ماذا ينتظر المؤمنون من الكاهن؟

 

 

 

 

 

ماذا ينتظر المؤمنون من الكاهن؟

 

يتكلّم كتاب أعمال الرُّسل عن الجماعة المسيحيّة الأولى في الفصل الثاني (آية 42 ـ 45 وآية 47). فيصفها هكذا: وكانوا يتابعون تعليم الرُّسل وكسر الخبز والصلاة والحياة المشتركة... وكان المؤمنون جميعًا مؤتلفين يجعلون كلّ ما لديهم مشتركًا بينهم. يبيعون أملاكهم ويتقاسمون الثمن على قدر احتياج كلّ منهم... يسبّحون الله، ينالون حظوة عند الشعب كلّه. وكان الربّ كل يوم يزيد عدد الناجين.

هذه هي حياة الجماعة المسيحيّة الأولى، الكنيسة الصغرى الأولى، الرعيَّة الأول، الأبرشيَّة الأولى، والمبنيَّة أساسًا على الكلمة والتعليم، على كسر الخبز والأسرار، على الصلاة وعلى الحياة المشتركة كما ورد في نصّ أعمال الرسل.

وإذ أنّ جماعتنا المسيحيَّة في لبنان وفي الأبرشيَّة بحاجة لتجدّد ونموّ وحيويَّة (وفي العودة إلى الجذور وهناك عادة منهل لاكتساب التجدّد والحيويَّة) خاصَّة في التركيز على العنصر المحوريّ في هذه الجماعة أعني به الكاهن، دعونا الآن نتأمّل ونفكّر سويَّة  في ما هو مطلوب عمليًا وفعليًا من هذا الكاهن المُروحن بالصلاة، الفاضل المنصرف إلى الخدمة، وماذا ينتظر الناس من هذا الكاهن المتحرّر للرسالة.

ماذا ينتظرون منه عمليًّا، ومتى يمكنه أن يعتبر ذاته قد قام بما هو مطلوب منه وأنجز القسم الأكبر من العمل الذي اختير لأجله؟

 

 

أوّلًا ، ماذا كانوا ينتظرون من الكاهن في السابق (نظرة تاريخية).

 

بالطبع، كان أجدادنا وآباؤنا يرون في الكاهن رجل الله وممثّل المسيح في ما بينهم وكانوا يولونه كلَّ احترامٍ وتقديرٍ بل وبشيء من التقديس.

ولكن إلى جانب هذا الدَّور الروحيّ التقديسيّ لدور الكاهن، كان للكاهن دور اجتماعيّ حياتيّ معيشيّ، ربَّما ما يزال يذكره العديد من بيننا أو ربما يحنُّ إليه. كان الكاهن في أغلب الأوقات المثقّف شبه الوحيد في الرعيَّة. كان هو المعلّم، قارئ الرسائل وكاتب الرسائل إلى المهاجر، هو كان القاضي وشيخ الصلح والمشرف أو المساعد على تقسيم الميراث بين الأشقاء، هو المساعد في تزويج الشبان والفتيات. بل كان هو الطبيب والصيدليّ والزعيم والذي موقفه يرجّح الكفّة في كلّ مناسبة.

طبعًا، هذا الدور أصبح من الماضي، ودور الكاهن حاليًا أصبح مختصًا بالشؤون الروحيَّة ومجالات العلاقة بين الإنسان وربّه، وإن كانت هذه الأمور تدعو الكاهن لأن يبقى ساهرًا على الأمور الدنيويَّة خاصَّة حين يكون ذلك في مجال المباشرة في بناء ملكوت الله منذ الآن على الأرض ونشر سلامه بين أبناء الرعيَّة والسعي لتحقيق جوّ الألفة بينهم.

 

 

 

ثانيًا، الكاهن في خدمة الكلمة (الكاهن على المنبر)

"وكانوا يتابعون تعليم الرّسل" (أع 2/ 42 ) يتمّ تذكيرنا دومًا ككهنة بضرورة الاستفادة من الذبيحة لنوصل إلى المؤمنين كلام الله ووصاياه وتعاليم الكنيسة وهذا ما يقوم به القسم الأعظم من الكهنة فيكرّسون خمس أو عشر دقائق من القدَّاس للعظة.

 

 ولكن هنا أيضًا يجب التنبّه إلى أن من على المنبر، المطلوب من الكاهن أن يشرح الإنجيل والأمور الدينيّة بحسب تعاليم الكنيسة وليس بحسب مفهومه الخاص.

 

 المسيح تكلّم ببساطة وأعطى أمثالًا يستطيع فهمها الولد والشيخ، الشخص الأمّي والعبقري. من هنا ترد  الشكوى تجاه الكاهن الذي يعتمد التفلسف في العظة والذي يرغب في ابتداع أشياء جديدة تلفت النظر، وكأنّ المنبر في  الكنيسة هو حقل لإطلاق براعتي اللغويَّة أو الشعريَّة أو الفلسفيَّة، وليس مناسبة لشرح كلام الإنجيل وتعاليم الكنيسة.

أحيانًا يضطَّر الكاهن من على المنبر للتطرّق إلى مواضيع اجتماعيَّة، حياتيَّة يوميَّة، ولكن في هذا المجال، المطلوب من الكاهن، أكثر من أيِّ وقت، أن يصلّي ويتأمّل ويعتمد النقد الذاتيّ كي لا تكون آراؤه ومزاجيته هي المنطلق والمستند لكلامه وليست ـ كما  هو مفترض ـ شريعة المسيح وتعاليم الإنجيل والكنيسة التي تدعو إلى التضحية بالنفس وإلى الصِدق مع الذات ومع الآخرين، إلى الألفة والتسامح وإلى البحث  الدؤوب عن مشيئة الله وعن الحقيقة: "تعرفون الحقَّ والحقّ يحرِّرُكم"، ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا وما زاد على ذلك فهو من الشرِّير".

 

أجل إذا لم نعتمد هذا النقض الذاتيّ وهذه العودة الدائمة إلى شريعة الإنجيل، هناك خطر أن يصبح كلامنا الذي نعتبره توجيهًا اجتماعيًا حياتيًا، هناك خطر أن يصبح مشوبًا بالصبغة السياسيَّة أو الحزبيَّة أو الفئويَّة، وهو أمر مرفوض من قبل الكنيسة ومن المؤمنين.

 

من الأفضل إبقاء رعيَّة ما، لبعض الوقت، بدون كاهن من أن نضع فيها كاهنًا دون المستوى المطلوب من الكاهن.

في موضوع الكاهن على منبر الوعظ إنّه من الأفضل عدم الوعظ، من إلقاء عظة معقّدة تعطي مفاهيم خاطئة عن الدين أو عظة تحتوي تعاليم غير متوافقة مع تعاليم الكنيسة، تعاليم وآراء تترسّخ في عقل أبنائنا المؤمنين ذوي الثقة العمياء برعايتهم. ومن بعد ذلك، مَن يستطيع تصحيح هذا الاعوجاج؟

ـ مخاطر التعاليم العوجاء قد ينطبق عليها كلام الإنجيل "الويل للعالم من الشكوك" والأخطر عندما تأتي هذه من خلال الكاهن.

إليكم بعض الأمثلة:

وبالخلاصة، على المنبر أنا أتكلّم باسم الكنيسة.

 

 أنا لست معلّم (أنا منتدب من معلّم أي من الأسقف). الكنيسة هي المعلّمة، الأسقف هو المعلّم وأنا أتحدّث بمفهوم الكنيسة.

 وإذا وقع المعلّم في الشطط يراقبونه ويوقفونه عن التعليم: فأنا وإن كنت أتكلّم والجميع يصمت ويصغي، فأنا بحاجة للتواضع، كلامي ليس منزلًا. كلام يسوع وحده منزل.

 

 

ثالثًا، الكاهن في خدمة الأسرار.

إنّ الكاهن رجل مأكول Le prêtre est un homme mangé بمعنى أنّه بكلّيته منصرف وغارق في عمله الكهنوتيّ ورسالته الكهنوتيَّة.

 

وهذا الكلام أكثر ما ينطبق وعمله في خدمة الأسرار والذي يشكّل جوهر رسالته الكهنوتيَّة،

وهنا نتذكّر صلاة: أعطنا يا ربّ كهنة قدِّيسين... يقيمون الذبيحة، يقدّمون لك الأولاد الصغار يمنحون التائبين مغفرة خطاياهم، يباركون بيوتنا وأشغالنا...

 

 إذًا، إنّه خادم الأسرار، هو في خدمة الأسرار ومانحها باسم يسوع وليس موظفًا أو فاتح مكتب لتوزيع هذه الأسرار ضمن روتين معيّن وساعة معيّنة وبعدها، هو منصرف إلى أموره الخاصَّة فقط.

 

هذه النظرة هي أبعد ما يكون عن فكرة homme mangé أو شخص مأكول، وأيضًا إنّها النظرة التي حدّدها الشباب في انتقادهم للكاهن الذي يرونه كاهنًا يوم الأحد من الساعة كذا إلى الساعة كذا؛ الكاهن الذي يرونه في ساعة محدَّدة لعمادة أو عرس أو مأتم وبعد ذلك يرونه وكأنّه لا صلة له بالكهنوت، يعيش حياته الخاصَّة دون أي بُعد كهنوتيّ أو طابع كهنوتيّ في حديثه أو نمط حياته.

 

بالطبع لا يستطيع الكاهن أن يبقى مشدودًا إلى عمله طوال الوقت، هو معرّض للتعب، لتقلّبات المزاج وللمشاعر المتناقظة من فرح وحزن وغضب، ولكن حتى في هذه، عليه السَّهر كي لا ينسى مَن هو. قد يغضب ولكن فليكن غضبه بقدر الإمكان كهنوتيًا، خبرياته، فكاهاته مميزة.

 

 من كلام القدِّيس بولس: "أغضبوا ولا تأثموا ولا تغرب الشمس على غضبكم".

هذا الكاهن الذي هو خادم الأسرار وليس موظفًا للقيام بتأديتها، من أولويَّات عمله أن يعي من الداخل روحانيَّة السرّ الذي يمنحه للمؤمنين.

 

 

رابعًا، الكاهن في خدمة الرعيَّة

المطلوب من الكاهن خادم الرعيَّة هو أن ينفّذ حرفيًا الصفة التي يطلقها على ذاته والصفة التي يدعوه ويناديه بها الناس، وخاصَّة أبناء رعيَّته.

خادم: إنّه خادم الرعيَّة وإنّه الأبونا

 

 

هو خادم للرعيَّة؛ إذًا الرعيَّة هي الأساس، هي في المركز الأوّل وهو فيها لخدمتها وليس العكس.

 

 

 حتى حين تضطره حكمته للتصرّف كقائد يجب أن يُطاع، لا ينسى أنّه الخادم وأنّ الربّ قد أعاره السلطة، هذه المرَّة، ليخدم بها لا ليسلّط ويحطّم.

 

إنّ اختياره هو، نعمة مجانيّة من الله، ولكن هذا الاختيار ليس لأجله شخصيًّا بل لأجل الشعب ولأجل أبناء الرعيَّة.

 

 

شخص أكثر من عادي:

 إنّه إنسان مختار من الشعب لكنّه مع ذلك ليس شخصًا عاديًا مثل الباقين. هو ليس كاملًا ولكن من واجبه أن يسعى إلى الكمال لأنّه على مثال معلّمه. ومن هنا شكوى الشبيبة من الكاهن، خاصَّة الشبيبة التي تسعى للالتزام مسيحيًّا. إذ ترى  بعض الكهنة يتساهلون مع ذاتهم أكثر منهم، وهذا ما يشكّكهم. أجل هم يقرّون أنّ الكاهن بشر معرّض للضعف، ولكنَّهم يطالبونه بتشدّد وبصرامة أكثر مع ذاته ومع طريقة عيشه.

 

يستوعب الناس

هو ممثل المسيح بينهم في الرعيّة ويطلبون منه أن يكون مستعدًّا وقادرًا على استيعاب أبناء رعيَّته ومشاكلهم وليس العكس، إذ أنّ الموقف المعاكس (الرعيَّة تستوعب راعيها) يجعل أبناء الرعيَّة يشكّكون بكلامنا وعظاتنا وإرشاداتنا.

 

وهذا الواقع يدعونا لنكون أكثر اعتدالًا في أحكامنا، وأقلّ حدَّة في التنبيهات والتحذيرات (من الأفضل القول: فلنسعَ أنا وأنتم لتصحيح الاعوجاج يا أبناء رعيَّتي...).

 

 

كاهن لكلِّ الأعمار ولكلِّ الاحتياجات ـ كاهن لمن؟

هو الذي عليه تأمين الطعام في حينه: حبَّذا لو يستطيع تلبية كلِّ الحاجات. لكنَّه أمرٌ يبدو شبه مستحيل أن يقوم به بمفرده.

ضرورة التعاون. من هنا ضرورة التعاون مع الكهنة الآخرين، مع العلمانيِّين، الجمعيَّات، حركات الشبيبة، الرَّاهبات والمكرَّسات...

هو خادم الرعيَّة لينظِّم ويسهِّل إيصال هذا الطعام في حينه؛ ولو بواسطة آخرين. وما المشكلة لو قالوا عنه أنّه لا يستطيع القيام بكلِّ شيء وأنّه لا يتقن كلّ الأمور.

 

أجل المطران كلّفه بخدمة هذه الرعيَّة وشدّد على إخوته الكهنة بعدم التعاطي مع هذه الرعيَّة إلّا من خلاله، وهذا الصَّحيح، لكن الصَّحيح أيضًا هو أنّ هذه الرعيَّة ليست ملكًا له ولا اقطاعًا؛ وإن خيرها ومصلحتها وصورتها المشرقة تجاه المسيح، لها الأوليَّة على مشاعره هو، وصورته تجاه ذاته.

 

إذًا فعلى كلّ من يمكنه المساهمة لجعل صورة الرعيَّة أكثر إشراقًا في عيون المسيح أن يكون مستعدًّا للمساهمة في ذلك، وخادم الرعيَّة عليه أن يكون أوَّل من يرحِّب  بهؤلاء لهذه المهمة المقدَّسة. (لأنَّه يتشبَّه بيوحنَّا المعمدان: "له ينبغي أن ينمو ولي أن أنقص...").

 

 

التواضع

 إنّ هذا التعاون وهذا السعي لجعل الأوليَّة لخير الرعيَّة يفترضان أن يكون لدينا، نحن الكهنة، القسط الكثير من روح التواضع التجرُّد (وهذه فضيلة شدّد عليها جميع من استمعت لآرائهم، ومن مختلف الاتجاهات) فحين يتواضع الكاهن ويقرُّ بمحدوديَّته تسهل عليه الأمور: أجل هو ممثل المسيح، ولكن فليذكر أنّه ليس المسيح.

هو يحمل المسيح كلَّ يوم ويحوِّل الخبز والخمر إلى جسد ودم المسيح ولكنَّه مع ذلك رجل خاطئ؛ أنا أباركك وأمحو خطايا كلِّ من يركع أمامي في كرسي الاعتراف (طبعًا بسلطان الكهنوت) ولكني شخصيًّا ـ وبحسب المزمور ـ رجل خاطئ ومجبول بالميول الرديئة، مع إنِّي أمنح الغفران للتائبين.

لقد نلت شخصيّا الروح القدس، لكن المؤمنين أيضًا نالوا الروح القدس؛ أنا كاهن لخدمة أبناء الرعيَّة وبنوع فريد، ولكن أبناء الرعيَّة يشاركون بالكهنوت الملوكيّ ـ بحسب رسالة مار بطرس أيضًا: (رسالة العلمانيِّين).

 

 

هدف كاهن الرعيَّة من النشاطات

 وحين ينجح كاهن الرعيَّة في تنظيم رعيَّته ويتوصَّل للقيام بأعمال بارزة تلفت النظر، تبقى هناك أسئلة يجب أن يطرحها على ذاته:

 

 "لقد نجحت بتأسيس جوقة ملائكيَّة، أقمت مخيَّمات رائعة للشبيبة، نظمّت رحلات حجّ لأبناء رعيتي، أقمت احتفالات وتطوافات دينيّة صاخبة، كنيستي لؤلؤة في الجمال والترتيب...".

السؤال الذي يجب أن نطرحه على ذاتنا هو التالي:

 

 "ما الهدف من كلِّ هذا؟

 عمَّا أبحث من خلال كلِّ هذا؟

مجدي الشخصيّ، الرضى الذاتي، التباهي أمام إخوتي الكهنة الباقين؟

أم إنّي بكلِّ سخاء وتجرُّد، وبنيَّة صافية وقلب نقيّ، أعمل لمجده تعالى؛ أتعب أسهر لأربِّي أبناء رعيَّتي على التعاون، على روح الرسالة، على حبِّ السلام وعلى الشّعور مع الآخر، على السَّخاء والتبرّع؟"

 

ذلك أني أضع أمام كلمة المسيح: "طوبى لأنقياء القلوب...".

فبناء على نوعيّة الجواب عن هذه الأسئلة، يكون نشاطي وعملي، حقًّا كهنوتيًّا أم عملًا من نوع آخر.

أبناء الرعيَّة هم حصَّتي كيفما كانوا:  المسيح الذي اختارني دون فضل منِّي ودون مشورتي، هو أيضًا شاء بعنايته أن أكون اليوم في رعيَّة معيَّنة ودون استشارتي. إنّ أبناء رعيَّتي، إن كانوا جيدين، طيبين، غيورين، فأنا كاهن في خدمتهم. إن كانوا (معتّرين)، كسلانين، قليلي الإيمان، ناكري الجميل... فأنا أيضًا خادم لهم.

إذا لم يأتوا إليّ إلى الكنيسة فلا بأس إذا زرتهم أنا في بعض المناسبات، بخفر وبدون إزعاج، طبعًا، وأصغيت إلى معاناتهم وقضاياهم.

 

 

أهميَّة الإصغاء والقلب المفتوح

 خادم إحدى الرعايا، زاره يومًا أحد أبناء رعيَّته وكان بحاجة ماسَّة إلى محادثته واستشارته في أمور مصيريَّة على حياته. وأثناء الحديث ذكّره ابن رعيته إنّه كان قد قصده منذ عشرة أيَّام ليحادثه بهذا الموضوع ولكنَّه وجده غير مهيّأ للإصغاء إليه، مقطب الوجه، ولذلك ترك القضية إلى اليوم ليتحدَّث إليه عنها.

وتساءل الكاهن، بحزن، بعد ذلك: "إنّ ابن رعيتي هذا قد عاد مرَّة ثانية ليستشيرني؛ تُرى كم هو عدد المؤمنين الذين كانوا يومها بحاجة إليّ ولكنَّهم لم يحادثوني بسبب وجهي المقطب ولم، ولن يعودوا مرَّة ثانية".

 

يا لها من مسؤولية خطيرة، مسؤولية الكاهن!!

 

 

 

خامسًا، الكاهن في حياته اليوميّة وتعاطيه مع المجتمع المحيط به

حتى حين لا يكون الكاهن حصرًا في خدمة الكلمة أو خدمة الأسرار أو خدمة الرعيَّة فهو كاهن للمسيح 24/ 24 ساعة كما كانوا ينشدون في حفلات السيامة: (أقسم الربّ ولن يندم، أن، أنت كاهن إلى الأبد).

فبمجرّد أصبحت كاهنًا لم يعد مسموحًا لي أن أتصرّف مثل الجميع. طبعًا، يحقّ لي أن أقول للمؤمنين أنّهم أيضًا مدعوُّون للتميّز عن غير المؤمنين، ولكن يبقى أنّه مطلوب مني أكثر منهم.

 

ـ التواضع

 الجميع يحترم الكاهن، يبادره بالتحية، ينحني أمامه: لكن الخطر أن يظن الكاهن نفسه من طينة أخرى وأرفع من الآخرين.

 

ـ المال ليس في المرتبة الأولى، أهميّة روح الفقر. نحن ننال حسنة القدّاس إنّها "حسنة" وليست واجبًا، وكما يقول المثلّث الرحمة المطران اغناطيوس زيادة: "باسم الفقر "ne demander rien et ne refuser rien" .

 

ـ عدم التهافت على الماديّات، التجرّد:

 ما يصدم المؤمنين هو أن يسعى الكاهن للحصول على أفضل سيارة، على آخر صرعة جهاز خليوي... عليه أن يكون مثل الفئة الوسط بين الناس.

 

ـ غير مستزلم للسياسيِّين

 يحق له مصادقة السياسيِّين لكنَّه يبقى "زلمة" المسيح وحده أولًا وأخيرًا.

 

ـ حسّ كنسيّ عميق

 إنّه كاهن كلّما سنحت المناسبة، حتى حين لا يكون في كنيسته وفي الرعيَّة (مثلًا: كاهن أجنبي أمام حادث سيارة خطير خرج من سيارته وأعطى البركة). وفي هذا المعنى أبدًا، إذا كانت الرعيَّة المجاورة عند أخي الكاهن الآخر، رعيَّة في حالة تعيسة. فعبارة "غيرة بيتك أكلتني" تعنيني شخصيًا.

 

ـ ضمير حيّ في عمله

 إنّه كاهن، وبالأحرى أن يكون مواطنًا صالحًا في كلِّ أعماله. وبديهيّ أن يكون الكاهن صاحب ضمير مهنيّ في عمله إن كان موظفًا أو عاملًا عاديًا في مؤسَّسة.

من هنا نفهم صدمة العلمانيِّين أمام كاهن يتهربّ من القيام بعمله، لا يقوم بواجباته الوظيفيَّة كما يجب، يخالف القوانين بخفَّة، يغش أو يتكلّم بالسوء عن الآخرين...

 

ـ الصدق

 من أهم الصفات للجميع وللكاهن بنوع خاص هو الصدق. وأنا الكاهن هل يليق بي أن أرتدي ثوب الكهنوت وأعيش كما يعيش العالم.

 

 

وبالنتيجة تبقى دعوتنا كنزًا من ذهب في آنية من خزف.

المطلوب منّا يعجز عنه الأبطال ومع ذلك فما هو بحوزتنا قليل ومحدود ولكننا نبقى أقوياء بالذي يقوينا إذا وضعنا اتكالنا عليه. وما قاله الربّ لبولس يقوله لكلِّ واحدٍ منَّا، خاصَّة إذا كان يسعى صادقًا إلى اتمام الرسالة التي وضعها الربّ بين يديه. يقول الربّ لنا "تكفيك نعمتي".

لكن حين نبقى نحس بالاحباط رغم كلّ هذا، فلنردّد على مسامعنا هذه القصة الحقيقيّة وهي قصّة تدعو كلًّا منّا إلى تصويب الهدف ومعرفة الاتِّجاه الذي علينا توجيه كلّ مساعينا واهتماماتنا نحوه:

"مرسلان (أميريكي مرسل وزوجته) أمضيا زهزة عمرهما يبّشران بالمسيح في أفريقيا (إرشاد تعليم، تثقيف، اهتمام بالمرضى، اهتمام بالعجزة، تعريف على تعليم الإنجيل وعلى المسيح...) عادا في آخر عمرهما إلى أميركا في ذات الطائرة مع الرئيس روزفلت الذي كان يقوم بزيارة قصيرة إلى إفريقيا. وساعة الوصول إلى أميركا، كان المطار مزينًا بأقواس النصر، بالأعلام، بالزينة، بالموسيقى، بالمستقبلين، فعاليات المدينة 21 طلقة مدفع... كل ذلك احتفاء بالرئيس الذي غاب لعدّة أيّام عن وطنه... أمَّا المرسل والمرسلة فعبرا بين الجموع دون أن يدري بهما أحد...!.

شعرت الزوجة بالإحباط إذ أنّها لم تجد أيّة حفاوة لها، وأخذت تعاتب الربّ وتقول له: هذا ليس عدلًا تجاه من أمضى عمره في خدمتك...

بعد أيّام، وإذ وجدت أن زوجها بقي محافظًا على هدوئه، سألته عن وضعه فأجاب: بعد خروجي من المطار أخذت أفكر بما جرى لنا. وخلال النوم ظهر لي المسيح وربّت على كتفي وقال لي: "أنتما لم تصلا بعد إلى المكان الذي سيتم فيه إقامة الاستقبال لكما"...!.

ونحن، لمن نعمل، لمن نسعى؟

وأين هو المكان الذي نتوقع أن يتمَّ استقبالنا فيه؟

المكان الذي سننال فيه المكافأة على مساعينا.

 

 

الخوري جوزف واكيم واكيم

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية