داود النبيّ

 

 

 

 

 

داود النبيّ

 

الذي أنشد الله وأعماله

 

اعتادت طقوسنا الشرقيّة أن تتحدَّث عن «النبيّ داود» وتُنشد بعض مزاميره، كما اعتادت أن تورد كلام الأنبياء مثل أشعيا وإرميا وحزقيال. ويروي سفر الأخبار الأوَّل أنَّ داود عيَّن اللاويّين فكانوا يتنبَّأون بالقيثارات والرباب والصنوج (25: 1).

 

ويعتبر التقليد القديم أنَّ داود هو الذي ألَّف المزامير لإنشاد كلام الله ورفع التهليل له.

 

بل سيعتبر التقليد اليهوديّ اللاحق أنَّ هذا الملك ترك 3600 نشيدًا سُمِّيت«سفر الأناشيد أو المزامير». كلُّ هذا يجعلنا نقول إنَّ داود هو ذاك النبيّ الذي سمع كلام الله، وما اكتفى بأن يلقيه، كما فعل موسى قبله، بل أنشده.

 

فحمله المؤمنون حتّى في منفاهم: «دموعي خبزي نهارًا وليلاً، ويُقال لي كلَّ يوم: أين إلهك» (مز 42: 2).

 

1- المدائح

المدائح تتوجَّه إلى إله العهد فتنشد إيمان الشعب بالإله الواحد، الأزليّ، القدير، العارف بكلِّ شيء، خالق الكون وسيِّد التاريخ. تنشد الإله الأمين الذي وعد وظلَّ ثابتًا في مواعيده: «أيُّها الربُّ ربُّنا، ما أعظم اسمك في كلِّ الأرض» (8: 1). «السماوات تنطق بمجد الله والفلك يخبر بأعمال يديه» (19: 1). الربُّ «يحبُّ العدل والإنصاف، ومن رحمته تمتلئ الأرض. بكلمته صنعت السماوات، وبنسمة من فمه كلُّ أفلاكها» (33: 5-6).

المزامير الذي تمتدح الله كثيرة. هي جواب على نداء الله، على ما فعلته كلمته. «خافي الربّ، يا كلَّ الأرض، استجيروا به، يا أهل الدنيا. لأنَّه قال فكان كلُّ شيء. وأمر فثبت كلُّ كائن» (33: 8-9). فالمؤمن يتعرَّف إلى الله في تاريخه: هو الإله الحيّ، وقائد شعبه، والديّان الذي يحاسب كلَّ إنسان على أعماله. وهو في النهاية، المحامي عن المؤمنين ومحرِّرهم من كلِّ العبوديّات، ولاسيّما عبوديّة الخطيئة والشرّ والمرض والموت.

 

2- التوسُّل

هذا ما يصل بنا إلى كلام نبوءة ينشد في المزامير هي أناشيد التوسُّل، والتضرُّع والصلاة من أجل الخلاص من الضيق: «إلى متى يا ربّ تنساني، إلى متى تحجب وجهك عنّي؟ إلى متى أحمل الغصّة في نفسي والحسرة في قلبي ليلاً ونهارًا؟» (31: 2-3)

يحسُّ المؤمن بمرض قد يصل به إلى الموت. يهتف إلى الربّ: ماذا ينفعك موتي. إن أنا متُّ، من سوف يمدحك، قال مز 6: 6 «ففي الموت لا ذكر لك، وفي القبر من يحمدك؟» كما يشعر المؤمن الضعيف أنَّه مظلوم، أنَّ الأقوياء يريدون أن «يأكلوا لحمه». هم يهاجمونه، ويضايقونه، يصطفّون عليه كجيش. حينئذٍ يهتف: «الربُّ نوري وخلاصي، فممَّن أخاف، الربُّ حصن حياتي فممَّن أرتعب» (27: 1-3).

 

ما يميِّز هذه الأناشيد، ثقة بالله لا تقف في وجهها صعوبة، وشكر يحمله المؤمن بعد أن يكون نجا من الشرّ.

«أعظِّمك يا ربّ، لأنَّك نشلتني، وحرمت أعدائي الشماتة بي. استغثتُ بك فشفيتني، أيُّها الربُّ إلهي» (30: 1)، بل يخبر المؤمنين بما فعله الله له. «أحبُّوا الربَّ، يا جميع أتقيائه، لأنَّ الربَّ ينصر الأمناء له، ويخذل المتكبِّرين عليه. تشجَّعوا وقوُّوا قلوبكم، يا جميع الذين يرجون الربّ» (31: 24-25).

 

أمَّا طلب العون من الربّ، فيتمُّ على أربع محاور: نداء إلى الربّ، صرخة استغاثة، عرض الوضع المؤلم الذي نحن فيه، توسُّل يدلُّ على الثقة بأنَّ الربَّ سيسمع لنا.

نقرأ في هذا المجال مثلاً المزمور الخامس: «أصغِ يا ربُّ إلى كلامي، وتعرَّف إلى تنهُّداتي. لصوت استغاثتي استمع يا مليكي، يا إلهي إليك أصلِّي». ما هو الوضع؟ شهادة الزور، اتِّهام التقيِّ البريء: «تبيد الناطقين بالكذب، وتمقت السفّاحين الماكرين... أفواههم لا صدق فيها، بواطنهم تملأها الأهواء. حلوقهم قبور مفتوحة (= تحمل الموت) وبألسنتهم يتملَّقون... ». وينتهي المزمور بهذا الكلام الحلو: «فيفرح جميع المحتمين بك، وإلى الأبد يرنِّمون لك. تظلِّلهم فيبتهجون بك، لأنَّهم يحبُّون اسمك. بارك الأبرار يا ربّ، واحفظهم برضاك كالدرع».

 

3- مزامير التوبة

بين مزامير التوسُّل، اعتادت التقوى المسيحيّة أن تتوقَّف عند سبعة مزامير، يتلوها الخاطئ، كما فعل داود بعد أن زنى مع بتشابع، وقتل زوجها أوريّا الحثّيّ، ثمَّ تزوَّجها. فجاءه توبيخ من ناتان النبيّ بعد أن قدَّم له مثلاً. قال له: أنت هو الرجل الذي فعل كلَّ الشرّ، وتستحقُّ العقاب. فهتف الملك: خطئتُ إلى الله.

 

أوَّلُ هذه المزامير المزمور السادس: «لا تغضب، يا ربّ، في معاتبتي، ولا تحتدّ إذا أدَّبتني. تحنَّن يا ربّ لأنّي عليل. إشفني فعظامي تبلى». تلك هي صرخة يطلقها «النبيّ» وهو مسمَّر على فراشه. وقد ينتظر ساعة الموت: «دموعي كلَّ ليلة تفيض فأغمر بها فراشي». ولكنَّه متأكِّد، رغم خطيئته، «أنَّ الربَّ يستمع لتضرُّعي، أنَّ الربَّ يتقبَّل صلاتي... ». لهذا يريد أن يبتعد عن أهل الإثم، ولا يقف مع الخاطئين لئلاّ ينجذب بخطاياهم.

 

وهناك مز 32 الذي يبدأ: «هنيئًا لمن نُسيت معصيته، وسُترت له خطيئته. ولمن لا يحاسبه الربّ على ما ارتكبه من إثم». أراد المؤمن أن يُخفي خطيئته ولا يقرُّ بها. فأحسَّ أنَّ عظامه تبلى، تتفكَّك، أنَّ يد الربِّ صارت ثقيلة. هكذا يعبِّر «داود» عن تعب الضمير. فقال: «لذلك اعترفت لك بخطيئتي، وما كتمتُ إثمي عنك». أحسَّ هذا الخاطئ أنَّه كان كالفرس والبغل بلا فهم. لا لجام يكبحه ولا رسن، ولكنَّه في النهاية، تمسَّك برحمة الله واتَّكل عليه فأنشد: «افرحوا بالربِّ وابتهجوا أيُّها الصدِّيقون، ورنِّموا يا جميع مستقيمي القلوب».

وصوَّر مز 38 حالة الخاطئ المريض: «جسدي غير معافى، لأنَّك غضبت (= عاقبت)، وعظامي غير سليمة لأنّي خطئتُ. آثامي عبرتْ فوق رأسي، كحمل أثقل ممّا أحتمل. جراحي أنتنت وقيَّحت، يا ربّ بسبب حماقتي». أمّا مز 51، الذي فيه يطلب المؤمن غسلاً من خطاياه، فيفهمنا أنَّ الله لا يكتفي بأن يستر خطايانا، بأن يتظاهر أنَّه نساها. إنَّ الله حين يغفر لنا، يخلقنا من جديد. يعيد إلينا صورتنا أوَّلاً كما خرجت من يده: «قلبًا طاهرًا أخلق فيَّ، يا الله، وروحًا جديدًا كوِّن في داخلي. لا تطرحني من أمام وجهك، ولا تنزع روحك القدّوس منّي». هذا الروح الذي كان في بدء الخليقة، فأخرج منها الحياة، يكون في قلوبنا فينقلنا من موت الخطيئة إلى الحياة مع الله.

 

ويسير مز 102 في الخطِّ عينه: «يا رب استمع صلاتي، وليصل إليك صراخي». ويعبِّر عن ألم الخاطئ: «أصيب قلبي ويبس كالعشب، حتّى سهوتُ عن أكل خبزي. من صوت نواحي يا ربّ، لصق جلدي بعظمي. صرتُ شبيهًا بغراب البرّ، ومثل بومة الخرائب. أسهر الليالي وحيدًا، كعصفور منفرد على السطح». ومع ذلك، يبقى الرجاء حاضرًا: «أنتظر الربَّ، تنتظره نفسي، وأرجو كلمته. ترجو نفسي الربَّ أكثر ممّا يرجو الحرّاس طلوع الفجر» (130: 5-6). من الأعماق صرخ المؤمن، من أعماق خطيئته وشقائه (130: 11). وها هو يهتف في مز 143: «امنحني كلَّ صباح رحمتك، فأنا عليك توكَّلتُ. عرِّفني أيَّ طريق أسلك. فإليك أرفع نفسي... علِّمني فأعمل بما يرضيك، لأنَّك أنت إلهي... »

 

خاتمة

 

هكذا كان داود نبيّ العليّ، وهكذا كانت مزاميره كلمة يحملها المؤمنون، يردِّدونها، ينشدونها. «ما أحبَّ مساكنك يا ربّ الجنود، تشتاق وتذوب نفسي إلى ديار الربّ» (84: 1).

 

ونحن حين نتلوها نكلِّم الله بكلام الله. وحين ننشدها تصبح صلاتنا مضاعفة، لأنَّ من أنشد، كما قال أوغسطينُس، صلّى مرَّتين.

 

الخوري بولس الفغالي

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية