أنطونيوس، الأصلُ الرّهبانيّ الجامع

 

 

 

أنطونيوس، الأصلُ الرّهبانيّ الجامع  

 

أنطونيوس، الأصلُ الرّهبانيّ الجامع

 

مقدّمة

مهما قيل عن نشأة الحياة الرّهبانيّة في مصر وغيرها من البلدان الشرقيّة، ومهما فاض الكلام على أهميّة هذه السيرة في قلب الكنيسة، يبقى وجه أنطونيوس مسيطرا على المشهد الرّهبانيّ العام، وهو الذي يُعتبر - عن حقّ - الأصل الجامع للتقاليد كافّةً، شرقًا وغربا.

 

وعند اقتراب عيده في السابع عشر من شهر كانون الثاني، تعود بنا الذكريات إلى بداياتنا الرّهبانيّة، وإلى وجوه صافية، وإلى ثوابت لم ولن تتغيّر مع الأيّام والسنين، وما زلنا، حتّى اليوم، نتأمّل فيها، ونسعى إلى التشبّه بها ضمن إطار زمانٍ ومكانٍ وحضارة معيّنة، موقنين أنّ الحالة الرّهبانيّة هي من وحي الرّوح القدس الذي يسهر عليها، ويُنمّيها، ويقدّس المكرّسين فيها.

يتناول كلامنا بعض جوانب البدايات الرّهبانيّة التي جسَّدها أنطونيوس، أبو الرهبان وكوكب البريّة؛ وإنّ العودة إلى الينابيع لَخَيْرُ سبيل لنقيس ذواتنا بالنسبة إلى دعوتنا ورهبانيّتنا وكنيستنا.

 

1- الخروجُ مِن العالم

ذهب أنطونيوس بعيدًا في الصّحراء، وإنْ على مراحل. سمع الإنجيل: "إنْ شِئْتَ أن تكون كاملاً، إمْضِ فبِعْ كلّ مقتناك وأعطِه للمساكين، وهلمّ فاتبعني، فيكون لك كنزٌ في السّماء" (متى 19/ 20)، فعمل به حرفيًّا، وترك كلّ شيء، وتبع المسيح. كانت هذه الخطوة رائدةً في العالم المسيحيّ، تبعتها خطوات من قبل كثيرين، لكنّها تبقى هي محوريّة وأساسيّة لفهم روحانيّة أنطونيوس وتكرّسه المطلق للربّ.

صراعه الداخليّ صراع يوميّ وحقيقيّ مع مفهوميّة للعالم الزّائل الذي يجسّد الشرّ والفساد والخطّ المسيحيّ المتساهل والفاشل. هناك جذريّة عاشها أنطونيوس، ويمكن تلخيصها بالآتي: لقد قطع كلّ علاقة مع العالم. الترك المطلق، والرّحيل لا رجعة عنه. موقفه جريء إلى حدّ بعيد، إذ تخلّى لأُخته عن حصّته في الميراث، فمارس الفقر المطلق والتجرّد الكامل، لئلاّ يعلق عليه شيء - ولو قليلٌ - من العالم.

 

جاذبيّة الصّحراء طغت على كلّ معطيات الدنيا، فقبلها أنطونيوس وأقبل عليها... وراح يبني له عالمًا جديدًا، يختلف تمامًا عن العالم الذي تركه. من كان يقول أو يتصوّر أنّ هذا الشابّ الغنيّ يستطيع أن يُقدم على خطوة كهذه؟ من كان يحلم أنّ السيرة الرّهبانيّة ستبدأ مع أنطونيوس بالذات، ولم يكن الربّ قد حباه بالرؤى والمعجزات؟ تلك قصّة طويلة، جاوب عليها أنطونيوس عندما جعل الصّحراء الشاسعة والمُوحشة عالمًا له رديفًا للعالم الأوّل الذي تركه.

ونحن

ماذا يعني لنا، اليوم وفي القرن الحادي والعشرين بالذات، الخروج من العالم؟ لقد تبدّلت - ولا شكّ - المعايير والمعطيات والمسافات والمفاهيم تبدّلاً جذريًّا من أيّام أنطونيوس إلى أيّامنا؛ ترى، ماذا نقول للربّ عند إبرازنا النذور أو تجديدها، موقّتةً كانت أم مؤدّبدة؟

 

أيّ عالم تركنا؟

وما زال هذا الأخير يسكن فينا، ونتعاطف معه على أكثر من صعيد. هل خرجنا حقيقة من العالم إلى البريّة، وهو يحيط بنا من كلّ جهة، ويقتحم أديارنا بإغراءاته وتيّاراته وروحه ورفضه لحالتنا؟

 

كيف أُقيِّم علاقتي الفعليّة مع العالم ومع الدّير؟

هل أقسم المسافات مناصفةً، أم ما زلتُ أميل إلى ما تركت في العالم من ميول وصداقات وانفعالات؟ هل أدع المسيح يدخل جوارح قلبي، ويسيطر على فكري وقراري، فأجهر بأنّني، على مثال أنطونيوس، أترك تدريجيًّا ومرحليًّا، ثمّ نهائيًّا، العالم الخارجيّ؟

 

 

علينا أن نُجيب على هذه الأسئلة الملحّة والصادقة. ونرجو أن تقودنا الأجوبة إلى الحقيقة الرّهبانيّة، كلّ الحقيقة.

الزُّهد الرّهبانيّ

ينتصب القدّيس أنطونيوس أمامنا زاهدًا مميّزًا، وكلّ كلام على الزهد يأخذ أنطونيوس مثالاً له وشفيعًا. والزهد خلاصة لمجموعة صفات وفضائل عمل "أبو الرهبان" على عيشها وتطويرها وإنجاحها:

- زَهِدَ في الأهل والعائلة، فأضحَى، مع الأيّام، بلا أخ ولا أخت، بلا قريب ولا نسيب... وحده قائم في تلك المغارة الموحشة، لا يُسمعه أيُّ صديق كلامًا مؤنِسًا ومُشجِّعًا. فإذا بالعائلة النسكيّة الجديدة تُولَدُ حوله، وتعتبره الأب والمرشد والمرجع.

 

- زَهِدَ أنطونيوس في المال والقنية وحُطام الدنيا، فاهتمَّت به العناية الإلهيّة مأكلاً ومشربا وملبسًا... يقول القدّيس أثناسيوس في سيرة حياته: "أثّر فيه مثل المسيحيّين الأوّلين الذين باعوا كلّ ما لهم، وألقوا عند أقدام الرّسل ثمنه. فعزم حالاً على إقتفاء آثارهم، وطرح كلّ الآمال التي كان يترصّد تحقيقها في العالم، وعلى عدم التفكّر في المستقبل بغير الله تعالى".

 

- زَهِدَ أنطونيوس في كلّ عاطفة بشريّة وميل وتعلّق بالناس. أخته، تجرّد عنها، فلم يُسْمَعْ عنها أيُّ شيء في سيرة حياته... أفرَغ قلبه من كلّ حُبّ بشريّ، واكتشف العزلة القاسية والوحدة البعيدة المرامي.

 

- زَهِدَ في العلاقات الإجتماعيّة كافّة، وهو ابن عائلة مَيْسورة تمدّ جذورها إلى المجتمع الإسكندريّ المُثقّف والمتْرَف. وما زلنا، حتّى اليوم، نتساءل: كيف استطاع أنطونيوس أن يعيش هذه العبارة الشهيرة: "وحيدًا مع الوحيد"، لا يعكّر علاقتُه بالربّ أيّ وجه وأيّة قُربى أو صداقة.

 

ونحن

- هل تعني لنا كلمة "زهد" أيّ شيء؟ هل محا قاموسنا الرّهبانيّ "الجديد" هذه الكلمة من بين كلماته. فأصبح الزّهد تعبيرًا عن المتخلّفين من الرهبان والنسّاك؟

- أيّة علاقة تربطنا بعائلتنا، بأهلنا، بأصدقائنا، والأحبّاء؟

- أيّ رباط ماليّ يسيطر علينا، فننسى دور العناية الإلهيّة في دعوتنا وحياتنا الدراسيّة والرّهبانيّة؟

 

- هل إقتنعنا أنّه لا بُدّ لنا أن نُقلع عن كلّ تعلّق بشريّ في الحياة لنكون كلاًّ للكلّ، واعين أنّ المسيح يستطيع أن يملأ فراغ قلبنا الحائر والمنتظر أن يملأه أحد غيرُ البشر؟

 

- كيف أُدَوْزِن بين انفتاحي على الآخرين وبين خلوتي وسكينتي وصمتي؟ صوت أنطونيوس ينادينا في عيده ويقول: كونوا جذريّين في خياركم الرّهبانيّ، فالمسيح يستحقّ أن تكرّسوا له شبابكم وعمركم ومستقبلكم... فتجدوا فيه السعادة والقداسة.

 

3- الصّلاة الرّهبانيّة

الإيقونغرافيا تصوّر لنا القدّيس أنطونيوس منتصبا للصّلاة، رافعًا يديه إلى العلاء، غارقًا في عالم آخر بعيد عن الترّهات والمصالح... يقضي ليله في مناجاة ربّه في صلاة سمّاها الآباء القدّيسون "الصّلاة الدائمة" التي لا يقطعها أيّ عمل بشريّ.

ألصلاة أنسنت أنطونيوس؛ أضاءَت وجهه، فتجلّت النعمة في جسده المائت. أعطاها من وقته وقلبه وفكره، فأصبحا واحدًا في ميزان الربّ.

أنطونيوس مثال أعلى للرهبان في حياته مع الله. وإنّ التجارب العنيفة التي تعرّض لها يومًا، لم يكن باستطاعته الإنتصار عليها بغير قوّة الصّلاة التي هي سلاحٌ لا يُقهر ولا يُذلّ.

 

ونحن

أيّ مكانة نترك للصّلاة في حياتنا؟ وهل هنالك تفاعلٌ حقيقيّ بين حياتنا وصلاتنا؟ أم هناك - لا سمح الله - طلاقٌ مُزمن؟ هل بدّلتنا الصّلاة، كما بدّلت أنطونيوس، فضاء وجهه بنور إلهيّ؟

ونحن، أين نضع الصّلاة في سلّم أولويّاتنا الرّهبانيّة؟ لقد أعطانا الربّ نعمة كُبرى أن نُصلّي الصّلاة الجماعيّة والصّلاة الشخصيّة، فهل نحن من الشاكرين؟

 

يكفي أن نذكر قدّيسي الرّهبانيّة، شربل ورفقا ونعمة الله، لنعرف أيّ حيّزٍ أخذت الصّلاة في حياتهم وروحانيّتهم وقداستهم.

ونحن أبناء القدّيسين، الشبيبة الباحثة عن وجه الله دون سواه، لا مجال لنا للوصول إلى غايتنا بدون إكتشاف أهميّة الصّلاة في حياتنا وفي رهبانيّتنا.

 

الصّلاة حالة دائمة، وليست مناسبة ظرفيّة عابرة، أو توقيتًا نظاميًّا قانونيًّا فحسب. ومن اكتشف سرّها، إكتشف سرّ الحقيقة الرّهبانيّة كاملة. فهل يقودنا مثلُ أنطونيوس إلى التشبّه به، قبل أن يفوت الأوان؟

 

4- الرسالة الرّهبانيّة

اضّطُرّ أنطونيوس، كما نعلم، للخروج من عزلته وللذهاب إلى الإسكندريّة للدّفاع عن عقيدة الأسقف أثناسيوس. كان ذلك حدثًا نادرًا في حياة أنطونيوس، لكنّه أظهر مدى تعلّق أبي الرهبان بكنيسته وبأسقفه وبشعبه.

هذه الناحية التي قليلاً ما يأتي الكلام عليها، هي التي تبرهن لنا عن تكامل نسك أنطونيوس من جهة، وانفتاحه من جهة ثانية على حاجات شعه. فالحياة النسكيّة أو الرّهبانيّة ليست رفضًا للآخرين، بل هي محبّتهم والتفكير بهم وتقديس الذات لأجلهم.

 

ونحن

رهبان دارسون، مثقّفون، هل نحذف من همومنا الرسالة نحو الآخرين؟ كلّنا ندعو إلى العزلة عن العالم، والتجرّد عن حُطام الدنيا؛ ولكنّ هذا الخُطاب الرّهبانيّ المدعوم بأمثلة رهبان قدّيسين عديدين، لا ينفي إستعدادنا وجهوزيّتنا للنزول إلى ساحة المعركة اللاّهوتيّة والكنسيّة، عندما تدعو الحاجة. وهذا ما قام به رهباننا في فترة الحرب اللبنانيّة الأخيرة، بالرّغم من إعتراض الكثيرين.

وفي هذا المجال، فلنقرا نصًّا رائعًا للقدّيس غريغوريوس الكبير (+ 604):

 

"قد لا يكون لديك خبز تتصدّق به على معوز. ولكنّ مَن له لسان، بوسعه أن يعطي أفضل من الخبز، لأنّ من يقوت بالكلمة نفسًا معدّة لحياة أبديّة، أفضلُ ممّن يقوت بخبزٍ أرضيّ جسدًا صائرًا إلى الموت! فاحذر أن تحرِم قريبك صدقة الكلمة. فهذا تحذير أسوقه إلى نفسي كما إليكم".

المسافة بين أنطونيوس وبيننا كبيرة وكبيرة جدًّا، على جميع الصُعُد. لكنّ مثله ما زال صالحًا ونموذجيًّا بالنسبة إلينا؛ ولا يجوز أن يمرّ العيد، ونحن بعيدون عن جذورنا وأصولنا الرّهبانيّة، وأوّلها - بعد المسيح - أنطونيوس.

فالمطلوب منّا شيئان:

- أن لا ننسى ولا نُهمل أصلنا الرّهبانيّ الجامع، القدّيس أنطونيوس؛

- وأن نسعى إلى الإقتداء به، لأنّ الراهب الذي لا جذور له، راهب مُعدٌّ لييبس في روحانيّته وقداسته.

لقد أُعطينا نموذجًا رائعًا في أنطونيوس، حملته الكنائس كلّها في الشرق والغرب. إنّنا إذ نشكر الربّ على هذه العطيّة الرّهبانيّة التي تغمرنا من كلّ صوب، نردّد، ختامًا، مع سفر يشوع بن سيراخ:

 

 

"لنمدح الرجال النُجباء، آباءنا الذين وُلِدنا منهم. فيهم أنشأ الربّ مجدًا كثيرًا، وأبدى عظمته منذ الدّهر. وقد كانوا ذوي سلطانٍ في ممالكهم، رجال اسم وبأس، مؤتمرين بفطنتهم، ناطقين بالنبوءات، أئمّة الشّعب بمشوراتهم، وبفهم كتب أمّتهم. قد ضمّنوا تأديبهم أقوال الحكمة، وبحثوا في ألحان الغناء، وأنشدوا قصائد الكتاب. أولئك كلّهم نالوا مجدًا في أجيالهم، وكانت أيّامهم أيّام فخر... الميراث الصالح يدوم مع ذريّتهم، وأعقابهم يبقون على المواعيد. أجسامهم دُفنت بالسّلام، وأسماؤهم تحيا مدى الأجيال".

 

 

 

 

                                                                        الأباتي يوحنّا تابت

       

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية