من يمشي في مشروع الربّ لن يندم

 

 

من يمشي في مشروع الربّ لن يندم

 

 

من هو الرُّوح القدس؟

هنا في الشرق يستفيضون في الحديث عنه، يقولون لنا أنّه لولا الرُّوح القدس لا يتحقّق شيء. لولا الرُّوح القدس، لا يتمّ أي من الأسرار التي نحتفل بها. لولا الرُّوح القدس، لا نستطيع أن نفهم شيئًا من عمل الخلاص الذي حقّقه ربّنا، ولا كان عمل الخلاص هذا يتجدّد. فمن هو هذا، الرُّوح القدس؟

 

من الأكيد أنّ الرُّوح القدس، هذا البطل، وهذا الجندي المجهول في كلّ طقوسنا وفي كلّ حياتنا المسيحيّة، هو روح الله بالذات. ليس روحًا لأحد، ليس شيئًا طلع خارجًا من الله، بل هو روح الله بالذات، الرُّوح النابع من قلب الله لكي يدخلنا في قلب الله.

 

عمله هو أن يخرج من الهيكل السماويّ، من العائلة السماويّة المؤلّفة من الآب والابن والرُّوح القدس. عمله هو أن يسافر، أن يذهب ليكتشف. هناك جملة نقولها في أوّل صلاة المسبحة: "أرسل روحك فيتجدّد وجه الأرض!" عمل الرّوح القدس هو أن يذهب ليجدّد، أن يكتشف أماكن جديدة، أن يكتشف قلوبًا جديدة، أن يسيطر عليها، أن يحتلّها من أجل سكنى الله، وأن يعود فيقدّمها بكلِّ طواعيَّة بين يديّ الآب.

 

لا مشروع خاص بالرّوح القدس. هناك مشروع الآب، وهو مشروع بدأ بالخلق، وتواصل رغم خطيئتنا ورغم نكراننا ورغم بعدنا، تواصل بأمانة هائلة من جانب الله، لأنّ الله لا يعرف إلّا الأمانة، فهو أمين. تواصل بفضل الكلمة التي وصلتنا عبر الأجيال، عبر العهد القديم وعبرالأنبياء. تواصل إلى أن تُوّج بالابن. "في الأيّام الأخيرة كلّمنا بابنه الحبيب يسوع المسيح"، الابن الذي هو أعلى من الملائكة، الابن الذي أرسله لنا الآب بواسطة جسد إمرأة ليكشف لنا ما هي إرداته.

 

يتجدّد مشروع الآب بحلول الابن وبحياة الابن بيننا، ثمّ يتواصل مدى الدهور، دون أن يوقفه شيء، بواسطة الرّوح القدس.

 

الرُّوح القدس هو الذي يسمح، في قلب العائلة الثالوثيّة، لمشيئة الآب بأن تفوز بواسطة الابن، فتأخذ نكهة بنويّة، تأخذ صورة البنوّة، ولا تأتي من الخارج.

 

عمل الرُّوح القدس؟

 كلّ مخلوق على وجه الأرض يجب أن تصله بُشرى الخلاص وكلمة الخلاص.

 كلّ شعب على وجه الأرض يجب أن تصله البُشرى الجديدة. وفي كلّ ما يجب أن يتجدّد على وجه الأرض، يأخذ الرّوح القدس ما هي إرادة الآب لهذا الأمر بالذات، فيمرّرها للابن، معطيًا إيّاها نكهة البنوّة، ولهجة البنوّة، ومنهجيّة يسوع، ثمّ يعدو فيوصلها، وينسحب. إذًا لا يبدأ شيء مع الرّوح القدس ولا يبقى شيء للرّوح القدس. هو الأداة. كلّ شيء يبدأ بالآب. في الليتورجيا اللاتينيّة نقول: لك أيّها الله الآب القدير، في وحدة الرّوح القدس، كلّ التكريم وكلّ المجد، إلى دهر الداهرين. آمين.

 

أي دور يلعبه الرّوح القدس، الموجود في قلب العائلة السماويّة؟

 نحن نقوم أحيانًا بمقاربات بين العائلة البشريّة والعائلة السماويّة. الغربيون اخترعوا نظامًا مفاده أنّ الآب هو مقابل الأب، والابن هو مقابل الابن، والرّوح القدس تقابله المرأة ـ الأمّ. وهذه المقاربة صحيحة جدًّا لأنّها تلائم دور الرّوح القدس.

الآب الذي جوهره محبّة لا وظيفة أخرى له. ليست لديه رغبة أخرى إلّا بأن يعطي ذاته.

 

ظننّا أنّ جبران خليل جبران إخترع شيئًا عندما قال "المحبّة لا تعطي إلّا ذاتها ولا تأخذ إلّا من ذاتها". إنّ حركة المحبّة، التي تعطي ذاتها وتأخذ من ذاتها، هي حركة العلاقة بين الآب والابن.

 

الآب، الذي هو محبّة، وجوهره محبّة، الله المحبّة، يقول يوحنّا في رسالته الأولى، الله المحبّة يفرّغ ذاته بكلّيتها، فيعطي الوجود للابن. لا وجود للابن  من دون الآب. ولا وجود له من دون محبّة الآب. وجود الابن وجود المحبّة. الآب يفرّغ ذاته من الابن حتى يعطي وجودًا للابن. وبما أنّ الابن اتّخذ جوهره من الآب، والجوهر ياتي من جوهر ـ يلد الإنسان إنسانًا لا حيوانًا ـ وبما أنّ حركة الحبّ الموجودة في قلب الآب تجعل الآب يعطي كلّ ذاته، فالحركة نفسها التي أُفرغت في الابن تعود إلى الآب في الحركة نفسها.

 

 فإذا قال الآب للابن: يا بنيّ، أنا أحبّك، وسأعطيك الحياة، يجيب الابن، يا أبي، أنا أحبّك، وسأعيد إليك حياتي. أنت تعطيني حياتك، وأنا أردّ لك حياتي. والحركة، حركة الحبّ، حركة تبادل الحياة بين الآب والابن، هذه الحركة، هذه الديناميّة التي يخلقها تبادل الحبّ بين الآب والابن، والابن والآب، هذا هو عمل الروح القدس. عمله هو أن يكون محرّك الحبّ داخل العائلة الثالوثيّة.

 

وإذا نظرنا نحن، في وسط العائلة البشريّة، إلى دور أمَّهاتنا، نرى أنهنَّ من يحيّكنَّ الحبّ بين الأب والابن وبين الابن والأب. هنّ "يرقّعن" الحبّ عندما ينكسر بين الأب والابن، وبين الابن والأب. تخلق الأمّ، في وسط العائلة البشريّة، تيّارًا مؤاتيًا لقبول الحياة، ولنموّ الحياة، ولنموّ الفرح، ولنموّ المحبّة، تيّارًا يقول: الدنيا أمّ، والبيت الذي تذهب منه الأمّ ينتهي.

 

في وسط العائلة الثالوثيّة، في وسط مشروع الله الخلاصيّ الكبير، لو غاب الرّوح القدس، لتأثّر المشروع، ولكن دون أن ينهار. لا شيء عند الله ينهار، لأنّ ربّنا كامل ويعرف ماذا يفعل. إلّا أنّ المشروع قد يتأثّر وقد يتأخر. ونحن من سيتكبّد خسائر كبيرة يوم يغيب الرّوح القدس عن حياتنا، إذا غاب لا سمح الله، إذا سمحنا لأنفسنا بأن نغيّبه نحن،

 

 في الكنيسة الأولى لم نكن نتكلّم على الرّوح القدس، لأنّنا لم نكن نعرفه.

 

 ففي البداية، ظهر الله خالقًا، ثمّ كشف عن نفسه ابنًا ومخلّصًا. وبدأ يسوع، في حياته العلنيّة، يتحدّث عن الرُّوح المعزّي، الرُّوح القدس، الرُّوح المحامي، والمذكّر، الذي سيقوّيكم، الذي سيساعدكم عندما سيجرّونكم إلى المجامع، روح الله السّاكن فيكم، الذي يتكلّم فيكم، الذي يصلّي فيكم بأنّاتٍ لا تُوصف. كلّ هذه الأخبار لم نعرف بها نحن إلّا عندما وصل يسوع. وعرفنا بها على مستوى الوعد وليس على مستوى التحقيق.

 

فطالما أنّ يسوع كان موجودًا، لم يكن الرُّوح يعمل فينا بطريقة واضحة. دعونا نحاول تقديم صورة عن ذلك. وأطلب منكم ألا تتمسّكوا بالصورة فتظنون أنّ الأمر هكذا، وهكذا فقط...

نحن لا يمكننا أن نعيش، من دون زمان ومكان، ولا يمكننا أن نحدِّد أنفسنا. بلغة جيومتريّة، هناك محوران، الزمان والمكان، ونحن نعيش بينهما. ولئن لم نكن، في الماضي، نعرف التأريخ، ولا نحن نعرف اليوم ما إذا كانت الروزنامة صحيحة مئة في المئة أو أنّها في حاجة إلى تصحيح، فإنّ الربّ الخالق، عندما بدأ بالخلق، عندما أظهر الخلق إلى الوجود، عندما بدأ العلاقة بين البشر، عندما دخل في علاقة مع الإنسانيّة، دخل تاريخ الإنسانيّة، وصار له حضور على هذا المحور. لقد دخل في علاقة مع الإنسانيّة، دخل تاريخ الإنسانيّة، وصار له حضور على هذا المحور. لقد دخل ربّنا في قلب تاريخ الإنسانيّة.

 

 عليكم أن تتذكروا دائمًا أن الله ثابت، ثالوث، ولا يتحرّك أحد من الثالوث من دون الإثنين الآخرين. هذا هو المثلّث الذي تكّون من العائلة الثالوثيّة.

 

الآب

في عمل الخلق، الآب في المواجهة. هو الذي خلق، ومن ورائه "وحدات الدعم": الابن والرّوح القدس. كيف نفهم ذلك؟ عندما يقول الآب: "فلنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا"، يشرح المفسِّرون أنّ هذا الجمع إمّا أن يكون جمع تفخيم، أو أنّ الآب يتشاور مع العائلة الثالوثيّة. ليس الآب وحده من يقوم بالخلق. ثمّ قال الله:

" ليكن الإنسان، فكان الإنسان". قال: "ليكن". يخلق الله بالكلمة. وفي ملء الزمان، "الكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا". الكلمة هو الابن. "وكان روح الله يرفرف على المياه". أي أنّ روح الله موجود في عمل الخلق ولو لم يكن هو العامل الأوّل، ولو لم يكن هو في المواجهة.

 

إذن بالخلق يظهر الثالوث الأقدس، لكن الآب في الأمام والابن والرّوح القدس يؤمّنان له ما يحتاج إليه كي يسير المشروع إلى الأمام.

 

 

الابن

ارتكب الإنسان خطيئة، وصار عهد بين الله والإنسان، وصارت هناك وصايا، وجاء الأنبياء، إلى أن تمّ ملء الزمان، فتجسّد الله وصار إنسانًا. من قفز إلى الواجهة إنّما هو الابن، ولا يزال الآب والرُّوح القدس "وحدات دعم"، والعبارة الأخيرة ليست دقيقة.

 

سبق وقلنا أن ليس هناك سوى مشروع الآب. لذا فهم لا يزالون في طور تحقيق المشروع نفسه. لا يزال الآب موجودًا في مشروعه، ولا يزال الرُّوح القدس حاضرًا. بقوّة مَن حبلت العذراء بيسوع المسيح؟ بقوَّة الرُّوح القدس. "ألرُّوح القدس يحلّ عليك وقدرة العليّ تظلّلك". حين تمّ الحمل داخل العذراء بيسوع المسيح، امتلأت من الرّوح القدس، أي أنّ الرُّوح القدس حاضر منذ البداية. لم ينتظر ليأتي في ما بعد، فصار هناك تبنٍّ، كما يقول غيرنا. هنا قفز الإبن إلى الواجهة، بان إلى الوجود. وراءه يكمن مشروع الآب بقوّة الرُّوح القدس.

 

 

الرُّوح القدس

يموت الابن، يقوم من بين الأموات، يصعد إلى السّماء، ويختفي. لكنّه يقول: "لا تخافوا، سأرسل لكم المعزي، انتظروا المؤيّد". وفي اليوم الخمسين، وفيما كان التلاميذ مجتمعين في العليّة، يظهر عليهم الرُّوح القدس، ويحلّ عليهم. هذا الرُّوح هو روح الابن القائم من الموت، هذا هو روح الحياة، هذا هو روح يسوع، الرّوح المعزّي الذي سيذكّرني بكلِّ شيء قاله يسوع، أي إنّه آتٍ من عند يسوع. لكنّه يأخذ من الآب، ويُمسحن ما أخذ، ويعطيه لنا، ثمّ يرده إلى الآب بقوّة هذه الحركة التي نجدها، في مطلق مرحلة من مراحلها، ابنة الديناميكيّة ذاتها: كلّ شيء يخرج من الآب ويعود إلى الآب، ومَن يحرّك هما الإبن والرّوح القدس.

 

ما يميّز عمل الحركتين الأوّلين من الحركة الأخيرة هو أنّنا، نحن، شهود على هذه الأخيرة. نعيش هذه الحركة.

 نحن نعيش في هذا الزمان الذي يأخذ فيه الرّوح القدس من الآب، فيمسحن ما أخذ، ويعطي لأبنائه.

 

 نحن نعيش الزمن الذي يقول فيه القدّيس بولس "أنتم هياكل للرّوح القدس". ويقول يوحنّا الإنجيليّ: "من أحبّني حفظ كلمتي، من أحبّني أحبّه الآب، ونحن نأتي إليه ونجعل عنده مسكنًا.

 

ما ألذّ هذه العبارة وما أشهاها تطبيقًا! عليكم أن تحفظوا هذا الكلام جيّدًا. فهو لا يصدر عن أحد المسؤولين في بلادنا، ولا عن رجل دين آنّي يريد إرضاء جماعة إلتقى بها اليوم بهدف إعطائها بعض العواطف وإثارة حماس أكبر فيها و"بيعها حكي". هذا كلام خطير ومسؤول قاله يسوع، ودفع حياته ثمنًا لذلك. عندما يقول: "من أحبّني حفظ كلمتي، وإليه نأتي عنده ونجعل مسكنًا"، فهذا يعني أنّه يتحمّل مسؤوليّة كلامه، ويريد في كلِّ لحظة أن يجعل من كلّ شخص منّا مسكنًا له.

 

أنا أتساءل:

 كيف يمكن أن أكون مسكنًا للألوهة، كيف يمكن للألوهة أن تختارني فتجعل من حقارتي مسكنًا لها؟

 

أعرف إلى أي قيمة رفعني الله بتجسّد ابنه الوحيد يسوع من أجلي، وأعرف كم أنّ الرّوح القدس، الحاضر في هذا العالم، يتابع عمله يوميًا في سبيل قداستي، وقداسة إخوتي، وقداسة كنيسة يسوع المسيح، جسده السريّ، كي يبقى يسوع ساكنًا في هذه الكنيسة، في كلّ واحد منّا، وكي يحوّل كلّ هذا الكون إلى سكنى للثالوث، فيصير الكلّ في الكلّ، وعندئذٍ تنتهي المهمّة، ولا تعود هناك حاجة إلى الصليب وإلى الذبيحة وإلى أي شيء آخر.

 

 فإذا كانت هذه الذبيحة للتكفير عن الخطايا، وإذا كنا قد وصلنا إلى الاعتراف، إذا اعترفت كلّ شفة، وكلّ لسان، بأنّ يسوع هو ربّ، وله تسجد كلّ ركبة في السّماء وعلى الأرض وتحت الأرض، فلم الحاجة إلى الذبيحة بعد؟ صارت ذبيحتي هي ذبيحة التسبيح والتمجيد. لم تعد هناك حاجة إلى ذبح ابن الله من أجل أن أتغذّى أنا من القداسة لكي أتمكن من الوصول إلى ملء قامة المسيح، لأنّني أكون قد وصلت إلى ملء قامة المسيح بنموّ الرُّوح القدس فيّ.

 

هذا هو الرُّوح القدس، محرّك الحياة المسيحيّة، لا من أجل الفضائل فحسب، ولا من أجل أن أكون جيدًا و"أقعد عاقل" ـ فالفضائل ملحقات ـ بل من أجل الخيار الأساسيّ الأوّل العميق. قبل أن أفكّر في أنّني أريد أن أكون شريفًا، ولا أريد أن أتعدّى على جاري، وأريد أن أحضر القدّاس يوم الأحد، ولا أريد أن آكل اللّحم يوم الجمعة، قبل أن أتطلّع إلى حرفيّة الوصايا، عليّ أن أتطلّع إلى خياري.

 

 

 أين أنا من مشروع الآب بالنسبة إليّ؟

 

 أين أنا من مشروع الخلاص بالنسبة إلى الأعلى؟

 

 هل يعنيني أن يخلص إخوتي أم أنّني أريد أن أخلص نفسي فقط؟

 

 هل يعنيني أن أخلص أنا، أم إنّني أريد أن أتدبّر أموري وأرضي ضميري، "وكتِّر خير الله، وماشي الحال"؟

 

 

تعرفون مَن يقال لهم "مسيحو الأحد". معظمنا منهم، تهمّنا القشور من الخارج، ولكن عندما نصل إلى أمر مصيري... إسألوا من جرَّب. طالما إنّ "الحنفيّة" تدفق عليّ بالذهب، أعشقها. وحين يخفّ تدفّق الذهب قليلًا، أبدأ بالتذمّر.

 

 

هل أنا أؤمن بالله؟ هل أنا طيّع للرّوح القدس ولمشروع الله؟

 

 

إذا قلت له: "أرسل روحك فيتجدّد وجه الأرض"، وقال لي: أوّل من أريد أن أغيّره وأجدّده هو أنت"، هل أقول له: لا، إبدأ بغيري. إبدأ برعيّة أخرى، إبدأ بالجيران، إبدأ بشعوب أخرى، إبدأ بعيدًا عنّي، ودعني الآن كما أنا، وأعدك أنّني، في ما بعد، عندما تصطلح كلّ الأمور مع الآخرين، أقبل بدوري؟"

 

هل أراهن على الله لأنّني أحبّ الله ولأنّني أثق بالله، أم لأنّني أحصل على كلِّ ما أريده من الله، وعندما يتغيّر شيء، لا أبقى على العهد؟ هذا هو التحدي الكبير.

 

 

الرّوح القدس حاضر ويعمل وينبّه كلًّا منّا، الرّوح القدس يختار ويعمل بقوّة الأسرار، وبكلمة الله.

 

ثمّة موقف حياة... على كلِّ إنسان أن يواجه خيارات، لا على مستوى الحياة والموت بالضرورة، بل أحيانًا على مستوى أشخاص. مثلًا أن تقول فتاة: يُعجبني هذا الشاب، وأرغب في أن أرتبط به مدى الحياة، "بس يمكن ما يظبط"، فتطلب من قدّيس أن يجعله يناسبها، "وندورات وشموع".

 

كلّ منّا، في اختباره مع الرّوح القدس، يمرّ في هذا الامتحان: "هل أنا لا زلت على الثقة"؟ انظروا إلى الشخصيّات الكبيرة. في المرحلة الأولى، عندما طلب الربّ من إبراهيم أن يقدّم ابنه الوحيد ذبيحة، كان كَمَن يسأل: هل أنت على العهد؟ ويجيب إبراهيم: "بأمرك". وانظروا إلى مريم عندما قال لها: هاكِ، هذا هو مشروعك، أتركي مشروعك الخاص، مشروع خطوبتك على يوسف.

 

كلّ مرّة يحدث فيها تحوّل كبير في حياة البشريّة، كلّ مرّة تدخل فيها نعمة كبيرة إلى حياة البشريّة، هناك مشروع لإنسان، مشروع يجب أن ينمو، لكي يعيش مشروع الله.

 

 كلّ مرّة نريد فيها أن نذهب إلى الأمام أكثر، كلّ مرّة نريد فيها أن نكتسب غنى أكبر، كلّ مرّة يريد فيها الرَّب أن يفيض علينا فيضًا أغزر، سيقول لي: كيف أملأ يديك إذا كنت لا تفرغهما؟

 

 أفرغ ما عندك وخذ ممّا عندي. إذا كنت تريد أن تغني نفسك، فلا تتشبث بما عندك وخذ ممّا عندي. إذا كنت تريد أن تغني نفسك، فلا تتشبث بما عندك وتقفل عليه معتقدًا أنّ هذا هو الغنى وإنّني لا أستطيع أن أعطيك شيئًا إضافيًا. راهن عليّ، افتح يديك، أترك ما أنت متمسّك به، وانظر كيف سأعطيك من عندي أكثر.

 

 يا إخوتي، نحن الذين نعيش في كنيسة لبنان بعضنا مع بعض، علينا أن نتحرّك بقوَّة الرُّوح القدس لا بقوَّة التعليم الحرفي الذي كان يسيّرنا منذ صغرنا، التعليم الذي لم يجعل منّا أكثر من "مسيحي أحد"، لأنّه جعلنا نكتفي بأنفسنا. نحن نعي الآن، وأسمح لنفسي بأن أتكلّم عنكم، أنّ علينا أن نبحث عمّا هو أكثر عمقًا، ولم يعد يكفينا أن نقوم فقط بواجبات يوم الأحد.

 

أنا في توق وفي حاجة إلى أن أعبّر عن محبَّتي لربِّنا، أنا في توق وفي حاجة إلى أن أشكره على كلّ النعم التي أنا قادر على أن ألمسها وأراها.

فالعذراء تسمح لي بأن ألمس أن من يقول "نعم" ويمشي في مشروع ابنها لا يندم.

 

أحبّ هذا وقد بدأت اختبره. وعندما نعرف، يا إخوتي، نصبح مسؤولين ولا يعود من حقّنا أن نسكت. "علّقتوا حالكم علقة ما إلكم فيا". كان يمكن لكم أن تبقوا مرتاحين، في هذا اليوم أو في بقيّة أيّام حياتكم، أو في أيِّ خيار تقدمون عليه الآن. أما وقد مشيتم في المشروع الإلهيّ الكبير، فإنّ أيّ قرار، مهما كان تافهًا، سيتعبكم، لأنّكم لن تعودوا قادرين على ألّا تأخذوا في الاعتبار ما إذا كان القرار يخدم مشروع الله لكم ولإخوتكم: تُرى هل هو يخدم مشروع الملكوت؟ تُرى هل هو يخدم رسالة العذراء؟ سيجد كلٌّ منكم إنّه لم يعد ذاك المسيحيّ المنعزل. صرت عضوًا في جماعة كبيرة، عضوًا في جسد. حياة هذا الجسد مرهونة بي، مرهونة بحيويتي وبحياتي. قداسة هذا الجسد مرهونة بقداستي، تقدّم هذا الجسد مرهون بتقدّمي. لذلك، فإنّ كلّ قرار يخصّني أن ينعكس على هذا الجسد.

 

لذا تجوز على نيّتكم، إكرامًا للرّوح القدس، الرّوح الذي يعرف كيف يلهم، تلك الصّلاة الحلوة: "هلمّ أيّها الرّوح القدس وأرسل من السّماء شعاع نورك!" هذه الصّلاة تجوز لكلٍّ منّا لكي يبقى في كلّ منّا شعاع من أشعّته. فهو روح التنوّع، روح الغنى. يعطي كلّ إنسان موهبة مميّزة، خاصَّة، تسمح له بأن يعيش مسيحيّته بنكهة مُمَسحنة خاصَّة، لا تُعطى لإنسان آخر، على أن نعيش كلّنا معًا لمجد الآب الواحد ولمشروع الخلاص الأوحد الذي أوجده الآب قبل بدء الزمان وإلى أن يتمّ في ملء الدهور. آمين.

 

                                                           الخوري سيمون الزند

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية