سيرة حياة القديسة الأم تريزا (1910 - 1997)

 

 

سيرة حياة الأم تريز​​

 

وُلدت غانشي بوياخيو في 26 أب 1910 في سكوبجي الألبانيّة. والدها نيكول ووالدتها درانا. لها أخوين أكبر منها وهما آجي ولعازر. لاحظت الأمّ أنّ ابنتها غانشي تميل إلى التأمّل بصمت، وتقرأ بشغف قصص المرسَلين المسيحيِّين إلى الهند وخصوصاً اليسوعيّين. تقول الأمّ تيريزا عن نفسها: "لم أكن أتعدى 12 سنة من عمري عندما شعرت برغبتي في أن أكون مرسَلة". وبدأتْ غانشي بالتردّد على الكنيسة المجاورة لبيتها يوميًّا مشاركةً في نشاطها، وانتسبتْ إلى أخويّة بنات مريم وساعدتْ، هي وأمها، البنات الفقراء. على أقدام العذراء في ليتينشي "سمعتُ دعوتي الإلهيّة لأدخل في خدمة الله فامتلأ داخلي بالفرح".

     

عندما بلغت غانشي 18 سنة لبّت دعوتها الإلهيّة القويَّة فسافرت إلى إيرلندا والتحقت برهبنة "عذراء لوريتو" حيث درست، ثم أُرسلت بناءً على طلبها إلى الهند، وبعد رحلة بحريّة دامت 37 يوماً وصلتْ كالكوتا في 6 كانون الثاني 1929 وكان عمرها آنذاك 19 سنة فقط. والتحقت بدير الرَّهبنة في داريلينغ القريبة من كالكوتا ودرست فيه لمدّة سنتين. نذرت نفسها للرهبنة في 24 أيار 1931 واختارت لها أسم: تيريزا تيمناً بالقدّيسة تيريزا الطفل يسوع. بدأت الأخت تيريزا بتدريس مادّة الجغرافيا والتاريخ في مدرسة "القدّيسة مريم" الثانويّة الوحيدة للبنات في كالكوتا وهي تضمّ بنات الطبقة المتوسطة والغنيّة. ثمّ أصبحت بعدها مديرة لهذه المدرسة. وأيضاً أدارت مدرسة للبنات الفقراء، فزاد عملها وانشغالها. وقدّمتْ الأخت تيريزا نذورها الدّائمة للرَّهبنة في 24 أيار 1937.  تعرّفت الأخت تيريزا إلى أخوات "بنات القدّيسة آنا"، التابعة لرهبنتها، وكُنَّ راهبات هنديّات من بنغالا، يعيشنَ ضمن التقاليد البنغاليّة فيلبسنَ السَّاري الهنديّ المصنوع من القطن الرَّخيص ويأكلن بالأيدي وهنّ قاعدات على الأرض، وأصبحتْ الأخت تيريزا مرشدة روحيّة لهنَّ وتعلمت منهنَّ هذه العادات.

         

  في 10 أيلول 1946 وبينما كانت مسافرة في القطار إلى داريلينغ الهنديّة لقضاء رياضتها الرُّوحيّة، ووسط المسافرين الفقراء وصراخ الأطفال، سمعتْ دعوة واضحة من الرَّب لخدمة الفقراء والعيش بينهم، واعتبرت هذا إلهام إلهيّ لها ونور داخليّ. بعد هذا تلقت الأخت تيريزا دروساً في الطّب والتمريض وطلبت من رؤسائها الإذن بترك الدّير للإنصراف إلى خدمة الفقراء. وافق البابا بيوس الثاني عشر عام 1948 على طلبها، فتركت الدّير والمدرسة والنعيم الذي كانت فيه واشترت ساري رخيص الثمن أبيض اللّون ذا إطار أزرق وعلقت صليب على الكتف الأيسر، وذهبت إلى  كالكوتا، وصارت تعتني بالفقراء والمساكين وخصوصاً المحتضرين فتنقلهم إلى بيتٍ خاصّ لكي يعيشوا ويموتوا بكرامة وسلام. انضمَّت إليها نساء هنديّات ليساعدنها في خدمتها هذه. في عام 1949 طلبت الأمّ تيريزا الجنسيّة الهنديّة فأُعطيت لها. وفي عام 1950 أسَّست رهبنة "مرسلات المحبّة" واعترف البابا بيوس الثاني عشر بالرَّهبنة. كانت مهمّة رهبنة الخدمة هذه "العناية بالجائعين والعُراة والمشردين والعاجزين والعميان والمنبوذين والمحتضرين والمرضى الغير قابلين للشّفاء والإحاطة والعناية بهم لكي يشعروا بالعطف والمحبّة والقبول والكرامة". وسمّت مقرّ الرَّهبنة "بيت القلب النقيّ" ويعرف شعبياً بـ"بيت المحتضر".

 

منح البابا بولس السَّادس، عام 1965، رهبنة الأمّ تيريزا الإذن بالتوسع والعمل في كافّة أنحاء العالم، وهكذا انتشرت "الرَّاهبات الهنديَّات"، كما يُعرفن، في بلاد العالم كافّة تقدّم خدمتها للمساكين.

 

تلقت الأمّ تيريزا جوائز عديدة منها جائزة مؤسّسة كينيدي الأميركيّة وجائزة ساندروا برتيني الإيطاليّة وجائزة نوبل للسَّلام السويديَّة. وفي حفل تسلّمها جائزة نوبل للسَّلام عام 1979 حوّلت قيمة الجائزة إلى الفقراء وطلبت إلغاء حفل العشاء على شرفها وحوّلت تكلفته إلى الفقراء، وخاطبت السويديِّين قائلة: "إذا سمعتم بامرأة تريد الإجهاض، أقنعوها بأن تحافظ على جنينها وعندما تولد أعطوني المولود، أنا سأحبّه، سأرى فيه علامة محبّة الله لنا".

 

منذ عام 1997 أُصيبت الأمّ تيريزا بذبحات قلبيّة متكرِّرة وخضعت لعمليّة جراحيّة في القلب. وأُصيبت بالملاريا وبالتهاب الصدر وبذات الرِّئة، ممّا أضعف جسمها الصّغير وفي 5 أيلول 1997 توقّف قلبها عن الخفقان وهو الذي أحاط بفقراء ومساكين العالم، توفّت الأمّ تيريزا بعد حياة خدمة قدّمتها إلى يسوع ذاته ممثلاً بالفقراء والمحتاجين والمساكين...

 

إنّ رهبنة "مرسلات المحبّة" اليوم منتشرة في 132 دولة ولها 703 بيوت للفقراء والمحتاجين، وتعد 4690 راهبة منتسبة إليها ويُعرفون بالرَّاهبات الهنديَّات.

 

طوّب البابا يوحنّا بولس الثاني الأمّ تيريزا في يوم الأحد 19 تشرين الثاني 2003 أمام 300 ألف نسمة مجتمعين في ساحة كاتدرائيّة القدِّيس بطرس في الفاتيكان وبحضور 500 من راهبات الأمّ تيريزا وعلى رأسهم الرئيسة نيرمالا يوشي، و 3000 فقير، وممثلين عن الكنيسة الأرثوذكسيّة الألبانيّة وممثلي مجموعتين من مسلمي ألبانيا، وبحضور مونيكا بيسرا.

 

قال البابا: "الأمّ تيريزا  كانت امرأة مصلّية، عندما لا تعمل بيديها كانت تصلّي المسبحة. حياتها صلاة حميمة مركّزة على القربان المقدّس". وأعلن البابا يوم 5 أيلول عيد الطوباويّة الأمّ تيريزا. كانت صلاة البابا الختامية لحفلة التطويب: "أيّتها العذراء مريم، ملكة القدّيسين، ساعدينا لنكون وديعين ومتواضعين مثل الطوباويّة الأمّ تيريزا، رسولة المحبّة. ساعدينا لنكون مرسَلي المسيح الذي هو سلامنا ورجاؤنا. آمين". 

 

أعلن البابا فرنسيس قداسة الأم تريزا دي كالكوتا (1910 ـ 1997) مؤسّسة جمعيّة مرسلات المحبَّة خلال قدّاس إلهيّ يوم الأحد الرابع من أيلول سبتمبر2016 في ساحة القدّيس بطرس.  

 

وفي عظة ألقاها لمناسبة إعلان قداسة الأمّ تريزا، قال البابا فرنسيس: "شكّلت الرّحمة بالنسبة لها "الملح" الذي أعطى نكهة لكلّ أعمالها، و"النّور" الذي أضاء ظلمات الذين لم تَعُد لديهم حتى الدموع ليبكوا فقرهم وألمهم. وأضاف أنّ رسالة الأمّ تريزا في ضواحي المدن وفي الضواحي الوجوديّة تظلّ حتى يومنا هذا كشهادة بليغة لقرب الله من أفقر الفقراء، لنحمل في قلبنا ابتسامتها ولنقدّمها للذين نلتقي بهم في طريقنا لاسيّما المتألمين. فنفتح هكذا آفاق فرح ورجاء لأناس كثيرين يائسين يحتاجون إلى التفهّم والحنان".

 

 

موقع Teresia .org