البطريرك الياس الحويك

 

البطريركُ الياس الحويك

 

 

شخصيته:

البطريركُ الياس الحويك هو رجلُ النّارِ والوقارِ والهيبةِ، القائدُ، الرّاعي والأبُ الحاضرُ في قلبِ كنيستِه، المُصغي الدائمُ لحاجاتِ شعبِهِ، خاصةً الفقراءِ والضعفاءِ منهم. انبثقَ البطريركُ الياس الحويّك  من بيتٍٍ فقيرٍ وعاشَ فقيراً ولم ينسَ الفقراءَ. فبعدَ أنْ كبُرَ وتعلّمَ وعادَ إلى وطنِهِ وتدرّجَ وترقّى وصارَ مسموعاً، عادَ ليُفكّرَ بأهلِهِ وبالفقراءِ من منطقتِهِ وبلادِهِ. فالفقرُ الماديُّ، بنظرِهِ ليسَ هو منَ الأهمّ، بل الفقرُ للثقافةِ وللعلمِ وللتربيةِ ولتهذيبِ النفسِ والأخلاقِ،  لا بل أكثرُ من ذلكَ الفقرُ “للكلمةِ المتجسِّد”، للهِ وللقداسة.

 

 

رجلُ رغباتٍ

كالنّبيِ إيليّا ردّدَ مِرارًا ”غيرةُ بيتِك أكلتْني”. شخصيّتُه شخصيّةٌ ناريّةٌ. رغِبَ في العلمِ فنالَهُ، رغِبَ في الكهنوتِ فنالَهُ، رغِبَ في القداسةِ فعاش لا يطلبُ سوى رضى الله. رغِبَ في اللهِ فلم يكفَّ عن السعيِ وراءَهُ قائلاً له:

 

 

 

” إلهي ما لي غيرك ولا ربٌّ لي سواك.

إلهي أنتَ عضدي وسندي وفخري وملجأي،

ليس لي سندٌ غيرك ولا ملجأ سواك.

أنتَ إلهي وسيّدي وما عداكَ لا خير لي.

أريدُ أن أحبَّكَ، هيّئني لكي أحَبَّكَ…”

 

 

الأب المؤسس

صاحبُ العيونِ الثاقبةِ

 

المكتوبُ يُقرَأُ من عنوانِهِ والإنسانُ يُقرَأُ من عيونِهِ لأنَّ العيونَ هي نوافذُ القلبِ والنفسِ والرّوح. عيونُ الحويك عيونٌ ثاقبةٌ تبحثُ عن الحقِّ، تفتّشُ عن اللامنظورِ، تتطلّعُ إلى اللامتناهي. لا يتحمّلُ الزغلَ ولا المراوغةَ ولا المماحكةَ، يحترمُ فيُحتَرم. عيونُه ناريّةٌ تمحّصُ وتدخلُ إلى أعماقِ من تنظرُ إليهِ. عيونُه شفّافةٌ تكشفُ عن روحِ حاملِها، روحٌ متّقدةٌ بنارِ الشغفِ والحبِّ المُطلق. تمسَّكَ بالعنايةِ، اتكّلَ عليها، تظلَّلَ في حماها. عيونُه مفتوحةٌ على اللهِ من جهّةٍ وعلى الإنسانِ من جهّةٍ أخرى.

 

 

 

رجلُ الصدقِ والإستقامة

تميّزَ باستقامةِ النظرِ والرؤيا، باستقامةِ العيشِ ومصداقيّةِ الكلمة. تذرّعَ بالحقِّ فجعلَهُ نُصْبَ عينيهِ. يقولُ الحقَّ حتى لو كانَ على حسابِ نفسِهِ. يحكمُ بالعدلِ، لا غشَّ فيهِ. كانتِ الإستقامةُ جوهرَ حياتِهِ وأساسَها. صاحبُ “كلمةٍ”، وكلمتُهُ من ذهبٍ. لأنَّه كان مستقيمًا وصادقًا، كانت كلمتُهُ دائمًا مسموعةً ومحتَرمةً. لأنَّ طلباتِهِ كانت ثابتةً على الحقِّ ترتكزُ على حججٍ وبراهينَ لا يمكنُ نقضُها، يطلبُ لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه. فالأتراكُ والفرنسيّون كذلك اللبنانيّون كانوا يمنحونَه ثقتَهم لأنّهم كانوا يعرفونَه صاحبَ كلمةِ صدقٍ وأمانة. كلمتُهُ كانت متطلّبةً لأنَّها كانت دومًا حرّة، مبنيّةً على إيمانٍ لا يتزعزعُ وعلى ثقةٍ كاملةٍ بالعنايةِ الصمدانيّة. كلمتُهُ تنبعُ من عمقِ أعماقِهِ ومن صلاتِهِ. لأنَّ ” فمَ البارِ بالحكمةِ يتمتمُ ولسانَه بالحقِّ ينطقُ شريعةُ إلهِهِ في قلبِهِ فلا يتزعزعُ في خطواتِهِ” (مز 37/30-31).

 

 

ذو رؤية نبويّة بعيدةِ المدى وشاملة

آفاقُه واسعةٌ. أرادَ أن تتواجدَ كنيستُهُ في عواصمِ القرارِ (روما، باريس، القدس، مصر) إذ أنَّ عيْنَه كانت دائمًا على الأطرافِ والأباعد. عندما خطّطَ وبنى، أرادَ أن يكونَ البناءُ صلبًا، متينًا. لذا أكبَّ على تجديدِ الكنيسةِ من خلالِ  تنشئةِ الكهنةِ وإصلاحِ الرهبانيّاتِ. رجلٌ حكيمٌ، طموحٌ، لم يحلمْ سوى بإنجازِ ما يدوم. أسّسَ ولكنَّه أرادَ أن يبقى الخادمَ، لا سيّدَ الحقلِ لكي ينمو ويستمرَّ بإرادةِ الله وإلى ما شاء الله.

 

 

مدافعٌ عن الضعيفِ

كان يرفضُ كلَّ أنواعِ الظلمِ. عمِلَ جاهداً على إرجاعِ أبناءِ وطنِهِ من الغربةِ، وتحريرِ المحكومِ عليهم بأحكامٍ قاسيةٍ ومبرمةٍ وتخفيضِ الضرائبِ وأعمالِ السخرةِ التي كانت تُنَفَّذُ بطريقةٍ غيرَ عادلةٍ.

 

 

 

أبُ الفقيرِ

فقيرٌ أحبَّ الفقراءَ وناضلَ من أجلِهم. من أجلِهم عَمِلَ وكدَّ طوال حياتِهِ. بنظرِهِ قلّةُ المداخيلِ فقرٌ للسّعةِ؛ الجهلُ فقرٌ للمعرفةِ؛ قلّةُ الثقافةِ فقرٌ للتقدّمِ؛ قلّةُ الإعتبارِ فقرٌ للكرامةِ؛ الإحتلالُ فقرٌ للحريةِ؛ البعدُ عن اللهِ فقرٌ للكيانِ. لذا، ناضلَ كلَّ حياتِهِ من أجلِ أن يُبعِدَ شبحَ الفقرِ والعوزِ عن المجتمعِ. رجلُ الرحابةِ والكرمِ: ما لَهُ ليس لَهُ. كُرِّمَ كثيرًا ولكنَّه ماتَ فقيرًا لا يملكُ شيئًا. كانَ دائمًا يردّدُ فيقولُ:

 

” أعطوا، أعطوا الجميع! فلا فرقَ عندي بين مسيحيٍّ ومسلمٍ”.

 

 

 

الأب المؤسِّس

أبُ العائلةِ وشفيعُها

ناضلَ من أجلِ بناءِ الإنسانِ وتأسيسِ العائلةِ والمجتمعِ على القِيَمِ الإنسانيّةِ والإنجيليّةِ.

 

إلهي اجعلني أعيش وأموت برضاك

 

يا ربّي أكرِم عليَّ بنعمةِ رضاك

 

الذي هوَ خَيري وكنزي وفخري وحياتي

 

ورجائي وسعادتي وكلُّ شيءٍ لي.

 

أرشِدْني ودبِّرني ونوِّرْ عَقلي

 

بنورِ حكمَتِكَ اللّامُتناهية،

 

لأنّ كلَّ اتّكالي هو على رحمتِكَ

 

وليسَ على سواها،

 

 وكلُّ ما أبتَغيهِ

 

هوَ رضاكَ ولا أبتغي سواه،

 

آمين.

 

  

 

 

روحانيته:

روحانيّةُ البطريرك الياس الحويِّك هي روحانيّةُ البنوّةِ للهِ الآبِ الذي مِنْهُ كلُّ أبُوَّةٍ في السَّماء وعلى الأرضِ (أفسس 3،15). انقادَ الحويِّك للرّوحِ القدس وتَرَكَه ُ يُكَوِّنُ فيه مشاعرَ الإبن (فليبي 2،5)، راجيًا سماعَ شهادةِ الرّضى من الآب كالّتي سمِعَها يسوعُ على ضِفافِ نهرِ الأردُنّ يومَ قبِلَ المعموديّةَ على يدِ يوحنّا المعمدان: “أنتَ هو ابني الحبيب، الذي عنه رضيتُ” (لوقا 3،22).

 

يعيشُ البطريرك الياس الحويِّك البنوَّةُ للآبِ، فعلَ إيمانٍ ثابتٍ بمحبّةِ الآب التي تجلَّتْ له في ثلاثةِ وجوهٍ: الله الآب-البركة، الله الأمّ-العناية، الله الآب والأمّ-الرّضى.

 

 

اللهُ الآب هو البركة ومصدرُ كلِّ بركةٍ وكلِّ خير. كلُّ عطيّةٍ صالحة تأتي من عند أبي الأنوار (يعقوب 1،17) ومنه كلُّ أُسْرةٍ تَسْتَمِدُّ إسمَها (أفسس 1،3 ؛ 3،15). منه كلُّ أبوّةِ وحبٍّ وعطاء. “ليس الله ببعيدٍ عنّا ولا يسوغُ لنا التّجاهل بعَدَمِ معرفتِه كما كانَ يتَوَهَّمُ أهلُ أتينا، بل هو قريبٌ منّا ومعروفٌ عندنا من حيثُ أنّه أبٌ لنا وهو فينا ونحن فيه، ولا ينبغي أن نبتَعِدَ عنه أو نتغافَلَ عن معرفتِه لأنّنا مفتَقِرون إليه ومتمَتِّعون بأنعامِه وخيراتِه في حياتِنا وتحرّكاتِنا ووجودِنا. إنّه فينا وفي العالم مثلَ النَّفسِ في الجسد، المُنتَشِرَة فيه وواهبَةُ الحياة له، والحرَكَة والوجود الإنسانيّ. فنحن أبناءُ الله من كلِّ وجهٍ، بالفطرة وبالذّخيرة، ولا يمكنُنا الإنفصال عنه كما ينفَصِلُ أولادُ البشر عن والديهم لأنّه موجودٌ فينا ومالكٌ ناهيّتَنا، وحياتُنا مشتقّةٌ منه ومتعلّقةٌ به تعلُّقَ شعاعِ النّور بالشّمس. فكأنّه يولِدُنا كلَّ حين بحِفظِه إيّانا وبإفاضَتِه فينا على الدّوام الحياةَ والحركة والوجود والنّعمة. وافتقارُنا إليه أعظَمُ من افتقارِ وَلَدٍ لأبيه لأنّه هو واهبُ الوجود للآباء والبَنين، ولا خيرَ لأحدٍ إلّا من فضلِه وإحسانِه”.

 

لذا فإنَّ الإبنَ الذي أدرَكَ هذه الحقائق لا يُمكِنُه إلّا أنْ يُقابلَ الآبَ مصدرَ البركة بالمَمْنونيّة والإعترافٍ بالجميل، بالشّكرِ الدّائم وبنظرةٍ إيجابيّة للحياةِ البعيدة كلَّ البُعْدِ عمّا يُبشَّرُ به العالمُ من شؤمٍ وسأمٍ وفراغٍ وخوفٍ على المَصير. وهنا تكمُنُ نظرةُ الرّجاء والتّطَلُّعِ إلى فوق، إلى اللهِ الآب الصّادق الأمين الذي لم يَضَنَّ بابنِه الوحيد (روما 8،31) من أجلِنا نحن أبنائه الغير المُستَحِقِّين فيقولُ له: “ربّي وإلهي، ليس لي إلهٌ غيرك ولا ربٌ سواك. وليس لي ملجأٌ إلّاك، ولا اتّكالٌ إلّا علَيك”.

 

فالبطريرك الحويِّك هو رجلُ الرّجاء بامتيازٍ لأنّه رجلُ الثِّقةِ الغَير المَشروطة والإتّكالِ المُطلَق على العناية الإلهيَّة. فالعنايةُ الإلهيَّة بنظرِه هي العينُ السّاهرة، هي الأمُّ التي تنظرُ وتَتَطَلَّعُ وترى حاجةَ أولادِها فتَنْزِلُ لإغاثتهم: “رأيتُ مذلّةَ شعبي فنزلتُ لأُنقذَه” (خروج 3،7-8). هي الأمُّ التي تولِدُ إلى الحياة وتعتني وتُعينُ وتُضَمِّدُ وتُبلسِمُ وتَشفي وتحمِلُ على ذراعَيها. يقولُ الحويِّك في شرحٍ له لأعمالِ الرّسل: “إنّ اللهَ هو أبٌ وأمّ لخلائقِه، على كَوْنِ الولد يحوزُ وجودَه وكلَّ شيءٍ له بواسطة أبيه وأمِّه، والله يَهَبُ وحدَه كلَّ ما يُعطَى للولد بواسطة أبيه وأمِّه ويزيدُ على ذلك مواهبَ أخرى لا يقدرُ الوالدان على إعطائها لأبنائهم… هو أبٌ بالخلقِ وأمٌّ بالجودةِ والإحسانِ والعناية الّتي بها يَحفظُ ويرعى ويُدبّرُ كلَّ شيء، وبهذا خصَّصَ علماءُ اللّاهوت القدرةَ بالرّبّ والجودةَ بالرّوح القدس، فكانَ ذاك أبًا وهذا أمًّا للخلائق. وقال البعضُ بالنّظر إلى التّجسُّدِ الإلهيّ أنّ اللّاهوت قام مقامَ الأب والنّاسوت مقامَ الأمّ، لأنّ اللهَ صار إنسانًا حتّى وهو أبٌ لنا بلاهوتِه، يصيرُ لنا أمًّا بناسوتِه فيدبِّرُنا بمهابتِه الأبويّة ويجتذِبُنا إليه بمحبِّته الأُمّيَّة”.

 

 

من هنا يأتي قولُ الأجدادِ المأثور حتى اليوم: “يا رضى الله ورضى الوالدَين”. لأنّ رضى الله هو رضى الأب والأمّ معًا. على ضفافِ نهرِ الأردنّ هو اللهُ الآبُ والأمُّ معًا رضيَ عن إبنِه الوحيد يسوع إذ انفتَحَتْ السّمواتُ وفي الوقت عينِه الرّوح القدسُ ظَهَرَ بشكلِ حمامةٍ ورفرَفَ فوق الإبن علامةَ رضاه وسُمِع صوتُ الآبِ يقول: “أنت إبني الحبيب عنك رضيت” (مرقس 1،10-11).

 

 

 

فالإبنُ الذي أدرَكَ هذه الحقيقة، حقيقةَ اللهِ الأب والأمّ معًا، حقيقةَ المحبّة اللّامتناهية التي أحبّنا بها الله، لا يَسَعُه إلّا أنْ يُقابِلَ المحبّة بالمحبّة، وليس لَه همٌّ آخر إلّا إرضاءَه تعالى بكلِّ عاطفةٍ وفكرٍ ونيّةٍ وعملٍ. كلُّ همِّه هو مجدُ أبيه وإكرامُه وتتميمُ رغباتِه وإرادتِه القدّوسة. وبما أنَّ ما يُمَجِّدُ الله هو خيرُ الإنسان، فلم يكُنْ بوِسعِ الحويِّك إلّا أنْ يسعى ويعملَ ويحقِّقَ مشاريعَ وإنجازاتٍ “لمجدِ الجودِ الإلهيّ الأعظم وخيرِ النّفوس والكنيسة والوطن وكلِّ إنسان”.

 

 

 

إيمانٌ ورجاءٌ باللهِ الأبِ والأمّ-الرّضى يقابلُها الإبنُ بالثّقة والإتكالِ والتّسليمِ المُطلقِ لإرادتِه تعالى، بعاطفةِ المحبّةِ التي تُعطي ذاتَها وتُفتِّشُ باستمرارٍ عن رضى الله، عاملًا كلَّ شيءٍ “لأجلِ يسوع، معَهُ وبِهِ”.

 

 

يمكنُ اختصارُ روحانيّة البطريرك الياس الحويِّك بهذه الآية من الرّسالة الى أهلِ روما: “كلُّ شيءٍ منه وبه وإليه، له المجدُ إلى الأبد” (روما 11، 35):

 

منه، هو الآبُ البركة

به، هو الأمُّ العناية

إليه، هو الرّضى

له المجُد الى الأبد.

 

 

 

 

 

كتاباته:

إلى جانبِ “مراسلاتِه الرسميّةِ والخاصّةِ”، هناكَ رسائلُ عامّةٌ راعويّةٌ موجّهةٌ إلى عمومِ أبناءِ الكنيسةِ المارونيّةِ وهي  مجموعةٌ في كتابٍ بعنوان “الذخائر السنيّة” كما وهناكَ رسائلُ خاصّةٌ براهباتِ العائلةِ المقدسّةِ مجموعة بكتابِ “أيتها البناتُ المباركات”. وكلُّ هذه الرسائل تهدفُ إلى مجدِ الله والخيرِ العام من خلالِ التعليمِ والوعظِ والإرشادِ والحثِ والتنبيهِ والتقويم…

 

 

 

 

موقع راهبات العائلة المقدسة

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية