القديس يوحنا السلّمي

 

 

 

الدرجة الأولى الاعتزال عن العالم

 

 

1ـ  إنّ الأصوب أن نبدأ الكتابة إلى عبيد الله، عن الله. إلهنا وملكنا صالح، فائق الصلاح، كليّ الصلاح.

 

الكائنات العاقلة التي خلقها الله، وشرّفها برتبة الإرادة الحرّة، بعضها من هم رفقاؤه، وبعضها من هم خدّامه الحقيقيون، والبعض عديمو القيمة، والبعض متغرِّبون عن الله تمامًا، وآخرون رغم أنّهم مخلوقات ضعيفة، لكنّهم مقاوموه على حدّ سواء.

 

2ـ  أحبّاء الله، أيّها  الأب العزيز القدّيس، نعني بهم بدقّة، نحن القوم السذّج، أولئك الكائنات العقليّة غير المتجسّدة، الذين يطوّقون الله.

خدّام الله الحقيقيّون، نعني بهم جميع الذين عملوا مشيئته ويعملونها بلا كلل ولا فتور. أمّا الخدّام عديمو الجدوى، فهم أولئك الذين يظنّون في أنفسهم أنّهم قد أُهّلوا للمعموديّة، لكنّهم لم يحفظوا بأمانة النذور التي نذروها لله.

أمّا المتغرِّبون عن الله ومتجنِّبوه، فهم غير المؤمنين والهراطقة. أمّا أعداء الله، فهم الذين ما رفضوا وصيّة ربّنا وطرحوها عن أنفسهم فقط، بل يحاربون من يتمّمها أيضًا محاربة شعواء.

 

3ـ  فإذا كان لكلّ فئة من الفئات التي ذكرناها، رسالة تخصّها، فليس نافعًا لنا نحن معشر السذّج، في هذا الصدّد، أن ندخل في مثل هذه الاستقصاءات المستطيلة.

فهات الآن، نمدّ يدنا الخائبة من الاستحقاق، بطاعة خالية من الارتياب، إلى عبيد الله الحقيقيّين الذين اغتصبونا بتقواهم وكلّفونا بإيمانهم، أن نأتمر بأمرهم. دعنا نكتب هذه الرسالة بقلم من غزير معرفتهم، ومغموس  في مداد الاتضاع الخاضع البهيّ، ونكتب به على أوراق قلوبهم البيضاء الرقيقة، بل بالأحرى، دعنا نفتّش الكلمات الإلهيّة على ألواح الرّوح (أو بالحري نبذر البذار) ونبدأ هكذا:

 

4ـ  الله يخصّ كلّ الكائنات الحرّة، فهو حياة الكلّ وخلاص الكلّ: المؤمنين وغير المؤمنين، الأبرار والأثمة، المقسّطين (أي العادلين) والظلمة، الأتقياء والدنيويّين، الرَّحومين والقساة، الرُّهبان والعلمانيّين، الحكماء والساذجين، الأصحّاء والسقيمين، والصغار والمسنّين؛ كما أنّ انتشار الضوء ومعاينة الشّمس وابتدال الطقس، هي للجميع مشاعة "لأنّ ليس عند الله محاباة".

 

5ـ  الملحد كائن مائت ذو طبيعة عاقلة، يعطي ظهره للحياة بإيثاره، ويحتسب جابله الدّائم الوجود، وكأنّه غير موجود.

 

7ـ  المسيحيّ، إنسان يقتدي بالمسيح ـ قدر ما يمكن لطبيعة البشر، فكرًا وقولًا وعملًا؛ ويؤمن بالثالوث الأقدس إيمانًا صحيحًا غير ملوم.

 

8ـ  محبّ الإله هو الذي يعيش في مشاركة مع كلّ ما هو طبيعي وخالٍ من الخطيئة، وبأقصى ما يمكنه لا يغفل عن شيء من الصلاح.

 

9ـ  الضابط نفسه، هو الذي في وسط التجارب والأشراك والاضطراب يكافح بكلّ قوّته، ليقتفي طرق مخلّصنا، الذي هو حرّ من جميع أمثال هذه.

 

10ـ  الرَّاهب هو الذي من داخل جسده الملوّث، يكدح نحو مرتبة غير الجسديّين وحالتهم.

 

11ـ  الرَّاهب هو الذي يغضب بحزم طبيعته، ويحرس بلا توقّف حواسه.

 

12ـ  الرَّاهب هو المتعلّق بوصايا الله وكلماته ليس إلّا، في كلّ وقت وكلّ مكان، وكلّ شيء.

 

13ـ الرَّاهب هو الذي يحفظ جسده طاهرًا، وفمه نظيفًا وعقله مستنيرًا.

 

14ـ  الرَّاهب نفس نائحة تهذّ بلا توقّف ـ في النوم وفي اليقظة بتذكّر الموت.

 

15ـ  الانسحاب من العالم بغضٌ اختياريّ لاقتناء الماديّات، وجحد للطبيعة لإحراز ما فوق الطبيعة.

 

16ـ  من البيّن أنّ الذين أهملوا أشياء العالم طواعية، قد فعلوا ذلك:

 

ـ إمّا لأجل الملكوت العتيد.

ـ أو بسبب كثرة خطاياهم.

ـ وإمّا لأجل حبّ الله.

 

أمّا الذي لم يكن الباعث على انصرافهم من العالم، واحدًا من هذه الدوافع، فإنّ خروجهم بلا مبرّر. لكنّ لله واضع جهادنا الصالح، ينتظر غاية سعينا ماذا يكون.

 

 

17ـ  ليماثل من خرج من الدنيا ـ ليطرح عنه وسق خطاياه ـ أولئك الذين يجلسون خارج المدينة بين المقابر، ولا يكفّ عن ذرف الدموع الحارّة الحامية، واستمرار تنهّد قلبه المسكوب دون صوت يُبديه؛ حتّى يبصر يسوع جائيًا إليه، مدحرجًا عن قلبه حجر عماه، حالًا لعازر عقله من حبائل خطاياه، موعزًا إلى خدّامه الحاضرين أن حلّوه ودعوه يمضي إلى النجاة السعيدة بغير ألم من الآلام. إن لم تكن هذه الحال حاله، ذلك ما انتفع من تركه العالم بشيء.

 

18ـ  فكلّنا الذين نريد أن نخرج من مصر ونهرب من فرعون نحتاج بوجه التأكيد إلى ثمّة موسى آخر، وسيطًا من الله ولدى الله، لكي بوقوفه من أجلنا فيما بين العمل والتأمّل يمدّ ذراعيّ الصَّلاة إلى الله، إلى أن يعبر الذين يقتادهم بحر خطاياهم، ويقهروا عماليق أسقامهم وينصب راية الغلبة. فقد انخدع إذًا من يسلّم ذاته لهذا الطريق (المقصود الطريق الرُّهباني)، ويتوهّم أنّه لن يحتاج إلى من يقتاده أو يرشده.

 

19ـ  إذا كان الذين خرجوا من مصر، قد اتّخذوا موسى النبيّ مرشدًا إيّاهم، والذين هربوا من سدوم كان قائدهم ملاكان فالذين خرجوا من مصر يماثلون الذين يُشفَون باهتمام الأطبّاء من أسقام النفس، والذين خرجوا من سدوم يشابهون الذين يشتاقون أن ينزعوا عنهم نجاسة هذا الجسم الشقيّ، فلذلك يحتاجون أن يكون الذي يعينهم ملاكًا ـ أو على الأقلّ ـ يحتاجون إنسانًا نظير ملاك، لأنّ على قدر تقيّح قروح خطايانا، نحتاج مرشدًا ماهرًا وطبيبًا حاذقًا.

 

20ـ  يحتاج بالضرورة الذين يرتادون أن يصعدوا إلى السّماء بجسدهم تغصبًا ومعاناة بغير توقّف، ولا سيّما في بداية زهدهم، إلى أن يتمكّن في طبعهم الوادّ اللّذة وقلوبهم الفاقدة الحسّ، خلق وادّ لله وللعفّة والقداسة، بنوح (خشوع) واضح.

 

21ـ  نحتاج بالحقيقة تعبًا وجهودًا نبذلها سرًّا ـ لا سيّما إذا كنّا عائشين قبلًا بالتواني والتهاون ـ لكي بالبساطة وبإماتة الغضب والاهتمام، نجعل عقلنا الكلِّب الذي يماثل كلب المطبخ النبّاح الشره، محبًّا للعفّة والتيقّظ.

 

لنتشجّع نحن مهما كنّا ضعفاء ومقهورين من الآلام ولنقدّم يدنا اليمنى للمسيح بإيمان غير ناقص معترفين بانحلالنا وضعف طبيعتنا، فسنحصل بالتأكيد على معونة منه تفوق استحقاقنا، إذا حططنا أنفسنا بغير توقّف في عمق لجّة التواضع.

 

22ـ  وليعلم جميع الذين تقدّموا إلى هذا الجهاد الخشن الصعب، الحلو الخفيف، أنّهم تقدّموا يطفرون إلى النار، إن كانوا يريدون أن تسكن فيهم النار غير المادية. إذًا ليمتحن كلّ واحد ذاته، ومن بعد ذلك فليأخذ من خبز الزهد أي الرهبانيّة، المخلوط بأعشاب المرارة، ويشرب من كأسه بالدموع؛ لئلّا تُضْحى جنديّته دينونة لنفسه. فإن كان ليس كلّ من اعتمد يخلص، فسأصمت عما يتلو ذلك. (أي إن كان ليس كلّ من اعتمد يخلص، فبالمثل يُقال ليس جميع الذين قدّموا النذور الرهبانيّة هم رهبان حقيقيّون ويخلصون).

 

23ـ  فالذين يلجون هذا الصراع، سبيلهم أن يجحدوا كلّ شيء، وأن يتضاحكوا على كلّ شيء، وأن يرفضوا كلّ شيء، وأن يضعوا أساسًا جيّدًا، أساسًا متينًا نافعًا ذا ثلاث طبقات وثلاثة أعمدة: وهي البراءة والصوم والتعفّف.

فجميع الأطفال في المسيح، عليهم أن يبتدئوا بهذه الفضائل، نعم ويتّخذوا من جميع الأطفال الطبيعيّين مثالًا. إذ ليس يوجد فيهم شرّ، أو تصنّع أو فعل خبيث أو بالغشّ مبطّن، ولا شبع. قد سُلب الشبع، ولا بطن تشبع، ولا جسم ملتهب بالشهوة، ولا خلق وحشيّ، لكنّهم بقدر ازدياد مأكولهم، يكبرون ويعرفون هذه النيران الطبيعية. (وتزداد فيهم كذلك الآلام [آلام الخطيئة] الطبيعيّة).

 

24ـ  إنّه ممقوت بالحقيقة ومؤدٍّ للخطر، أن يسترخي المصارع في مستهلّ دخوله إلى الصراع، إذ يخوّل لكلّ من يبصره دليلًا على هزيمته. لا شكّ أنّ البداية القوية الحازمة ستفيدنا جدًّا، حتّى إن حدث فيما بعد أن استرخينا. لأنّ النفس الجَلدة في الابتداء، عندما تنحلّ وتتوانى، ينخسها تذكر حرصها الأوّل كما بمهماز. وبهذا التذكّر استعاد البعض غالبًا حرارتهم، ونالوا أجنحة جديدة. (كما تجدّد النسور شبابها).

 

25ـ  متى خدعت النفس ذاتها وأضاعت حرارتها الأولى السعيدة، وتاقت إليها، فلتفحص بأوفر اهتمامها من أيّة علّة عدمتها ولتتسلّح حيال تلك العلّة بكلّ شوقها وحرصها وغيرتها، لأنّه لن تستعيدها من مدخل آخر سوى الباب الذي منه خرجت.

 

26ـ  من يزهد في الدنيا خوفًا من العقوبة، يشبه البخور المحرق، يبتدئ برائحة طيّبة ثم ينتهي إلى دخان. ومن زهد فيها رجاء بمكافأة، فذاك يماثل رحى الحمار التي تتتحرّك دائمًا على حال واحدة. (أي تدور حول نفسها. وترمز إلى المتمركز حول ذاته، الذي يعمل بغير حماسة. وتكون تعزيته وأجرته قليلتين.)

أمّا من جعل انصرافه عن الدنيا من حبّ إلهي، فيكتسب منذ البداية نارًا، نارًا أُلقيت في وقيد فاشتدّت لهيبها اضطرامًا.

 

27ـ  ثمّة قوم يبنون فوق الحجارة لبنًا، وغيرهم من قد يُشيّدون فوق الأرض أعمدة، وآخرون يمشون قليلًا ثمّ إذ تدفأ أوصالهم، يزيدون سرعتهم. ومن يفهم فليفهم، قولًا باطنه غير ظاهره. (البعض لا يبنون على الأساس الراسخ ـ الذي هو حياة الشركة الرهبانية ـ إلّا مبنى روحيًا متوسّطًا في [الارتفاع] بسبب نقص شهامتهم [وبذل لذواتهم] وعزيمتهم. آخرون يريدون أن يشيّدوا دون تريّث. البرج الشامخ لحياة التوحّد والتأمّل، ولكن على الأرض ذاتها من غير أساس الاتضاع والطاعة [التي ينبغي تلقّنها أوّلًا في مجمع الشركة] وأخيرًا هناك من يبدأون بداية متواضعة تحت إرشاد أب روحيّ مواصلين زيادة حرارتهم).

 

28ـ  بما أنّ من دعانا هو إلهنا وملكنا، فينبغي أن نسعى بأوفر نشاطنا لئلا ـ والعمر قليل ـ نوجد في يوم موتنا غير مثمرين، فنهلك جوعًا نادمين.

ـ ولنَسُرنَّ ربّنا مسرّة الجند لمليكهم، لأنّنا سنطالب بعد انتهاء الحملة، بتقديم حساب دقيق عن خدمتنا.

 

29ـ  لنتّقِ الربّ بقدر اتّقائنا للوحوش، لأنّني رأيتُ رجالًا لا يخافون الله ذهبوا ليسرقوا. فالله عزّ اقتداره ما خافوه، وإذا سمعوا في المكان نباح كلاب، للحال رجعوا وتركوه؛ فما لم تستطع مخافة الله أن تعمله أكمله الخوف من الحيوان.

 

30ـ  لنحبّ الربّ ونعتبره، كما نحبّ أصدقائنا ونعتبرهم؛ لأنّني كثيرًا ما رأيتُ أناسًا قد أهانوا الله دون أن يغتمّوا لذلك ولو قليلًا. ومع ذلك، فإذا مسّوا أحاسيس أصدقائهم، ولو قليلًا، أوردوا لتلافي ذلك كلّ مهارتهم وحيلهم، وغاية أسفهم واعتذارهم، سواء بأنفسهم أو بواسطة أصدقائهم وأقربائهم، متقرّبين بهداياهم ودموعهم ليكتسبوا من جديد سالف حبّهم.

 

31 ـ  من البيّن أنّنا في بداية تزهّدنا، إنّما نمارس الفضائل بتعب وكلفة ومرارة، ولكن متى أحرزنا تقدّمًا قليلًا فلن نعاني فيما بعد تعبًا، وإن تعبنا فسيكون تعبنا يسيرًا. فمتى ابتلعت الغيرة ذهننا الأرضيّ (إرادتنا المائتة) وسادت عليه، حينذاك نعمل الفضائل بكثير من الفرح، والنشاط والحبّ، وبلهيب إلهيّ.

 

32ـ  بقدر ما يكون الذين، منذ بدء تزهّدهم، يقتفون آثار الفضائل ويكملون الوصايا بفرح ونشاط، جديرين بالمديح؛ بقدر ما يستحقّ الرثاء أولئك الذين، بعد طول زمان في سيرة النسك، لا يمارسون الفضائل والوصايا إلّا بالجهد، هذا إذا كانوا يمارسونها.

 

33ـ  وما سبيلنا أن نمقت صنوف التزهّد الناشئة عن مجرّد الظروف. فقد رأيتُ أناسًا قد هربوا هاجرين وطنهم، وفي الطريق التقوا مصادفة بملكهم، فالتحقوا آنذاك بحاشيته، ودخلوا قصره، واشتركوا في وليمته.

رأيتُ بذارًا واقعًا على الأرض بغير قصد، وقد أينع ثمرًا جيّدًا جزيلًا. لاحظتُ أيضًا العكس، رأيت في مستشفى رجلًا قد جاء إليها في حاجة من الحوائج أخرى، فضبطته فطنة الطبيب وكياسته، فعالجه بمرهم قابض، أزال ظلمة الغشاوة التي كانت على عينيه وهكذا صار العمل غير المقصود من البعض أبلغ تحقيقًا وكفاءة، ممّا كان مقصودًا من آخرين باختيارهم.

 

34ـ لا يوردنّ أحدُنا ثقل خطاياه وكثرتها حجّة ليحتسب ذاته غير مستحقّ لإسكيم الرهبانيّة، ظانًّا أنّه بذلك يمارس الاتّضاع، مع أنّه، بسبب حبّه للذة، "يحتجّ بعلل خطاياه" لأنّه أينما يكون تقيّح كثير فالحاجة هنا ماسّة إلى مداواة فعّالة؛ (وحيثما يثقل الحمل فالحاجة ضروريّة إلى مساعد، وحيث يكون وسخ النفس، فحاجتها للاغتسال منه إلى الدموع)؛ لأنّ "الأصحّاء لا يحتاجون إلى طبيب بل المرضى".

 

35ـ ولو استدعانا ملك أرضيّ وشاء أن ينظمنا جندًا للخدمة لديه، لما كنّا نتصبر ونتعلّل، لكنّا تركنا كلّ شيء ونتوجّه بشغف إليه. فلنحرص إذن، لئلا عندما يدعونا ملك الملوك وربّ الأرباب وإله الآلهة إلى خدمته السماويّة، نعتفي بسبب كسلنا وجبانتنا، فنوجد بلا عذر قدّام منبره العظيم.

 

36ـ إنّه يمكن لمن يكون مغلولًا بأشياء الدنيا واهتماماتها الحديديّة أن يمشي، ولكن بصعوبة؛ لأنّ الذين قد وُضعت القيود في أرجلهم يستطيعون أن يمشوا، إلّا أنّهم يتعثّرون تعثّرًا متّصلًا  ويتجرّحون، لأنّ غير المتزوّج المرتبط بأمور الدنيا وحدها قد يشبه مَن تُقيِّد الأصفاد يديه فقط. فمتى شاء أن يجري نحو الحياة الرهبانيّة فليس أمامه من عائق. أمّا مَن تزوّج فيماثل، مَن قُيِّدت يداه ورجلاه.

 

37ـ  سمعتُ أناسًا عائشين في العالم بالتواني والتهامل يقولون لي: "كيف يمكننا ـ وكلّ منّا صاحب زوجة، تحدق بنا الاهتمامات الزمنيّة ـ أن نسلك حياة رهبانيّة؟ "فأجبتهم: كافة الصالحات التي يمكنكم افتعالها اعملوها، ولا تسبوا أحدًا، لا تسرقوا من أحد، ولا تكذبوا على أحد، لا تتشامخوا على أحد، ولا تبغضوا أحدًا، ولا تتخلّفوا عن الصلوات العامّة. ارثوا لذويّ الحاجة، ولا تُعثروا أحدًا ولا تقتربوا من نصيب غيركم، واكتفوا بعلائقكم، أعني بنسائكم. فإذا سلكتم هكذا لن تكونوا بعيدين عن ملكوت السموات.

 

38ـ  سبيلنا أن نسعى بفرح وحبّ في هذا الجهاد الحسن، دون أن نَرهب أعداءنا، لأنّهم يلاحظون وجه النفس، مع أنّهم غير منظورين، فإن رأوه متغيّرًا من الخوف، حينئذٍ يتدرّعون سلاحهم علينا بضراوة أشدّ، إذ يفطن الخبثاء أنّنا خائفون. فينبغي أن نتقلّد السلاح بشجاعة؛ لأنّ مَن يحارب بثبات لن يحاربه محارب. (لن يهزمه أحد منهم).

 

39ـ  بأوفر السياسة خفف الربّ ـ بحسب تدبير عنايته ـ عن المبتدئين، خشية أن يرجعوا للتوّ إلى العالم. فلذلك افرحوا كلّ حين بربّكم يا جميع عبيده، واعرفوا بهذا أوّل علامة على حبّ سيّدكم إيّاكم ودليلًا على أنّه هو دعاكم.

 

40ـ  معروف أيضًا أنّ الله يتصرّف غالبًا هكذا: عندما يرى نفوسًا شجاعة، يطلق عليها القتالات منذ البدء مريدًا أن يكلّلها سريعًا.

 

41ـ  لكنّ الربّ يخفي عن العائشين في الدنيا صعوبة هذه المعركة ـ أو بالحري سهولتها ـ لأنّهم لو عرفوا صعوبتها ما كان يزهد في الدنيا أحد.

 

42ـ  أعطِ المسيح أتعاب شبابك بأوفر نشاطك، فمتى شخت تفرح بكنز البُرء من الآلام. لأنّ ما يُجمع في الحداثة يغذو ويعزّي الذين قد ضعفوا في الشيخوخة.

سبيلنا أيّها الأحداث أن نتعب بحرارة، ونسعى بسرعة، ونجتهد بتيقّظ، فإنّ ساعة موتنا غير معروفة؛ ولنا أعداء خبثاء أردياء، خطرون، ماكرون، غدّارون أقوياء، لا ينعسون أبدًا، غير منظورين وغير ماديّين، ممسكون بأيديهم نارًا محاولين أن يحرقوا بلهيبها هيكل الله.

 

43ـ لا يسمعن أحد في شبابه من أعدائه الشياطين الذين يقولون له: "لا تُنهك جسدك مخافة أن يسقط في أمراض تُضعف"، لأنّ بالجهد تجد أحدًا لا سيّما في الجيل الحاضر، قد عقد العزم على إماتة جسده؛ بالكاد يحرم أحدٌ نفسه عن الأطعمة الكثيرة واللذيذة، عن قصد هذا الشيطان أن يجعل دخولنا بعينه في معركة الزهد رخوًا متهاملًا، ثمّ يعمل بعد ذلك أن تكون النهاية ملائمة للبداية.

 

44ـ  ينبغي للذين عزموا أن يخدموا المسيح خدمة حقيقيّة أن يختاروا قبل كلّ شيءـ بمعرفة ورأي آباء روحيين، وبحسب معرفتهم الخاصّة بأنفسهم ـ المكان وأسلوب السيرة (أي أسلوب الحياة التوحّدية أم المشتركة)؛ ونوع الحياة والتداريب التي تناسبهم، لأنّ أديرة الشركة لا تلائم الجميع بسبب النَهَم، ولا مساكن السكون والتوحّد أيضًا تلائم كلّ الناس بسبب الغضب. فسبيل كلّ واحد أن يتفحّص في أيّ مكان يجد ما يوافق احتياجاته ا لروحيّة.

 

45ـ وطريقة الرُّهبانيَّة كلّها تنحصر بصفة عامَّة في ثلاثة من أشكال الحياة:

ـ إمّا اعتكاف المصارع المنفرد.

ـ وإمّا التوحّد في سكون، مع إنسان واحد أو إثنين.

وإمّا الإقامة بالصبر في شركة.

وقد قال سليمان الحكيم، جامع آراء الناس "لا تجنح إلى الجهة اليمنى أو اليسرى، بل اسلك في الطريق الملكيّة"، لأنّ النوع الثاني من الأنواع الثلاثة المقدم ذكرها، يلائم كثيرين، لأنّه قال: "ويل للمتفرّد وحده إذا سقط" في ضجر أو توان أو نُوام أو إياس "فليس من الناس مَن ينهضه" وقد قال الربّ" أينما يجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون في وسطهم".

 

46ـ  من هو إذًا الرَّاهب الأمين الحكيم، الذي قد حفظ حرارته دون أن تخمد، وإلى نهاية حياته يضيف يومًا بعد يوم على ناره نارًا، وعلى حرارته حرارة، وعلى رغبته رغبة، وإلى حبّه حبًّا، وإلى حرصه حرصًا، دون أن يتوقّف.

هذا مطلع أوّل  فَيَا مَنْ ارتَقيْتَه لا ترجع إلى الوراء.

 

 

                                                     "السلّم إلى الله"

                                                    يوحنّا السلّمي

 

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية