من الانتظار إلى الوصول، مع سمعان الشيخ

 

 

 

 

 من الانتظار إلى الوصول، مع سمعان الشيخ

 

الانتظارُ ترقُّب يستحضرُ صاحِبَهُ الشخص الذي ينتظرهُ في فكرهِ وفي قلبِهِ واهتمامِهِ الأعمق. يصلُ الشخصُ المُنتَظَرُ إلى قلبِ وفِكرِ مَن ينتظِرُهُ وينمو بحبِّهِ قبلَ أن يصلَ بالحُضور الجسديّ.

إن كان هذا الشّخصُ هو المسيح يكونَ الاستعدادُ لاستقبالِهِ شامِلاً لكلِّ كيانِ الإنسانِ الذي ينتظرُه.

 في الرُّوحِ مقرِّ سُكناه ومملكتِه، وكذلك في النفسِ المتناغِمةِ مع الرُّوح، أمّا الجسَد فتكونُ لغتُهُ نابعَة من تفاعُلِ الكلماتِ مع الرّوح.

 يروحُ ويجيء أمامَ مرآةِ يسوع كلّ الوقتِ ليقيسَ ذاته عليه، وعلى مشيئتِهِ وذوقِه، وعلى ما يُحبّ ليتطابَقَ معهُ حينَ يصل ويجدهُ كما يحبّ أن يكون. فوقت الانتظارِ هو وقت حبّ وغِنى وتماهٍ مع الشّخصِ الحبيب.

 

 هذه هي علامَةُ الحبّ. فلحظة الحبِّ الأقوى هي اللّحظةُ التي تسبقُ مباشرةً لحظة الوصول. هناكَ رباط عميقٌ بين الانتظارِ والوصول.

 فزمنُ الانتظارِ يؤلّق حدث الوصولِ في بهاء الحبِّ ونظرَةِ الاختيار.

 فهل الانتظار هو دومًا لحظة حلوة أم هنالكَ انتظار مرتبط بالقلق والخوفِ واللامُبالاة؟

 

بين انتظارٍ وانتظار!

قبلَ أن نتطرَّقَ إلى موضوع الانتظارِ نبدأ بعلاقةِ المعرفةِ بالحقيقة.

هنالك طريقان للمعرفة، إمّا من طريقِ الحُبِّ أو من طريقِ الكره.

 في الحالةِ الأولى يعملُ المرءُ على تغطيَةِ الشّوائبِ، كما فعل يسوع وهو على الصّليب: "إغفِرْ لهم يا أبتاه لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون!" (لو 23/ 34) وتحويلها بالمغفرةِ إلى وسيلة تنقية وتطهير وطريق خلاص؛

وفي الثانية تغطية الحسنات وإظهارِ الشَّوائب والتركيز عليها حتى تصبح هويّة المرء، لدرجة أنّه حتى الحسنات تصبح تمثيلاً وازدواجيَّة وموضوع تغطية خبيثة مرتبطة بسوء النيَّة. لا موضوعيَّة حقيقيَّة في المعرفةِ الإنسانيَّة للآخرين، لأنّها ليست معرفة مختبريَّة.

أمّا في مجالِ الانتظار، فهنالكَ نوعان من الانتظار الترقّبي:

 

 انتظار مرتبط بالفرح والشوق والاستعداد الذي يبني ويرتكز على التحوّل وتبدّل الشخص الذي ينتظر، وآخر مرتبط بالخوف والاستعداد لمواجهة القادم بالوسائل الدفاعيَّة التي تضمن الحماية منه أو الانتصارِ عليه.

يُعطينا المسيح المثلين في الإنجيل: في المثل الأوّل يصفُ وضعَ السيِّد الصديق: "كونوا مثل أناسٍ ينتظرون سيّدَهُم متى يعودُ من العرس، حتى إذا جاء وقرع، يفتحون له حالاً. طوبى لأولئِكَ العبيد الذين، متى سيّدُهم، يجدهم متيقّظين... وإن جاء في الهجعةِ الثانية أو الثالثةِ ووجدهم هكذا، فطوبى لهم!" (لو 12/ 36-38).

أمّا النصّ الثاني فيصفُ القادِمَ باللّص بقوله: "واعلموا هذا: إنّه لو عرفَ ربُّ البيتِ في أي ساعةٍ يأتي السّارِقُ لما تركَ بيتَهُ يُنقب" (لو 12/ 39). ويُعطي الخلاصة التي تصلح للمَثلين بقوله: "فكونوا أنتم أيضًا مستعدّين، لأنَّ ابن الإنسانِ يجيءُ في ساعةٍ لا تخالونَها!" (لو12/ 40).

وهنالكَ في مثل العذارى استعدادٌ أو عدم استعداد مرتبط باللامُبالاة والاستخفافِ تجاهَ العريس واستقباله. هؤلاء "العذارى العشر أخذن مصابيحهنَّ وخرجن إلى لقاءِ العريس" (متى 25/ 1). هل كانتِ العذارى كلّهنَّ مُستعِدَّات بِما فيه الكفايةِ للقاءِ العريس؟ خمسٌ منهنَّ كُنَّ مُستعدَّات، وخمسٌ لم يكُنَّ مُستعدّات.

ما هو معيار الاستعداد؟

المستعدّات هنَّ الحكيمات اللواتي "أخذنَ زيتًا في آنيَةٍ مع مصابيحِهنَّ" (متى 25/ 4)، وهذا الزيت هو ثمرةُ كلِّ تجارتهنَّ بالوزنات. أمّا الجاهلات "فلم يأخذنَ معهنَّ زيتًا" (متى 25/ 3). هؤلاء العذارى لم يكنَّ مُستعدّاتٍ ولم يتزينَّ بالزيت الذي كان أداة الزينة والنّور، وبالتالي أهملنَ مصابيحهنَّ التي كادت تنطفئ. وهذه المصابيح هي نفوسُهنّ. لقد أهملنَ نفوسَهُنَّ ولم يُزينّها لاستقبالِ العريس لكي يختارهُنَّ عند وصوله.

هذه هي أمنية كُلِّ نفسٍ أن تكون مُختارةً يسوع عند لِقائِها به بعد هذه الحياة العابرة.

ولكن هنالِكَ نوع آخر من الانتظار في تاريخنا البشريّ الذي كان يبغي رؤيَة الخلاصَ يصل من السّماء إلى أرضنا بشخص يسوع المسيح.

 

في الانتظار، أهميَّة الحدث والشَّخص المنتَظَر

يحتاجُ كلُّ حدثٍ هامّ إلى انتظار وتحضير للإستعداد له وتغيير ما يتناسبُ مع جمالِ حصولِه عندما يصل؛ مثل انتظارِ قُدومِ شخصٍ عزيز. فبقدرِ أهميَّةِ الحَدَث وأهميَّةِ الأشخاص يكون الاستعدادُ ويطول الانتظارُ ويتكاثفُ التحضيرُ ويتعمَّقُ التغيير، خاصّة إذا كان الشَّخصُ المُنتَظر صاحبَ دورٍ هامّ، إمّا عبرَ علاقةٍ شخصيَّةٍ ورباطٍ عميقٍ ومودَّةٍ كبيرةٍ وحبِّ عظيم، وإمَّا عبر الدورِ العظيمِ الذي يلعبُهُ على صعيدٍ عامّ. ولكلِّ من هذه الأدوار حلقة تأثيره التي تحرِّك فئة من الناس. ولكن التأثير الأوسَع والأعمَقَ هو التأثير الدينيّ – الخلاصيّ صاحب الدور الأكثر مصيريَّة والذي يتخطّى البُعدَ الجسديّ الوجوديّ ليصلَ إلى الرّوح.

 

 

إنَّ الانتظارَ بالغُ الأهميَّةِ والفعاليَّةِ للاستعدادِ والتحضيرِ لوصولِ مَن ننتظر قدومَهُ لنكونَ على مستوى هذا الحبّ الذي يفرح قلب الشّخصِ الذي ننتظرُ قدومَه. وأيضًا بقدرِ أهميَّةِ الشَّخصِ الذي ننتظرُهُ وغلاوتِهِ علينا تكون أهميَّةُ الاستعدادِ لقدومِه والتحضيرِ لهذا القدومِ وتوسيع هذا التحضير.

 

 إن رفعنا المستوى إلى فوق، إلى السّماء، تتعاظمُ أهميَّةُ الاستعدادِ والتحضيرِ وتتّسِعُ دائِرتُهُ على قدرِ الشّوقِ لوصول الشّخص الذي ننتظرهُ واستعدادنا لاستقبالِهِ كما يليقُ به. وهنالِكَ دورُ الشّخصِ القادِمِ أيضًا. حبُّهُ وشوقُهُ لتغييرِ واقِعِ مَن يحبُّهُ وهو قادِمٌ إليهِ قدومًا إنقاذيًّا، يعملُ على تحضيرِهِ وتحويلِهِ ليبلغَ ذروةَ الاستعدادِ للتغييرِ والدّخولِ في مرحلةٍ جديدةٍ يتألّقُ فيها كإنسانٍ مولودٍ من جديد.

 

 ففي مثل الابن الضّال (لو 15/ 11-32)، أعطى الأبُ للابنِ الضالِّ أكثرَ بكثيرٍ ممّا كان يحلمُ به: أفخر ثوب (ثوب المجد)، الحذاء (حريّة الابن)، الخاتم (صاحب الملك)، العجل المسمّن (الابن-العريس الذي كان ميتًا فعاش وضالاً فوُجد). لم يكن انتظارُ الأب أقلّ كثافة من انتظار الابنِ الضال. لم يدعه يتكلّم قبل تقبيله الطويل له، ولم يدعه يقول كلَّ ما كان ينوي أن يقوله له.

 

الإنتظار التاريخيّ المصيريّ

 

سارَ التاريخُ إلى أن وصلَ إلى يوحنّا، فهرع الناس إليه بتوبةٍ وإلحاحٍ واستعدادٍ وشعورٍ بخطرِ الاستمرارِ في نهجـِهم الذي يتآكلهم، فعمل على إيقاظِ ضمائِرِهم وشعورِهم بضرورةِ التبدّل.

 

وقال للجمعِ أنا "صوتُ صارخٍ في البرِّيَّة أعِدوا طريقَ الربّ واجعلوا سُبُله قويمة". بات عليهم أن يبحثوا عن "حمل الله الذي يحمِل خطيئة العالم!" ومَن يبحثُ ينتظر، ومن ينتظر يستيقظ بقدر وعيِه على الخطر المُحدِق به، وبقدر اكتشافِهِ لطيبةِ ووداعَةِ مَن ينتظرُهُ وعظمَتِهِ وفعاليَّته ورباطَه بالحياةِ والحقيقة يدخلُ في منطِقِ ملْءِ الزَّمن.

وصلَ يوحنّا المعمدان ودقّت ساعة الصفر، ويوحنّا الصَّوتُ الصارِخُ في البرِّيَّةِ وروحُ الربِّ عليه ليُبشِّر المساكين و... يُطلق سنة مُبارَكة لدى الربّ. ووصلَ المُنتظَر وبدأتِ الخِصاماتِ وانطلقَ الشِّقاق!

 

وصل العريس المُنتظَر ليتألّق في الحُبّ

وُلِدَ المسيح الإلهُ المُنتَظَر، فجُنَّ جنونُ هيرودس، وتحرَّك المجوس، وهبَّ الرُّعاة، وانفتَحتِ السّماء! كان اليهودُ ينتظرونَهُ في مجالِ خطر أشدّ يغوصُ بهم في منطِقِ السّلطةِ والمَجدِ الدّنيويّ المُخادِع، وهذا ما بدأ بعيشِهِ هيرودس الباحِثُ عن اللهِ ليقتله.

إنتظرَ كثيرون المسيحَ في محطّة أنانيّتهم، ينتظرونَهُ ملِكًا ببهاءِ المُلوكِ من بيتَ لحمَ يخضَعُ لانتظارِهم له حيثُ هم يُريدون لينعموا بسلطتِهِ لخدمَةِ أهوائِهم. فإذا به يولدُ في بيتَ لحمَ، لا مكان لهُ بين الأغنياءِ وعُظماءِ هذا العالم.

 

ركعَ التاريخُ أمامَ سيِّدِهِ مُنتظِرًا تجلّيه بالشكلِ الذي هو يُريدُه، ولكنَّ الإنسانَ تابَعَ تمرُّدَهُ وتمسَّكَ بشهوَةِ آدَمَ وحوَّاءَ الحسيَّة حيثُ يُريدُ أن يبقى سيِّدَ المَوقفِ ويُسيطرَ على كُلِّ أبعادِ الحلبة.

يُريدُ الإنسانُ أن يحكُمَ السَّماءَ بمعاييرِهِ التُّرابيَّة. وأتى وقتُ الوداعَةِ لِخلاصِ العالم. ملكٌ فقير، إلهٌ مُحبّ، سيِّدٌ ليس لهُ موضِعٌ يُسنِدُ إليهِ رأسَه. قديرٌ في تقديمِ ذاتِهِ على مَذبَحِ الحُبّ ليَرفَعَ الإنسانَ إلى أعلى قمَمِ الحياةِ عبرَ التجرُّدِ والتخلّي عن كُلِّ ما يغطّي هذه الحياةِ بأوهام خداعيَّة.

مريم ويوسف فقيران، يحمِلانِ طِفلاً يحتاجُ إلى عنايَةٍ وسهر، ينتظرُهُما في الهيكلِ شيخٌ وعجوز يمثِّلان آدمَ وحوّاء التائِبَين بعد تاريخ انتظارٍ وبحثٍ أدمى قلبيهما: سمعانُ الشيخ الذي كلّت عيناهُ من الانتظارِ والشوق والحُبّ بعد أن اكتشفَ سخافة أمجادِ هذا العالم المُخادِعة وغِناهُ الوهميّ وتكديسُ سنواتِهِ الباهِتة، يتألّقُ أمامَهُ بهاءُ نورِ الطفلِ المُخلّص فيهتِفُ من أعماقِ العهدِ القديم، عهد الانتظارِ الشديدِ الإلحاحِ بكلِّ جوارِحِه: "الآن أطلِق يا ربّ عبدَكَ بسلام فإنَّ عيناي قد رأتا خلاصَك!" لقد أشرَقَ نور الخلاص.

 

خلاصة

 

لا شيءَ مصيريّ في الحياةِ إلّا ويحتاجُ إلى تحضير.

 

فولادَةُ ولدٍ بحاجَةٍ لتحضير، وإكليل بحاجة لتحضير ربّما لسنوات تعارف وغيرها. فمَن يتهيَّأ للكهنوت بحاجة لسِتِّ سنوات أو أكثر لخدمة كهنوتيّة، وبقدرِ أهميَّةِ مجالِ نهج الحياة يطولُ التحضير ويعمق الاستعداد.

 

 وفي كلِّ هذا هنالك سرّ الانتظار لتحويل الشخصيَّة إلى حاملة رسالة ولابسة ثوب المجال الذي على صاحبها أن ينهجه ويكون جديرًا به. فكيف بالأحرى مسألة مصيريَّة، ليس فقط في هذا الوجود التاريخيّ، ولكن في المصير الأبديّ؟

 

كم تحتاج إلى تحضير وانتظار وتحضير تحوّليّ ليُصبِحَ المرءُ على قياسِ الحدَث! كان انتظارُ سمعان الشّيخ وحنّة النبيّة انتظار التاريخ الخلاصيّ برمّتِهِ مطلاً من الهيكلِ وسائِرًا على طرقاتِ الوجود، من الجليل إلى اليهوديّة وصولاً إلى أورشليمَ فالهيكل حتى عبادةِ الله بالرّوحِ والحَقّ.

فالمشروعُ في غايَةِ الخطورَةِ يحتاجُ لتنشئةِ النفسِ بكلِّ مكوِّناتها على منطِقِ الرّوحِ في الحقِّ الذي يؤلّقُ الحياةَ في المجدِ السّماويّ. وهنا نحنُ أمامَ الوصيَّةِ كما خرجت بصفائِها من الله والتي هي نبعُ الحياة، شجرةُ الحياةِ هي الله، وليسَ للإنسانِ حياةٌ إلّا في محبَّةِ الله ومحبَّةِ القريب. ومحبَّةُ اللهِ هي نبعُ محبَّةِ القريب.

 

 العالمُ الناضِجُ الحقيقيّ هو العالمُ الذي تنظّمُهُ وتحكُمُهُ المحبَّة التي هي الثالوثُ الأقدسُ وطريقُنا إليهِ هو يسوع الحُبُّ ووجهُ رَحمَةِ الآب.

إنَّ انتظارَ يسوع هو مدرسةُ التحوّلِ في القداسَةِ والنضوجِ التأمّليّ، والتبدّل العُبوري من عالمٍ عابرٍ صوبَ الهدفِ عبر التخلّي والتجرّد، إلى الحياةِ المتألّقةِ في شمسِ الحقيقةِ الساطِعَةِ في المجد الأبديّ حيثُ الله هو الكلّ في الكلّ.

 

 رائعٌ هذا الإنسانُ الكامِلُ في يسوع، شخصُ المُصالحةِ بامتياز حيثُ يلتحِمُ اللاهوتُ والنّاسوتُ في مُصالحةٍ تبادُليَّةٍ في الحُبِّ الحواريّ والجدليّ السعيد والمُغني في نموٍّ يدومُ إلى الأبد.

 

                                                                          المطران الياس سليمان

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية