اسحق السُّرياني جسر للرُّوحانية بين الشّرق والغرب

 

 

 

 

اسحق السُّرياني جسر للرُّوحانية بين الشّرق والغرب

 

 

اسحق السُّريانيّ  جسر للرُّوحانيَّة بين الشَّرق والغرب

 

يشكّل اسحق القطريّ السُّرياني، حالة مميزة في تاريخ التفاعل الثقافيّ بين الشّرق والغرب، إبّان الحكم الأمويّ الذي تركَّز في دمشق. لا أبالغ إذا قلت إنّه قُريء، ولا يزال يُقرأ اليوم في أكثر اللّغات انتشارًا في العالم كما سيظهر لاحقـًا.

 

الإطار الجغرافيّ والتاريخيّ

وُلِد اسحق السُّرياني على ما جاء في وثيقة قديمة نشرها البطريرك إغناطيوس رحماني، "في منطقة قطر التي تحت الهند". كان اسم قطر في تلك الأيّام، يطلق على معظم الشاطئ الغربي من الخليج، أي من السّعوديّة والبحرين وقطر والإمارات حتّى عمان. وبما أنّ الخليج كان الطريق نحو الهند، قال النصّ: "في منطقة قطر التي تحت الهند".

 

لا نملك تاريخًا دقيقًا لمولده، ولكن نعرف أنّ بطريرك كنيسة المشرق كوركيس (جاورجيوس)، رسمه أسقفـًا على نينوى قرب الموصل، حوالي سنة ،676 وكان في الستينات من عمره، ونعرف أيضًا أنّه عاش طويلا متمتعًا بشيخوخة امتدت حتّى أوائل القرن الثامن. في هذه الحال، يكون اسحق عايش نبيّ المسلمين في طفولته، والخلفاء الرّاشدين في شبابه، والأمويِّين في نضجه وشيخوخته.

 

يظهر اسحق في كتاباته، متضلّعًا بعلم الكتاب المقدّس وبأدب الآباء السُّريان واليونانيِّين، وبعلم النفس والأخلاق عند الفلاسفة اليونان، كالأفلاطونيِّين والرواقيِّين وغيرهم، وملمًّا بعلم الطبِّ والحساب. لا شكّ أنّه تدرّج في هذه العلوم في إحدى مدارس بلاد قطر حيث أصبح بعد تخرّجه معلّمًا فيها. بعد ذلك توحَّد في البريَّة منقطعًا إلى الزّهد والصَّلاة والتأمّل وقراءة الكتب المقدَّسة. لقد جاء في سيرته أنّه "كان بصيرًا في الكتب الإلهيّة والكنسيَّة وفي التفاسير"، ثمَّ "أصبح معلّمًا في بلاده".

 

لا بدَّ هنا، من التوقّف قليلاً أمام الحالة الثقافيّة في منطقة الخليج في أيّامه.  نشير أوَّلاً، إلى أنّ المسيحيَّة كانت مزدهرة في هذه المنطقة حتّى ما بعد الفتح العربيّ، وكانت تمتدّ على أكثر من أسقفيّة مثل شمهيج وديرين ومازون وهجر وحطّى. وقد برز فيها أكثر من عالم مثل إبراهيم برليفي (القرن السّادس)، وجبرائيل القطريّ (النصف الاوّل من القرن السّابع)، واسحق الذي نحن بصدده، وداديشوع القطريّ (القرن الثامن)، وأيوب القطريّ (القرن العاشر)، هذا اذا اكتفينا بتعداد من وصل إلينا منهم بعض المؤلّفات. لا بدَّ هنا من الملاحظة بأنّ منطقة الخليج في عهدها المسيحيّ لم تلقَ بعد اهتمامًا من الباحثين في علم الآثار والتاريخ، بالرَّغم من معلومات كثيرة عنها عند المؤرخين الأقدمين من السُّريان والعرب. ربما يرجع ذلك إلى عقليّة لا واعية تفترض أنّ ما قبل الإسلام جاهليّة لا حاجة إلى معرفتها، وإلّا كيف نفهم الإهمال لمعظم الآثارات القديمة في بعض البلدان العربية، بالرّغم من أنّها تشكّل مخزونا حضاريًا ومصدرًا اقتصاديًا هائلاً ربما يفوق إنتاج البترول!.

 

لقد قضى اسحق معظم حياته في التّوحّد والنسك. توحد أوَّلا في منطقته، ثمّ انتقل إلى بلاد الأهواز في جنوب غربي إيران، ربّما بسبب القلاقل الكنسيّة التي نشبت بين بطريرك كنيسة المشرق وأساقفة منطقة الخليج، ودامت مدّة ثلاثين سنة تقريبًا، وربّما أيضًا بسبب شهرته في العلم والفضيلة، ممَّا دفعه إلى الغربة هربًا منها. ولكن بالرّغم من غربته الطويلة، بقيت شهرته حيّة في بني قومه، لهذا اختاره البطريرك كوكيس أسقفـًا على نينوى بعد أن سوّى الأوضاع في كنيسة الخليج في مجمع عقده في جزيرة دارين قرب البحرين سنة .676 لقد جاء هذا الاختيار شهادة على المصالحة وإعادة الشّركة.

 

لكنّ الناسك اسحق لم يستطع القيام بمهمّاته الأسقفيّة أكثر من خمسة أشهر، من جرّاء "رهافة عقله وغيرته" كما تقول سيرته. لقد أصبح الأساقفة في تلك الفترة من حكم الأمويِّين مرجعيّة مدنيّة لمؤمنيهم من "أهل الذّمة"، وهذا ما لم يتحمّله الأسقف النّاسك المسكين. لقد دخل إليه يومًا رجلان، للواحد دين على الآخر، فقال له المدين بغضب: "قل له أن يُرجع إليَّ مالي وإلّا أحلته إلى القاضي"، فأجابه الأسقف بوداعة: "ألم يقل المسيح في الإنجيل: من أخذ منك الذي لك فلا تطالبه (لوقا 6. 30). فعليك على الأقلّ أن تمهله بعض الوقت". فأجابه: "ضع تعاليم الإنجيل جانبًا". ففكر الأسقف المسكين في ذاته قائلاً: إذا لم يكن الإنجيل حاضرًا فماذا أتيت أفعل هنا؟... لهذه الأسباب وغيرها التمس اسحق إعفاءه من منصبه، فسمح له البطريرك بالعودة إلى حياة التوحّد في بلاده الأهواز حيث كان قبل أسقفيّته. هناك قضى ما تبقى من حياته المديدة، وعندما طعن في السِّن، انضمّ إلى رهبان دير ربان شهبور حيث مات ودفن. في هذه الفترة الأخيرة من حياته كتب اسحق معظم مؤلّفاته التي أتت مليئة بالاختبار الرُّوحيّ، وقد أملى قسمًا على تلاميذه بسبب فقدانه البصر في أواخر حياته ضمن الدير.

 

نتاجه الأدبيّ

تجمع مصادر سيرته على أنّه ترك نتاجًا أدبيًا كبيرًا. جاء في سيرته التي نشرها البطريرك رحماني، أن اسحق "ألّف خمسة كتب معروفة حتّى يومنا، ومملوءة بالتعاليم العذبة". بينما يقول "كتاب العفة"، بأنّه "ألّف كتبًا في الحياة الرُّهبانيّة". أمَّا عبد يشوع الصوباوي (1318+) فيقول في "فهرسه" الشّهير: إنّ "لاسحق سبعة كتب". أمَّا المخطوطات التي وصلت إلينا فإنّها تحتوي، في معظمها، على ما تسميه "الجزء الاوّل من مقالات اسحق في السِّيرة الرُّهبانيَّة"، وقد نشر الأب بولس بيجان الكلداني هذا الجزء في نصّه السُّرياني سنة 1909 في ليبسغ - باريس، وهو يضمّ 82 مقالة في 580 صفحة، وقد ترجمه إلى الانكليزيّة العالم الهولنديّ A.J.Wensinck ونشره سنة 1923 تحت عنوان:

The Mystic Treaties by Isaac of Ninive, Amesterdam هناك مخطوطات أخرى قليلة، تحتوي على ما تسميه "الجزء الثاني من مقالات القدّيس اسحق السُّرياني"، وقد نشر قسمًا منها سبستيان بروك، مع ترجمة انكليزيّة تحت عنوان:

Isaac of Niniveh, the Second part, Chapters IV-XLI, CSCO, Louvain Peeters, N554, 555, 1995.

أمّا القسم الثاني من هذا الجزء فهو في طريقه إلى النشر في السلسلة ذاتها. ولكن صدرت أخيرًا، ترجمة فرنسيّة كاملة للجزء الثاني في قسميه.

عرفت كتابات اسحق السّرياني القطريّ، شهرة واسعة في الشّرق والغرب، ولا نزال نقرأها بشغف حتى اليوم، والدليل على ذلك، الاهتمام بنشرها وترجمتها إلى لغات عديدة، والدراسات الكثيرة التي تتناول فحواها.

 

لقد انطلقت هذه الشّهرة من الترجمة المبكرة لقسم من مؤلّفاته إلى اللّغة اليونانيّة وقام بها، في أواخر القرن الثامن، الرّاهبان بتريكيوس وإبراهيم من دير مار سابا قرب مدينة القدس.

 

 كان لهذا الدّير دور مهمّ في ترجمة الكتب إلى لغات متعدِّدة، والسبّب في ذلك، موقعه في الأراضي المقدّسة حيث الحجّاج من كلِّ حدب وصوب، وثانيًا انتماء رهبانه إلى لغات وثقافات متعدِّدة. أمّا الترجمة اليونانيّة لمؤلّفات مار اسحق، فكان لها أثر كبير في انتشارها، إذ منها انطلقت حوالي خمس عشرة ترجمة إلى لغات قديمة، منها الجيورجيّة، والسّلافونيّة، واللّاتينيّة، والحبشيّة، والعربيّة، وإلى لغات حديثة كالانكليزيّة، والفرنسيّة، والعربيّة، والألمانيّة، والإيطاليّة، والرُّوسيَّة، والرُّومانيَّة، واليابانيَّة... هذا فضلاً عن الترجمات الحديثة التي جرت على النصّ السُّرياني المنشور من الأب بيجان والأستاذ بروك.

 

أمّا الترجمة العربيّة، فلها تاريخ ومسار خاصّ، لا بدَّ من التوقف عندها. نشير إلى الكميّة الكبيرة من المخطوطات العربيّة، التي تحمل هذه المؤلّفات بكاملها أو بجزء منها، ربّما فاقت بعددها المخطوطات السُّريانيّة، وهذا ما يدلّ على اتّساع قراءتها في كلّ الكنائس المتكلّمة بالعربيّة. أوّل مَن حاول ترجمتها إلى العربيّة، هو حنون بن يوحنّا بن الصلت من القرن التاسع، ولكنّه اختار منها نصوصًا استلّها من المقالات الطويلة وضمنها رسائل ثلاث وجهّها إلى أحد الرّهبان من أصدقائه. وقد نشرها الأب بولس سباط الحلبي، مع ترجمة فرنسيّة في القاهرة سنة 1934 تحت عنوان

Traites religieux, philosophiques et moraux extraits des oeuvres dIsaac de Ninive (VIIe s.) par Ibn As-Salt (IXe.s), le Caire 1934.

 

هناك أيضًا ترجمة عربية لخمس وثلاثين مقالة من مقالات اسحق، قام بها من اليونانيّة الشمّاس الأنطاكي عبدالله ابن الفضل (1052+)، في النصف الأوّل من القرن الحادي عشر، وهو مشهور بكتاباته وترجماته. لقد وصلت إلينا هذه الترجمة في مخطوطات عدّة، أقدمها محفوظ في مكتبة دير القدّيسة كاترينا في سيناء، كما سنجد لها نسخًا في مكتبات الأديار في لبنان وسوريا، وفي المكتبات الغربيّة الكبرى. وهناك أيضًا مخطوطات قديمة، تحمل ترجمة أخرى من اليونانيّة إلى العربيّة، مجهولة المعرّب، وتحتوي على ما يقارب الستين مقالة، أقدمها المخطوط السينائي 346 المؤرخ سنة 1117 م.

 

إلى جانب هذه الترجمات الجزئيّة عن النص اليوناني الناقص أصلاً، هناك مجموعة كاملة تقريبًا لمقالات اسحق، معرّبة عن السّريانية، وهي مقسومة أربعة أجزاء. لقد قام بدراسة هذه المجموعة، العالم يوسف شمعون السّمعاني في مؤلّفه الشّهير "المكتبة الشرقيّة"، المجلّد الاوّل مستندًا على المخطوط الفاتيكاني السّرياني، رقم 198 المنسوخ سنة 1501 م. وقد قام مؤخرًا الأنبا صموئيل القبطيّ، أسقف شبين القناطر وتوابعها، نشر نسخة لهذه المجموعة دون أن يذكر مصدرها ولا تاريخها، وتقع في 616 صفحة.

 

إنّ الترجمات العربيّة لمقالات مار اسحق القطريّ مهمّة جدّاً في نظري، في سبيل الوصول إلى وضوح أكبر في معرفة نتاجه الأدبيّ، إن في أصله السُّرياني، وإن في ترجمته اليونانيّة. فمن يتجنّد لهذا العمل الضخم؟

 

 

خاتمة

إنّ شهرة اسحق السُّرياني القطري، تخطّت كلّ الحواجز الكنسيّة، على الرُّغم من أنّه ينتمي إلى كنيسة السُّريان الشَّرقيِّين الذين اتهموا "بالنسطوريّة".

 

 قرأه بشغف السُّريان الغربيون الذين ناصبوا السُّريان الشَّرقيين عداء عقائديًا مستميتًا، ومن خلالهم قرأه الأقباط والأحباش.

 

ثمّ قرأه بانشغاف الأرثوذكس الشَّرقيّون على تنوّع كنائسهم، ولا يزال حتّى اليوم، يعتبره رهبان الجبل المقدّس "آثوس"، من أهمّ آباء الرُّوح.

 

أمّا الرّوس، فيعتبرونه من أكبر الآباء الرُّوحانيِّين وأعمق الفلاسفة والمعلّم الجامع الأكثر حداثة، وهو يُضاهي أكابر الآباء المستقيمي الرَّأي".

 

 ثمّ قرأه الكاثوليك الغربيّون في كلِّ اتّجاهاتهم، ولا يزالون يهتمّون بكتاباته وبروحانيته. إنّه حالة مسكونيّة فريدة. وأخيرًا لا بدَّ من التّأكيد أنّ المتصوّفين المسلمين قرأوه واستلهموا الكثير من أفكاره، لكن يبقى البحث في هذا المجال واسعًا.

 

ويبقى السّؤال: ما هو سرّ بقاء هذا النّاسك من القرن السَّابع معاصرًا لكلِّ الأجيال، يجذب القرّاء من كلِّ حضارة وثقافة؟

 

 لقد اكتشف هذا السرّ، حنون بن الصلت، الذي عرّب بعض أقواله في القرن التاسع، عندما قال إنَّ ميله إلى كتب اسحق نابع من كلامه في الرَّحمة والمحبَّة التي هي صفة الله الأولى، وهي الهدف الأخير، الذي على الإنسان أن يسعى إليه على هذه الارض، ليصبح شبيهًا بالله. يقول مار اسحق: "يا لعذوبة مراحم الخالق ويا لفيض صلاحه!... ما هو السرّ من مجيء هذه الخليقة إلى الوجود؟... إلى أيَّة حالة مدعوّة هي طبيعتنا؟... أي حبٍّ كان الدّافع لخلق الكون؟... بالحبِّ أتى الله بالكون إلى الوجود، وبالحبِّ يدبّره أثناء وجوده الزَّمني، وبالحبِّ يغيّره إلى شكلٍ مدهش، وبالحبِّ سينشغف هذا الكون أمام عظمة سرِّ ذاك الذي خلق كلّ شيء...".

 

 ويقول في مكان آخر: "الرّحمة هي عدوّة العدل. العدل هو ميزان متساوي الكفين، يعطي لكلِّ إنسان ما يستحقّ، وعندما يكافئ، فلا يميل إلى جهّة ولا يأخذ بالوجوه. أمَّا الرَّحمة فهي إحساس يحرّك الصَّلاح ويحنو على كلِّ إنسان. إنّها لا تجازي الذي يستحقّ السُّوء، أمَّا الذي يستحقّ الخير، فإنّها تضاعفه عليه. كما أنّ حبَّة رمل لا توازي كميّة كبيرة من الذهب، هكذا عدل الله لا يوازي رحمته؛ وكما كمشة رمل ملقاة في البحر، هكذا خطايا البشر بالنسبة لرحمة الله: وكما أنّ كمشة وحل لا توقف نهرًا متدفقـًا، هكذا شرّ الخلائق لا يقوى تجاه تدفّق رحمة الله".

 

 ويقول في مكان آخر: "ما هو القلب الرَّحوم؟ إنّه القلب الذي يحترق حبًّا لأجل كلِّ الخلائق: لأجل الإنسان والطيور وكلِّ الحيوانات والشّياطين، وعلى كلِّ ما هو مخلوق. فمن مجرّد رؤيتهم أو ذكرهم، تنهمر دموعه بغزارة من شدَّة الرَّحمة والشَّفقة. فما إن يرى أو يسمع أنّ أذى أو ألمًا طفيفـًا لحق بمخلوق، حتّى ينكمش وجعًا... وذلك بسبب الرَّحمة التي تنهمر بدون حدود من قلبه على مثال الله...".

 

الأب الياس خليفة