الصمت في روحانية القديسة كلارا

 

 

الصمت في روحانية القديسة كلارا

 

 

الصمت في روحانيَّة القدِّيسة كلارا

 

 

لنكتشف  كيف كانت القدّيسة كلارا تدعو أخواتها لقلّة الكلام. وكيف نترك مكانًا للصّمت؟

 

"طوبى للخادم الذي، عندما يتكلّم، لا يُظهِر كلّ ما عندَه بحُجّة الحصول على أُجرته ولا يكون سريعًا في الكلام أو الجواب، ولكن يَرْتَقِب وينتظر بكلّ هدوء لكي يُفصِح عمّا يُريد قوله أو الإجابة به" (فرنسيس الأسيزي - القانون: التحذير رقم XXI).

 

يجب عليهِنّ (الأخوات اللّواتي يخدمن خارج الدير) الخروج خارج حَرَم الدير بتواضع والتحدُّث قليلاً، من أجل تثقيف جميع الذين يلتقون بهنّ دائمًا". (قانون القدّيسة كلارا 9/ 7).

 

يطلب منّا فرنسيس وكلارا الحذر من الثرثرة التافهة، والمجد الباطل الذي تكوّن من تقييم الذات، وتعداد قِيَمِنا، بكلمة واحدة، تمجيد الذات إمّا أمام الآخرين أو أمام الذات.

من المُمكن أن يذهب بنا المطاف إلى التواضع المُزيّف بحيث لا ننتظر إلاّ إعتبار الآخرين لنا والاعتراف بالجميل  لنا.

 

 

عندما ننقادُ للثرثرة التافهة، بروح الكلمة المبتذلة، نفقدُ عُمق الحياة الداخليّة، فنُسْتَثْمَر في مغريات هذا العالم. فندخل في السَّطحيّة ونفقُد المعنى بِرَخاوتِنا وعدم صلابة شخصيّتنا. وبهذا نقطع العلاقة، مع الآخر، مع الحياة التي تُحيينا، ومع الربّ.

 

 

يجتاحُنا في حياتنا أنواع كثيرة من  الضّجيج الذي نتلقّاه أو نتفاعل معه، إلى حدّ أنّه في بعض الأحيان، يتماشى إيماننا مع الضجيج.

 

هكذا تُبقينا الثرثرة الباطلة في عبوديّة الذات وتُدخل الغرور فينا.

 

مذ ذاك، تُغلق آذاننا الرّوحيّة بكمٍّ من التأثيرات الخارجيَّة ونُصاب بصمم روحيّ.  مُستعبَدين لضجيج العالم، وغير مُؤهّلين للدخول في علاقة مع داخلنا الشخصيّ، يُصبح الصّمت عندها غير مُحتمَل.

 

إنّ الصّمت هو لاقط ومُتقبّل وجهاز إستقبال. "أنصتي إليّ أيّتُها الجزر" (أشعيا 41/ 1). إنّ الجزر مُحاصَرَة دائمًا بضجيج وصخب البحر وصفير الرّياح. كذلك يَنْقَضُّ على الإنسان دفقٌ من المعلومات ينهالُ عليه ويتأثّر بالضغوطات التي هو مصدرُها.

 

لا يتواجد الصّمت في الطبيعة على الشواطئ البحريّة، وكذلك لا يتواجد أيضًا في قلوبنا. يجب التدخّل ليعُمّ الصّمت.

 

يستطيع الإنسان أن يخلق الصّمت فقط عندما يدخُل إلى ذاته، إلى عُمق أعماق نزاهته وأمانته وصدقه، أمام الربّ.

هذا الصّمت ليس فضيلة في الداخل، بل هو عبور ضروريّ من صخب بشريّ إلى سماع كلمة الله، وهذه الخطوة تتطلّب جُهدًا على الذات.

 

إنّ الصّمت بالفعل، هو تدرُّب قاسٍ يُجابه إنسان هذا العالم، بصورة حتميّة، في حاجته لتقدير ذاته وتبريرها، في حاجته للثرثرات بلا فائدة وللأحكام على الغير. نستطيع إذًا، بواسطة الصّمت واعتكاف مُتعة "الضجّة والجلبة"، أن نفسح  مكانًا  للربّ في داخلنا.

 

 

نحن لسنا هنا بصدد الكلام عن صمت الإنسان في مُواجهة أحداث الحياة أو مواجهة القريب، صمتٌ يُعْتَبَرْ في بعض المناسبات حكمة، بل نحن نتكلّم عن أوقات صمت يُثيرها ويستدعيها الربّ، بالطريقة نفسها التي يثيرُ ويستدعي فيها أوقات التكلّم والمحادثة.

 

 

لا  نمزج حالة الغبطة والإنشراح التي نشعر بها أحيانًا في الصّمت الخارجيّ ولا نُقرّب هذه الحالة بالأخصّ بحالة الصّمت الثقيل الذي ينتج من البُكم والتحقير.  

 

مُقيمين في الصّمت الداخليّ، لا نستطيع الهروب من هذه الأرض ومن البشر، نتدرّب على وزن الكلمات، نُصبح منتبهين للآخرين ونتمرّن على لقاء "الشخص".

 

نُصبح في حالة مُعاكسة للإنغلاق على الذات. إنّنا بصدد الكلام عن الدّخول في علاقة مع السَّلام العميق الذي يسكننا حتّى نُعطيه المكان ونترُك الصورة تكبر فينا.

منذ الآن، لنحاول، رُغم كلّ شيء، التقدّم بطمأنينة ودون عجلة وسط الصّخب وألاّ ننسى السَّلام الموجود في الصّمت الداخليّ. لأنّه في قلب هذا الصّمت سيتكلّم الربّ، دون كلمات.

في قصيدة الحبّ يقول Touareg: "لا تتكلّم إلاّ إذا كان كلامك أجمل من صمتك".

 

 

الأخت سوزان جيوسيبي تاستوت 

من الرَّهبنة الفرنسيسكانيّة الثالثيّة 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية