من الابن الضال إلى تلميذي عمّاوس

 

 

 

من الابن الضال إلى تلميذي عمّاوس

 

مع  تلميذي عمّاوس

 

ما هي المسيرة التي نحن مدعوُّون لنعيشها؟  ماذا يقول لنا نصّ تلميذيّ عمّاوس؟

 

إذا كان الإنجيليّ لوقا يروي لنا هذا الحدث بكثير من التفاصيل التي يرويها مرقس بآيتين فقط ويتجاهلها كلّ من متى ويوحنّا، فحتما لكي يدعونا لنسقط ذاتنا، لنجد ذاتنا في يأس التلميذين. في الواقع، قد يحصل لنا أن نرى إيماننا يتراجع، ينحسر أو حتى يختفي.

غالبًا هذا الكسوف للإيمان يجتاز درجة ثانية: إنّه يترافق بقلق عدم العودة للإيمان. من الصعب في هذه اللّحظة أن نفهم بأنَّ هذا القلق يخفي في الواقع شكل ذكيّ للإيمان نفسه. والإنجيليّ لوقا يكشف لنا بأن إخفاقاتنا طبيعيّة ولا تقود إلى الكارثة. ففي أغلب الأحيان، كما هي حال تلميذيّ عمّاوس، نكون في صدد فقدان إيمان ساذج لكي نعبر إلى إيمان أكثر حقيقية. وهذه الآلية لا تنتهي أبدًا.

على مثال مريم المجدليّة، باكية على حافة القبر الفارغ، وتريد الاحتفاظ بيسوع لحاجتها له، ويقول لها يسوع: «لا تمسكيني... اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم». ويعلّمها بأنّه من الآن هو من يحتاج إليها، نحن أيضًا، أيضًا  أُعطيت المعرفة بيسوع: لكن ليس من أجل الاحتفاظ به، غيرة، في مقابر حياتنا الداخليّة، إنّما لنكون شهوداً له، ونعلن الرَّجاء الذي فينا.

فأن نكون شهودًا له، هذا يعني أن نتخلّى عن القرب المادي والحسيّ منه، القرب الجسديّ. لأنّه لا بُدّ من أن يتوقّف الحضور لحفنة من الناس، ويصبح هذا الحضور ممكناً لكلِّ البشر، وفي كلِّ الأزمنة.

«يا قَليلَيِ الفَهمِ وبطيئَيِ القَلْبِ عن الإِيمانِ بِكُلِّ ما تَكَلَّمَ بِه الأَنبِياء. أما كانَ يَجِبُ على المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُلَ في مَجدِه؟». التلميذين الذين سمعا هذه الكلمات من إنسان مجهول، على الطريق، كانوا فاقدين لكلّ أمل. لقد أسقطوا على إنسان «كان نَبِيّاً مُقتَدِرًا»، مستقبل خيالي متأثرًا بهوام كلية القدرة: «كُنَّا نَحنُ نَرجو أَنَّه هو الَّذي سيَفتَدي إِسرائيل».

ليس فقط هذا المستقبل المرجو انهار، إنّما الماضي الذي عاشوه مع هذا الرّجل فقد كلَّ معناه: لقد حُكم عليه من قبل السلطات العليا للشّعب، حكم عليه كلص وسُلّم لسخرية الصّليب. سماع هذه الكلمات: «يا قَليلَيِ الفَهمِ وبطيئَيِ القَلْبِ عن الإِيمانِ»، في الوقت الذي يلتحق بنا حضور المسيح القائم، يتضمّن إذن، اليوم كالبارحة، عيش وقبول انهيار المستقبل المرجو الذي يقود إلى اليأس من تاريخنا.

هذا الاسقاط يستند على تأويل خاطئ للتاريخ، تأويل نُعطيه إيَّاه انطلاقًا من حكمنا الشخصيّ. وحكمنا الشخصيّ أعمى منذ البدء، بسبب الشّك بعطاء الحياة الذي لا يقودنا سوى إلى الموت. هذا الشّك يمنعنا من الإيمان بعطاء الله ويسلّمنا للخوف الذي يغذي فينا إرادة كلية القدرة في جدل يائس ضدّ الموت. بحسب هذا التأويل اليائس للتاريخ، الموت هو الرّابح دائمًا، وهو من له الكلمة الأخيرة.

هذا ما يشرحه تلميذيّ عمّاوس على الطريق. الرواية التي يروونها للأحداث صحيحة. هذا ما حدث بالفعل، ومنظور إليه من الخارج. لكن تأويلهم هو الخاطئ! يقولون، في الواقع، أنّهم كانوا يرجون بأن يسوع الناصريّ سيكون مخلّص الشعب من خلال ما حدث فعليًا في الماضي. لقد حرّر الشّعب وكلّ إنسان من الموت المفهوم كتنفيذ لحكم بالإعدام من الله على البشريّة.

«حرَّر الَّذينَ ظَلُّوا طَوالَ حَياتِهِم في العُبودِيَّةِ مَخافَةَ المَوت» (عب 2، 15). بكشفه أنّ الله كان معهم حتى الصّليب دون أن يتهمهم، حرَّر يسوع البشر من سلطان الشيطان. ولكن حكم التلاميذ الأعمى، كحكمنا، لا يمكنه أن يعرف مباشرة ما حدث بالفعل على الصّليب. لهذا السبب حضور يسوع القائم إلى جانبهم يبقى حضور إنسان مجهول خلال مسير طويل سيقومون به معًا.

من هذا الإنسان المجهول سيسمعون كلمة توقد قلبهم، بتحريره لهم من تأويلهم اليائس ليفتحهم على تأويل جديد للتاريخ. يدعو يسوع التلميذين للإيمان لكي يجدوا الذكاء الحقيقيّ، ذكاء القلب. بفتح قلبه لهم وبمشاركته لهم في تأويله الشخصيّ للتاريخ انطلاقًا ممّا يخصّه شخصيًا، يدعو تلاميذه للثقة فيه وفي كلّ الشهود الذين سبقوه.

 فالإيمان والثقة يعني مباشرة الاعتراف بالآخر، بمعنييه: التعرف على أحد بالفرح من حضوره كعطيّة. هذا يجعل القلب يتقد لعطائه لنا إمكانية اختبار حضور الآخر، من الداخل وليس من الخارج. يمكننا آنذاك تأويل الأحداث من الداخل، بحسب الروح الذي يحيها، وليس فقط من الخارج، في موضوعيتهم اللاشخصيّة.

هكذا سيزلزل يسوع تلاميذه، ليس من خلال عطائه لهم معلومة تنقصهم، ولا بتأسيسه للاهوت جديد، بل بمشاركته لهم بسرّ، بسرّه هو: «أَما كانَ يَجِبُ على المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُلَ في مَجدِه؟». فبدلاً من فهم هذه الآية من جديد من الخارج، كما لو أنّ إله شاذ يطالب بالدفع من خلال الآلام مكافأة لمجده، هذا السرّ لا يمكن أن يكون سوى سرّ الحبّ.

فالحبّ فقط يزلزلنا ويجعلنا نتعرف على هذا الإنسان المجهول الحاضر معنا باستمرار، حضور الله هنا حتى حيث نهرب منه في عبوديّة أحكامنا الشخصيّة. ولدى وصولنا هنا، القلب المتقد، يبقى علينا أن نطيع من يتقد فينا، أن نطيع للرّوح الحقيقيّ للتاريخ بعطائنا له جسدًا. يبقى علينا أن نفتح بابنا للقريب، للمجهول، للمحروم، لمن ليس له مأوى عند حلول الظلام.

 «أُمكُثْ مَعَنا، فقد حانَ المَساءُ ومالَ النَّهار». أُمكث معنا، أي لا يزالون في علاقة حاجة، يريدون أن يبقى معهم ولأجلهم. ولذلك عندما عرفاه اختفى، هنا بداية العبور نحو علاقة الرّغبة التي تعيش عدم الحضور على أنّه مجرّد غياب وليس تهديد بنهاية العلاقة.

لذلك، يبقى أن نفتح بابنا للقائم من بين الأموات. آنذاك تُفتح أعيننا ونعرفه كأخ، مختلف عنّا، لا نحتاج إليه بل نرغب به، نحبه لما هو عليه، لا كما نريده أن يكون «أي أن يعيد الملك لإسرائيل!» وذلك بمشاركتنا خبزه وشكره الأبدي، الذي يجعلنا نقول معه بكلِّ ثقة: «أبّا، أبانا»، مُحرّرين بالرّوح من الخوف، قائمين معه.

 عندما رويا مغامرتهما مع القائم من بين الأموات للرسل، أخبروهم هؤلاء بأنّه تراءى لسمعان بطرس، وبالمناسبة، هذا الظهور لسمعان غائب من روايات القيامة. وفجأة يسوع يتواجد في وسطهم.

 مبدئيًا على هذا الحضور ألاَّ يفاجئهم بما أنّهم في صدد التحدّث عن لقائهم السّابق معه. ومع ذلك لم يصدّقوا أعينهم واعتبروه روح، كما لو أنّه من المُمكن أن نرى الرُّوح. كلمة الرُّوح هنا تعني غير واقعيّ. أي لا يزالون أسيرين تصوراتهم السابقة عنه. لم يتخلّوا عنها بعد، وهذا الأمر يمنعهم من التعرف عليه، لا بل أكثر يجعلهم، بطريقة ما، أن يرفضوا وجوده الجديد.

ولكن هذا أمر طبيعيّ، فالإيمان لا ينضج فجأة وبطريقة سحريّة؛ شكله الكامل في نهاية الطريق، وعلينا أن نشكر الله على أنّ هذا الإيمان في البداية لا يتجاوز حبّة الخردل. كما أنّه لا يمكننا الحصول على الإيمان كخير لا يمكن أن يُنتزع: قد نكون مؤمنين في السّاعة الثامنة صباحًا وغير مؤمنين بعد خمس دقائق. في الواقع نحن لا نملك الإيمان، نستقبله باستمرار.

وبولس يجيب بأن الفارق بين الجسد المائت وجسد القيامة كالفارق بين البذرة التي تُزرع في الأرض والنبتة الناضجة. لا شكّ بأنّها استعارة، لكنّها مهمّة لكونها تبيّن لنا ارتباط الاستمراريّة بالانقطاع. الشيء نفسه يصبح آخر (في أغلب الأحيان يرفض الأهل بأن أبناءهم كبروا، فيستمروا بالتعامل معهم على أنّهم أطفال!). يسوع يأكل، يحتفظ بجروحه، لكنّه لم يعد خاضع لقوانين الزمان والمكان.

 فنحن لسنا مدعوّين فقط لنؤمن دون أن نرى، إنّما أيضًا أن نؤمن دون أن نتصوّر حتى. لا يمكننا لا أن نصف ولا أن نفكر الجسد القائم من الموت. ومع ذلك هناك جسد. والطبيعة مملؤة من صور القيامة: تناوب الفصول، النوم والاستيقاظ الخ. عبور المتعاكسات الواحد في الآخر.

أن نؤمن دون أن نرى، أو حتى دون أن نتصوّر، هذا يعني القبول أولاً بعدم الحضور الماديّ، الملموس، وثانيًا، القبول بعدم امتلاك الآخر، والخروج من علاقة الحاجة إلى علاقة الرّغبة.

مجمل الكتاب المقدس، تحت شكل قصص متتابعة خاصّة ومؤرّخة ومحدّدة في المكان، أحيانًا رمزيّة، تكشف لنا معنى المغامر الإنسانيّة. كما يقول سفر الرؤيا، إنّه كتاب مقفل مختوم بسبعة أختام، وحده المسيح قادر على فضِّ الأختام. إنّه يحقق ذلك بموته وقيامته، الحدث المفتاح وآخر كلمة للتاريخ.

هنا، كلّ ما سبق يأخذ معناه، ويعطي معنى لما عاشته وتعيشه وستعيشه البشريّة. يقول لنا بأنّ كلّ المتناقضات، كلّ الصراعات، كلّ الخير وكلّ الشرّ مأخوذ على عاتق المسيح الذي يجمعنا في جسد واحد. هذا الجسد هو جسده وعلينا أن نبذل ما بوسعنا لكيلا نفكّر أنّ المسيح قام بجسده (تخلي عن القديم الجامد)، إنّما بالجسد الجديد الذي هو الكنيسة.

فالقيامة هي نهاية الكتاب المقدّس، وجوهر إيماننا وحياتنا. الكون بمجمله مجبول بالقيامة المخفيّة التي تأخذ أشكالاً متنوِّعة. وعلينا أن نكون شهود على ذلك.

فالموضوع ليس الخلود إنّما القيامة. وأهمّ ما في القيامة هو القبر الفارغ، أو بالأحرى فراغ القبر. كلّنا نعلم والكنيسة تقول بأنّ القبر الفارغ هو دليل وليس ببرهان. هذا الفراغ يحمينا ويمنعنا من أي تصوّر وبالتالي علينا قبول هذا الفراغ، أن نعيش هذا الفراغ لكي نستطيع استقبال القائم من بين الأموات كما يقدّم ذاته وليس بحسب تصوّراتنا الخاطئة التي «تحجب أعيننا عن معرفته». آنذاك نعبر من علاقة الحاجة لندخل معه في علاقة الرّغبة.

من هنا ينبع السؤال: ما هو الجسد الروحانيّ؟ المسيحيّون الأوائل كانوا يتساءلون أيضاً بهذا الاتجاه. كيف يقوم الموتى؟ وبأي جسد يعودون؟ (1 قور 15، 35).

 علينا الاعتراف بجهلنا؛ وجواب بولس وهو يقارن بين جسدنا وحبّة الحنطة التي تموت في الأرض وبين جسد المستقبل والسنبلة التي تخرج منها، هذا الجواب ليس سوى مجرّد صورة؛ هذه الصورة تشير إلى الاستمرارية بين الجسد الحالي وجسد المستقبل، وأيضاً غنى هذا الأخير بالنسبة للأول.

عمّاوس، تعليم كتابيّ على الطريق. لا وصول للقائم من بين الأموات دون العبور من الكتب المقدّسة. يسوع يكرّر ما قاله في الجليل. لا شيء جديد: على ابن الإنسان أن يتألّم ويُقتل ويقوم في اليوم الثالث. يسوع يعبر من خلال فهم الكتب المقدّسة. إنّه يفتح العقل على فهم الكتب المقدّسة؛ وعلينا أن نسعى للفهم.

فالقيامة ليست بانقلاب ضدّ العقل والإيمان. على العكس، إنّها مُسجّلة، إن صحّ التعبير، في طريقة الله، منذ خلق العالم، منذ اختيار إبراهيم.

عمّاوس، إنّها خبرة تتمّ مع شخصين أو ثلاثة. لا وصول للقائم من بين الأموات بدون الكنيسة، بدون الجماعة التي تسمح بالسَّير من جديد، من استقبال الخبز والخمر، من معرفته لدى كسر الخبز.

القائم من بين الأموات يأكل سمكًا مشويًا، أمام أعين التلاميذ الذين قدّموه له. فلا يكفي أن يستهلك التلاميذ جسد ودمّ الربِّ القائم. بل لا بدّ له أيضاً من أن يستوعب الكنيسة! لا يكفي للكنيسة أن تقيم الافخارستيا. ولا يكفي للافخارستيا أن تصنع الكنيسة، كما يقول الأب دي لوباك اليسوعيّ. فالكنيسة قادرة أن تنحرف نحو الإكليريكيّة أو الاكليروسيّة. والافخارستيا معرّضة للوقوع في الطقسية.

فما الفائدة من الكنيسة والافخارستيّا إن لم تكن من أجل أن نصنع المسيح إن صحّ التعبير؟

فالمسيح يريد أن نغذيه، نحن، من غذائنا الفاني، في جسده القائم، والذي لم يعد يخضع للزّمان والمكان، ولا للهضم ولا للموت، من أجلنا. بل على المسيح أن «يهضم» الكنيسة! ولوقا هو أخيرًا الوحيد الذي يقدّم يسوع القائم من بين الأموات على أنّه المُفسر الوحيد وصاحب السّلطة، لشريعة موسى والأنبياء والمزامير.

 

الأب رامي الياس اليسوعي

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية