يسوع الملك

 

 

 

يسوع الملك

 

ويبقى المسيح مصلوبًا إلى أن يعود بالمجد، حاملاً صليب الانتصار. تمام ملكه، أن نكون كلّنا ملكه.

تمام ملكوته، أن يكتمل جسده بنا. نحن جسده. وتمام سيطرته على الحياة، أن تكون الحياة فينا، وتكون فائضة: فالملكوت، والجسد، والحياة هي مرادفات لبشارة واحدة: تمام حلول ملكوت الله، وتمام خلاصنا.

هذا هو تمام الأزمنة مع الذي "لا فناء لملكه". وهذا كلّه، يختصره مرقس في إنجيله إذ يقول: "حان الوقت واقترب ملكوت الله: فتوبوا وآمنوا بالبشارة" (مر 1/ 15). أو قل: إن لفي هذا مختصرًا لإنجيل مرقس: التاريخ قد بلغ النهاية الله سيملك، وقريبًا جدًّا غيِّروا حياتكم وآمنوا لأنّ هناك بشارة جديدة هو موضوع إيمانكم.

 

خلاصة البشارة

إنّ هذه الكلمات جليّة جدًّا، إنّها تعلّم:

- إنّ شيئًا ما سينتهي: وهذا الشيء إنّما هي الحياة التي نعيش، والتاريخ الذي فيه نحيا.

- إنّ الله سيتدخَّل: إنّه سيتجلّى.

- وهذا إنّما هو لخيرنا. إنّه الإنجيل، إنّها البشارة الجديدة.

وفي قلب هذه الرِّسالة التي يحملها المسيح إلينا، إنّما هناك جملة تتردّد غالبًا، على شفاه المسيح، وكانت عنده محط َّ كلام أو اللازمة: "لقد اقترب ملكوت الله".

 

 

ما هو الملكوت؟ 

أيّام عاش على الأرض ربُّنا يسوع، كان للكلمة مدلول أشمل ممَّا هي عليه اليوم.

- لقد كانت تعني حياة المجتمع، أعني الحياة الجماعيّة مع كلِّ ما تقتضي من تضامن، ومستقبل وماضٍ مشتركين، ومن تنظيم لمشاكل يجب حلّها. ولقد كان للشّعب اليهوديّ، في فترةٍ من فترات تاريخه، مملكتان وعلى رأس كلٍّ منها، تعاقب أكثر من ملك، الصَّالح منهم والطالح.

- لقد كانت الكلمة تعني أيضًا طريق عيش. فالحياة اليوميّة لم تكن هي هي. والمساواة والسّلام تنوَّعا بتنوّع الملوك وحسب العصور. وهذا ما يُرادُ به، عندما يُقال: "لقد ملك السّلام". أو أيضًا عندما يُقال "سادت الفوضى" أو "انتشر العنف". الكلمة تعني جوّ حياة، وحالة نفسيّة يعيشها شعب أو مجتمع في زمن ما، وتعني النتائج التي تحصل لكلّ فرد من أفراد هذا المجتمع.

فعندما أطلق يسوع صرخته المدوّية في كفرناحوم، كان يأمل نهاية الحياة الآتية: وكان يأمل نهاية الظلم والاحتقار، وقلّة الثقة، ومجيء مجتمع جديد آخر، مع تطلّعات مغايرة وقيم أخرى. وباختصار: قيام مجتمع يتّقي الله، حيث يعيش كلُّ فردٍ حياة سعيدة.

 

 

وكيف يكون هذا؟

 إنّما هذا يتمُّ إذا كانت الثقة بالله كبيرة وإذا كان الله هو أساسَ كلّ شيء. وهذا ممكن، إذا كان الإيمان بالله قويًّا لا يتزعزع. ويكون هذا، إذا كان الله هو الذي يملك علينا فنثبّته له ونُصغي إلى إلهاماته ونعمل بها. لهذا يتكلّم يسوع على "ملكوت الله" كما كان اليهود قديمًا يتكلّمون على "ملكوت السماوات".

 

 

غاية الملكوت

إذا، إذا كان ملكوت الله قد قرب، فهذا يعني أنّ نهاية عالم قائم قد بلغت، أي نهاية ملكوت الانحطاط الأخلاقيّ والاجتماعيّ ونهاية ملكوت الإنسان، حيث "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان". وهذا يعني أيضًا أنّ ملكوتًا جديدًا سيحلُّ مكان الملكوت القديم، وإنّ عهدًا جديدًا سيقوم محلّ العهد القديم، ملكوت تسود فيه العدالة، ويملك فيه السّلام، وتربط بين أعضائه محبّة وثقة متبادلة.

من هنا، إنّ الإيمان بالمسيح، إنّما هو الإيمان بملكوت الله. وملكوت السَّماوات، هو أنّ السّماوات تقترب من الأرض، وإنّ ملكوت الله الذي يتكلّم المسيح عليه، هو تبديل وتغيير في الحياة البشريّة.

 

 

إذا، فالمطلوب منّا، لكي نحقـِّق فينا ملكوت الله، أن تملأ الغبطة قلوبنا، لأنّنا نعيش، لا عيش النبات أو غيرها من المخلوقات، بل لنُحبَّ بعضنا بعضًا.

 

 نحبّ الله، فنُصلّي له، ونتّكل عليه، ونكون أمنين له. ونحبُّ القريب، فنعمل على إرساءِ القواعد الإنسانيّة، وعلى نشر راية العدالة والسلام في قلوبنا وفي ربوعنا.

 

ملكوت الله "ليس أكلا ً وشُربًا" وليس العيش في هذا العالم، وكأنَّ لنا مدينة ثابتة، ولا نرجو الثانية، ونعلّق قلبنا في خيرات هذا العالم الفاني، وننسى أنّ قلبنا سيظلُّ فارغًا إلى أن يمتلئ منه تعالى.

 

ملكوت الله "يُغتصب اغتصابًا". إذا، علينا أن نجاهد حتى الدّم، فنستحقَّ إكليل المجد الذي وعد به المخلّص، عالمين أنّ طريقه قد خطـَّها لنا مَن هو "الطريق والحقّ والحياة"، وهي طريق الجلجلة، حاملين الصّليب مع المسيح، إلى أن نصل إلى يوم القيامة والجلوس ممجَّدين، عن يمين الله.

 

ملكوت للجميع

 

وليعلم أتباع المسيح أنَّ الملكوت ليس حكرًا عليهم. فتغيير الحياة هو في متناول كلّ إنسان من ذوي الإرادة الحسنة. فكلُّ إنسانٍ مدعوٌّ ليحيا حياة جديدة وليعمل وفقـًا لمُقتضيات الملكوت.

 

 والدّعوة موجَّهة إلى الجميع حتى يومنا هذا. فليس هناك من احتكارٍ للإيمان وللدخول إلى الملكوت، ولا هناك امتيازات. فلا اللّون، ولا العرق، ولا الجنس، ولا الوضع الاجتماعي، ولا الانتماء ولا الذهنيّة. هذه وغيرها ليست شرطـًا ملزمًا لكي يدخل الإنسان الملكوت.

 

والمسيحيّون، وإن لم يكونوا المنعَم عليهم بالنسبة إلى الملكوت، فهم مدعوّون ليشهدوا للمسيح في زمانهم ومكانهم.

 

المطران فرنسيس بيسري

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية