هل الجنين كائن بشري أم لا؟

 

 

 

 

 

هل الجنين كائن بشريّ أم لا؟

 

 

يمكن معالجة هذا السؤال من نواحٍ عديدة، منها ما هو مادّي بيولوجي، ومنها ما هو أخلاقي أو إجتماعي أو قانوني، إنّما هذه المُعالجات كلَّها تبقى مرتبطة بشكل جذري، بموقف عميق في الإنسان، يحتضن ويتخطَّى هذه المُعالجات، ويتعلَّق برؤيتنا للإنسان وبمعنى وجوده.

 

بإمكاننا أن نستقي هذه الرّؤية للإنسان من دين معيَّن، أو من فلسفة معيَّنة، أو من موقف ذاتي خاصّ. إنّما الأمر الجوهريّ يكمن في الأمور الثلاثة التالية:

 

أ- مدى إلتزامنا بهذه الرؤية لمعاني الوجود ولمفهوم الإنسان في كيانه وفي صيرورته.

 

ب- مدى جديَّة هذه الرؤية وسموِّها وعمقها، وإرتباطها المنطقيّ بكياننا البشريّ الكلّي، روحًا ونفسًا وجسدًا، وليس بجزء منه فقط.

 

ج- مدى وعينا لعمق كرامتنا الذّاتيَّة، التي يحياها كلّ واحد منّا في ذاته، ومدى إدراكنا لقيمة هذه الذّات وفرادتها وعظمتها التي لا يمكن لأحد أن يقيِّدها أو يحدّ من كيانها الكلّي.

للإجابة إذًا على هذا السؤال: هل الجنين كائن بشريّ أم لا! ينبغي أن نتوقَّف أوَّلاً عند معاني الجسد.

 

ما هو هذا الجسد البشريّ؟

 ومن ثمَّ مَن هو الإنسان؟

 

وأين هو مصدر وجوده في هذه الحياة التي نحياها جميعًا في الزّمان والمكان، علمًا بأنَّ الإنسان، كلّ إنسان أكان مؤمنًا أو مُلحدًا، يُدرك بصورة بديهيَّة، وعلى مدى التّاريخ البشريّ، أنّه ليس هو بذاته مصدر هذا الوجود.

 

 

 

أوَّلاً،  وحدة أم صراع!

إعتنقت البشريّة، عبر التّاريخ، وفي موضوع حالة الإنسان الجسديَّة، توجيهين أساسيّين، إنّما متناقضيْن:

 

 1- التوجُّه الأوَّل، روحي، إعتقد فيه البعض أنَّ الحالة الجسديَّة هي وهن وسقوط، هي نقص ومصدر الضعف في الإنسان. وتشكِّل هذه الحالة الدّافع للإنجرار نحو الرّذيلة والخطيئة. فإعتبر هذا البعض، أنَّ الجسد هو "سجن"، وقع فيه الإنسان، وأُلقيَت فيه روحه، وبالتالي يجب عليه أن يتحرَّر منه، ليجد ذاته على مستوى كيانه الرّوحي.

 

2- التوجُّه الثاني، مادّي، إعتبر فيه البعض أنَّ الجسد هو الموقع الجوهري للإنسان من حيث وجوده الفعلي. وفي هذا الجسد يحيا الإنسان كلَّ أبعاده البشريَّة والتاريخيَّة، وليست النّفس سوى المُحرِّك لهذا الجسد، ولا وجود فعلي لها، ويبقى موقع الحقيقة الإنسانيَّة في إطار الجسد.

 

 

أمام هاتين الصّورتين في الرؤية حول الإنسان، تنازعت البشريَّة، في صراع بين إتّجاهين، أخذ كلّ واحد منهما بُعدًا مخالفًا للآخر على المستويات الفكريَّة والعمليَّة.

 فكان للبعض أن يتماهى مع الرّوح، ويجد في إطاره مبتغاه وتطلّعاته، فيحتقر الجسد أو لا يبالي به وبحاجاته. والبعض الآخر تماهى مع الجسد وتناسى الرّوح، فإلتزم أمور الجسد وإهتمَّ بما لهذه الدّنيا من مظاهر وأوضاع. وهذا ما يعبِّر عنه بولس الرّسول حين يقول: "إنَّ الذين يحيَون بحسب الجسد ينزعون إلى ما هو للجسد، والذين يحيون بحسب الرّوح ينزعون إلى ما هو للرّوح" (روم 8/ 5).

 

هذه الحالة البشريّة التي تفصل بين الجسد والرّوح، لم تعطِ الإنسان، عبر التاريخ، السّلام والهناء والفرح التي ينشدها الإنسان، أكانَ مسترسلاً في مجال الرّوح أو كان منغمسًا في واقع الجسد.

 

ويبدو، وفق دراسات في صيرورة التاريخ البشري، أنَّ حالة الفصل هذه، كانت وما تزال في أصول الشّرور النّاشئة في العالم، لأنّها تولِّد الصّراع داخل الإنسان، بين الرّوح والجسد، وفي المجتمع بين أتباع الرّوح من جهة وأتباع الجسد من جهة أُخرى.

 

 وهذا الصّراع الدّاخلي والخارجي، لا شفاء منه ولا علاج له إلاّ متى إعتنق النّاس، وإعتنقت البشريَّة دواء الوحدة، وحدة الذّات الإنسانيَّة ووحدة البشر الجماعيَّة، أي وحدة الذّات وتكاملها في تناسق وتواصل بين الرّوح والجسد، دون عزل أو تناسٍ لواحد منهما.

 

طالما أنَّ هذا التّناسق لم يتمّ في الإنسان وفي المجتمع، فإنَّ الصّراع باقٍ والضّياع والتشتُّت، في داخل الإنسان وفي المجتمع، وهو ضياع ناتج من فقدان الوحدة وعدم السّعي إليها. فيحيا الإنسان حالة تمزُّق يصفها الرّسول بولس حين يقول: "حقًّا لا أدري ما أفعل: فالذي أريده لا أفعله، وأمّا الذي أكرهه، فإيّاه أفعل" (روم 7/ 15).

 

 

 

ثانيًا، أيَّة رؤية للإنسان؟

كان من الضروري تذكير هذه الطروحات، وإن بدت ظاهرًا على غير صلة بموضوع بحثنا، فإنّها في الواقع في أصول هذا البحث. وفي ضوء هذه الطروحات ترتسم المُعادلة المتعلِّقة بالجنين، إذا كان كائنًا بشريًّا أم لا.

 

 فالذين يعتقدون بأولويَّة الجسد، يعتبرون الجنين شيئًا ماديًّا يمكن التخلُّص منه، والذين يعتقدون بأولويَّة الرّوح يعتبرون الجنين مظهرًا من مظاهر الرّوح، وبالتالي فإنَّ التخلُّص منه يكون فعل قتل وإغتيال للرّوح ذاته.

 

أمّا الفكر المسيحي، على المستويين الفلسفي واللاهوتي، فهو من دعاة الوحدة الذّاتيَّة والمجتمعيَّة، أي من دعاة بناء وحدة الذّات في تناسق وترابط بين الرّوح والجسد، ليكون الشخص البشري كائنًا متكاملاً.

 

يتخطَّى الفكر المسيحي الرؤيتين المذكورتين آنفًا حول الوجود الإنساني ومعانيه.

 

ففي المسيحيَّة يتمتَّع الجسد بكرامة سامية في عمق وجود الشخص الكياني، وهو يشكِّل مع الرّوح الخليقة الإنسانيَّة في كليَّة وجودها الفعلي. فيوم نظر آدم إلى المرأة التي أتى بها الله له، قال: "هذه عظم من عظمي ولحم من لحمي" (تك 2/ 23)، هذه تُدعى إمرأة لأنّها من إمرئٍ أُخِذَتْ وكما أنا وحدة في كياني هي وحدة في كيانها، أي إنّها جوهر واحد، كما أنا جوهر واحد قائم بلحمي وعظمي.

 

فليس إذًا للجسد من وجود بذاته كلحم وعظم، وليس للرّوح من وجود بذاته كنفحة حياة.

 

لا وجود للواحد منهما دون الآخر، فهما متلازمان وقائمان في وحدة كيانيَّة ذاتيَّة متضامنة في عمق الذّات البشريَّة.

 

فهذا الإنسان الذي هو كلّ واحد منّا، هو كائن واحد في ذاته الدّاخليَّة والخارجيَّة، أي أنّه ليس من داخل منفصل عن الخارج، ليسا شيئين مختلطين بعضهما ببعض، كما نخلط التّرابة مع الماء مثلاً، أو كما نذيب السكر شيء، والماء شيء آخر. ليس الجسد والرّوح في واقع الإنسان على هذا المثال.

 

 فالجسد والرّوح ليسا شيئيْن بل هما عنصران، ميَّز بينهما عقلنا في سعيه لفهم وحدة الإنسان الكيانيَّة. وهذا التّمييز هو تمييز عقلي في ذهن الإنسان، وليس تمييزًا لشيئين في وحدة الإنسان الذّاتيَّة.

فمن جوهر وجود الإنسان، ككائن حيّ، إنّه في الوقت ذاته، وفي القوَّة ذاتها، وفي الفعل ذاته، هو روح وجسد، وهو داخل وخارج، هو وحدة ذاتيَّة كيانيَّة في بُعدَين، جسدي وروحي.

 

 

 

ثالثًا، الحبّ يولِّد الحبّ

عندما يتحابب الرّجل والمرأة، فإنّهما يتحاببان في كيانهما الواحد، روحًا وجسدًا، أي أنَّ الرّجل يحبّ إمرأته بروحه وجسده في وحدة كيانه، ويحبّها في روحها وجسدها، في وحدة كيانها. كيان الرّجل كلّه هو الذي يحبّ كيان المرأة كلّها.

فالحبّ الحقيقي لا يمكن أن يكون حبًّا روحيًّا فقط، لأنّه يكون عندئذٍ غير موجود بالفعل الزّمني. كذلك الحبّ لا يمكن أن يكون حبًّا جسديًّا فقط، لأنّه يولِّد الزّنى والفجور.

الحبّ الحقيقي بين الرّجل والمرأة يطال كليَّة كلّ واحد منهما في البُعدَين الرّوحي والجسدي سويَّة.

 

 فعلى مثال حبّهما يكون الجنين الذي يتكوَّن في جسد المرأة.

 

 فالحبّ الحقيقي هو تعبير عن وحدة الكيان، كما أشرنا لهذا فإنَّ هذا الحبّ يولِّد كائنًا جديدًا على مثال كلّ واحد من الحبيبين. فالشبيه يولِّد ما يشبهه. الشبيه يأتي بما يشبهه. لذلك فإنَّ عظمة الإنسان الكامنة في وحدته الذّاتيَّة، والتي تتمتَّع بالكرامة والحريّة في لقائه مع الإنسان الآخر، الشبيه به، لا يمكن أن يستولد إلاّ كائنًا آخر شبيهًا بمَنْ ولَّدَه.

 

لذلك نقول بأنّه في لحظة الحبّ الأولى التي يجتمع فيها الزّوجان، بروحهما وجسدهما، تولد، في هذه اللّحظة، لحظة حبّ أُخرى، هي وليدة وحدتهما في ذات كلّ واحد، ووليدة وحدتهما مع بعضهما البعض.

 

الحبّ الواحد يولِّد حبًّا واحدًا. فالجنين ثمرة الحبّ، هو فعل حبّ شبيه بالذي إستولده. الحبّ يولِّد الحبّ. فمنذ أن تكوَّن الجنين في أحشاء المرأة، كنتيجة فعل الحبّ بين الرّجل والمرأة، أصبح هذا الجنين وعدًا وعهدًا شبيهًا بالحبّ الذي يجمع الرّجل والمرأة.

والحبّ الذي يجمع الرّجل والمرأة ليس هباءًا أو وهمًا، بل هو وعد بينهما في تثمير الحبّ، وعهد على إستمرار هذا الوعد، لذلك فإنَّ ثمرة هذا الحبّ تحمل الوعد والعهد ذاتهما اللّذين يجمعان الرّجل والمرأة. فالجنين الذي هو ثمرة هذا الحبّ هو أيضًا وعد وعهد، وعد بأنّه كائن بشري كامل، وعهد بإستمرار هذا الوعد طالما أنَّ الحبَّ بين الرّجل والمرأة هو مستمرّ في كيان الوحدة التي تجمعهما. فمنذ اللّحظة الأولى التي تلتقي فيها خليَّة الرّجل مع خليَّة المرأة، في أحشاء المرأة، في هذه اللّحظة، وبفعل لقاء الحبّ بينهما، يتكوَّن الإنسان الآخر، أي الجنين الذي هو ثمرة هذا الحبّ.

ففي لحظة الحبّ هذا يصبح الجنين كائنًا بشريًّا كاملاً بالفعل كثمرة الحبّ، وليس بالحقّ الذي يمنحه إيّاه والداه.

 

 فالإنسان يصبح بهذا الفعل شريكًا بفعل الخلق الذي هو لله وحده. وحده الخالق هو مصدر الوجود لأنّه إله الحبّ الكامل. والإنسان، الرّجل والمرأة، في حبّهما، يشاركان الخالق عمل حبّه، فيستولدان الولد ويصبحان بهذا الفعل عينه وكيليْن على الجنين، وليس صاحبَيْ هذا الجنين أو مالكَيْه.

 

الجنين هو ملك الله وحده. والإنسان وكيل عليه لتنميته، وعنايته وتربيته كي يصبح "كاملاً كما أباه السّماوي كامل هو" (متّى 5/ 48).

الجنين منذ اللّحظة الأولى هو كائن بشريّ كامل في وجوده الفعليّ، يحمل في ذاته وعدًا وعهدًا بالنموّ لكي يصير "الإنسان الرّاشد ويبلغ القامة التي توافق كمال المسيح" (أف 4/ 13).

 

 

د. هنري كريمونا

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية