هدف حياتك في داخلك

 

هدف حياتك في داخلك

 

 

لا تتصوّر أنّ هدف حياتك بعيد في نهاية العمر. كلّا، فهو فيك الآن. لو كان هدف حياتي غير موجود منذ الآن، لَما كان لي هدف، لا العام المقبل، ولا حتّى في نهاية حياتي. لأنّ هدف الحياة يُعاش في اللحظة، وإذا لم أجد هدفًا لحياتي الآن، فقد لا أجده في ما بعد.

 

ومَن يتأنّى ويقول: سأجد هدفًا ومعنًى لحياتي بعد أن أنتهي من دروسي، وبعد أن أقضي فترة تجنيدي، وأتزوّج ويكون عندي عمل وسيّارة إلخ... لمثل هؤلاء أقول: إن كانت حياتك لا معنى لها الآن، فلن يكون لها معنى بالسيّارة ولا بالشهادة ولا بالزواج. فهدف الحياة يعاش في اللّحظة والتوّ، وحين نتحدّث عن الإتقان في العمل، فإنّ هذا يجعلني، حين أنجز عملًا بإتقان، أن أشعر بقيمته. فمعنى الحياة لا يؤجّل، وهدف الحياة لا يؤجَّل.

 

 

كثيرًا ما يبحث الإنسان عن هدف حياته خارج ذاته، بمعنى أنّه يسأل من حوله عن معنى الحياة. لكنّ الحقيقة هي أنّ هدف حياتنا كامن فينا، وكلّ مَن يملك المقدرة على أن يتعمّق بدرجة كافية في ذاته، يستطيع أن يجد هذا الهدف مطبوعًا في أعماقه.

 

فبرنامج الإنسان موجود في قرارة نفسه، وكما خلق الله الحيوان وطبع في داخله بعض الغرائز ليكون برنامجه في داخله، كذلك فعل مع الإنسان ووضع في قلبه غريزة أساسيّة تقوده إلى حيث يجب أن يذهب. وحين يتعمّق في ذاته، يجد في قلبه معنى الحياة وهدفها.

 

لكنّ المشكلة تكمن في أنّ بعضهم ينتظر ليطّلع على هدف حياته بصورة كاملة فيبدأ في السعي لتحقيقه. بمعنى آخر، ما لم يملك البرنامج كلّه، فهو لا يبدأ في محاولة تحقيقه، وهذا خطأ كبير يقع فيه الكثيرون. فهدف الحياة يكتشفه الإنسان بقدر ما يتقدّم فيه، لأنّ الله لا يعطيني خطّة عامّة لحياتي، لكنّه ينير الطريق الذي أمامي مباشرة، حتّى أرى الخطوة القادمة، وحين أنفّذها، يكشف لي الخطوة التي بعدها.

 

حين حاولت أن أتعلّم قيادة السيّارة ليلًا، كان يراودني الإحساس الدائم بأنّ ضوء السيّارة، قبل أن تتحرّك، لا يسمح لي برؤية أكثر من متر واحد. ولكن مع تحرّكها، فإنّ المسافة التي تنيرها الأضواء تتقدّم بتقدّم السيّارة. وبذلك اكتسبت طمأنينة بأنّه كلّما تقدّمت، تقدّم معي الضوء الذي يكشف لي الطريق. هكذا هدفي في الحياة، قد يكون محصورًا في ما يجب عليَّ أن أفعله اليوم، وبمجرّد أن أقوم بخطوة اليوم، فإنّي أكتشف الخطوة التالية، وغالبًا ما يكون عندي الضوء الكافي لاكتشاف ما يجب أن أفعله في أوانه.

 

يسألني بعض الشباب: ماذا أفعل بعد نهاية دروسي؟ أجيبهم: أنت ترى الآن ماذا يجب عليك أن تفعل؛ قم بهذه الخطوة، وبعدها سترى بمزيد من الوضوح الخطوة التالية.

 

 وبهذا يمكن القول بأنّ معنى الحياة هو الالتزام بما يجب أن تفعله اليوم، وهذا ما يضفي معنى على حياتك.

 

هناك شباب، بمجرّد بدء الإجازة، يجدون نشاطات معيّنة تملأ وقت فراغهم، ومن خلال ذلك يكتشفون رسالتهم في المستقبل، لأنّ الإنسان لا يعرف نفسه إلّا من خلال التجربة، وبذلك يتبلور أمامه ما هو مدعوّ إليه. فالدعوة ليست مكتوبة مُسبقًا، بل أنا أكتشفها اليوم. إلقِ بنفسك، وحين تفعل ذلك وتجرّب، تقول: هذا هو الطريق الصحيح. أمّا أن تنتظر وتنتظر، وتستشير هذا ثمّ ذاك، ولكلّ فرد رأيه، فلا فائدة فيه.

 

هناك أشخاص يعرفون أخبار السياسة، جميع الأخبار الداخليّة والدوليّة. تراهم طوال اليوم في جوار الإذاعة وأمام التلفزيون بعد قراءة جميع الصحف اليوميّة. تسألهم فتجدهم عالمين بكلّ الأنباء، لكن في كثير من الأحيان، نلاحظ أنّ هؤلاء لا يعملون شيئًا، فهم يكتفون بالتحدّث في كلّ موضوع، وحين تطلب من أحدهم أن يتعاون معك من أجل تغيير أحد الأوضاع، يقول لك: هذا ليس من شأني، وليس من اختصاصي. وأصبح بذلك اختصاصه أن يعرف كلّ شيء وحسب.

 

هذه النقطة كانت أحد أسباب ظهور الحركة الماركسيّة في أوائل القرن العشرين، فقد ثار ماركس على هيجيل بعد أن تتلمذ على يديه، لكنّ هيجيل كان فيلسوفًا يقدّم أفكاره الفلسفيّة فقط، أمّا ماركس فقد رأى أنّه لا يكفي أن يتأمّل الإنسان في العالم، بل يجب عليه أن يساهم في تغيير أوضاعه.

 

هناك مَن يرى أنّه ما دام لم يفهم المسيحيّة فهو لا يستطيع أن يلتزم بجميع مبادئها. في اعتقادي أنّه لا يمكن يومًا ما أن تكتشف جميع أبعاد المسيحيّية. فمهما قرأتَ في الكتاب المقدّس، ومهما تأملّت، ومهما قرأت من كتب، ومهما ناقشت، فلن تصل إلى نهايتها. إذًا، لا تنتظر أن تفهمها تمامًا لكي تبدأ في الالتزام بقواعدها، فهذا لن يحدث. المسيحيّة تُفهم بقدر ما تُعاش، وبقدر ما تتناول ناحية صغيرة من مبادئها وتعيشها، تستطيع أن تدخل فيها شيئًا فشيئًا، وإلّا تظلّ على القشرة.

 

مَثَل آخر: كلّ مَن اجتاز مرحلة المراهقة يكون قد اختبر تجربة الحبّ في حياته، فهل يقتنع الفرد بالشخص الآخر أوّلًا ثمّ يحبّه، أم أنّ ذلك يتمّ من خلال حبّه ومعاشرته؟

 

 هناك مَن يقول: أنا أريد أن أقتنع بفلانة حتّى أحبّها، يريد اقتناعًا عقليًّا ومعرفة تامّة. فله أقول: لن تحبّها، لأنّ المعرفة تأتي بعد الحبّ، وليس العكس، فبمجّرد أن تحبّها وتدخل في شخصيّتها، ستعرفها من الداخل، ولن تحتاج بعد ذلك إلى أن تقتنع بحبّها. والحياة تنطبق عليها القاعدة نفسها. فعلى الفرد أن يدخل فيها، ومن خلال ذلك يفهمها من الداخل، ومَن يختبر الحياة بعمق يقتنع بها، وحينئذ يجد معناها.

 

كثيرون لم يفهموا معنى الحياة لأنّهم لم يدخلوا فيها، فقد اكتفوا بأن يعيشوا على القشرة وعلى السطح. فلا تبقَ متفرّجًا في انتظار أن تقتنع بفكرة اقتناعًا كاملًا، فإنّ روح الله يقودنا من الداخل في كلّ لحظة.

 

 

تسألني عن معنى الحياة، فانظر أمامك واسأل هذا وذاك. ولكن إن وجدت طريقًا يناسبك، فألق بنفسك في العمق بكلّ طاقتك وكلّ ما فيك. فالحياة مثل كرة تستطيع أن تدخل إلى مركزها من أي نقطة على السطح، ومتى فعلتَ ذلك تجد معناها. فالمهمّ بالنسبة إلى الفرد ليس هو القرار الذي يتّخذه، بل أن يدخل إلى العمق. مهما كان عملك، سواء أكنتَ طبيبًا أم كاهنًا أم مهندسًا أم مدرّسًا أم عاملًا أم فلّاحًا، فادخل إلى العمق، لأن البداية تختلف بين فرد وفرد، لكنّ النهاية واحدة لأنّها تكون حيث العمق والصميم، والمهمّ أن يذهب الإنسان إلى أقصى حدود كيانه.

 

 

فكرة أخيرة، كن مع الله، فهو الذي يقودك إلى الاختيار الصحيح.

 

حين يكون الإنسان في الوادي يرى طريقه، لكنّ الطريق الذي يبدو وكأنّه صحيح قد يكون عادة غير ذلك. وحين يكون الفرد على قمّة الجبل يرى كلّ شيء بوضوح. وهكذا، حين يتّحد الإنسان بالله ينظر إلى حياته من القمّة، وكأنّه فوق الجبل، وهناك يرى حياته ومستقبله بوضوح، حيث تتبلور له حقائق كثيرة بقدر ما يعيش في قمّة الله وقمّة نفسه.

 

                                                             الأب هنري بولاد اليسوعيّ