ماذا تعرف عن الطوباوي شارل دي فوكو؟

 
ماذا تعرف عن الطوباوي شارل دي فوكو؟
 
 
 
ولد شارل دي فوكو Charles de Foucauld عام 1858م في مدينة ستراسبورغ بفرنسا من عائلة ارستقراطيّة ثرية وتشتهر بعلاقتها العسكرية. عرف شارل قسوة الحياة مبكرًا، فتوفيت والدته وهو في السادسة من عمره، وبعد أشهر قليلة توفي والده. اعتنى والد الأم بحفيديه شارل وأخته ماري. وكثيراً ما كان شارل يتذكر أمّه في حياته: "أنا الذي كنت منذ طفولتي مُحاطاً بفيض من النعم، ومن أبرزها إني حظيتُ بأم قديسة تعلمتُ منها أن أعرفك يا الهي".
 

 
    تجددت معاناة شارل من جديد عندما نشبت الحرب عام 1870 بين فرنسا وألمانيا، فقاسى عذاب الحرب والتهجير. كان شارل طفل ذكيّ أحبّ القراءة منذ نعومة أظفاره. أخذته الفضوليّة إلى البحث في علوم الفلسفة. حتّى وصل تدريجيًّا لمرحلة المراهقة وهو فاقد لإيمانه المسيحيّ: "في سنّ السّادسة عشرة، لم يعد لديّ أي أثر من الإيمان. وسبب ذلك المطالعات التي كنت أتهافت عليها".

    تخرّج شارل من المدرسة العسكريّة وهو في سن العشرين. إنخرط في الجيش لمدّة ثلاث سنوات، وفي تلك الفترة توفيّ جدّه. فتألّم شارل كثيراً لوفاته. ومنذ ذلك الوقت لم يعد هناك مَن يقف في وجه طيشه وجنونه بالحياة التي يرغب أن يعيشها بعيداً عن أي إيمان أو قيم في الحياة.

    أُرسل شارل دي فوكو عام 1881 وهو ضابط في الثالثة والعشرين من عمره إلى كتيبة في بلدة ستيف شمال الجزائر ضمن الجيش الفرنسيّ المكلف بإدارة جزء كبير من الجزائر التي احتلتها فرنسا في ذلك الوقت. وبعد انتهاء الحملة العسكريّة لم يعد شارل يتحمّل رتابة الحياة ضمن نطاق الثكنات العسكريّة فأخذ قرار بترك الجيش نهائياً.

    بدأ شارل بعد ذلك رحلة استكشافيّة في بلاد المغرب والجزائر وهو متنكر وكانت الرحلة تحمل في طياتها أخطار جمّة نظراً لأنّ بلاد المغرب كانت مغلقة وأرضها مُحرمة على الأوروبيّين آنذاك. ولكنّه سجّل رحلته تلك في مذكراته، وكانت أكثرها عمقاً تلك الخبرة التي عاشها مع المسلمين وخاصّة عندما كان يراهم يُصلّون.


    عاد شارل إلى فرنسا وقد استقبلته أخته وعائلته بكلّ فرح وحنان وكان لهذا الاستقبال وقعًا بالغًا في نفس شارل كونهم لم يُشيروا إلى أي شيء يتعلّق بماضيه المتغيّر المليء بالمغامرات. وفي جوّ العائلة المسيحيّة عادت حياة شارل من جديد: "لدى إقامتي في باريس، التقيتُ بأشخاص ذوي فضيلة راسخة وذكاء لامع، وهم مسيحيّون بكلِّ معنى الكلمة. فقلتُ في نفسي ربما هذه الدّيانة غير معقولة". وبدأ شارل منذ ذلك الحين البحث عن الله بكلّ قواه.

    بعد شهور من البحث، آتى مَن سيكون أداة لقائه مع الله، إنّه الأب هوفلان، كاهن الرعيّة التي تصلي فيها عائلة شارل. وبأوّل لقاء بين الكاهن المعلّم وشارل التلميذ الذي جاء يناقشه في أمور تخصّ الدين، طلب الأب هوفلان من شارل الركوع والاعتراف أوّلاً أمام الله بخطاياه حتّى تنجلي الحقيقة في أعماقه. وبعد تردّد قـبِل شارل الطلب، فركع واعترف بكلّ خطاياه وشعر وقتها بفرح لا يوصف: "لم تستقبلني فقط، أنا الإبن الشاطر، بطيبة لا توصف، بدون عقاب ولا توبيخ، وبدون تذكير بالماضي، بل استقبلتني بالقبلات والحلّة الفاخرة وخاتم الابن.. بحثتَ عنّي أنتَ الأب الحنون، فاسترجعتني من بلد بعيد". كانت تلك كلماته التي كتبها بمذكراته فيما بعد، وكان هذا الاعتراف بمثابة النّور الذي غيّر حياة شارل وأعاده من جديد لحضن الآب السّماوي.


    نظر شارل إلى حياته فوجد أنّ كنزه الثمين هو يسوع الذي يحمله في قلبه، فقرّر أن يُكرّس حياته للصّلاة والعبادة، فدخل دير الترابيست في فرنسا [دير سيّدة الثلوج] تاركاً كلّ شيء ورائه مُسلماً حياته ليسوع المخلّص. عاش شارل على مثال يسوع في التواضع والفقر حتى أنّه رغب في حياة أكثر فقراً فطلب من رئيسه بالدّير أن ينقل لأفقر دير بالرّهبنة، وبالفعل انتقل شارل إلى دير فقير في سوريا [دير الشيخلي] وفي هذا الدير الفقير عمل شارل مع العمّال وأحسّ معهم بصعوبات الحياة والمشاكل التي يتعرّضون لها بسبب أعمالهم الوضيعة في نظر المجتمع.
 
وفي إثناء زيارته لأحد المرضى أصطدم شارل بالفقر المدقع وخلق هذا المشهد صرخة عظيمة وقوّية في داخل شارل: "إن ديرنا فقير ولكن ليس مثل فقر الناس، ليس مثل فقر يسوع في الناصرة....إني أحن للناصرة" وبعد سبع سنوات وبموافقة الرؤساء ترك شارل دير الترابيست باحثاً عن دعوته وفي قلبه نداء من الناصرة. وبالفعل ذهب إلى هناك وعمل خادم بدير للرّاهبات الكلاريس وعاش داخل كوخ داخل الدّير.
 
عاش شارل بين عمله كخادم وبين الصّلاة والسّجود أمام يسوع الحاضر في سرّ القربان وبالتأمل في الكتاب المقدّس متأمّلاً زيارة مريم العذراء لإليصابات، و يسوع في أحشاء مريم يبارك يوحنّا، وهكذا أراد شارل أن يحمل يسوع للآخرين ليباركهم. وأثناء تأمّلاته اليوميّة جاءته فكرة شراء أرض في قمّة جبل التطويبات، وتأسيس دير للكهنة النساك. وبدأ يفكّر أنّه يريد أن يُصبح كاهناً حتى يقوم بخدمة كهنوتيّة تقوم على الفقر والزهد.



    وفي منتصف عام 1900م عاد شارل إلى فرنسا للإستعداد للكهنوت وأمضى عدّة أشهر في دير سيّدة الثلوج من جديد. بعد عام سيم كاهناً وكان دائم التأمّل والسّجود أمام القربان المقدّس، مُمعن التفكير في فكرته عن تأسيس دير للكهنة النسّاك ولكن ليس بجبل التطويبات إنّما في صحراء بني عبّاس، تلك الواحة الجزائريّة القريبة جدّاً من الحدود المغربيّة. وبالفعل قام شارل بالتعاون مع الفعاليّات الفرنسيّة الجزائريّة بإنشاء بيت صغير مُشرِّعاً بابه أمام الجميع: "أريد أن أُعوَّد كلّ سكان المنطقة من مسيحيِّين ومسلمين ويهود على أن ينظروا إليّ كأخ لهم، أخ الجميع. وقد بدؤوا يسمّون البيت (الأخوة) وهذا ما يحلو لي كثيراً".
 
عاش شارل على مثال يسوع، بروح تعطي محبّة بلا حدود وفرح لا ينزعه أحد وخدمة مجانيّة مقدّمة للجميع. كان لدى شارل قناعة راسخة أنّ يسوع حاضر في كلِّ إنسان يُعاني من وطأة الفقر أو الاضطهاد تماماً كما هو حاضر بالقربان المقدّس. أخذ شارل يتوغل في صحراء الجزائر حتّى وصل إلى القبائل البدويّة وقوبل بترحاب شديد من رئيس القبيلة. عاش بينهم ومثلهم دون بيت كأهل الطوارق، عاش كلّ ما عاشوه من فقر وجفاف أحياناً وحرب وانقسامات أحياناً أخرى، حتى أنّه كان يبني معهم حصناً يحتمون فيه من السّهام الغادرة. وعلم شارل أن وضعه خطيراً ولكن ارتباطه بهم وتضامنه الإنسانيّ معهم حال دون تركهم في هذه الظروف.

    وفي مساء الأوّل من ديسمبر 1916 اقتحمت عصابة، القبيلة لنهبها وسرقتها، فأمسكت بالأخ شارل، أخذوه ثمّ تركوه تحت حراسة صبيّ في الخامسة عشر من عمره، لكن الوصول المفاجئ لرجلين من سعاة البريد، خلق جوًا من الإرتباك والخوف فقد على أثره الصبيّ رشده، فأطلق النّار على سجينه فقتله في الحال. وكان قبل ساعات من موته قد كتب: "عندما نستطيع أن نتألم ونحبّ، ترانا نقوم بعمل كبير، بأعظم ما يمكن عمله في هذا العالم. إنّنا نشعر بأنّنا نتألم، إنّما لا نشعر بأنّنا نحبّ وذلك لألم كبير يُضاف إلى تألمنا... غير أنّنا نعلم بأنّنا نريد أن نحبّ. والرّغبة في الحبّ هي الحبّ بالذات". 

كان شارل ضحيّة العنف مثل الكثيرين في الحروب، وقع شارل مثل حبّة الحنطة، فإذا ماتت أثمرت ثمراً كثيراً.

    مات شارل واستشهد وحيداً وكأنّه صار قرباناً بقوّة سجوده وتأمّله لمن حوله، لقد تاق الأخ شارل أن يموت هكذا فكتب: "مهما كان السبب الذي من أجله يُهدر دمنا، إذا ما تقبلناه من أعماق قلبنا كهديّة منك يا إلهي فإنّنا نموت في الحبّ ولا غير، سيكون له معنى في نظرك يا إلهي وسيكون صورة كاملة عن موتك".
 
 
موقع الفاتيكان.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x