كبر هذا الأفق الذي ينفتح على  الجمال المتكامل، عالم الشَّخص الآخر بالملء وعالمنا نحن "الإثنان" اللّذان يولدان في الوحدة، والشراكة والخصوبة الجديدة، أي الطريق الذي يفتحه الحبّ نحو الله، نبع الحبّ.

 

 في الوحدة في جسدٍ واحدٍ يصبح وِحْدَةً على مدى الحياة، هكذا يُفتَح أمامنا طريقٌ يعلّمنا فيه الجسد قيمة الوقت، من خلال النضوج البطيء للحبّ.

 في هذا النّور، تأخذ فضيلة العفة منحى جديدًا. إنّه ليس "لا" للملذات ولفرح الحياة، بل إنّه "نعم" كبيرة للحبّ كشراكة وارتباط عميقين بين الأشخاص، تتطلبان وقتًا واحترامًا، هي طريق  نسير فيه معًا للملئ وهي حُبّ يُصبح بإمكانه أن يُخصب الحياة ويتلقى الحياة الجديدة المولودة ببذلٍ وجودٍ وسخاء.

 

من المؤكّد أنّ الجسد يحوي أيضًا لغة سلبيَّة، يدفعنا أحيانًا إلى الإجحاف نحو الآخر، وعن رغبة امتلاك واستغلاله. غير أنّنا نعلم أنّ هذه اللّغة لا تنتمي إلى الخطّة الأصليّة للربّ، بل هي ثمرة الخطيئة.

 

عندما نفصل لغة الجسد عن معناها البنويّ، عن رباطها مع الخالق، يتمرّد الجسد ضدّ الإنسان، يفقد مؤهّلاته في إظهار الشّراكة ويصبح ساحة امتلاك للآخر.

 

 أليس تلك مأساة الغريزة الجنسيَّة، التي تظلّ اليوم مغلقة في الإطار المحدود والحصريّ للجسد ولانفعالاته، والتي في الحقيقة لا تكتمل إلّا في الدَّعوة لشيء أسمى؟

 

 في هذا الإطار، يتحدّث يوحنّا بولس الثاني عن تواضع الجسد.

 

تقول شخصيّة من شخصيَّات الكاتب Claudel لمحبوبها: "من هذا الوعد الذي قام به جسدي نحوك، ليس بمستطاعي التحرّر" ، وتجيب الشخصيَّة نفسها: هذا الجسد "سينحلّ بيد أنّ الوعد الذي قمت به لا ينحلّ أبدًا" (حذاء من الساتان  اليوم الثالث، مشهد رقم 13).

 

إنّ قوَّة هذا الوعد يشرح أنّ السقطة ليست الكلمة الأخيرة عن الجسد في تاريخ الخلاص. يقدّم الرَّبّ للإنسان، بموازاة ذلك، طريق خلاص للجسد حيث لغته مصانة ومحفوظة في العائلة.

 إذا كانت حوّاء، بعد السقطة، قد أخذت إسم "أمّ الأحياء"  فذلك يدلُّ أنّ قوّة الخطيئة لا تنجح  في إزالة لغة الجسد الأصليَّة، أي بركة الحياة التي ما  يزال يقدّمها الربّ في كلّ مرة يجتمع الرَّجل والمرأة في جسد واحد.

 

 العائلة، هذا هو المكان حيث لاهوت الجسد ولاهوت الحبّ يتكاملان.

 

هُنا، نتعلّم حُبّ الجسد، في خبرة الحبّ التي نتلقاها من الأهل.

 

هنا نعيش عطيّة الذات في جسد واحد، في المحبَّة الزوجيَّة التي تعاهدا بها الزوجين.

 

هنا نختبر خصوبة الحبّ، حيث تختلط الحياة بحياة أجيال أخرى.

 

في العائلة يكتشف الإنسان قدرته العلائقيّة مع الآخرين، ليس كفرد مستقلّ يحقّق ذاته بذاته، ولكن كإبن وزوج وأب حيث الهويَّة تذوب في واقع أنّه مدعوّ للحبّ، أنّه مقبول من الآخرين ويضحي ويعطي ذاته  للآخرين.

 

يجد طريق الخلق هذا ملؤه في التجسّد، في مجيء المسيح. أخذ الربِّ الجسد الإنسانيّ، وكشف ذاته فيه.

إنّ حركة الجسد نحو العُلى هي مدموجة هنا بحركة أخرى أكثر أصالة، إنّها الحركة المتواضعة  للرَّبِّ الذي ينزل نحو الجسد لكي  يرفعه بعد ذلك إليه.

 كإبن تلقى هذا الجسد البنويّ بامتنان وشكر وطاعة للآب؛ وأعطى جسده لنا لكي نكون جسد الكنيسة الجديد.

 إنّ ليتورجيَّة عيد الصُّعود تنشد قصَّة الجسد هذه، من سقطة آدم إلى فدائه بالمسيح آدم الجديد.

 

هكذا يظهر عمق لاهوت الجسد. وعندما نقرأ لاهوت الجسد بكامل التقليد، نتجنّب خطر الوقوع في السطحيّة بل نفهم وندرك عظمة دعوة الحبّ، الذي هو دعوة لشراكة الأشخاص في الشّكل الثنائيّ والمزدوج للحياة والبتوليّة والزواج.

 

يقول Danté بشأن مريم كلمات مُنوّرة عن لاهوت الجسد: "في رحمِكِ اشتعل الحبّ من جديد" (الجنّة، XVIII7). في جسدها كإمرأة، أخذ جسدًا، الحبّ الذي ولد الكنيسة.

 لتكمّل والدة الإله  حماية طريق حياتكم وتصيّر دراستكم وتعليمكم مخصبين في خدمة رسالة الكنيسة للعائلة والمجتمع. لترافقكم بركتي الرسوليَّة، التي أمنحها لكم من كلِّ قلبي . شكرًا.

 

 

البابا بنديكتوس السادس عشر

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية