القدّيس فرنسيس كسفاريوس شفيع المُرسلين

 

 

 

 

القدّيس فرنسيس كسفاريوس  شفيع المُرسلين

 

 

 

 

 

القدّيس فرنسيس كسفاريوس  شفيع المُرسلين

 

 

ولد هذا القديس في اسبانيا سنة 1505، من أسرة شريفة.أرسله ابوه يوحنا الى باريس فصار استاذاً للفلسفة.

عاش حياة ترف وبذخ، فاقتنى جوادًا واتّخذ له خادمًا. كان يشغل أوقات فراغه بالرّياضة، ففاق زملاءه في ألعاب القوى والفروسيّة. شاطر فرنسيس في سكنه الجامعيّ طالبًا من إقليم السّافوا يُدعى بطرس فافر. ونمت بينهما صداقة حميمة، وقد جمعهما هدف مشترك ألا وهو نيل أقصى ما يمكن من المراتب، للاستمتاع بالحياة. وبين الجدّ واللّهو، نجح الزّميلان في دروسهما، وحصل فرنسيس بعد تخرّجه على منصب أستاذ بمدرسة "دورمان بوفيه".

 

وفي سنة التّخرّج، وصل إلى معهد القدّيسة بربارة، إسبانيّ في الأربعين من عمره اسمه إغناطيوس ده لويولا، ليدرسَ الفلسفة. وعرف فرنسيس أنّ الطالب الجديد هو فارس "بمبلونا"، الذي لا زالت الألسن تتحدّث عن شجاعته في القتال، واستبساله في الدفاع عن الوطن حين هاجمه الاعداء. تعرّف إغناطيوس إلى مواطنه فرنسيس، فكان يهرع إليه كلّ مساء ليشرح له بعض الأمور عسيرة الفهم. وبعد انتهاء الحصّة، يحدّث الطالب أستاذه عن الله والكنيسة، وعن خبرته التي عاشها منذ أن هجر حياة الفروسيّة والبلاط والتزم بطريق الرّبّ من أجل هداية النّفوس. لكنّ فرنسيس لم يأبه بكلامه، لأنّه كان يصبو إلى المجد الأرضيّ.

 

في سنة ١٥٣٣، ترك بطرس فافر باريس وعاد إلى بلاده لينال سرّ الكهنوت. فسكن إغناطيوس مع فرنسيس مدّة سبعة أشهر. وحين عاد فافر إلى باريس بعد رسامته الكهنوتيّة، صار يواظب على الاجتماعات الرّوحيّة التي كان فارس "بمبلونا" يعقدها مع خمسة طلّاب آخرين، وفرنسيس من بينهم. وكان الجميع يصغون بشغف إلى حديثه، وكانت محبّة المسيح تغزو قلوبهم شيئًا فشيئًا وتزيد فيهم الرغبة في بذل النفس من أجل نشر بشارة الإنجيل.

 

وبعد فترة من الزمن، اجتمع الرّفاق في معبد الشّهداء على هضبة "مونمارت" القريبة من باريس، وحضروا قدّاسًا أقامه بطرس فافر، لأنّه الكاهن الوحيد بينهم. وقبل المناولة، جثوا أمام القربان المقدّس، ونذروا أن يعيشوا حياة العفّة والفقر، وأن يذهبوا إلى الأراضي المقدّسة ليبشّروا هناك. وإذا استحال السّفر، يذهبون إلى روما ويضعون أنفسهم في تصرّف البابا ليرسلهم إلى حيث يشاء. وبعد مرور أقلّ من سنة على النّذور، نشبت حرب بين الاسبان والفرنسيّين، وصار المكوث في باريس خطرًا. فهجر الرّفاق المدينة بصحبة ثلاثة كهنة فرنسيّين انضمّوا إليهم، وساروا في الجبال بين الثّلوج، لا يحملون إلّا عصا الحجّاج والإنجيل وكتاب الصّلاة، وتسوّلوا قوتهم في الطّريق حتّى وصلوا إلى البندقيّة. وعند وصولهم، فوجئوا بأنّه ما من سفينة تبحر إلى فلسطين في ذلك الوقت من السّنة. فتوزّعوا على المستشفيات، هي مأوى للفقراء في ذلك العصر، وصاروا يخدمون أصحاب الأسقام. وكان فرنسيس يستعدّ مع إغناطيوس لنيل سرّ الكهنوت، ونالاه في يوم ٢٤ حزيران (يونيو) ١٥٣٧. لكنّ أخبار الحرب بين البندقيّة والأتراك عكّرت فرحتهما، إذ بات السّفر إلى القدس مستحيلًا، ولم يعد أمام الرّفاق سوى الإقلاع عن فكرة الحجّ إلى فلسطين. فقرّروا أن يذهبوا إلى البابا ليضعوا أنفسهم في تصرّفه.

في تلك الأثناء، طلب فرنسيس أن يقوم بالرّياضات الرّوحيّة التي ألّفها إغناطيوس. فاعتزل في دير رهبان تأّمّليّين، وقضى ثلاثين يومًا، يصلّي ويتأمّل في صمت وهدوء. وعندما حان موعد زيارة البابا، توجّه الرّفاق إلى مقرّ الحبر الأعظم في "لاتران" ووضعوا أنفسهم في تصرّفه، فمنحهم البركة الرّسوليّة. وتوزّعوا بعد ذلك في مختلف أنحاء إيطاليا. وذهب فرنسيس إلى مدينة "بولونيا" برفقة "بوباديلا"، وراحا يبشّران في السّاحات العامّة ويزوران المرضى والسّجناء. واجتمع الرّفاق بروما في فصح سنة ١٥٣٩، وحدّدوا، بعد صلاة وتأمّل، هويّة جمعيّتهم ودورها في الكنيسة. وقدّموا ما توصّلوا إليه في اجتماعاتهم للبابا، فوافق على ما قرّروه، وعلى أن يسمّوا أنفسهم "رفاق يسوع".

 

ووصلت أخبار تأسيس هذه الجماعة الجديدة إلى ملك البرتغال، فكتب إلى البابا وسأله أن يُرسل بعض أفراد هذه الجمعيّة إلى المستعمرات البرتغاليّة في الشّرق الأقصى. وعرض البابا الأمر على إغناطيوس، فأرسل له الأبوَين "رودريغز" و "بوباديلا". لكنّ هذا أصيب بمرض شديد فتخلّف عن السّفر. عندئذ طلب إغناطيوس من فرنسيس أن يذهب بدلًا عنه. ففرح فرحًا عظيمًا. وفي لشبونة، لمس الملك النّهضة الرّوحيّة التي أحدثها الرّفيقان عند الشّعب، فرغب في أن يبقيا بالمدينة، وعرض الفكرة على البابا، الذي نقلها إلى إغناطيوس. لكنّ الأب كسفاريوس أسرع في إخبار رئيسه ورفيق دربه بأنّه يريد الذّهاب إلى الهند. فبقي الأب "رودريغز" في برشلونة، وذهب كاهن حديث الرّسامة يُدعى "باولو دو كامرينو"، وإكليريكيّ اسمه "فرنسيس مانزيلاس" مع الأب كسفاريوس في رحلته. وفي يوم ٧ نيسان (أبريل) ١٥٤١، وهو يوم الإبحار، كان الأب كسفاريوس على وشك الصّعود إلى أحد مراكب الأسطول الملكيّ، حين جاءه رسول من الملك، وأعطاه رسالة تعيينه سفيرًا بابويًّا في الهند. لكنّ هذا لم يغيّر من الأمر شيئًا، بل زاده تفانٍ في خدمة الآخرين. ووصل الأسطول بعد عناء كبير إلى الموزامبيق. ولكنّ الأب كسفاريوس كان مرهقًا من الحمّى، فلزم الفراش ستّة أشهر. وحين استعاد عافيته، تابعت السّفينة طريقها، وفي يوم ٦ أيّار (مايو) ١٥٤٢، أي بعد سفر دام سنة ونيّف، وصل المركب إلى "غوّا".

ما من أحد يستطيع تحديد هويّة مدينة "غوّا" الدّينيّة، لأنّ سكّانها يخلطون المسيحيّة بالوثنيّة، والفساد منتشر في كلّ مكان. لذا، راح الأب كسفاريوس يجتاز السّاحات العامّة، ويعظ النّاس. ولكي يشدّ انتباههم إليه، صار يحمل جرسًا صغيرًا، يدقّه ويدعوهم بأعلى صوته لسماع تعاليمه. فأثار هذا الأسلوب الطّريف سخرية بعضهم، ودفع بعضهم الآخر إلى السّير وراءه حتّى الكنيسة، حيث أخذ يعظهم ويعلّمهم الصّلوات الأساسيّة والتّراتيل.

وبعد خمسة أشهر، طلب النّائب الأسقفيّ من الأب كسفاريوس أن يذهب إلى شاطئ الصّيادين في "رأس كوموران" جنوبيّ البلاد، حيث يقيم سكّان"البارافا" وهم من الطّبقة المنبوذة في الهند، ويعمل أفرادها في صيد الّلآلئ. وانطلق المرسَل إلى الجنوب في نهاية شهر أيلول (سبتمبر) ١٥٤٢، يحمل في كيسه الكتاب المقدّس، وكتاب الصّلاة، وشمسيّة تقيه أشعّة الشّمس القويّة. وانصرف إلى تعلّم لغة "المالابار" بجانب تبشيره في ثلاثين قرية. وأحبّه الصّيادون لأنّه لم يخشَ مخالطتهم والأكل معهم والنّوم على الأرض مثلهم. أمّا هو، فرغم كثافة عمله، لم ينقطع عن الصّلاة اليوميّة، منبع قوّته وتعزيته.

لم تكن ظروف عمل الأب كسفاريوس سهلة كما قد يوحيه لنا عدد المنصّرين الكبير. فقرّر الأب كسفاريوس أن يعود إلى "غوّا" ليبحثَ عن رفيقَيه، فعهد برعيّته إلى عدد من المسيحيّين الذي عمّدهم، وأظهروا التزامًا وجدّيّة في حياتهم الرّوحيّة. وعندما وصل إلى "غوّا"، تسلّم رسالة من روما، عَلِمَ منها أنّ البابا اعترف بجمعيّة رفاق يسوع رسميًّا وأعلنها رهبانيّة باسم الرّهبانيّة اليسوعيّة، وأنّ إغناطيوس ده لويولا انتُخِبَ رئيسًا عامًّا لها.

 

وهكذا، صار يسوعيًّا، لأنّه ترك قبيل رحيله ثلاث رسائل: واحدة يقرّ فيها بقوانين الجمعيّة، والثّانية ينتخب بها إغناطيوس رئيسًا عامًّا، وفي الثّالثة يقدّم له نذر الطّاعة. وعاد في سنة ١٥٤٤ إلى شاطئ الصّيادين مع أربعة متطوّعين، فراعه أن عَلِمَ بأنّ قوّات الامبراطور "شاداشيفا" هاجمت منطقة "الكوموران"، وذبحت جميع المسيحيّين الذين رفضوا جحد إيمانهم.

 

 فقصد فرنسيس حاكم المنطقة ليقدّم إليه شكوى باسم الملك، فاكتشف أنّ الحاكم يعلم بالأمر، وأنّه قبض ثمن سكوته. فاغتمّ وحزن، وترك معاونيه ليكمّلوا ما بدأه، وذهب إلى جزر الأرخبيل الهنديّ، نزولًا عند رغبة الأسقف، ليعلن هناك البشرى. وحين وصل إلى جزيرة "أَمبُوان"، بعث إلى رفاقه في روما برسالة أخبرهم فيها عن آلامه، وقال إنّه قصّ توقيعاتهم من الرّسالة التي تسلّمها، ووضعها مع صورة نذوره ذخيرة على صدره. وتجوّل مبشّرًا في جزيرة "تِرْناتا" و جزر "المورْ".

وبعد أن قضى ثلاثة أشهر في جزر الموت، عاد إلى "مالاكا".وهناك صادف شابًّا يابانيًّا اسمه "أنْجيرو"، أتى وسمع تعاليمه، وتاب عن خطاياه. فعمّده وسمّاه بولس، وتحدّث إليه مدّة طويلة، فعرف منه أنّ بلاده لم تسمع قطّ عن الدّين المسيحيّ. فأسرع في تعيين عدد من الرّجال ليديروا شؤون الرّسالة بالمناطق التي نشر فيها الدّين المسيحيّ، ثمّ أبحر برفقة فريق صغير من الكهنة والعلمانيّين، هنود وأوروبيّين، وبينهم صينيّ تعمّد باسم عمّانوئيل، إلى العالم المجهول. نزل الفريق في ضيافة أسرة "أنجيرو" في منطقة "كاغوشيما". وبعد أن استراحوا قليلًا، ذهب الأب كسفاريوس إلى قصر الحاكم "غو- نارا- تينو"، فسمح له بالتّبشير في بلاده. وأخفقت جميع مساعي المرسَلين في التّبشير بسبب معارضة الرّهبان البوذيّين لهم. فانتقلوا إلى "ياماغوشي"، وكان الإخفاق من نصيبهم أيضًا. وقرّر الأب كسفاريوس أن يركّز جهوده ليصل إلى الإمبراطور فيهديه وتهتدي أمّته معه. لكنّه لم يكن يعرف الوسيلة التي تمكنّه من تحقيق مخطّطه. حاول فرنسيس أن يقابل الإمبراطور "ابن الشّمس" فلم يفلح، لأنّ التّقاليد تفرض على هذا أن لا يظهر للعالم الخارجيّ. ولكنّه علم من النّاس أنّ سلطة الحكم في البلاد هي في يد حاكم "ياماغوشي". لم تكن الرّسالة في اليابان سهلة، ولم يستطِع المرسَلون أن يعمّدوا عددًا كبيرًا من النّاس. وشنّ الرّهبان البوذيّون عليهم حملة شعواء، وأقنعوا الملك في أن يمنع الارتداد إلى الدّين المسيحيّ تحت طائلة الموت. وبعد مضيّ فترة من الزّمن، قرّر الأب فرنسيس أن يسافر إلى الصّين ليبشّرَ فيها لعلّه يجني حصادًا أوفر. فذهب إلى "غوّا" ليبحرَ منها.

وانطلق المركب يوم ١٧ نيسان (أبريل) ١٥٥٢ إلى الصّين وعلى متنه الأب فرنسيس كسفاريوس والأب "بلتازار" والتّرجمان الصّينيّ "أنطوان ".

 

خلال الرحلة انتابته حُمَّى شديدة اودت بحياته على أبواب الصين وهو يردد هذه الصلاة:"عليك يا رب توكلت فلا أخزى الى الابد".

 

عن موقع JESPRO

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x