غريغوريوس النّيصيّ

 

 

 

 

 

 

غريغوريوس النّيصيّ

 

 من الإعتراف بالمسيح إلى الكمال المسيحيّ

المقال الأوَّل (الإعتراف بالمسيح)

 

هو رسالة بعث بها غريغوريوس إلى هرمونيوس، وهو صديق له وتلميذ، وعدَه بأن يراسله مرارًا في شكل إرشاد روحيّ، كتابةً، لكي يكون إمتدادًا لحوارات سابقة. قابل غريغوريوس تلميذه هرمونيوس بريشة العازف على العود العتيق، ممّا يعني أنَّ الكاتب إمتدَّت به اليّام وقدَّم هذا اللاّهوت الرّوحيّ في ملء نضجه. فحدَّد وضع المسيحيّ على أنّه "إقتداء بالطبيعة الإلهيَّة التي على شبهها خُلق الإنسان.

 

 

والمقال الثاني (في الكمال المسيحيّ)

 

هو جواب على سؤال طرحه راهب، إسمه أولمبيوس، على غريغوريوس: كيف البلوغ إلى الكمال "عبر حياة من الفضيلة؟ بعد موسى (حياة موسى). قائد المسيحيّ هو المسيح "قدرة الله وحكمته"، الوسيط بين الله والإنسان. وتشكِّل بنيةَ الكتاب ألقابُ يسوع التي نقرأها في الرّسائل البولسيَّة.

 فروحانيَّة غريغوريوس هي روحانيَّة المسيح: هو يسكن فينا ويحوِّلنا بحيث يصبح المؤمن مسيحًا آخر.

 

الإعتراف بالمسيح

بدأَ غريغوريوس الرّسالة فقال: "فأنت تتذكَّر حين كُنَّا نتكلَّم معًا. كانت تأمُّلاتنا الأولى تتوجَّه نحو الفضيلة ووسيلة البلوغ إلى التقوى والورع تجاه الله". إفادة متبادلة. فأنا العود أو القيثارة، وأنت الرّيشة. وها نحن نطلب ما يفيد نفوسنا.

وطرح الكاتب سؤالين: ما معنى أن أكون مسيحيًّا؟ والسؤال الثاني: ما هي المسيحيَّة؟ وبعد أن حدَّد المسيحيَّة أنّها "إقتداء بالطبيعة الإلهيَّة"، دعانا إلى الإنطلاق مهما كانت الصّعوبات ومحاربات الشّيطان.

أنا مسيحيّ؟

إن عرفنا مدلول هذا اللّفظ، نجد العودة في أن نحيا حياة فاضلة، ونسعى بسلوك رفيع، أن نكون حقًّا ما نحمل إسمه. فالطبيب والمحامي والمهندس، لا يقبل أحدٌ بهذا الإسم إن لم يكن على مستوى المهنة. وهكذا نحن. وإلاَّ نشبه "قرد الإسكندريَّة".

هنا يروي غريغوريوس خبر إنسان روَّض قردًا. ألبسه قناعًا وجعله يرقص. فأُعجب النّاس به. ولكنَّ أحد الحاضرين جعل بعض اللّوز على المسرح. فرمى القردُ قناعه وراح يلتقط اللّوزات. نسيَ الرَّقص وتصفيق الجماهير وقناعه. فإنقلب كلُّ هذا إلى الضِّحك أمام ما بقيَ من هذا القناع. فالشّراهة لديه كشفت طبيعته الحقيقيَّة. واستخلص الكاتب العبرة: هكذا بالنّسبة إلى الذي لم ترتسم طبيعتُه على إيمانه. فإبليس يكشف سريعًا أنّه غير ما يعترف به في ما يتعلَّق بيسوع المسيح.

والعبرة؟ المجد الباطل، التطلُّع إلى الكرامات، جاذب الرِّبح، حيث الملذّات وأُمور أُخرى من هذا النّوع، هذا ما يقدِّمه لنا إبليس. فالإقتداء الظنّيّ الذي نجعله قناعًا ندلُّ به على العفَّة والوداعة أو أي فضيلة أُخرى. لهذا نعرف ماذا يعني لقب "مسيحيّ". عندئذٍ لن يكون "الإعتراف بالمسيح" مجرَّد قناع يزول بسرعة ونبان كما نحن في الحقيقة.

ما هي المسيحيَّة؟

الأساس: المسح بالزّيت. إذًا، الكرامة الملوكيَّة. فللملك سلطان على كلِّ شيء. ها هي الفضيلة في النّقاوة والحريَّة تجاه الأهواء والشّرور. فالمسيح هو البرّ والحكمة والقوَّة والحقيقة والطّيبة والحياة والخلاص واللاّفساد واللاّتبدُّل. هذا هو المسيح، وهذه هي المسيحيَّة.

ونحن في مشاركتنا المسيح، نأخذ الإسم المسيحيّ. وكذلك يليق بنا أن نرث هذه الأسماء الرَّفيعة. أمسكنا أوَّل السّلسلة فنصل إلى آخرها. قال غريغوريوس: "بما أنّنا متضامنون مع إسم المسيح فلا بدَّ أن نأخذ أسماءه الأُخرى... فإذا إرتدَى إنسانٌ إسم المسيح ولا يبيِّن بطريقة حياته كلَّ ما ينضمُّ إلى هذا الإسم، يخون هذا الإسم. "عندئذٍ نشبه ذاك القرد مع قناع نضعه على وجوهنا".

لهذا نقول إنَّ المسيحيَّة هي إقتداء بالطبيعة الإلهيَّة. هذا ليس كبرياء ولا تشامخًا. هي دعوة إلى حالة الإنسان الأصليَّة. فنحن مخلوقون على صورة الله، كمثاله. فكيف لا نعيش بحسب هذه المبادئ إن كنّا ندَّعي أنّنا مسيحيُّون؟

وكان مثل آخر: رسَّام طُلب منه أن يَرسم "صورة الملك". فإن كانت الصّورة شنيعة، كيف يتقبَّلها الذين لا يعرفونها؟ وهكذا بالنّسبة إلى المسيحيَّة. إذا عشنا الطّيبة، يعرف الآخرون أنَّ الله طيِّب. أمّا إذا كان أحدنا "عبد أهوائه ومتوحِّشًا يرتدي في تصرُّفه لباس الوحوش" كما قال أفلاطون، وهذا ما نراه في نفوسنا حين تتحوَّل عن طبيعتنا. فمن الواضح لدى الجميع أنَّ إنسانًا يأخذ لقب مسيحيّ، عندما يكون واضحًا لهم أنَّ هذا الإسم يتضمَّن الوعد بالإقتداء بالله. وماذا تكون النّتيجة؟ "يبغض اللامؤمنون الإله الذي به نؤمن".

الإنطلاق نحو الآب

دعانا يسوع في عظة الجبل "كونوا كاملين كما أنَّ أباكم السّماويّ كامل هو". فالذي يُعطي إسم أبٍ لأبي المؤمنين الحقيقيّ، يريد للذين وُلدوا منه أن يشبهوه على مستوى الكمال الذي يُرى فيه. ولكن تقولون لي: كيف تصل تعاسةُ الإنسان إلى هذه الحالة من الطوبى التي نراها في الله؟ وكيف يسعُ ذاك الذي هو من الأرض أن يتشبَّه بذاك الذي هو في السّماء؟ فالفرق المسجَّل في الطبيعة ينبئ بأنَّ هذا الإقتداء يصل إلى الفشل. فلا سبيل بأن نتساوى مع عظمة السّماء والجمالات التي فيها. "لا سبيل للإنسان الذي هو من الأرض أن يتشبَّه بالإله الذي في السّماء". كما سبق وقال غريغوريوس في خلق الإنسان.

هنا ينبغي أن نعرف أنَّ الموطن السّماويّ ليس محفوظًا لله. عندئذٍ، إذ يعرف الميراث العلويّ أن يحفظ ذاته من كلِّ شرّ، فحياة الأرض مملوءة بالوحل وتحرُّك الأهواء الشرّيرة. من هنا الصّراع لدى الإنسان، والعدوّ يحاصرنا. إمكانيّاته كثيرة وحِيَلُه أكثر، خطر من الدّاخل، الأهواء التي فينا، وخطر من الخارج وفخاخ ينصبها لنا الشرّير.

عندئذٍ نطلب كنوز السّماء حيث لا يصل دود ولا صدأ. لهذا نزرع قدر إمكاننا. من معه القليل يزرع القليل، ومن كان غناه بلا حدود يعطي بلا حدود فيمتلئ كنز الكنيسة.

"إذًا، ليت أحدًا لا يخاف حين يأتي بمشاركته إلى كنوز الله. بل ليثقْ بوعد ذاك الذي قال إنّه يعطي الكثير مقابل القليل، يعطي الخيرات السّماويَّة مقابل الخيرات الأرضيَّة، الخيرات الأبديَّة لقاء الخيرات العابرة... هذه أُمور لا يُدركها العقل، فيعلّمنا الكتاب أنَّ ما وعد به الله أحبَّاءه، لم ترَه عين، ولم تسمع به أُذن، ولا خطر على قلب بشر" (1 قور 2/ 9).

 

 

غريغوريوس، أسقف نيصة إلى أولمبيوس، حول الكمال

"إنّه لحسن في خطّ طلبك، أن ترغب في معرفة الطريقة التي بها نبلغ إلى الكمال بحياة فاضلة، بحيث تجعل حياته بلا لوْم في كلّ المجالات... وأردت من جهَّتي وفوق كلِّ شيء، أن أجد في حياتي أمثلة عمّا تبحث عنه بحرارة، بحيث أُعطيك التّعليم الذي تطلب، بأمثلة لا بكلام. هكذا يستحقُّ الإندفاع إلى الخير تعلُّقك بالخير، لأنَّ الحياة تكون تكلَّمت كما الأقوال... وها أنا أُقدِّم لك الهدف الذي تسعى إليه الحياةُ الحقَّة".

مواضيع ثلاثة في هذا الكتاب: المسيحيّ يأخذ إسمه من المسيح. المسيح مقدّسنا وفادينا. وبالقيامة نتبع المسيح ونحيا فيه.

المسيحيّ يأخذ إسمه من المسيح

"إنَّ معلِّمنا الصّالح يسوع المسيح وهبنا، بنعمته، أن نشاركه الإسمَ الذي نعبد. ونحن لا نُسمَّى بإسم آخر يتعبنا. أن نكون أغنياء ومن محتدّ كبير، أو مغمورين وفقراء، أو مشهورين بنشاطنا وإكرامنا، ما من تسمية لا قيمة لها للذين آمنوا به سوى الإسم المسيحيّ". لهذا، نبحث عن معنى هذا الإسم. ثمَّ نأخذه معلِّمًا لنا وقائدًا إلى الحياة. هنا نتبع القدّيس بولس الذي فهمَ من هو المسيح، وبيَّن بحياته ما معنى حمْل هذا الإسم. إقتدى بالمسيح بشكل منظور بحيث بيَّن كيف تكوَّن معلِّمه فيه. "فيبدو أنَّ الإنسان الذي كان يتكلَّم ويعيش لم يكن بعدُ بولس، بل المسيح نفسه العائش فيه. فقال: "تريدون برهانًا أنَّ المسيح يتكلَّم فيَّ" (2 قور 13/ 3). وفي (غل 2/ 20) قال: "لستُ أنا من أحيا. فالمسيح يحيا فيَّ".

ويذكر غريغوريوس أسماء المسيح بحسب بولس الرّسول: "المسيح قدرة الله وحكمة الله" (1 قور 1/ 24). المسيح "سلامنا" (أف 2/ 14). "النُّور الذي لا يُدنى منه" (1 تم 6/ 16). لائحة طويلة. ويدعونا بعدها الكاتب لكي نقتدي بجميع أسمائه.

قال غريغوريوس: "بما أنَّ المعلِّم الصّالح وهبَنا أن نُشارك في أعظم إسم وأوَّل إسم بين الأسماء، الإسم الإلهيّ، وأن نتكرَّم فندعى مسيحيّين، على إسم المسيح، ينبغي أن تظهر فينا جميع المعاني التي يتضمَّنها هذا الإسم، فلا نكذِّب التّسمية، بل نشهد لها في حياتنا". لهذا، على الذين تسمَّوا باسم المسيح أن يضحُوا ما يعني هذا الإسم قبل أن يطبِّقوه عليهم.

لا حياة بين بين. لا نعرج بين الجنبين، فنكون في الأرض البور وفي الفلاحة.

ولهذا، إذا أراد المسيحيّ أن يتماثل كلَّ المماثلة مع يسوع، ينبغي عليه أن يعبِّر بحياته عن العلامات المميَّزة في المسيح. فمن كان متوافقًا من جهّة، مع الإسم الذي يحمل، ومن جهّة أُخرى يكون معارضًا، يُحسب ممزَّقًا بين الفضيلة والرّذيلة. يكون في حرب مع ذاته، ولا يعرف أن يعقد سلامًا ولا يقبل الحياة التي يعيش. قال الرّسول: "أيُّ شركة بين النّور والظّلمة" (2 قور 6/ 11).

وأطلَّت اللاّئحة: "المسيح قدرة وحكمة". هذا يجعلنا في حالة سجود أمامه. الخليقة كلُّها هي في يده. هو القدير وهو الحكيم، بحيث نضع ثقتنا كاملة فيه. والمسيح هو السّلام. هذا يعني أنَّ السّلام يكون فينا. هو قتل العداوة (أف 2/ 16) وهي تكون ميتة فينا، ونحذر من أن نوقظها ونحييها. والمسيح نور لا يطاله الكذب. ونحن أيضًا نرذل أعمال الظّلمة ونستضيء بأشعَّة النُّور الحقيقيّ. وبهذا نضيء على الذين هم حولنا.

المسيح مقدّسنا وفادينا

"وإذا نظرنا إلى المسيح أنّه تقديسنا (1 قور 1/ 30)، نبتعد عن كلّ عمل أو فكر نجس أو دنس، لنبيِّن أنّنا نحن نشاركه إسمه، فنعترف بقدرة التّقديس. لا بالكلام فقط، بل بحياتنا.

المسيح "تقديسنا". ونحن نطلب منه أن يقدّسنا ونتجاوب مع ندائه إلينا. علَّم بولس الرّسول: "كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدُّوس". والمسيح أيضًا "فداؤنا" (1 قور 1/ 30). بعد أن سلَّم نفسه فدية عنّا. إفتدانا. فأعطانا الخلود "إشترانا" فصرنا له. إلتصقنا به كالعبد بسيِّده. والمسيح "فصحنا" (1 قور 5/ 7). ذُبح عنّا. وهو أن يجعل  من نفسه "ذبيحة حيَّة، مقدَّسة، مرضيَّة لله حين يكون عبادة روحيَّة" (روم 12/ 1). وطريقة الذّبيحة بأن لا نتشبَّه بهذا العالم، بل نتغيَّر بتجديد عقولنا فنعرف "مشيئة الله". ما هو صالح، وما هو مرضيّ، وما هو كامل" (آية 2).

وتتواصل لائحة الأسماء المعطاة للمسيح: "هو بهاء مجد الله" كما قالت الرّسالة إلى العبرانيّين، "وصورة جوهره". بهذا الكلام نتسلَّم في نفوسنا ما هي عظمته الحقيقيَّة. فبولس الرّسول الذي هو مُلهم حقًّا ومتعلِّم بيد الله، والذي في عمق غنى الله وحكمته وعلمه" (روم 11/ 33) راح يبحث عمّا هو لامنظور ومخفيّ في أسرار الله، كشف بألفاظ ناريَّة عن الإستنارة التي نالها من الله على معرفة الأمور "اللامدركة واللامفهومة" (روم 11/ 33). ولكن مع ألفاظ تخفّف من فكره، بحسب ما يستطيع أن يفقه سامعوه من وحي أعطي له في السرّ (2 قور 12/ 4).

"وإذا حاول الرّسول أن يُسمّي ما لا تدركه الإستقراءات، وما وجد إسمًا يكشف عن أمور لا تدرَك سمَّى "المجد" و"الجوهر" ما هو فوق كلِّ خير، وما لا يمكن أن يُصوَّر ولا أن يُعبَّر عنه بشكل مناسب". يشدِّد غريغوريوس على المساواة التامّة بين الآب والإبن. قال يسوع: "من رآني رأى الآب" (يو 14/ 9). وهكذا، حين ننظر إلى الإبن نشاهد عظمة الآب.

ويواصل غريغوريوس في إيراد الرّسالة إلى العبرانيّين. قال عن الإبن، يسند الكون بكلمته القديرة (عب 1/ 3). فبولس قدَّم الحلَّ للذين تعبوا ليدركوا ما لا يمكن بحثه: هم سعَوا ليشرحوا المادَّة وما فتئوا يتساءلون: كيف خرجت المادَّة من اللامادّيّ، والكمَّة من اللاكمّيّ، والظاهر بمن لا ظاهر له، واللَّون من اللامنظور، ومن اللامحدود ما هو محدود في أبعاده الخاصّة؟".

والجواب: ذاك الذي قال إنَّ الكلمة (الإلهيّ) أعبرَ الكون من اللاوجود إلى الوجود. وسبق غريغوريوس فقال في الفقاهة: "وحدها الطبيعة اللامخلوقة لا تعرف الحركة التي منها ينتج التبدُّل والتحوُّل والإختلاف. أمّا الباقي كلَّه، ولأنّه مخلوق، هو خاضع، في طبعه، للتبدُّل، بعد أن أعبرته قدرة الله من اللاوجود إلى الوجود".

ونعود إلى المقال في الكمال فنقرأ: "كلُّ ما هو مادّي وكلُّ ما يمتلك طبيعة لامادّيّة، له علَّة واحدة لجوهره، هي كلمة قدرته اللاموصوفة. وهذا يعلّمنا أن نرفع أنظارنا إلى من فيه تجد الخلائق أصلها.

فإن كنّا به أَتَيْنا إلى الوجود. وإن كانت به تقوم حياتنا، فينبغي أن نؤمن أن لا شيء له قيمة سوى معرفة ذاك الذي نحن فيه، ومنه أتينا، والذي ننضمُّ إليه حين نموت.

مع هذا الموقف نتوصَّل، عادة، بأن نحيا من دون خطيئة. فمن يَجْسُر إن كان "يحيا منه وبه وفيه" (روم 11/ 36) أن يجعل شاهدًا على حياته الفالتة، من يحوي في ذاته حياة كلّ إنسان؟".

والمسيح طعام روحيّ وشراب (1 قور 10/ 3 - 10). وبما أنَّ طبيعتنا البشريَّة مادَّة وروح فهي تحتاج إلى الطّعام الملموس لكي نقيت الجسد وإلى الطّعام الرّوحيّ لتجد نفوسُنا القوَّة. والمسيح "صخرة روحيَّة" (1 قور 10/ 4) هو ثابت ويدعونا إلى الثّبات في الحياة الفاصلة، فنكون أقوياء في مواجهة الأهواء، وندلُّ على نفس مقاومة لا تتراجع أمام هجمات الخطيئة.

وهكذا نكون بدورنا "صخرة" لا تتزعزع والمسيح حجر الزاوية (أف 2/ 20) و"أساس الإيمان" (1 قور 3/ 10). عليه نبني حياتنا كما على الصّخر. فكلُّ بناء يزول سريعًا حين تأتي الرّياح وتهطل الأمطار.

 والمسيح صورة الله الذي لا يُرى (كو 1/ 15). فالذي هو فوق كلّ علم وكلّ فهم "أراد أن يجعلك صورة الله، فصار هو، حبًّا بالبشر، صورة الله اللامنظور، بحيث إتَّخذ وجهًا فيك بالوجه الذي إرتداه بحيث تتحوَّل أنت بدورك، بنعمة منه، من الموديل فتصبح ما كنتَه في البدء، بحسب طبعه جماله".

 

والمسيح هو "الرّأس"، رأس كلّ الكنيسة. ونحن الأعضاء. وهو البكر. "بكر كلِّ خليقة" (كو 1/ 15). فبكر من قام من بين الأموات" (آية 18) "بكر إخوة كثيرين" (روم 8/ 29)، هو الذي لم يقترف ذنبًا ولا وُجد في فمه غشّ"، كما قال بطرس الرّسول (1 بط 2/ 22). هكذا نسير في خطى أخينا البكر الذي يقودنا نحو الولادة الحقَّة، ونكون في عيلة أبناء الله وبناته.

بالقيامة نتبع المسيح ونحيا فيه

قال غريغوريوس: المسيح هو "الذي فتح لنا باب القيامة، وبالتالي أمسى بكر الرّاقدين. أجل، نقوم كلُّنا "في رفَّة عين وعند صوت البوق الأخير" (1 قور 15/ 52). ذاك ما بيَّنه بالأمور الكبرى التي أتمَّها في ذاته كما في الآخرين كلَّهم الذين غلبهم الموت". قال غريغوريوس في الفقاهة:

 

 "القيامة هي ذروة التّدبير الخلاصيّ وأساس اللافساد فينا. ولكن يبقى أنَّ مصيرًا واحدًا لا ينتظر جميع الذين نهضوا من قبورهم. فالذين عملوا الصّالحات يقومون للحياة، والذين عملوا السيّئات للهلاك" (يو 5/ 29).

 

فالرّسول يقول: "الوسيط بين الله والبشر" (1 تم 2/ 5) هو ذاك الذي يوحِّد الإنسان بالله. وهو لا يرتبط إلاّ بذاك الذي هو أهل بأن يشارك في طبيعة الله. فبقدرة لاهوته، جعل البشريَّة بشريَّته، تلك التي هي جزء من الطبيعة المشتركة دون أن تكون خاضعة لأهواء هذه الطبيعة البشريَّة التي تقود إلى الخطيئة. وهو يقود الناس، الواحد بعد الآخر، إلى الإتّحاد بالألوهة شرط أن يفعلوا شيئًا لا يكون أهلاً للمشاركة في الطبيعة الإلهيَّة.

"فالإنسان الذي هو حقًّا هيكل الله ولا يجعل في نفسه أيَّ صنم أو شكل رذيلة، يقتاده الوسيطُ ليشارك في الألوهة، بعد أن تنقَّى ليقتبل النّقاوة الإلهيَّة. فالحكمة لا تلج نفسًا فاسدة، كما يقول الكتاب (حك 1/ 4) والإنسان الذي قلبه نقيّ لا يشاهد في ذاته سوى الله".

هكذا نحيا في المسيح. وهكذا نقتدي بالمسيح في حياتنا كلِّها. "فثلاثة عناصر تحدِّد حياة المسيحيّ: العمل، الكلام، الضّمير. فالضّمير يُشرف على الإثنين الآخرين. فمبدأ كلّ كلام هو الفكر. وبعد الفكر يأتي الكلام الذي، بالصّوت، يكشف الفكر الذي كان مطبوعًا في النّفس. وفي الدّرجة الثالثة، بعد الفكر والكلام، يبقى على العمل أن يحقِّق ما تصوَّرناه. وحين تحرّكُ مسيرةُ حياتنا واحدًا من هذه العناصر، يبقى لكلّ كلام، لكلّ عمل، لكلّ فكر أن يتفحَّص بعناية المضامين الإلهيَّة التي بها صُوِّر المسيح وسُمّي. وذلك خوفًا من أن يجتذبنا عمل أو كلام أو تفكير خارج إتّجاه هذه الأسماء الرَّفيعة".

قال بولس: "كلُّ ما لا يصدر عن إيمان خطيئة" (روم 14/ 23). ونقول الشيء عينه: كلُّ ما لا يتوجَّه إلى المسيح، يعارض المسيح، يقف ضدَّه. فإذا كنّا خارج النّور وخارج الحياة، يستحيل أن لا نكون بكلّيَّتنا في الظلمة، في الموت.

 

روحانيَّة غريغوريوس

ماذا نقول في هذه الكتابات؟ هي مقالات نسكيَّة. ولكنّنا لسنا أمام معنى حصريّ يتحدَّث عن تقشُّف وزهد وحرمانات طوعيَّة. فهذا غريب كلّ الغربة على منظار غريغوريوس النيصيّ.

بالنسبة إليه، كلُّ شيء يأتي من المسيح الذي هو رأسنا. والفضيلة هي نعمة وعطيَّة ونتيجة حضور حيّ للمسيح فينا. إنّما النّعمة تقدَّم لحرّيّتنا، وينبغي أن نشارك ونجاهد من أجل التنقية التي تتمُّ فينا. والسؤال المطروح: كيف نبلغ الكمال بحياة من الفضيلة؟

في هذين المقالين أجاب غريغوريوس بواسطة لاهوت الإسم. نحن نُدعى مسيحيّين بقدر ما المسيح يتكوَّن فينا. بقدر ما نحقِّق قول بولس الرّسول: "لستُ أنا الحيّ، بل المسيح حيٌّ فيَّ". إذًا، الإعتراف بالمسيح والكمال المسيحيّ هما مقالان حول "الإقتداء بالمسيح، ويتحدَّد هذا الإقتداء بلاهوت أسماء المسيح المتنوّعة.

لاهوت الإسم

يتضمَّن إسم "مسيحيّ" أن نرى فيه المسيح. فالإسم لا يخلق الكيان، بل عكس ذلك. وجود الواقع هو الذي يساعدنا لأن نراه في الإسم. وقال غريغوريوس: إذا دعونا شجرة "إنسان"، فهل تكون مع ذلك إنسانًا؟ يكون الواحد إنسانًا ثمَّ يُعطى إسم إنسان. وقال إغناطيوس الأنطاكيّ في رسالته إلى الرّومان: "لا تطلبوا لأجلي سوى القوَّة الدّاخليَّة والخارجيَّة لكي لا يقال لي فقط "مسيحيّ"، بل لأكونه في الحقيقة". ونحن نعرف جواب الشهداء حين يسألونهم عن إسمهم: "مسيحيّ". هذا الإسم يدلُّ على أنّنا نخصُّ المسيح. فلا نجعله "كاذبًا!"، كما قرأنا في مقال الكمال. والحال أنّنا نعرف المسيحيّ الحقيقيّ والذي ليس ذلك إلاّ في الظّاهر، بحسب الطّابع الخاصّ الذي ينكشف في علامات مميَّزة. "وعلامات المسيحيّ المميَّزة هي التي نكتشفها في المسيح. وقال غريغوريوس:

"حين نتصرَّف تصرُّفًا مسيحيًّا نشارك في الإسم المسجود له".

أسماء المسيح

بما أنّنا لا نستطيع أن نتصوَّر الألوهة ولا نتكلَّم عنها، إحتاج الكتاب المقدَّس أسماء عديدة ليدلَّ على كثرة الوجهات التي نستطيع أن نتصوَّرها. فإسم المسيح يتضمَّن عددًا كبيرًا من الأسماء التي تأتي إلينا مثل سلسلة كاملة حين نشدُّ حلقة واحدة. فإن كنَّا نحمل إسم "مسيحيّ" فعلينا أن نشارك في كلِّ الأسماء المُعطاة للمسيح. وهكذا نكون أمام تأمُّل في ألقاب المسيح كما يصل إلينا مضمونها. لا شكَّ في أنّه لا يسعنا أن نقتدي بجميع الأسماء: من الأسماء ما نقتدي به. ومن الأسماء ما نسجد له. مثلاً، حين يُدعى المسيح "بهاء مجد الله وصورة جوهره، نفهم في الوقت عينه، تسامي الألوهة التي هي مجد وجوهر. والإستغراق فيها ممكن في الرِّبح الذي هو "طابع" الله و"صورته" على أنَّ هذا الإستغراق يحوِّلنا، ممّا يعني أنَّ الأسماء المسجود لها هي أيضًا لنا ينبوع كمال.

في لائحة الأسماء هذه، لا نتوقَّف مثلاً عند إتّضاعه وطاعته وما سوى ذلك، بل نقتدي بالمسيح "قوَّة الله وحكمة الله"، "الطّعام الرّوحيّ والشّراب" "رأس الكنيسة"، "بكر من قام من بين الأموات...".

فالإقتداء بالمسيح يعني أن نشارك في حياته الخاصَّة، أن نصبح عضوًا حقيقيًّا في جسده، وأن نعمل بحيث يحيا فينا ونحيا فيه بحيث يكون هو كلاًّ في الكلّ. هنا نصل إلى ما يُدعى "تأليه" المسيحيّ".

نكون غرباء عن الشرّ

ليس هناك وحدةٌ ممكنة، ولا تصالح بين النّور والظّلمة". ذاك ما قال غريغوريوس في مقال الكمال في خطّ بولس الرّسول. فالذي يريد أن يكون له يسوع "الرّأس"، عليه أن يلغي كلّ ما يعارضه: فالرّذيلة تقطع الأعضاء عن الرّأس. وهكذا تكون الأسماء، إجمالاً، دعوة لإبعاد الشرّ. فالمسيح يكون سلامنا إن أَمَتْنا البغض فينا. وهو نورنا إنْ طردنا الظّلمات. وقداستنا حين نتخلَّى عن كلِّ فكر نجس... من أجل هذا، يكفي أن نرفع أنظارنا إلى الأمور السّماويَّة.

وهناك شرطان للإقتداء بالطبيعة الإلهيَّة. حسب الإعتراف بالمسيح، نكون غرباء عن الشرّ ونتقبَّل عطيَّة الله. أمّا المقال على الكمال فيطلب إيمانًا موجَّهًا نحو المسيح الذي هو الرّأس، وفي كلِّ جسد يعبِّر عن كلّ صفات الرّأس.

الخاتمة

قرأنا مقالين. الأوَّل: الإعتراف بالمسيح وإعلان إسمه في كلامنا وفي حياتنا. والثاني، الكمال المسيحيّ. نتعرَّف إلى أسماء المسيح، ونتأمَّل في كلٍّ من هذه الأسماء، نستغرق في بعضها ونأخذ البعض الآخر فنقتدي به ونستحقّ الإسم المسيحيّ. هذا صعب علينا. ولكنَّ النّعمة التي تجعلنا مسيحيّين لائقين بالمسيح تأتي من يسوع إلينا، ثمَّ تجعلنا متوافقين معه. "فمعلّمنا الصّالح يسوع المسيح أعطانا بنعمته أن نشارك في الإسم المسجود له. وبما أنَّ هذه النّعمة أتت من العلاء وثبَّتتنا، ينبغي أوَّلاً أن نفهم أهميَّة العطيَّة لنؤدّي الشّكر اللاّئق بالله الذي أعطانا كلَّ ما أعطانا، فنبدو، في حياتنا، موافقين لما تطلبه هذه العطيَّة.

 

 فحين ننظر إلى المسيح في مجده الإلهيّ، نعكسه كما في مرآة ونكون بها النّور في العالم.

 

المونسنيور بولس الفغالي  

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية