أغناطيوس الإنطاكي الأسقف الشهيد

 

 

 

أغناطيوس الإنطاكي الأسقف الشهيد

 

                                أغناطيوس الإنطاكي الأسقف الشّهيد

 

1- أنطاكية

هي في أيّامنا مدينة صغيرة على نهر العاصي قبل مصبِّه في البحر الأبيض المتوسِّط، واسمها مُشتَقّ من اسم أنطوخيوس أحد ملوكها. ولم يبقَ فيها سوى عدد قليل من المسيحيّين الروم الأرثوذكس، في حين أنَّه كان لها شأن عظيم في تاريخ المسيحيّة. ولا أدلّ على ذلك من أنَّ خمسة بطاركة ينتسبون إلى الكرسيّ الأنطاكيّ، وهم بطاركة السريان، الأرثوذكس منهم والكاثوليك، والرّوم، الأرثوذكس منهم والكاثوليك، والموارنة.

وردّ ذكر أنطاكيّة 28 مرّة في الكتاب المقدَّس، 14 مرّة في العهد القديم، و14 مرّة في العهد الجديد، منها 13 مرَّة في سفر أعمال الرّسل، ومرَّة واحدة في رسالة القدّيس بولس الى أهل غلاطية (2 /11). ولمَّا أقام الرّسل الشمامسة السّبعة، كان نيقلاّوس، وهو أنطاكيٌّ دخيل، واحدًا منهم (رسل 6/ 5).

كانت مدينة القدس، أشرف المدائن، كما يقال في نشيد معروف، أوَّل مركز إشعاع للدّعوة المسيحيّة.

لم تمضِ عشر سنوات بعد صلب المسيح وقيامته حتّى أصبحت مدينة أنطاكيّة المركز الثاني لإشعاع نور الإنجيل.

أنشأ المدينة سلوقيوس الأوّل قبل الميلاد بثلاثمائة سنة، فصارت عاصمة مملكته، ثمّ صارت عاصمة ولاية سوريّة الرّومانيّة، وأكبر مدن الدولة الرّومانيّة بعد رومة والإسكندريّة. وكان معظم سكّانها من السّريان، يضاف إليهم جماعتان، إحداهما من اليونانيّين والأخرى من اليهود. ورُوِي في سفر أعمال الرسل أنّه بعد استشهاد اسطفانس (أع 6/ 8 - 7/ 60). وقع اضطهاد شديد على كنيسة أورشليم فتشتّتوا جميعًا، ما عدا الرسل (رسل 8/ 1)، فانتقل أناس منهم إلى فينيقية وقبرس وأنطاكية لا يُبشِّرون أحدًا بكلمة الله إلاّ اليهود، غير أنّه كان فيهم قبرسيّون وقيرينيّون، فلمّا قدموا أنطاكية، أخذوا يخاطبون اليونانيّين أيضًا، ويبشِّرونهم بالربّ فاهتدوا إلى الربّ. فبلغ الخبر مسامع الكنيسة التي في أورشليم، فأوفدوا برنابا إلى أنطاكية، فلمّا وصل ورأى النعمة التي منحها الله، فرح وحثّهم جميعًا على التمسُّك بالربّ من صميم القلب... فانضمّ إلى الربّ خلق كثير، فمضى إلى طرسوس يبحث عن شاول (بولس) فلمّا وجده، جاء به إلى أنطاكية فأقاما سنة كاملة يعملان معًا في هذه الكنيسة ويعلّمان خلقًا كثيرًا. وفي أنطاكية سُمّي التلاميذ أوّل مرّة مسيحيّين (أع 11/ 19 - 26).

 

وجاء في سفر أعمال الرسل (أع 13/ 1 - 5) أنّ كنيسة أنطاكية، وكان فيها بعض الأنبياء والمعلّمين، هي التي أرسلت برنابا وبولس ليبشّرا بالإنجيل فنزلا إلى سلوقية ثمّ أقلعا منها إلى قبرس وبشّرا فيها بكلمة الله. وإلى أنطاكية عاد بولس بعد رحلتيه الأوّليين، مع برنابا (أع 24/ 26 - 15/ 35) أو وحده (رسل 18/ 22). وبين كنيسة القدس، ومعظم المسيحيّين فيها من اليهود، وبين كنيسة أنطاكية، ومعظم المسيحيّين فيها من أصل وثنيّ، قامت علاقات كثيرة كما يشهد بذلك زيارة أغابس الذي نزل من القدس إلى أنطاكية، وأنبأ بحدوث مجاعة شديدة فأرسل مسيحيّو أنطاكية معونة إلى مسيحيّي فلسطين، حملها إليهم برنابا وبولس. ونزول بعض الأخوة من فلسطين إلى أنطاكية ودعوتهم إلى الإختتان أدّيا إلى عقد أوّل مجمع مسيحيّ، وقد عُقد في القدس وحضره الرسل والشيوخ والكنيسة كلُّها (أع 15/ 1 - 35).

وذُكر في رسالة القدّيس بولس إلى أهل غلاطية (غلا 2/ 11 - 14) أنّ القدّيس بطرس ذهب هو أيضًا إلى أنطاكية فجرى بينهما نقاش مشهور. وقيل إنّ القدّيس بطرس صار أسقف أنطاكية، قبل أن ينتقل إلى رومة ويصير رئيس الكنيسة فيها.

 

2- أغناطيوس الأنطاكيّ

إزدهرت المسيحيّة إزدهارًا عظيمًا في أنطاكية، فنشأ فيها مدرسة لاهوتيّة أغنت المسيحيّة بتراث نفيس في شرح العقيدة وتفسير الأسفار المقدّسة والوعظ والإرشاد، أشهرهم القدّيس يوحنّا فم الذهب الذي صار بطريرك القسطنطينيّة (344 - 417).

وكان أغناطيوس الأنطاكيّ من أوائل الكتبة المسيحيّين بعد الذين دوّنوا الإنجيل وسائر أسفار العهد الجديد فكان ما خلّفه من التراث الدينيّ تحفة ثمينة جدًّا على قلّته.

لا نعرف السنة التي وُلد فيها، ويُرجّح أنّه كان سوريًّا. فلو كان رومانيًّا لما حُكِم عليه بأن يُلقى إلى السباع. وكان أبوه وثنيًّا لا يهوديًّا ولرُبّما اهتدى هو أيضًا من الوثنيّة إلى المسيحيّة.

ويظهر من الرسائل السبع التي وصلت إلينا أنّه تلقّى ثقافة يونانيّة حسنة، فقد استعمل في تلك الرسائل التي أملاها إملاءً، وهو سائر إلى الإستشهاد، مختلف أساليب البلاغة وألوان البديع المعنويّ واللفظيّ الشائعة في عصره.

أُقيم في بدء القرن الميلاديّ الثاني أُسقفًا على مدينة أنطاكية، خلفًا لأوّل أسقف لها، وكان يُدعى أفوديوس، ولم تَدُم أسقفيّة أغناطيوس سوى بضع سنوات، فاعتُقل في أثناء اضطهاد القيصر طرايانس للمسيحيّين (98 - 117)، وأُرسل مخفورًا مع بعض أبناء رعيّته إلى رومة، وقد حكم عليهم بالموت، ليلقوا إلى الوحوش الضاربة. وكان شعب رومة يهوى منظر الوحوش تهجّم على الذين يُلقون إليها، لتمزّقها أربًا أربًا ثمّ تفترسها. وقد احتفل طرايانس بانتصاره على أعدائه في شرق أوروبا بإلقاء ألوف من الناس إلى ألوف من الوحوش. واستشهد أغناطيوس في السنة 107 على ما جاء في الخبر القديم.

سيق إلى رومة، فسلك الطريق نفسها التي سار عليها القدّيس بولس في رحلته الثانية من انطاكية إلى فيلادلفية حتّى وصل إلى مدينة إزمير، فأسرع إلى استقباله أسقفها القدّيس بوليقاربوس وأرسلت ثلاث كنائس وفودًا فيها شمامسة وأساقفة ومؤمنون وأظهروا له كلّ عطف ومحبّة. فكتب، وهو في إزمير، ثلاث رسائل بعث بها إلى تلك الكنائس الثلاث في أفسس وماغنيسية وطراللس، ليشكر لها ويَثني عليها ويرسّخ فيها الإيمان ويحذِّر من الضلال والبدع.

وكتب رسالة رابعة إلى أهل رومة وقد بلغه أنّ أناسًا فيها يقومون بمساعٍ لإنقاذه من الموت، فتوسّل إليهم بعبارات مروّعة ألاّ يفعلوا ما عزموا عليه بل يتركوه ينال إكليل المجد الإستشهاد. وواصل سيره من إزمير حتّى وصل إلى طرواس بالقرب من مضيق الدردنيل، فكتب ثلاث رسائل أخرى: إلى أهل فيلادلفية وأهل إزمير وإلى الأسقف بوليقربوس.

وركب البحر في طرواس وذهب إلى مقدونية فاجتازها من الشرق إلى الغرب، فوصل إلى شاطئ البحر الأدرياتيكي، ولا ندري هل ذهب بعدما قطع ذلك البحر، إلى رومة برًّا أم بحرًا.

إستشهاد أغناطيوس

ولا نعرف متى وصل إلى رومة مع رفاقه المحكوم عليهم بالموت ولا اليوم الذي أُلقوا فيه إلى الوحوش الضاربة. تناقل التقليد القديم كما ذكرنا آنفًا أنّ ذلك الحدث تمّ في السنة 107 في حين أنّ علماء التاريخ في عصرنا أقلّ جزمًا فيرون أنّ ذلك حدث في سنة بين 107 و117 في عهد القيصر طريانس.

 

3- الرسائل السبع

إنّ أغناطيوس الأنطاكيّ كتب هذه الرسائل الشهيرة إلى الكنائس في أثناء رحلته من أنطاكية إلى رومة. فعند توقُّفه في مدينة إزمير، كتب إلى الكنائس التي كانت قد أوفدت إليه لاستقباله وهي كنائس أفسس وماغنيسيه وطرالّلس. وكتب من إزمير رسالة إلى أهل رومة، يعلمهم فيها بقدومه إليهم، طالبًا منهم ألاّ يسعوا لمنعه من الإستشهاد. وعندما وصل إلى طرواس، كتب أيضًا إلى كنيستي فيلادلفية وإزمير، وإلى بولقاربوس أسقف مدينة إزمير.

وتُعدُّ هذه الرسائل درّة ثمينة جدًّا من التراث المسيحيّ القديم، ومنها نعرف أحسن ما نعرف عن إيمان أغناطيوس الحيّ، ومحبّته في سبيل السيّد المسيح وشوقه إلى الإستشهاد. في ما كتب أغناطيوس ولا سيّما في رسالته إلى أهل رومة روعة تأخذ بمجامع قلب المؤمن بل غير المؤمن نفسه مثل الكاتب الفرنسيّ إرنست رنان الذي شهد بأنّ هذه الرسالة من أجمل ما كتبه قلم بشريّ. وفيها موجز واضح للإيمان المسيحيّ القويم والعقيدة السليمة كما تلقّاها أغناطيوس ممّن تقدّموه مباشرة، أيّ الرسل والذين تبعوهم من الجيل المسيحيّ الأوّل، ومن المرجّح أنّ تاريخ استشهاد القدّيس أغناطيوس لم يكن بعيدًا كثيرًا من استشهاد القدّيس يوحنّا الإنجيليّ.

ومن الرسائل هذه نقتبس جلّ ما نعرفه عن أغناطيوس بعلم العقيدة، والأسقف والراعي. وهي تفيدنا عن حياة الكنائس وعطف بعضها على بعضها الآخر وتضامنها وحسن العلاقات بينها.

وسياق هذه الرسائل كلّها، ما عدا الرسالة إلى أهل رومة، سياق واحد وكذلك متحواها واحد.

1- يفتتح أغناطيوس الرسالة بذكر اسمه ثمّ بتحيّة إلى الكنيسة أو الأسقف، وثناء عليه أو عليها.

2- يناشد أغناطيوس الكنيسة الموجّهة الرسالة إليها الإبتعاد عن البدع والضلال ويحثُّ أبناءها على التزام الإتّحاد بالأسقف والتحابّ.

3- يختم كلامه بالسلام عليهم وطلب الدعاء له ولكنيسة سوريّة.

وتفيدنا رسائله عن اسمه وعن نشاطه الرسوليّ في أثناء توقُّفه وهو سائر إلى رومة. كان له اسمان، أحدهما لاتينيّ، أغناطيوس، وهو مشتقّ من كلمة ignis "نار".  واسمه الفاعل لفعل حمل، لبس، وكلمة "الله" ومعناه لابس الله. وتفيدنا الرسائل السبع كثيرًا عن حسن الإستقبال الذي كان يلقاه كلّما وصل إلى مدينة، وهو سائر للإستشهاد. فهو ينصح ويرشد ويعظ، يوبّخ ويهتمّ بكنيسة أنطاكية فيفرح عندما يبلغه أنّ الإضطهاد زال عنها وأنّها أخذت تنعم بالطمأنينة.

 

الأفكار الرئيسيّة في الرسائل

رسائل القدّيس أغناطيوس شاهد للعقيدة المسيحيّة كما كانت في العقد الأوّل من القرن الميلاديّ الثاني، فقد ذكر الشهيد في سياق كلامه ما آمن به وتلقّاه من الجيل المسيحيّ الأوّل وما علّمه شعبه في أبرشيّته، وذكر أيضًا البدع التي أخذت تظهر وحذّر منها الشعب المسيحيّ في الكنائس التي كتب إليها رسائله. ولمّا حدث الجدال العنيف في عهد ما يقال له الإصلاح في القرن السادس عشر، حاول بعض دعاة ذلك الإصلاح الطعن في صحّة نسبة تلك الرسائل إلى أغناطيوس لأنّها تنقض آراءهم نقضًا صريحًا، ولكن علماء تاريخ المسيحيّة الكبار أمثال هارناك (وهو بروتستانتي) لايتفوت أثبتوا بما لا مردَّ له أنّها صحيحة لا سبيل إلى الشكّ فيها.

 

الكنيسة هي الكنيسة الجامعة

وكان أغناطيوس أوّل من استعمل عبارة "الكنيسة الكاثوليكيّة" بمعنى الكنيسة الجامعة. جاء في رسالته إلى أهل إزمير: "لا تعدّوا صحيحًا إلاّ القدّاس الذي يُقام برئاسة الأسقف أو مندوبه. فحيث يحضر الأسقف تكون الجماعة، كما أنّه حيث يكون المسيح يسوع تكون الكنيسة الكاثوليكيّة" أي الجامعة (إزمير 8/ 2).

وهو أوّل من استعمل عبارة "شجرة الصّليب" فقد جاء في رسالته إلى أهل طرالّلس:

"إهربوا من الأغصان الطفيليّة الخطرة، فإنّهم يحملون ثمارًا مميتة، إذا ذاق أحد منها، مات لوقته. هؤلاء لم يغرسهم الآب، لو غرسهم الآب، لظهروا مثل أغصان الصّليب، ولكان ثمرهم غير قابل للفساد".

 

الجديد حلّ مكان القديم

ولا تضادّ في نظره بين القديم والجديد، بل يتمّم واحدهما الآخر. فالأنبياء جعلوا رجاءهم في الإنجيل وانتظروه. لأنّهم كانوا ينتظرون استعلان المحبّة بين البشر، هذه المحبّة التي تربط بين الله والبشر. وفي الإنجيل، إنجيل يسوع المسيح، ظهور لكلمة المحبّة في شخص يسوع المسيح الذي يربط بين القديم والجديد وبين الله والبشريّة.

وفي الرسالة إلى ماغنيسية، يدعو أغناطيوس إلى ترك النظام القديم والعيش في الحياة الجديدة. ففي المسيحيّة، اجتمعت الشعوب كلّها التي تؤمن بالله، إذ إنّ المسيحيّة هي "الغرسة الجديدة" التي أخذت مكان اليهوديّة، وهذا ما يردّده أغناطيوس في العديد من رسائله.

التوحيد في عقيدة أغناطيوس

وعقيدة أغناطيوس تقوم على أساس التوحيد.

- وحدانية الله.

 لا إله إلاّ الله، كشف عن وحدانيّة يسوع المسيح، كلمته... الذي عنه رضي الله وأرسله (ماغنيسية 8/ 2).

- والوحدة بين الله والمسيح.

 "تعالوا إلى هيكل الله الواحد، تجاه هذا الهيكل الواحد، وهو يسوع المسيح الواحد، وابن الله الأحد، وواحد معه وعاد إليه (ماغنيسة 7/ 1).

- والوحدانيّة في الثالوث

 "أنتم حجارة هيكل الآب، لقد جُمعتم لبناء الله الآب، ورُفعتم بأداة يسوع المسيح وهي الصّليب، وبحبل الرّوح القدس 0أفسس 9/ 1) أثبتوا في الإيمان والمحبّة مع الابن والآب والرّوح القدس... إخضعوا للأسقف، كما خضع الرسل للمسيح والآب والرّوح القدس، ولتكن وحدتكم في الظاهر والباطن معًا" (ماغنيسية 13/ 1 و2).

- والوحدة في المسيح

 "أتمنّى للكنائس، وأنا أحمل القيود في كلّ مكان، أن تكون متّحدة بجسد يسوع المسيح وروحه، وهو حياتنا الأبديّة، وأن تكون متّحدة بالإيمان والمحبّة التي لا يفوقهما شيء. وأن تكون متّحدة على الخصوص بيسوع والآب. فبقوّتهما نقاوم هجمات سيّد العالم وننجو من ضرباته ونصل إلى الله" (ماغنيسة 1/ 2).

"إحرصوا على هذه الوحدة الإلهيّة... أحبّوا بعضكم بعضًا دائمًا أبدًا في المسيح، لا تدعوا شيئًا يزرع الشقاق بينكم. إبقوا متّحدين بالأسقف والرؤساء" (ماغنيسة 6/ 2).

- إنّ وحدة المسيحيّين في الكنيسة، ورمز هذه الوحدة هو الأسقف: "عندما كنتُ بينكم صِحْتُ بأعلى صوتي، بصوت الله: إبقوا مجتمعين حول الأسقف والكهنة والشمامسة... الرّوح وحده ألقى إليّ هذه التنبيهات: لا تفعلوا شيئًا بلا علم الأسقف، إرعوا حرمة جسدكم على أنّه هيكل الله، أحبّوا الوحدة، إحذروا كلّ شقاق، اقتدوا بالمسيح كما اقتدى هو بالآب" (فيلادلفية 7/ 2).

 ولا شكّ أنّ أغناطيوس يشدّد على دور الأسقف، في وقت انتقلت فيه السلطة في الكنيسة من مجمع الأساقفة أو الكهنة (Presbytres ou épiscopes) إلى الأسقف الذي له الدور الأفعل ويتميّز عن المجمع. فإنّ هناك تطوّرًا قد حدث ورسائل أغناطيوس تعطينا فكرة عنه، وهو يتلخّص في نظام تراتبي من ثلاث درجات: الأسقف، الكهنة والشمامسة.

فكلمة أسقف تشير إلى رئيس الجماعة المسيحيّة، فحيث يكون الأسقف، تكون الجماعة المسيحيّة". فهو الذي يوحّد بين المؤمنين، كما أنّه هو الذي يحفظ من الضلال والهراطقة (أفسس 4) وبذلك يسير الجميع متوافقين معه، وهو الذي يرأس الإفخارستيّا، سرّ الوحدة، واجتماعات المؤمنين الأخرى، وهو الذي يوافق على الزيجات ويقوم بالحفاظ على أخلاق الجماعة. إنّه ممثّل المسيح يسوع في الكنيسة.

 

خاتمة

 المسيح أساس الوحدة

فالمسيح هو أساس هذه الوحدة، وهو في أساس فكر أغناطيوس الأنطاكي، إذ إنّه كان المدافع الحقّ عن سرّ المسيح وتجسُّده وفدائه، وهو لا يتردّد في وصف المهرطقين بالكلاب المسعورة، بالذئاب والحيوانات ذات الوجوه البشريّة.

فالكثير من الهراطقة ينفون إنسانيّة يسوع ويشكّكون في آلامه ويرفضون الصّليب، لأنّ الصليب هو للعبيد لا للألوهة. وهؤلاء المظهريّون (Docètes) لا يؤمنون بالتجسّد.

 وجوابًا على هذه الإدّعاءات، يقول الأنطاكيّ إنّ من يرفض التجسُّد والموت والقيامة، يسحق الرجاء المسيحيّ في الحياة الجديدة. ونجد هذا التأكيد في الرسائل كافّة، وبخاصّة في الرسائل إلى أهل طرالّلس وإزمير ورومة. والإفخارستيّا هي بالتالي سرّ الوحدة، وهي التي تغذّي الأعضاء وتجمعهم في كنيسة واحدة.  

 

4- إكرام أغناطيوس

كرّمت الكنيسة أغناطيوس منذ القدم في الشرق والغرب، فأقيم عيده في 20 كانون الأوّل في عدّة كنائس من الشرق، وفي يوم قريب منه في الكنيسة الأرمنيّة. وكان يقام عيده في أوّل شباط في الغرب، ثمّ جعل في 17 تشرين الأوّل في الكنيسة اللاتينيّة بعد المجمع الفاتيكاني الثاني. وتنشد الكنيسة البيزنطيّة في يوم عيده: "شاركت الرسل في أخلاقهم، وخلفتهم على كراسيهم، فوجدت العمل مرقاةً إلى رؤية الإلهيّات، يا مُلهم الله. لذلك فصّلت بإحكام كلمة الحقّ، وجاهدت عن الإيمان حتّى الدمّ، أيُّها الشهيد في رؤساء الكهنة، فاشفع إلى المسيح الإله في خلاص نفوسنا.

"إنّ يوم جهاداتك اللامعة المُنير يسبق فينادي للجميع بالذي وُلد من العذراء. فإنّك لعطشك إلى التنعُّم به، أسرعت إلى الوحوش لتفترسك. لذلك دُعيت لابسَ الله، يا أغناطيوس المجيد".

ويُحيّه الطقس الأرمنيّ بنشيد الثناء على الآباء القدّيسين:

"يا عبيد المسيح، لقد زيّنتُم كرسيّ الرعاية، في الأرض، ونلتم شرف الرسل في السماء، يا أيّها الرعاة المقدّسون في الآباء، لأنّ بذور تعليمكم أنبتت سنبل التقوى وأعطت ثمر الفرح، ووهبت الخلاص للمؤمنين، فلذلك اشفعوا إلى الربّ في خلاص نفوسنا".

    

                                                         الأب يوسف قوشاقجي

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية