سرُّ الألم في حياة رفقا

 

 

 

سرُّ الألم في حياة رفقا

 

 

 

 

سرُّ الألم في حياة رفقا

"ترابط بين الحبِّ والألم والفرح"

 

مقدِّمة

سَطِّر هذا المقال بمناسبة مرور مئة عام على وفاة القدّيسة رفقا (آذار 1914 - آذار 2014) ليكون جزءًا من كتاب يُهدى إليها في يوبيلها المئويّ الذي ستحتفل به رهبانيَّة "الرّاهبات اللّبنانيّات المارونيّات" عمومًا، وجمهور راهبات دير مار يوسف - جربتا حيث ضريحها خصوصًا. عاشت رفقا في هذا الدَّير سنيها الأخيرة (1897 - 1914) بعد أن إنتقلت إليه من دير مار سمعان القرن - أيطو، سنة 1979)، برفقة خمس راهبات أشهرهنَّ الأخت أورسلا ضومِط المِعاديَّة التي كانت تعاني من داء المفاصل، لأنَّ مناخ جربتا الذي كان معتدلاً خلافًا لمناخ أيطو البارد شتاءً، يُخفِّف عنها آلامها المبرِّحة؛ وقد تكون الرّهبانيَّة أوصت أيضًا بإنتقال رفقا مع الرّاهبات المنتقلات، نظرًا لصحَّتِها المتردِّية هي أيضًا منذ سنة 1885) حين طلبت من ربِّها، في يوم أحد الورديَّة، قائلةً له: "يا ربّي لماذا أنتَ متباعد ومتخلٍّ عنّي، لا تفتقدني بمرض، ألعلَّك ناسيني وأنا عبدتُكَ؟" 1، وفي اللّيلة عينها كان لها ما أُوحي لها بالرّوح أن تطلب.

 

لو تحدَّثنا كثيرًا عن خبرة الألم في حياة رفقا، فإنّنا لا نحدَّها به، رغم عوارضه الواضحة في جسمها، لأنَّ الألم هو نقص، والنّقص لا يحدُّ الذين يسعون إلى الكمال. ليس المنظور ما يُحدِّد من يعيش في السِّتر مع اللاّمنظور، لذلك علينا أن ننزح إلى ما هو أعمق من الألم وأبعد، أن نسبر سرَّها وقد أخفته عنّا خلف ألمها، فهي كالمسيح وعلى خطاه، تألَّمت لأنّها أحبَّت كثيرًا، وفرحت بحبِّها هذا، لأنَّ آلامها أصبحت بقوَّة الرُّوح القدس آلامًا خلاصيَّة وفدائيَّة وشفائيَّة، لا مجرَّد أوجاع تحطِّم قلب الإنسان وجسده. الحبُّ والفرح هما سرُّ الألم لدى رفقا وأمثالها من القدّيسين، فهما من عطايا الرُّوح، وهما للألم دواء ناجع وعزاء نافع، لأنّهما ولَّدا لديها الصَّبر والأناة، كما شهدت الرّاهبات اللّواتي عرفتها قائلات أنّ رفقا "في آلامها وأوجاعها، التي ترتعد أعضاؤنا من مجرَّد وصفها، ما كانت تشكو ولا تتوجَّع، بل كانت على شفتيها إبتسامة سماويَّة" 2، وحين كان الزُوَّار الرّسوليُّون  يسألونها عن حالها كانت تجيبهم: "إنّي مرتاحة ومبسوطة، وكلُّ الرّاهبات بخدمتي. وأنا أحسن من ملكة الإنكليز" 3 ؛ وقد قالت هي بنفسها في خاتمة سيرة حياتها: "بما أنّي أنا التي طلبتُ المرض لنفسي بإرادتي وحريَّتي، فلا يحقُّ أن أتشكَّى أو أتذمَّر" 4 .

 

سنتطرَّق إلى موضوع الألم في حياة القدّيسة رفقا من نواح عدَّة لندركه "كوسيلة" تكشف عن حالة خلاصيَّة فدائيَّة، لا "كهدف" يكشف عن حالة مرضيَّة ساديَّة.

 

فرفقا عندما طلبت الألم طلبته "وسيلة" للتَّشبُّه بيسوع المتألِّم، لأنَّ عشقها له نما بالحكمة والنِّعمة، وفرحها كَبُرَ بالرُّوح القدس يقود خطاها وبصيرتها. ما الألم سوى سيف ذي حدَّين، إمّا أن يكون طريقًا إلى اليأس والقنوط فالموت، وإمّا أن يكون سبيلاً إلى الرَّجاء والفرح فالحياة. رفقا من جانبها، إختارت الحياة لتكون مع يسوع، فهي عندما طلبت الألم ما طلبته لذاته أو لذاتها، بل إلتمسته من يسوع ولأجله، يوم أحد الورديَّة، تعبيرًا عن حبِّها له وعن عمق فرحها بالإتّحاد به، عاقدة قرانها الأبدي معه، هامسة له في قلبها ما جاء في نشيد الأناشيد: "حبيبي لي وأنا له" 5 (نش 2/ 16) وما جمعه الحبُّ لا يفرِّقه ألم!

هذا هو سرُّ رفقا، أن تكون لحبيبها ومعه، وما همُّها لو رفعها إليه لتعانقه في قسوة الصّليب، أما هو القائل: "وأنا إن إرتفعتُ عن الأرض أجذبُ إليَّ الجميع؟" (يو 12/ 32). وما همُّها أيضًا إن إضَّجعتْ بقربه في ظلمة القبر، أما هو القائل: "أنا هو

القيامةُ والحياة" (يو 11/ 25)؛ فالقيامة آتية بعد الصّليب، لا محال، لتراه وجهًا لوجه، لا بالألم الزّائل مع هذا العالم الزّائل، بل بالحُبِّ الباقي وبالفرح الدّائم، وقد أخفتهما في ظلِّ ألمها؛ إستجابها الله لأنّها طلبت وفقًا لمشيئته، ولأنّها ذهبت بحبِّها له إلى النهاية، ستكون لها معه بداية جديدة في أرض جديدة.

لألم رفقا خلفيّات ثلاث: بيبليَّة وقربانيَّة وصوفيَّة، نفهم من خلالها معنى إلتماسها التَّشبُّه بالمصلوب الحبيب، في يوم أحد الورديَّة، سنة 1885.

 

1- خلفيَّة بيبليَّة: تألَّمت رفقا "كما جاء في الكتب!" (قانون الإيمان النِّقاوي).

ربَّما إعتادت على قراءة الكتب المقدَّسة قبل أن تُبلى بالعمى، إلاّ أنّها واظبت، دون شكٍّ، على سماعها وتردادها بعد فقدان بصرها. نقلت عنها الأخت عبدة الأحد من شبطين قولها: "يجب أن نفتح آذاننا لأقوال الإنجيل والسنكسار وسائر كلام الله والقدّيسين، ثمَّ نسدُّها لئلاَّ تخرج منها، بل يجب أن تبقى هذه الأقوال تلعب هنا"، واضعة إصبعها على رأسها..." 6 . إستنادًا إلى هذا القول، لا شكَّ أنَّ عقلها المتبصِّر وقلبها المتأمِّل ومسيرة حياتها المستنيرة بكلام الله، قد عُجِنَتْ بشواهد كتابيَّة ولا سيَّما المتعلِّقة منها بظاهرة الألم البشريّ؛ علمًا أنَّ الكتّاب الملهمون لم يطرحوا حلولاً لإقصائه، بل أعطوه معنًى تصعيديًّا جعله "وسيلةً" لا بدَّ منها لبلوغ الكمال، تشبُّهًا بالمسيح المتألِّم.

 

رفقا قرأت الكتاب المقدَّس، تأمَّلت في كلامه، وراحت بنفسها إلى حيث قادها الرُّوح.

ليس الألم في الكتاب المقدَّس سوى مَسٍّ لسرٍّ أعمق وأبهى هو "التّخلّي عن الذّات" بكلِّيتها في سبيل الآخرين، والإستسلام لإرادة الله، فأيُّوب البارّ صرخ في حمأة ألمه النّفسيّ والجسديّ قائلاً: "عريانًا خرجت من بطن أُمِّي، وعريانًا أعود إلى هناك. الربُّ أعطى والربُّ أخذ فليكن إسم الربِّ مباركًا" (أي 1/ 21)، وتقدمة الذّات بدافع الحبِّ الباحث أبدًا عن موضوع حبِّه، هو مصدر فرح لا ينضب. يجعلنا الألم أمام ذواتنا، وذواتنا أمام الله، فهو يختصر المسافات بين الإنسان والحقيقة: حقيقة الذّات الزّائلة وحقيقة الله الأزليَّة؛ في الألم إختارت رفقا حقيقة الأزل متحرِّرة من حقيقة هذا الألم الزّائل. فإن عرف إنسان كيف يتألَّم، فلأنَّه عرف كيف يُحبّ ومَن يُحبُّ وأن يفرح بحبِّه هذا، لأنَّ ثمرة الحبِّ في نهاية المطاف، هي التّخلّي عن الذّات والتّضحية بها في سبيل موضوع الحبِّ: الله والقريب. وثمرة هذا التّخلّي هي الإمتلاء من ثمار الرُّوح وهي: "المحبَّةُ، والفرحُ، والسّلامُ، والأناةُ، واللُّطفُ، والصّلاحُ، والأمانةُ، والوداعةُ، والعفاف" (غل 5/ 22 - 23).

لآلام رفقا خلفيَّة بيبليَّة نجدها في العهد القديم، في نشيد آلام عبد يهوه الرّابع (أش 52/ 13 - 53/ 12)، وفي العهد الجديد، في حدث آلام يسوع المسيح وموته على الصّليب؛ فالألم هو ظاهرة جليَّة في الوحي الإلهيّ، وله مكانته البارزة، لأنّه حالةٌ وجوديَّةٌ كلَّم الله الإنسان من خلالها ببلاغة لا وصف لها. إن تأمَّلنا هذا الألم نجده غيريًّا ، لأنّه ألم من أجل آخرين: "حَسِبْنا أنَّ الربَّ قد عاقبَهُ وأذَلَّه، إلاّ أنَّه كان مَجْروحًا من أجل آثامنا ومسحوقًا من أجل معاصينا، حلَّ به تأديبُ سلامنا، وبجراحِه برِئْنا" (أش 35/ 4 - 5)؛ ونجده جذريًّا لأنَّ فيه ذروة حبِّ الآخرين، إذ "ليس لأحدٍ حُبٌّ أعظمُ من هذا، وهو أن يَبذُلَ الإنسانُ نفسَهُ في سبيل أحبّائه" (يو 15/ 13)؛ لهذا هو ألم وجوديٌّ بإمتياز يلازم الإنسان حتّى بعد أن غلب المسيح الموت وأفاض الحياة؛ والكنيسة تختبر الألم في جسدها كما المسيح في جسده، منذ عهد الرُّسل مرورًا بعهد الشُّهداء إلى يومنا هذا. سمعت رفقا هذا الكلام وتأمَّلت فيه في قلبها، وانتظرت إلى أن تأتي السّاعة لتفهمه وتلتمسه.

تابعت رفقا بولس الذي إختبر هو بدوره آلام المسيح وهو يقول: "نحملُ في جسدنا كلَّ حينٍ موت يسوع، لكي تظهرَ حياةُ يسوعَ أيضًا في جسدنا" (2 قور 4/ 10)، ويقول أيضًا: "إنْ شاركناه حقًّا في آلامه، نشاركه أيضًا في مجده" (روم 8/ 17)، وكذلك شهد قائلاً: "إنّي أفرحُ الآن بالآلام التي أُعانيها من أجلكم، وأُتِمُّ في جسدي ما نقصَ من مضايق المسيح، من أجل جسده الذي هو الكنيسة" (كو 1/ 24)؛ ويقول لأهل فيلبّي: "فقد وُهبَ لكم من أجل المسيح، لا أنْ تُؤمنوا به فحسب، بل أيضًا أنْ تتألَّموا من أجله" (فل 1/ 29). وقرأت كذلك بطرس هامة الرُّسل، في رسالته الأولى حيث يقول: "إنْ تألّمتُم من أجل البرِّ، فطوبى لكم!" (بط 3/ 14)، وفي موضع آخر يقول: "من الأفضل أن تتألَّموا وأنتم تفعلون الخير، إن كانت تلك مشيئةُ الله..." (بط 3/ 17)، وأيضًا: "إفرَحُوا بمقدارِ ما تشتركون في آلام المسيح، حتّى إذا ظهرَ مجدُه تفرَحون أيضًا وتبتهجون" (بط 4/ 13). لم يغب عن بال رفقا كلُّ هذا المخزون الكتابيّ الذي كان، في وعي منها أو في لاوعيها، يقود خطاها، لا إلى جبل موريَّه كإسحق في ذبيحة ناقصة، بل إلى جبل الجلجلة كيسوع في ذبيحة كلُّ وعدٍ فيها "قد تمَّ" (يو 19/ 30).

ليس ما جاء في الكتاب المقدَّس عن الألم في أبعاده الغيريَّة والجذريَّة والوجوديَّة، دعوة لتقديس الألم أو للإنهزام أمامه، بل للإنتصار عليه، لا بإلغائه إنّما بتحويله إلى أداة تطهير من سمات الإنسان العتيق الذي دفنه المسيح معه في القبر، ليقوم إنسانًا جديدًا حاملاً سمات المسيح القائم من الموت، وقد قال لنا: "إنَّ حبَّة الحنطة، إنْ لم تقع في الأرض وتمُت، تبقى واحدة. وإنْ ماتت تأتي بثمرٍ كثير" (يو 12/ 24). هذه هي مشيئة الله في أن تكون لنا من الموت حياة.

لا جدوى من السُّؤال عن وجود الألم أو عدمه، لأنَّه قائم لا محال في إنسان يتألَّم؛ إنّما الجدوى هي في البحث عن معنى هذا الألم، لأنَّه في إدراك المعنى تعزية وحياة. فما معنى أن تألَّم عبد يهوه؟ وما معنى أن تألَّم يسوع؟ وما معنى أن تتألَّم الكنيسة؟ أسئلة نطرحها وفي خلفيَّتنا أن نفهم سرَّ ألم رفقا والدّافع إلى إلتماسه من يسوع. بإلتماسها الألم أصغت رفقا إلى إلهامات الرُّوح القدس الذي ألهم الأنبياء والرُّسل والشُّهداء، فقاد خطاها هامسًا لها مرَّتين كما أخبرتنا في سيرتها، في كنيسة سيِّدة النّجاة في بكفيّا، وفي كنيسة مار جرجس في مِعاد "إنَّكِ تترهَّبين!" فطمأنها؛ ترهَّبَت رفقا منصاعة فرحة، وهمس لها ثالثة جوابًا على طلبها، واستكمالاً لمسيرتها الرُّوحيَّة أن "ستتألَّمين!"، لأنَّ الرُّوح نظر حبَّها الذي أينع كما حبُّ المسيح للبشر على الصّليب، وحبُّ الشُّهداء له وللكنيسة في حلبة الموت.

 

 

2- خلفيَّة قربانيَّة: "من عيشك للقربان صرتي قرباني تاني" 7 . رغبت نفوس كثيرة في الكنيسة بالتَّشبُّه بالمسيح إلى أقصى حدٍّ حتّى الموت على الصّليب، لتتخطَّى معه كلَّ حدٍّ بالقيامة. كتلميذة للرُّوح القدس ولكلمة الله، إلتصقت رفقا بجسد يسوع ودمه، طالبةً الألم، تشبُّهًا به. هذه الرَّغبة الأصيلة بالتَّشبُّه الكامل بالمسيح، أخذت في كلِّ جيل من أجيال الكنيسة، تعبيرًا خاصًّا، كجيل البتولين والبتولات، وجيل الشُّهداء، وجيل الرُّهبان والمتوحِّدين، وجيل الآباء والمعلِّمين، وجيل الفقراء والمتسوِّلين، وجيل الحجّاج، وجيل المبشِّرين والمرسلين... وغيرهم من أجيال تعاقبت صابغة التّقوى المسيحيَّة بصباغ يختاره لها الرُّوح القدس، يلائم حاجاتها المتجدِّدة، وهو روح التَّجدُّد في الكنيسة، وموزِّع المواهب على الأفراد والجماعات بما يناسب جمالها وكمالها.

ليست أجيال الكنيسة حالة زمنيَّة جامدة، بل هي ديناميَّة، حاضرة دومًا "الآن" تستلهم الماضي بإيمانها وتستشرف المستقبل برجائها. فسرُّ الإفخارستيّا، أو القربان الأقدس، هو أساس وجود الكنيسة واستمراريَّتها، وفيه تعيش الكرازة الأولى، موت الربِّ وقيامته في "الآن" وفي "كلِّ آن": "كلَّ مرَّة تكمِّلون هذه الأسرار، تذكرون موتي وقيامتي حتّى مجيئي"، ويجيب الشّعب: "نذكر (الآن) موتك يا ربُّ ونعترف (الآن) بقيامتك..." (نافور مار بطرس هامّة الرُّسل)؛ سرُّ الألم والموت والقيامة هو حاضرٌ في القربان الأقدس، ونحتفل به في القدّاس كعربون للحياة الأبديَّة؛ تعبَّدت رفقا للقربان عبادة عميقة، وتأمَّلت بسرِّه في القدّاس وفي زيارات القربان اليوميَّة. نقل الأب منصور عوَّاد عن الأخت عبدة الأحد الشّبطينيَّة في موضوع تعلُّق رفقا بعبادة القربان ما نصُّه: "وكان إيمانها يسطع في حبِّها ليسوع في سرِّ القربان الأقدس، وبما أنَّه كان يحظِّر علينا القانون في ذاك العهد... أن نتناول فيما خلا الآحاد والأعياد، كانت رفقا تقول لي ولغيري: "يا أختي، قد ما بتقدري تتناولي مناولات روحيَّة في النهار، لا تتأخَّري، ولو كان ألف مرَّة" 8 . وقد عُرف عنها تواتر زياراتها إلى الكنيسة تحيَّة للقربان الأقدس وتعويضًا روحيًّا عن المناولة الفعليَّة.

من بين محفوظات رفقا في دير مار يوسف جربتا "كتاب الزّيارة اليوميَّة لسرِّ الإفخارستيّا" للقدّيس ألفونس ليكوري، وقد كان رفيقها في زياراتها المتواترة للقربان ومعينها على المناولات الرُّوحيَّة؛ كان له الأثر البالغ في تعميق روحانيَّتها القربانيَّة والفدائيَّة؛ قرأت فيه أقوالاً تحضُّها على تقديم ذاتها للمسيح كما قدَّم هو ذاته من أجلها كمثل: "أيُّها الخروف البريء من العيب المقدَّم ذبيحة من أجلنا على عود الصّليب أذكر أنّي إنّما أنا واحد من أولئك الذين أنتَ إفتديتهم بآلام شديدة، وبموتك عنهم، فاجعل ذاتك خاصَّتي... أنت الذي أوهبتني ذاتك، وكلَّ يوم تهبنيها بتقدمة نفسك على الهياكل ضحيَّة حبًّا بي، ثمَّ صيِّرني أن أكون خاصَّتك بجملتي. فأنا أهبكَ ذاتي كلَّها لكي تصنع بي ما تشاء، مانحًا إيّاك إرادتي كي تقيِّدها برباطات حبِّك العذب..." 9 . وكذلك في كتاب "الإقتداء بالمسيح"، وقد كان بين أيدي الرُّهبان والرّاهبات في تلك الفترة، يقرأونه ويتشبَّعون من تعاليمه، تنبَّهت رفقا إلى ما يطابق إختبارها الرُّوحيّ: "إفرحي يا نفسي، واشكري الله على الموهبة الشّريفة (سرَّ القربان) والسَّلوة الفريدة التي خلَّفها لك في هذا الوادي وادي الدُّموع. لأنَّك كلَّما ذكرتِ هذا السرَّ، وتناولتِ جسد المسيح، قد تشاغلتِ في أمر نجاتك، وصرتِ شريكة في كافّة إستحقاقات المسيح" 10 .

حالة طلب الألم لدى القدّيسين نجدها في بداية الكنيسة منذ عهد الرُّسل والشُّهداء، وهي تحقيق لذبيحة المسيح في الإفخارستيّا وإستكمال لها؛ فالّذين سفكوا دماءهم في أجيال الكنيسة الأولى تحوَّلوا هم بدورهم، بقوَّة الرُّوح القدس، إلى ذبيحة قربان حيٍّ يُقدَّم لله فداءً عن الكنيسة تشبُّهًا بالمسيح، وقد واظبوا على تناول جسده ودمه حتّى تماهوا معه، إلى أقصى حدود، وما رغبتهم بالموت من أجله، سوى إمتداد لرغبة المسيح بالموت من أجلهم؛ جاء في اللّيتورجيّا المارونيَّة عن الشُّهداء قولهم: "عن إيمان المصلوب لسنا نزاح، نرضى كرمى للحبِّ بالموت حتّى الصَّلب" (القدّاس الماروني)، ولا تزال ظاهرة الإستشهاد من أجل المسيح واقعًا في حاضر كنيسة اليوم.

ما طلبته "رفقا الشّهيدة" من ألم لم يكن من تلقاء ذاتها فقط، وقد رأينا أنَّ الرُّوح علَّمها "ما جاء في الكتب" حول الألم، وقد سبقها في الزَّمن رجال (القدّيس فرنسيس الأسيزي) ونساء (القدّيسة ريتا ده كاشيا) رغبوا بالتَّشبُّه الجذريّ بيسوع المسيح، وإيّاه مصلوبًا! رفقا هي من جيل رأى جذريِّة التَّقوى المسيحيَّة في المحبَّة المُطلقة، وتعبيرها السّاطع في الألم وحمل الصَّليب برجاء وطيد، يثمر فرحًا سماويًّا في قلب المتألِّم، فهو لا يتذمَّر، بل يشكر، لأنَّه عانق، بوعي كبير، صليب يسوع، غير عازم أن يفلته. تعلَّمت رفقا في القدَّاس، وفي تأمُّل القربان الأقدس، ما تعلَّمته من الكتب المقدَّسة، أنَّ الألم هو ذبيحة الخلاص. يقول الأب الياس حنَّا في شأن عبادة رفقا للقربان الأقدس طبعت حياة رفقا بطابع قربانيّ وذبيحيّ لم يحظَ به سواها من القدّيسين في الكنيسة. إنَّ القربان الذي كرَّمته حوَّل جسدها إلى قربان وذبيحة، وحياتها إلى صليب نور وفداء. لقد جسَّدت في جسدها وروحها ذبيحة القدّاس بحيث أضحت قدّاسًا دائمًا على مذبح الحياة" 11 .

 

- خلفيَّة صوفيّة: "ها هو عبدي يُفلِحُ، ويتعظَّمُ ويتعالى ويتسامى جدًّا" (أش 52/ 13).

عاشت رفقا مسيرة روحيَّة تحوَّلت بفعل الألم النّفسيّ والجسديّ خبرة صوفيَّة عاشت فيها لحظات إتّحاد بالله هي دون شكٍّ إستباق للإتّحاد الأخير والنّهائيّ. فهي كانت تعيش تحت ظلِّ الرُّوح القدس متمِّمة مشيئة الآب في كلِّ شيء، مثل حبيبها يسوع، حتّى النِّهاية. برزت حالتها الصُّوفيَّة هذه في تساميها الدّائم بالمحبَّة الكاملة وبالفرح السّماوي لتماهيها بالمسيح المتألِّم، وكلُّ الشّهادات في سيرتها تحمل سمات هاتين الفضيلتين إلى جانب الألم الذي صار رفيقها الدّائم، فكان بدايةً ألمًا نفسيًّا في بنية جسديّة سليمة، وبعد أحد الورديَّة سنة 1885 صار ألمًا جسديًّا في راحة نفسيَّة سلاميَّة.

تركت رفقا بيتها الوالديّ على أثر شجار حادٍّ وقع بين خالتها، زوجة أبيها، وخالتها أخت أُمِّها، في موضوع تزويجها، هي التي كانت منذ طفولتها تميل إلى العزلة والخلوة والإنفراد، فألهمها الرُّوح القدس أن تلجأ إلى دير سيِّدة النّجاة للمريمات، في بكفيّا، وهناك في الكنيسة خاطبها الرُّوح في أعماقها قائلاً لها: "إنّك تترهَّبين!" كان في هذا الصّوت شفاءٌ لآلامها النّفسيَّة ودفعٌ جديد لمسيرتها الرُّوحيَّة، إذ على من يريد أن يتتلمذ للمسيح أن يحلَّ إرتباطه بالعالم بدءًا من الأب والأُمّ وصولاً إلى الذّات... حاملاً صليبه في إثر المسيح. هكذا أخذت رفقا قرارها بالتّتلمذ ليسوع حاملة معه الصّليب، فبعدما تخلَّت عن ذاتها حين قبولها في الدّير، إستكملت خطوتها بالتّخلّي عن عائلتها كما روت هي بنفسها قائلةً: "رجوتها (معلِّمة الإبتداء) أن تعفيني من مقابلتهما فرضيت. فذهبا حزينين، ولم أعد أنظرهما في كلِّ حياتي الرُّهبانيَّة" 12 .

 

ترهَّبت رفقا في جمعيَّة المريمات وكانت عينها على دير مار الياس - شويَّا، حيث الحياة الرُّهبانيَّة القانونيَّة المُحصَّنة، ولكن ما همَّ، لتكن مشيئة الربِّ لا مشيئتها! تخطَّت رغبتها لتدخل في رغبة الله. توزَّعت حياتها في هذه الجمعيَّة الرّسوليَّة بين صلاة وعمل ورسالة، فكانت على حدِّ قول المزمور الأوَّل "تنجح في كلِّ ما تصنعه" (مز 1/ 3). بفضل رفقةِ الرُّوح لها؛ تجرَّدت عن ذاتها واضعة مواهبها أمام الربِّ، وعلى الرُّغم من نجاحها في جمعيَّة المريمات بإتمام المهام الرّسوليَّة التي أوكلت إليها في الإكليريكيَّة، في غزير، حيث زاولت "لمدَّة طويلة" خدمة المطبخ، أو في رسالتها التّعليميَّة في قرى الجبل، ولا سيَّما، في دير القمر وجبيل ومعاد، كانت رفقا تتوق دومًا إلى نجاح أسمى وأكمل.

ففي قرية معاد كانت على موعد مع تجربة شكَّلت لها أزمة نفسيَّة هي الثانية من نوعها، فأعلنها الرُّوح القدس على الخروج منها ظافرة، لتكمِّل مشوارها صعودًا وترقِّيًا إلى الجلجلة، لتسمو مع يسوع بالمجد عن يمين الآب. واجهت رفقا إذًا محنة كبيرة سبَّبت لها ألمًا نفسيًّا حادًّا إذا أبلغت عن إلغاء رهبانيَّتها لضمِّها إلى رهبانيَّة أُخرى لتصير جمعيَّة "القلبين الأقدسين"، رَوَتْ محنتها قائلةً: "ولمّا علمتُ بذلك، حرتُ في أمري، واستولت عليَّ الهواجس والبلابل، فولجتُ كنيسة القدّيس جرجس في معاد، وبدأتُ أُصلّي باكية متنهِّدة، طالبةً من الله أن يهديني طريقًا أمينًا. ومن كثرة بكائي سَطا عليَّ النُّعاس، فأسندتُ رأسي بيدي وسَبَحْتُ في عالم الأحلام. وبين أنا في هذا الإستغراق، شعرت بيد غير منظورة تمسُّني في كتفي، وسمعت صوتًا غير معروف مصدره يقول لي: "تترهَّبين!" في الرّهبانيَّة اللّبنانيَّة المارونيَّة" 13 . إنصاعت رفقا فرحة مسرورة لإلهام الرُّوح القدس، ورتَّبت أمورها مع السيِّد أنطوان عيسى، والتحقت بدير مار سمعان القرن، في أيطو، سنة 1871.

 

هكذا إنتقلت رفقا من حياة الرِّسالة في العالم، إلى حياة العزلة والخلوة في الدّير، وقد كانت العزلة حبَّها الأوَّل؛ فإثر هذه الخبرة الصُّوفيَّة الثانية التي حوَّلت حزنها النّفسيّ، وليد الخوف على مصير مسيرتها مع المسيح، إلى فرح روحيّ وسلاميّ ساعدها في تمييز مشيئة الله التي أُوحي بها إليها في حلم كشف لها عن ثلاثة رجال، كما رَوَتْ هي بنفسها، وأحدهم، وهو القدّيس أنطونيوس الكبير الذي قال لها حرفيًّا: "ترهَّبي بالرّهبانيَّة اللّبنانيَّة". فأفقتُ، تقول رفقا، من رقادي مبتهجة مسرورة. وفي الصّباح، قصدتُ أنطوان عيسى وعلى وجهي علائم السُّرور، فقال لي: كيف أصبحت اليوم؟ فإنَّ على وجهك ما يدلُّ على سرور قلبك. قلتُ نعم، وقصصتُ عليه الحلم" 14 . إنتقلت رفقا إلى حياة جديدة في دير مار سمعان القرن سنة 1871 ليبدأ الشَّوط ما قبل الأخير والأكثر حسمًا في حياتها، إذ فيه طلبت بملء وعيها وإدراكها أن "تدخل فرح سيِّدها" لتلتصق بعريسها السّماوي معانقة إيّاه على الصّليب، فوق الجلجلة، يحملها معه من هناك لتتَّحِدَ به في مجده السّماويّ. رَوَتْ رفقا في سيرتها الذّاتيَّة قائلةً: "وفي أولى سنيَّ في دير مار سمعان كنتُ ممتلئة بجسم صحَّة ونشاطًا، ولا أذكر أنّي مرضت في كلِّ هذه السِّنين من حياتي" 15 . والخوري منصور عوَّاد ينقل عن لسان رفقا قولها: "أنَّ الله يجرِّب خيّاتي بعضهنَّ بالعمى، وبعضهنَّ بالمرض، وأنا تاركني معافاة" 16 . ها حسَدَت رفقا "خيّاتها" وقد كنَّ أقرب منها إلى المسيح المتألِّم؛ هي متعافية وهنَّ سقيمات؟ ولكنّنا نعرف أنَّ رفقا إختبرت الألم قبل أن تطلبه، إذ تروي الأخت حنّة علوان من أيطو قائلة: "مرَّة نبت لها خرَّاج على باب معدتها، فعيَّنتُ لخدمتها، وكنت إذ ذاك مبتدئة. فكانت تتألَّم منه كثيرًا وهي صابرة، شاكرة الله تعالى على وجعها، مردِّدة دائمًا هذه العبارات: "المجد لله، مع آلام المسيح..." هكذا ذاقت رفقا طعم الألم ولو موقّتًا فطاب لها، موطِّدة العزم على إلتماسه بوعي العقل ويقظة القلب؛ نضجت رفقا واستوت فيها مشيئة الله لتتمِّمها كما أتَمَّها يسوع فوق الصّليب، داخلةً معه في حياة جديدة طوباويَّة تتخطّى النّقص والألم والموت.

 

خاتمة: "دعوني أتألَّم مع المسيح"

سرُّ ألم رفقا عرفناه في الكتب المقدّسة التي كانت تتأمَّلها ليلاً ونهارًا، وعرفناه في الإفخارستيّا حيث إشتركت بجسد المسيح ودمه؛ وعرفناه في خبرة صوفيَّة حملتها إلى الإتّحاد بمن تحبُّه ويحبُّها؛ ركائز روحانيَّة رفقا هذه هيّأت لها "ملء زمانها"، الموافق لأحد الورديَّة سنة 1885. ففي "عرس ألمها" هذا، إختارت لنفسها إشبينين: المحبَّة والفرح، يشهدان لها أمام البشر والملائكة والله أنَّ إلتماس الألم بعيدًا عن أن يكون حالة مرضيَّة، هو خبرة صوفيَّة في قلب الكنيسة، قادها الرُّوح إليها بعيدًا عن الإعتبارات البشريَّة النّفسيَّة والجسديَّة، لتتَّحِد بالحياة الإلهيَّة، كما تتَّحد العروس بعريسها فيصيران جسدًا واحدًا؛ فهي "بعد أن بلغت الخمسين من عمرها، وهي تتمتَّع بصحَّة جيِّدة، وبدافع سرِّيّ من الرُّوح القدس، تمنَّت نعمة المرض، بعيدًا عن حبِّ الألم للألم... فكانت تشعر بإنجذاب سرّيّ إلى التّشبُّه بالمسيح المعذَّب" 17 . روى لنا الخوري منصور عوَّاد ميتة رفقا الأخيرة سنة 1914، وقد إعتادَت الميتات اليوميَّة في حياتها، منذ سنة 1885، رابطًا بين آلامها المبرِّحة وموتها البطيء من جهّة، وسرورها المدهش بالرغم من كلِّ ما عانته، واصفًا إيّاها وكأنّها في عرس يليه شهر عسل دائم في السّماء، قال: "وأخيرًا رقدت الرّاهبة الضّريرة رفقا على صليب أوجاعها الهائلة، وآلامها المبرِّحة على هيكل جسمها المخلَّع المفكَّك الذي لم يكن باقيًا منه إلاّ الجلد والعظام. رقدت رقادها الأخير في 23 آذار 1914 فكانت حياتها في أمراضها المرعبة وأوجاعها القاسية وعمى عينيها وتفكُّك أوصالها على مدى تسعة وعشرين حولاً تنقلَّت أثناءها من بليَّة إلى بلايا ومن وجع إلى أوجاع حتّى بلغت الذُّروة في البلايا والأوجاع والإحتمال مع الإبتسامة الدّائمة أعجوبة العجائب!" 18 .

 

 

 

1 - شبلي أنطونيوس، ترجمة وعجائب عبدة الله البارَّة الراهبة رفقا البكفاريَّة اللّبنانيَّة، مكتبة دير سيِّدة المعونات، جبيل، الدّفتر الأوَّل (مخطوط)، ص 8.  نقلاً عن الياس حنَّا.

القدّيسة رفقا الراهبة اللّبنانيّة المارونيّة (1832 - 1914)، سيرة حياة، جزء 1، ص 139.

2- عوّاد منصور، الأخت رفقا الريِّس، عن كتاب "بركة عن قبر القدّيس شربل"، دير مار مارون - عنّايا، 2001، ص 53.

3- المرجع ذاته، ص 62.

4- شبلي، الدّفتر الأوَّل، ص 8، نقلاً عن الياس حنّا، ص 90.

5- كانت رفقا تنشد هذا النّشيد في ختام زياراتها للقربان الأقدس إستعدادًا للمناولة الرُّوحيَّة. راجع "كتاب الزيارة اليوميَّة لسرِّ الإفخارستيّا" ص 138، وقد وهبها إيّاه القس جرجس مناسا الغسطاويّ الرّاهب اللُّبنانيّ سنة 1865 وهي بعد في جمعيَّة المريمات. راجع الياس حنّا، ص 225، حاشية 114.

6- عوَّاد منصور، الأخت رفقا الريِّس، عن كتاب "بركة عن قبر القدّيس شربل"، ص 29.

7- كتاب صلاة رفقا، الكسليك، لبنان، 2001، ص 67.

8- عوَّاد منصور، الأخت رفقا الريِّس، عن كتاب "بركة عن قبر القدّيس شربل"، ص 30.

9- كتاب الزيارة، ص 50.

10- السِّفر الرّابع، الفصل الثاني، المقطع 6. نقلنا هذا النصّ من كتاب "الإقتداء بالمسيح" مطبوع سنة 1853 في بيروت في مطبعة الآباء المرسلين اليسوعيّين، وهو محفوظ في مكتبة دير مار يوسف جربتا مع طبعتين أخريين من سنة 1899 وسنة 1913، كانتا معاصرتين لوجود رفقا في الدير المذكور.

11- الياس حنّا، القدّيسة رفقا الرّاهبة اللّبنانيَّة المارونيَّة 1832 - 1914، سيرة حياة، ص 225.

12- الأب شبلي، الدّفتر الأوَّل (مخطوط)، ص 4، نقلاً عن الياس حنّا، ص 35.

13- المرجع ذاته، ص 6، نقلاً عن الياس حنّا، القدّيسة رفقا الرّاهبة اللّبنانيّة المارونيَّة 1832 - 1914، سيرة حياة، ص 87.

14- المرجع ذاته، ص 7، نقلاً عن الياس حنّا، القدّيسة رفقا الرّاهبة اللّبنانيّة المارونيّة 1832 - 1914، سيرة حياة، ص 88.

15- المرجع ذاته، ص 8، نقلاً عن الأب الياس حنّا، ص 89.

16- عوَّاد الخوري منصور، الأخت رفقا الريِّس، عن كتاب "بركة عن قبر القدّيس شربل"، ص 38.

17- البابا يوحنّا بولس الثاني، خطاب يوم تطويب الأخت رفقا في 17 تشرين الثاني، سنة 1985.

18- عوّاد الخوري منصور، الأخت رفقا الريِّس، عن كتاب "بركة قبر القدّيس شربل"، ص 63.

 

الأب إميل عقيقي

النائب العام للرّهبانيَّة اللبنانيَّة المارونيَّة

  

 

 

 

 

    

                              

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية