مسيرة القدّيس مارون في أُسُسِها الكتابيَّة

 

 

مسيرة القدّيس مارون في أُسُسِها الكتابيَّة

 

تساءَل شرّاح الكتاب المقدَّس: لماذا كتب القدّيس لوقا سفر أعمال الرّسل بعد أن كتب الإنجيل الثالث. فالخبر إنتهى مع صعود يسوع إلى السّماء. حين "رفع يديه وباركهم" (لو 24/ 50). ولكن مَن قال إنَّ خبر يسوع إنتهى وهو الذي قال لتلاميذه ها أنا معكم طوال الأيّام، إلى إنقضاء الدّهر" (متّى 28/ 20)؟

 

ففي نظر لوقا، يسوع هو حيٌّ من خلال الذين يواصلون الرّسالة. فإسطفانس الذي تحدَّث عن دمار الهيكل واصل كلام يسوع، ولمّا تكلَّم عن اضطهاد الأنبياء (أع 7/ 52)، كان كلامه إمتدادًا لكلام يسوع: "أورشليم، أورشليم! يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها" (لو 13/ 34).

 

 

 مات إسطفانس كما مات يسوع، وهو يغفر لراجميه: "يا ربّ، لا تحسَبُ عليهم هذه الخطيئة" (أع 7/ 60)، على مثال يسوع: "إغفر لهم يا أبتِ لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون" (لو 23/ 34). وكما سلَّم يسوع روحه بيد الآب (آية 46: في يديك أستودع روحي) كذلك فعل إسطفانس: "أيُّها الربُّ يسوع، تقبَّل روحي" (أع 7/ 59).

 

 شفى بطرس مخلَّع الباب الجميل في الهيكل (أع 3/ 6). فردَّد ما فعله يسوع مع مخلَّع كفرناحوم: "قم إحمل فراشك واذهب إلى بيتك" (لو 5/ 24). توجَّه يسوع إلى إبنة يائيرس: طليثا قومي: يا صبيَّة قومي (مر 5/ 41). وقال بطرس: طابيطا (أي يا ظبية، ذاك اسمها) قومي، عندئذٍ "فتحت عينيها" (أع 9/ 40). فأنهضها بطرس: أحضرها حيَّة. أمّا إبنة يائيرس فقامت في الحال وأخذت تمشي. ومن لا يقرأ في الفصل الثاني عشر من سفر الأعمال موت بطرس وقيامته، على مثال يسوع المسيح؟ والنهاية: "خرج وذهب إلى مكان آخر" (أع 7/ 17). وصعود بولس إلى أورشليم يشبه صعود يسوع كما رواه لوقا إنطلاقًا من (أع 9/ 51). ولكنَّ يسوع مات في أورشليم، أمّا بولس فحوكم في أورشليم مثل مُعلِّمه، وأُعلنت براءته ثلاث مرّات كما أُعلنت براءة يسوع. ولكنَّه لا يموت في أورشليم، بل في رومة العالم الوثنيّ، لأنّه "رسول الأُمم".

 

 

في هذا الإطار نكتب حياة القدّيسين، فهم أجمل صورة عن يسوع على الأرض، فاستطاع الرّسول أن يقول: إقتدوا بي كما أنا أقتدي بالمسيح. نعم نحن نقتدي ببولس. أتُرى بولس يحجب المسيح؟ هل يحلُّ محلَّ المسيح؟ كلاّ. فهو دعا نفسه "عبد" يسوع المسيح، أي ذاك الملتصق به، لا يُفارقه فقال حياتي هي المسيح. ودعا نفسه "رسول" يسوع المسيح. هو السّفير، هو الوكيل وليس أكثر من ذلك، ودوره أن يدلَّ على يسوع المسيح.

 

فالقدّيسون هم شعاع من شمس يسوع.

 

إذا أردنا أن نعرف عمق صلاة الربّ، نقف بجانب القدّيس شربل. فتنتقل روح الصّلاة عنده إلينا كما في عدوى. إذا أردنا أن نحمل صليبنا وبدأنا نتأفَّف، نمشي مع القدّيسة رفقة التي إستطاعت أن تقول مع الرّسول: أفتخر بأوهاني. وهتفت: "أنا أفتخر بصليب ربِّنا يسوع المسيح" (غل 6/ 14). وربّما قالت كما قال بولس: "أحمل في جسدي سمات يسوع" (غل 6/ 17). مثل فرنسيس الأسِّيزيّ والأب بيّو.

 

في هذا المنظار نقرأ حياة مارون، ناسك القورشيَّة. لماذا نتذكَّره بعد 1600 سنة على وفاته أو بالأحرى إنتقاله إلى الحياة الأبديَّة؟

 

 

لأنّه فتح الإنجيل وقرأه وطبعه في حياته وفي أعماله كما في موته. بإنتظار القيامة من بين الأموات (فل 3/ 10)، ليكون في موكب المسيح (2 قور 2/ 14). وها نحن نقدِّم بضع لمعات يمكن أن تكون شعاعًا من شمس المسيح بالنسبة إلينا، كهنة وعوامًا، فتدلُّنا على من هو "الطريق والحقُّ والحياة" (يو 14/ 6).

 

 

1- إنطلق من أرضك

ذاك ما قاله الربُّ لإبراهيم الذي كان عائشًا قرب أور (في العراق الحاليّ، قرب البصرة) المدينة الزّاهرة: "إنطلق. أُترُك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك، وأنا أُريك الأرض التي تُقيم فيها" (تك 12/ 1). فانطلق إبراهيم. هو فعل إيمان رائع يدلُّ على إنسلاخ عن الأرض والبيت. في مرحلة أولى كان مع والده وإخوته وغيرهم. في مرحلة ثانية، صار مع إمرأته سارة وابن أخيه لوط. وبعد وقت قصير، سيتركه لوط فيصبح وحده. هل الله يُجرِّدَه شيئًا فشيئًا. ولكن بقيت له المواشي والعبيد.

أمّا مارون فدُعيَ لكي يترك كلَّ شيء. فانطلق وما تطلَّع وراءَه. هو وضع يدَه على المحراث (لو 9/ 62). وبدأَ الفلاحة في حديقة الربّ كما قيل فيه. ومثله فعل مار شربل الذي راح فيه التجرُّد بحيث ما استقبل أُمَّه، ولا أراد أن يعود إلى بلدته بقاعكفرا بعد رسامته الكهنوتيَّة: اللّقاء يكون في السّماء.

 

 

ما هو بلد مارون؟

ما من أحد يعرف. ولكن من أين يأتي إليه عديدون، فقد يعني هذا أنّه كان من مدينة كبيرة، على مثال مار أنطونيوس مثلاً. هذا القدّيس يشبه إيليّا الذي دُعيَ "إيليّا التشبيّ من سكّان جلعاد" (1 مل 17/ 1).

 

 متى وُلد؟ لا نعرف. كيف دعاه الله؟ لا ندري هو فقط كلمة الله الرّاعدة: "حيٌّ هو الربُّ الذي أعبده". اسمه يكفي: الربُّ هو إلهي مع أنَّ النّاس العديدين إعتادوا حوله على الأوثان، وخصوصًا على عبادة البعل، بحيث هتف مرَّة أمام الربّ: "بنو إسرائيل نبذوا عهدك وهدموا مذابحك وقتلوا أنبياءَك بالسّيف، وبقيتُ أنا وحدي" (1 مل 19/ 20).

 

وفي الواقع، كان على جبل الكرمل، وحده من جهّة، وقبالته 450 من كهنة البعل و400 من كهنة عشتروت (1 مل 18/ 19). كلُّهم يأكلون على مائدة الملكة إيزابيل. هل خاف هذا النبيُّ وسيف كلام الله في يده؟ كلاّ. بل هزئ بالبعل وبعابديه (آية 27). وإكتفى بأن يصرخ إلى الربّ: إستجبني، إستجبني، لتشتعل النّار على المذبح وتأكل القرابين (آية 38).

مذبح الربِّ مهدَّم. أعاد إيليّا بناءَه، رمَّمه (1 مل 18/ 30). أمّا مع مارون، فالهيكل الوثنيّ قائم على الجبل، مرتفع فوق البيوت لكي يراه النّاس من بعيد ويحجُّوا إليه.

 

صار معبدًا للإله الواحد. أيُدمِّره مارون، بل حوَّله فصار موضع عبادة الله، على ما فعل الآباء في تاريخ شعب الله. وصل إبراهيم إلى شكيم. هناك سنديانة وبعض الماء. مع "الذي يأتون إليه فيسألونه باسم الإله الكنعانيّ. تراءى الربُّ لأبرام فبنى هناك مذبحًا في مدينة ستصبح مقدّسة (تك 12/ 6 - 7). وفي بيت إيل بنى أيضًا مذبحًا. هي بيت الإله. كان اسمها "لوز"، فارتبطت بعالم الأشجار (تك 28/ 19).

 

"كان هناك هيكل للشياطين فحوَّله إلى عبادة الله". وأقام بقربه في موضعه. هو حارس المعبد الجديد، شأنه شأن صموئيل. ذاك السّاهر الذي ينام قرب الربّ في معبده. المصباح شاعل والنّور في الهيكل، وصموئيل سيكون ذلك النّور في شعبه. "كانت كلمة الربّ نادرة" (1 صم 3/ 1) في وقت صعب. وكانت الرؤى قليلة". وماذا كان الوضع بوجود صموئيل: "عاد الربُّ يتراءى في (معبد) شيلو، لأنّه تجلّى لصموئيل هناك وكلّمه" (1 صم 3/ 21). كلّمه في تلك اللّيلة الرّائعة، فهتف: "أنا سامع". تلك خبرة القدّيسين وخبرة مار مارون في صلاة تمتدُّ طويلاً في اللّيل.

 

فتح يسوع الطريق لهؤلاء النسّاك الذين أقاموا على الجبال وفي الصّحراء. في النّهار كان يعظ، وفي اللّيل يصعد على الجبل ويقضي ليله في الصّلاة. هو حوار مع أبيه في العزلة وفي صمت الجبل صمت خارجيٍّ وصمت داخليّ.

 

 إذ كنّا في أيّامنا نتطّلع إلى القدِّيسين وهم يصلُّون فنندهش حين نراهم يرتفعون، فكما كانت دهشة التلاميذ حين رأوا معلِّمهم يصلّي. لا شكّ، ما أرادوا أن يقطعوا له صلاته. "فلمّا أتمَّ الصّلاة إقترب منه واحد من تلاميذه وقال له: "علِّمنا أن نصلّي" (لو 11/ 1). وتعلَّم مارون وغيره هذا القيام على الجبل للصّلاة.

 

- هنا نورد بعض ما فعله هؤلاء المصلُّون في زمن مارون، الذين نحتاج إليهم كثيرًا في أيّامنا. "قيل عن الأنبا أرسين، في مساء السّبت وبانتظار أن يظهر نور الأحد، كان يدير ظهره للشّمس ويرفع يديه إلى السّماء ويصلّي ويصلّي حتّى تضيء الشّمس على وجهه، يعني إلى المساء، عندئذٍ يجلس.

 

- قال شيخ: "حين تحسُّ بضعفك، صلِّ بحسب ما كتب بخوف ورعدة، في العفَّة والسّهر. هكذا يجب أن نصليّ، خصوصًا بسبب أعدائنا اللَّامنظورين، هؤلاء الماكرين والكاذبين الذين يريدون أن يُسيئوا إلينا في هذه الحالة.

 

- مضى الأنبا لوط إلى الأنبا يوسف وقال له: "يا أبتِ، قدر إستطاعتي أُمارس صومًا معتدلاً، أُصلّي، أتأمَّل، أتخشَّع، وقدر إستطاعتي أنقّي أفكاري. فماذا يجب عليَّ بعدُ أن أعمل؟ "فوقف الشّيخ ورفع يديه إلى السّماء فصارت أصابعُه مثل عشرة سرج من النّار. وقال له: "إذا شئت، فكنْ كلُّك نارًا".

إذا شئت. تلك هي حياة مارون وغيره. كما طلب الربُّ من الشابّ الغنيّ: "إن شئتَ أن تكون كاملاً" (لو 19/ 26). والنّار يسوع نفسه جاء يشعلها حين قال: "جئت لألقي على الأرض نارًا، وكم أتمنّى أن تكون إشتعلت" (لو 12/ 49).

 

 

ولكن أبعد من ذلك، إن لم تشتعل النّار على الجبل، فكيف يعرف النّاس الطريق إلى الله. هذا ما يكونه الحبيس المنعزل في منسكه. وهذا هو الواقع الذي نعيشه اليوم مع القدّيس شربل. هو ما أتى إلى النّاس، بل هم يمضون إليه. قال الربُّ: "لا يوقدون سراجًا ويغطُّونه بوعاء أو يضعونه تحت سرير، بل يضعونه في مكان مرتفع ليستنير به الدّاخلون" (لو 8/ 11). فإذا كان السّراج فتيلاً يكاد ينطفئ، ماذا يفعل المؤمنون؟

العزلة تجرُّد. العزلة إرتحال من المحيط الذي يعيش فيه الرّاهب.

 

 العزلة إقتلاع وإبتعاد عن النّاس لكي نستطيع أن نخدمهم أفضل، على ما قيل في الرّسالة إلى العبرانيّين عن يسوع، عظيم الكهنة: أُخذ من النّاس لما هو الله. وإذا كان يسوع إجتذب النّاس حين رُفع (يو 12/ 32)، فكذلك يفعل هؤلاء الحبساء على جبالهم.

 

إلى مارون جاء أوَّلاً يعقوب. "عايش مارون الشّهير وتلقَّن عنه تعاليمه. وتفوَّق على معلِّمه بكثرة تقشُّفاته. مارون إنزوى في جوار هيكل، وكانت له خيمة يلجأ إليها في وقت الأمطار والثّلوج. أمّا يعقوب فترك "الخيمة والصومعة والحصن. كانت السّماء غطاء له. فكان يحتمل تقلُّبات الجوع على أنواعها. في هذه الحالة صار مشهدًا للنّاس "يرونه مصليًّا أو راقادًا أو واقفًا أو جالسًا... في حال الصحّة وفي حال الإنزعاج حتّى إنّه كان يقع دومًا تحت الأنظار وهو يُمارس تقشُّفاته".

 

 قال بولس الرّسول عن نفسه وعن رفاقه: "جعلنا الله نحن الرّسل أدنى النّاس منزلة، كالمحكوم عليهم بالموت، لأنّنا صرنا مشهدًا للعالم، للملائكة وللنّاس" (1 قور 4/ 9). وما أجمل مثل هذا المشهد. فالربُّ يسوع قال لنا: "أنتم نور العالم. لا تخفى مدينة على جبل ولا يُوقد سراج ويوضَعُ تحت مكيال ولكن على مكان مرتفع حتّى يُضيء لجميع الذين في البيت" (متّى 5/ 14 - 15).

 

نحن أبناء بيت مارون، هل نستضيء بنوره، أم نبحث عن أنوارٍ هنا وهناك، أنوارٍ خافتة تكاد تنطفئ؟ ويواصل يسوع كلامه: "فليضئ نوركم هكذا قدّام النّاس ليشاهدوا أعمالكم الصالحة ويمجِّدوا أباكم الذي في السّماوات" (متّى 5/ 16). المطلوب من كلّ مؤمن أن يكون نورًا بحياته، وأعماله وأقواله. هكذا نستحقُّ أن نُدعى أبناء مارون، وإلاّ لا نستحقُّ أن نكون حقًّا أبناء.

 

أمّا يعقوب القورشيّ الذي دُعيَ تلميذ مارون، فكأنّه تلميذه حقًّا. صار "مشهدًا" للنّاس. ما كان له أن يختبئ. ولا أطلب أن يكون في الظلمة لأنّه خائف أن ينفضح بسبب أعماله. فمن يعمل الخير يأتي إلى النّور. ومثل يعقوب كان ليميناوس. فبعد وقت قضاه مع إحدى الجماعات "إنتقل إلى جوار مارون العظيم المذكور أعلاه. وكان وصوله متزامنًا مع وصول يعقوب الإلهيّ. وأفاد كثيرًا من هذه الإقامة. ثمَّ لمّا كان متشوِّقًا إلى الحياة التوحُّديَّة، إنتقل إلى جبل آخر".

ويواصل تيودوريه الخبر: "وهو مُقيمٌ هناك إلى يومنا هذا، حيث لا ملجأ له ولا كوخ ولا خيمة، بل هو محاطٌ بسور بسيط من حجارة متفكّكة...".

 

وما يلفت إنتباهنا هو أنَّ تلاميذ مارون صار عندهم تلاميذ، بحيث تنتقل الشّعلة من يدٍ إلى يد، ومن جبلٍ إلى جبل، ومن بلدٍ إلى بلد، ومن قورشَ إلى جبل لبنان.

 

قال المؤرِّخ عن أحد الحبساء واسمه يوحنّا: "إنَّ حياة يعقوب وليميناوس نفسها عاشها أيضًا يوحنّا، الرّجل الذي، علاوة على سائر الفضائل، إمتاز بلطفه ووداعته. وجعل إقامته على قمَّة شامخة جدًّا مُعرَّضة للأعصار ومُتَّجِهة نحو الشّمال". ونحن نعرف البرد الذي تحمله الرّيح الشّماليَّة.

ومع يعقوب وليميناوس، نذكر زيبيناس الذي أعجب مارون به كلّ الإعجاب مع أنّه كان تلميذه. ثمَّ دومينينا التي رغبت في العيش على طريقة مارون. ما مضت إلى البريَّة، بل بنت لها صومعة قرب بيتها.

 

ما نودُّ أن نقوله هنا هو أنَّ تيودوريه لم يعرف مارون شخصيًّا، بل عبر تلاميذه الذين رووا له ما رووا. فمارون ما أراد أن يعمل أعماله أمام النّاس بحيث يأخذ أجره منهم، بل كان يعمل في الخفية. ومات في الخفية.

 

وما زال قبره خفيًّا إلى الآن، لأنَّ الجميع أرادوا أن يأخذوا جثمانه فيكون عندهم كنزًا يفوق ثمنه كلَّ الكنوز، بل هو لا يقابل بها وحزن تيودوريه لأنَّ قبره ليس في قورش ولا في جوارها. غير أنّه عزَّى نفسه فقال: "ولكنّنا نحن أيضًا، وعلى الرّغم من إبتعاده عنّا، لا نزال ننال بركته لأنّنا نحن نحتفظ بذكراه عوضًا عن قبره، وهذا يكفي".

 

 

2- الإقامة على الجبل

على الجبل إلتقى موسى مع الربِّ ولبث معه. ولمّا فرغ من مخاطبته أخذ معه "لوحَي الوصايا وهما من حجر مكتوبَين بإصبع الله" (خر 31/ 18). هناك إبتعد كليم الله عن البريَّة حيث النّاس صنعوا مع هرون العجل الذهبيّ وعبدوه. على الجبل، وجد موسى القوَّة لكي يقف في وجه شعب كامل يعبد الأصنام. ما خاف من "ثورتهم"، بل "أخذ العجل الذي صنعوه، فأحرقه بالنّار وطحنه حتّى صار ناعمًا" (خر 32/ 20).

 

 على الجبل طلب موسى من الربِّ المغفرة لشعب "خطئ خطيئة عظيمة" (خر 32/ 30). واستعدَّ أن يضحّي بنفسه من أجل شعبه. قال: "يا ربُّ خطئ هؤلاء الشّعب خطيئة عظيمة، وصنعوا لهم آلهة من ذهب. فإمّا تغفر خطيئتهم أو تمحوني من كتابك الذي كتبته" (آية 32).

 

أجل، ما من حبٍّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه. أو يعيش "المصلّي" مع شعبه، أو يموت مع شعبه إن لم يكن فدى شعبه. ذاك هو مفهوم الإماتة في حياة النّاسك: هو يموت يومًا بعد يوم، بحيث لا يبقى شيء من جسده في النهاية. ويتذكَّر كلام الرّسول: "الخيمة الأرضيَّة تتهدَّم، ولكنْ لنا في السّماء بيتٌ أبديٌّ من بناء الله، غير مصنوع بالأيدي" (2 قور 5/ 1).

 

 هكذا يموت "الجسد" أو بالأحرى اللّحم والدمّ مع شهوات الإنسان ورغباته، ليحيا فيه الرّوح. من أجل هذا نرى وجه هؤلاء النسّاك منوّرًا. ففي عالم الظلمة الذي نعرف، تستنير وجوههم يومًا بعد يوم إلى أن يلتصقوا بمن هو نور العالم، يسوع المسيح، ذاك الذي قال: من يتبعني لا يمشي في الظلام، بل يكون له نور الحياة.

 

صعد موسى إلى الجبل. فهل نزل كما صعد؟ كلاّ. بل قيل فيه: "ولمّا نزل موسى عن جبل سيناء ولوحا الوصايا في يده، كان لا يعرف أنَّ وجهه صار مشعًّا من مخاطبة الربِّ له... عندئذٍ خافوا أن يقتربوا منه" (خر 34/ 29 - 30).

 

من يقترب من النّار ولا يأخذ بعض دفنها؟

 

من يرافق المؤمن ولا ينتقل إليه بعض إيمان. هذا ما حصل لمارون: كانوا يأتون إليه لأنَّ "قوَّة كانت تخرج منه وتشفي الجميع" (لو 6/ 19). شفاء الجسد وشفاء الرّوح، وسيكون لنا عودة إلى المعجزات التي كانت تجري على يد هؤلاء الحبساء.

 

هم قريبون من الله، ومهما يطلبونه من الله فالله يعطيهم. أمَا هكذا قالت مرتا ليسوع قبل إحياء أخيها لعازار: "أعرفُ أنَّ الله يُعطيك كلَّ ما تطلب منه" (يو 11/ 22)؟ ويكفي أن نطلب من يسوع لكي يُعطينا، ولا سيَّما إذا كنّا قريبين منه.

 

 قال يسوع لتلاميذه: "كلّ ما تطلبونه باسمي أعمله، حتّى يتمجَّد الآبُ في الابن" (يو 14/ 13). فهل نتعجَّب بعد ذلك أن يمضي النّاس إلى حيث يرون أُناسًا يُصلُّون ليلاً ونهارًا: يطلبون من الآب باسم يسوع (يو 16/ 26)؟ فماذا يرفض الآب للذين يحبُّون ابنه؟ لا شيء.

مضى موسى إلى الجبل فنال القوَّة من الله. وكذلك إيليّا. هناك على جبل حوريب. صلّى تجلَّى له الله وأوكله بمهمَّة تهرَّب منها لأنّه رآها أقوى منه. أحسَّ أنّه ضعيف ولكن من يضع يده بيد الربِّ لا يمكن أن يكون ضعيفًا، بل هو قويٌّ بمن يقوّيه. وهو الذي صنع السّماوات والأرض.

ويسوع نفسه كان على الجبل، وكان هناك يُصلّي (لو 9/ 28). ويخبر الإنجيل: "وبينما هو يصلّي، تغيَّرَت هيئة وجهه وصارت ثيابه بيضاء لامعة" (آية 29). فنور الله أضاء وجه موسى وأضاء بشريَّة يسوع.

 

 ثلاثة مجاهدين نازلين عن الجبل: موسى الذي وجد شعبًا يريد العودة إلى عبادات مصر. إيليّا الذي وقف في وجه الملك والشعب وكهنة البعل. وأخيرًا، يسوع الذي عليه أن يصلِّب وجهه لكي يصعد إلى أورشليم، وإلى جبل الجلجلة حيث يموت من أجلنا ومن أجل خلاصنا.

 

 ذاك هو رمز الجبل الذي يصعد عليه المصلُّون في كلِّ زمان. ونذكر تجوبة apophtegme (وفيها يسأل راهب شيخًا فيُجيبه. في السّريانيَّة: ف ت ج م ا) عن أحد الشّيوخ الذين عرفوا بتمييزهم وخبرتهم في الحياة الرّوحيَّة.

- مضى أحد الشّيوخ يومًا إلى جبل سيناء. وحين رجع إلتقى به أخٌ في الطريق وقال له متنهِّدًا: "أبتِ، نحن ممتحَنون بالقحط والجفاف". فقال له الشّيخ: "لماذا لا تصلُّون؟ لماذا لا تبتهلون إلى الله؟" فقال له الأخ: "صلّينا، تلونا الطلبات، ومع ذلك لا مطر". فقال له الشّيخ: "لا شكَّ في أنَّكم لم تصلُّوا بحرارة. هل تريد أن تعرف أنَّ الأمر هو هكذا؟ لننهض للصّلاة". وبسط يديه إلى السّماء وصلَّى فنزل المطر حالاً. فإذ رأى الأخ ذلك، إمتلأ خوفًا وإنحنى أمامه. أمّا الشّيخ فهرب في الحال.

- وكان الشّيوخ يقولون: "الصّلاة مرآة الرّاهب".

- وقال شيخ من الشّيوخ: "إذا كان الرّاهب يصلّي حين يكون واقفًا، مثل هذا الرّاهب لا يصلّي أبدًا".

مثل هذه الصّلاة، مثل هذه الإماتات تعطي ثمرًا. فإن لم يكن هناك ثمر، فهذا يعني أنَّ الشّجرة ميتة مهما كان ظاهرها جميلاً. فهي تشبه الرّاهب الذي تفوق شهرته على ممارسته. من بعيد هو مشهور، النّاس يتكلَّمون عنه. ولكن حين تأتي إليه، لا تجد الدّفء الذي تطلب. كما لا يجد يسوع الثّمر الذي يرتجى. ها إنَّ لي ثلاث سنين أطلب ثمرًا في هذه التينة وهي لا تأتي بالثمر. فاقطعها. وإن لم تُقطَع اليوم فهي تموت يومًا بعد يوم وتحمل الموت إلى الذين إنتظروا وانتظروا.

 

نتذكَّر هنا مثل الكرمة: "الغصن الذي لا يُثمر يقطعه الآب" (يو 15/ 2). ويفرح بالغصن الذي يثمر. ولكنَّ هذا الغصن لا يحسب نفسه كاملاً. لهذا "ينقّيه الآب ليكثر ثمره". أمّا كرمة مارون فأثمرت في أيّام حياته كما بعد موته. وإلى اليوم هي تحمل ثمرًا.

 

وإن كان تيودوريه القورشيّ كتب سيرة مارون، فلأنّه يرى تلاميذه، تلك الثّمار التي كانت على غصنه، قبل أن تمضي وتمتدَّ لتصل ثمارها إلى أبعد من قورش وسوريّة، لتصل إلى لبنان.

 

يعقوب هو "العظيم" هو الإلهيّ ليميناوس: "كان غنيًّا بالكثير من الصّلاح، بسيطًا في تصرُّفاته وفاق معاصريه بنعومته وإتِّزان حكمه". ويواصل تيودوريه فيقول: "أقول هذا، لا لأنّي أخذتُ من غيري ما أقول، بل إختبرت ذلك بنفسي، لأنّني إلتقيتُ هذا الرّجل ونعمت مرارًا بعذوبة معشره".

تلك ثمرة من ثمار كرمة مارون، التي إشتهرت أيضًا بالرّوح الإنسانيَّة: "أوى عنده الكثيرين ممّن فقدوا البصر وأصبحوا في حالة العوز. فبنى لهم الملاجئ... ودعاهم إلى السُّكنى فيها وتسبحة الله، محرِّضًا زوّاره على القيام بمعيشتهم".

 

هذا ما ندعوه "ضيافة الغرباء" وهي فضيلة مارسها زيبيناس الذي كان يستضيف الكثيرين من زوّاره حتّى المساء". فالضيافة فضيلة هامَّة في حياة هؤلاء النسّاك. وها نحن نقدِّم تجربة في هذا المعنى:

- قال أنبا كاسيان: "مضينا من فلسطين إلى مصر لدى أحد الآباء. فأضافنا. فسألناه: حين تستقبل إخوة غرباء، لماذا لا تسير بحسب قاعدة الصّوم كما نفعل نحن في فلسطين؟" فأجاب: "الصَّومُ هو دومًا معي، أمّا أنتم فلا أستطيع أن أحتفظ بكم دومًا معي. وإن يكن الصّوم ممارسة مفيدة وضروريَّة، فهو يرتبط بخيارنا.

 

أمّا تتميم المحبَّة، فشريعة الله تطلبها بالضرورة، فحين استقبل واحدًا منكم، أخدم المسيح، كما يجب، بكلِّ نشاط. وعندما أستودعكم الله، أستطيع أن أستعيد شريعة الصّوم. "فرفاقُ العريس لا يستطيعون أن يصوموا ما دام العريس معهم. ولكن حين يُرفَع العريس عنهم، عندئذٍ يصومون" (متّى 9/ 15) بكلِّ حريَّة".

 

تلك بعض ثمار مارون القريبة منه. ويمكن أن نذكر النّاسكات مثل مارانا وكيرا، وخصوصًا دومينينا. قال عنها تيودوريه: "وعلى الرّغم من أنّها تقضي أيّامها ولياليها كما ذكرنا، فهي أيضًا لا تهمل سائر مظاهر الفضيلة، فتخصُّ إهتمامها بأولئك المجاهدين... وتهتمُّ أيضًا بأولئك الذين يأتون لزيارتها. فتجد لهم مأوى لدى راعي البلدة وتؤمِّن لهم إحتياجاتهم...".

والأديار التي تأسَّست في سوريّة، قرب حمص وحلب وحماة وأفامية، وعند نبع العاصي، ثمار يانعة في كرم الربّ الذي إعتنى به مارون ومن جاء بعده.

 

 والثّمار إمتدَّت ألف وستّمئة سنة إلى الآن، ويُطلَب منّا أبناء وبنات مارون أن نواصل العمل لئلاّ تصبح شجرة مارون عقيمة، لا سمح الله. ولا مجال لذكر الرّهبان والرّاهبات، بل هم أيضًا عشرات الآلاف ومئات الآلاف والملايين ممّن إفتخروا بأبيهم مارون، وراحوا في الخطِّ الذي رسمه هو وتلاميذه الأوَّلون، على مستوى الصّلاة، والعيش في الحقول، والتكاتف وقت الصّعوبات، والمحبَّة التي حملت العديدين أن يقولوا: أُنظروا كم يحبُّ بعضهم بعضًا.

 

 

 ولهذا إنضمَّ إليهم كثيرون من طوائف أُخرى طالبين الحريَّة في مشرق يرفل في العبوديَّة مع الدّولة العثمانيَّة، طالبين التفرُّد في شخصيَّة لم تكن نابعة لهذه الجهّة أو تلك. فلبنان الذي أقام فيه الموارنة بشكل خاصّ، له خطُّه فلا يتبع الشّرق ولا الغرب، بل يجمع في شخصه الإثنين معًا، دون أن يكون هذا ولا ذاك.

 

 فمنذ البداية كان الموارنة "خلقيدونيّين" ولكنَّهم لم يكونوا ملكيّين. ثمَّ هم يتكلَّمون السّريانيَّة دون أن يلجأوا إلى الكنيسة السّريانيَّة التي تنظَّمَت مثلاً مع يعقوب البرادعيّ. اضطُهِدُوا من هنا وهناك، ورفضوا الإنصياع لأحد. لهذا فضَّلوا الإقامة في الجبال، لا في السّهول، فهناك لا يصل إليهم أحد، كما يكونون قريبين من الله على مثال أبيهم مارون.

 

 

3- ومضى يسوع إلى البريَّة

تتحدَّث الأناجيل الإزائيَّة، أي متّى ومرقس ولوقا، إنَّ الرّوح القدس إقتاد يسوع إلى البريَّة. فمنذ القديم تُعتبر البريَّة موطن الشياطين. فلا بُدَّ من محاربته في عقر داره. لهذا كان يسوع هناك. فالشيطان هو القويّ، كما قال الإنجيل، ولكنَّ يسوع هو أقوى منه. ولكنَّ المعركة لا تنتهي مع نهاية يسوع على الأرض. فالمعركة تتواصل، والزؤان سيبقى موجودًا بين القمح حتّى نهاية العالم. ومن يضع هذا الزؤان: هو العدوّ (متّى 13/ 25). الزؤان هو أبناء الشرّير. والعدوُّ الذي زرع الزؤان هو إبليس (متّى 13آية 38 - 39). ذاك ما قاله يسوع في الأمثال.

 

أجل، الشيطان هو في البريَّة. وبدأ الهجوم على يسوع بثلاث تجارب.

 

 الأولى، لست إنسانًا. لا حاجة إلى أن تعمل بيديك وتتعب. ثمَّ لا بُدَّ من إختيار الحياة السّهلة. فلماذا تصوم؟ إصنع من الحجر خبزًا.

وأين هي كلمة الله التي تُحيي الإنسان؟ يريد إبليس منّا أن ننساها. تجربة الحياة السّهلة ورفض الباب الضيِق.

 

 

 والتجربة الثانية، تجربة الكبرياء في عودة إلى آدم وحوّاء اللذين أرادا أن يكونا مثل الآلهة.

 

 

والتجربة الأخيرة والأخطر، هي تجربة المال حيث الإنسان يختار بين إلهين، بين الله والمال. إختار يسوع الله وهتف: "للربِّ إلهك تسجد، وإيّاه وحده تعبد".

 

تجارب حاصرت مارون كما تحاصر أبناءَه. وحاصرت جميع الحبساء في البريَّة أو على الجبل. صوِّرَت بالنسبة إلى أنطونيوس بشكل حيوانات تُحيط به، مع رمزٍ لكلِّ حيوان.

 

تجربة المال هي الأقسى وكثيرون يقعون اليوم فيها. قال الرّسول: "يكفينا القوت والكسوة" (1 تم 6/ 9). ولكن هناك "الذين يطلبون الغنى فيقعون في التجربة والفخّ وفي كثير من الشّهوات العمياء المضرَّة التي تغرق النّاس في الدّمار والهلاك. فحبُّ المال أصلُ الشّرور كلّها" (1 تم 6 آية 9 - 10). وعديدون من بني مارون يطلبون المال ولهذا يتركون الأرض، وذلك حين يرون من مضى في الغربة وجمع المال.

 

 

وحبُّ الرّاحة حاضر أيضًا ولو على حساب الشهادة المسيحيَّة. إذا ترك النّاس وطنهم فلن يكون بعدُ نورٌ على ما يقول سفر الجامعة: "ينحني رجال البأس، تبطلُ الطواحين، تظلم الأنوار في النّوافذ، تُغلق الأبواب على الشّارع" (جا 12/ 3 - 4). أجل، لم يبقَ أحد سوى بعض العجائز. أمّا الأولاد فينظرون الوقت الذي فيه يكبرون لكي ينطلقوا بعد أن يبنوا كنيسة كبيرة ترميك بصداها لأنّها فارغة.

 

لا مجال لهذه التجربة في حياة يسوع، ولا في حياة قدّيسيه، ولنا مثال قريب في مار شربل. أعطيَ بعض المال، فحمله في يد مغلقة. وأعطاه للمسؤول. ونعرف كيف أنَّ أنطونيوس ترك كلَّ شيءٍ ومضى إلى البريَّة. ومثله مارون وسائر النسّاك. يأتونهم بالمساعدة فيرفضونها ويطلبون منهم أن يعطوها لمن هو أفقر منهم. فهم يكتفون بعد أن جعلوا الربّ حصَّتهم". هم لا يطلبون شيئًا.

 

فالمال قاتل كما نعرف في سفر الأعمال. فحنانيا وسفيرة ماتا لأنّهما باعا الحقل واحتفظا ببعض الثّمن (أع 5/ 1 - 11). ولمّا أراد سيمون السّاحر أن يتعامل مع المال ليصبح "كاهنًا"، قال له بطرس: "أراك في مرارة العلقم وشرك الخطيئة" (أع 8/ 23). نذكر هنا قبل العودة إلى مثال الربّ يسوع تجربة غريبة، ولكنّها علَّمت ذاك الذي أراد أن يحتفظ له ببعض المال، مع أنّه أتى إلى المحبسة:

أخٌ تخلَّى عن العالم فوزَّع خيراته على الفقراء، ولكنّه إحتفظ ببعض الشيء لنفسه. فمضى إلى الأنبا أنطونيوس وأعلمه بذلك، فأجابه الشيخ: "إذ أردت أن تصير راهبًا، إمضِ إلى القرية الفلانيَّة، واشترِ لحمًا واجعله على جسمك العريان ثمَّ تعال إلى هنا". ففعل الأخُ ما أمرَ به. فأتت الكلاب والطيور فمزَّقوا له جسمه. وحين عاد إلى الشيخ، سأله هذا إن كان تبع نصيحته. فأراه الأخ جسمه مهشَّمًا. فقال له الأنبا أنطونيوس: "الذين يتخلُّون عن حياتهم ويُريدون أن يحتفظوا بالغنى يمزّقون بهذه الطريقة بيد الشياطين الذين يُحاربونهم. ونقرأ هذه الأقوال القصيرة:

- في زمن الأنبا إسحاق، جاء أخ إلى كنيسة القلاّيات وعليه معطف صغير. فطردَه الشيخ قائلاً: "هنا موضع الرّهبان. أمّا وأنتَ من العالم فلا يُمكنك أن تكون هنا".

- يجب على الرّاهب أن يرتدي لباسًا يستطيع أن يرميه خارج قلاّيته ولا يأخذه أحد.

- قال الأنبا إيزودور: "إذا رغبت في الملكوت، فاحتقر الغنى فتنال الأجر الإلهيّ".

- وقال أيضًا: "يستحيل عليك أن تعيش بحسب الله إن كنت تحبُّ الملذّات والفضَّة".

- كنز الرّاهب الفقر الإختياريّ. فأعد كنزًا في السّماء، أيُّها الأخ، لأنَّ دهور الرّاحة لا حدود لها.

تلك حياة النسّاك. فقر تامٌّ مع أنّهم لم ينذروا نذر الفقر. وفي أيِّ حال، من يأتي إلى شيخ من الشيوخ ومعه شيء يُطرَد في الحال. "فالرئيس" إذا شئنا هو مثال الفقر، وقد تعلَّم من يسوع "الذي لم يكن له حجر يُسنِد إليه رأسه" (متّى 8/ 20). وهذا مع "أنَّ للثعالب أوكار ولطيور السّماء أعشاش". وكلام يسوع كان قاطعًا: "بعْ كلَّ ما تملك وأعطه للمساكين، ثمَّ تعال واتبعني" (مر 10/ 21). لا يمكن أن يكون لك كنزٌ على الأرض وكنز في السّماء. فإمّا هذا وإمّا ذاك. إذ أردتَ أن يكون لك كنزٌ في السّماء، فلا يتعلَّق قلبك بما على الأرض.

 

ونسّاك القورشيَّة وأوَّلهم مارون، لم يكونوا يملكون شيئًا هم على الجبل. في موضع ما. يُطرَدون فيمضون غير آسفين على شيء. ويبدو أنَّ أنبا أغاطون حين رأى إخوانه الرّهبان مرتاحين في قلاّية بنوها، قال لهم: "قوموا نمضي من هنا". حزن الرّهبان. ولمّا أراد أن يمضي وحدَه، توسَّلوا إليه أن يأخذهم معه.

 

"طوبى لرهبان يعرفون كيف يحتقرون كلَّ شيء، ويتركونه وراءهم. فقلبهم غير متعلِّق بشيء".

 

ونتذكَّر في الطائفة المارونيَّة أنَّهم كانوا يختارون بطاركتهم من النسّاك. هم لا يملكون شيئًا ولا يريدون أن يملكوا. فكان رهبان الدّير المجاور يهتمُّون بمعاشهم. ولهذا إنتقل البطاركة الأوَّلون من موضع إلى موضع لأنّهم كانوا ملاحقين، والإنتقال ليس بالصّعب.

 

هم يملكون عصًا من خشب وكتابًا أو كتابين للصّلاة وثوبًا واحدًا وربّما ثوبين.

 أمَا هكذا قال الربُّ لرسله: "لا تحملوا نقودًا من ذهب ولا من فضَّة ولا من نحاس في جيبكم، ولا كيسًا للطريق ولا ثوبًا آخر ولا حذاء ولا عصًا، لأنَّ العامل يستحقُّ طعامه" (متّى 10/ 9 - 10)؟

مثل هذا التجرُّد، مثل هذه العفَّة، مثل هذا الفقر والتواضع، لا يدع مجالاً للشيطان.

 

فهو يُقهر سريعًا، كما قال الربُّ للإثنين والسبعين: "رأيتُ الشيطان يسقط من السّماء كالبرق. وها أنا أعطيكم سلطانًا تدوسون به الأفاعي والعقارب وكلَّ قوَّة للعدوِّ ولا يضرُّكم شيء" (لو 10/ 18 - 19). أخرج يسوع الشياطين وبكلام آخر شفاهم، لأنَّ شفاء المرضى يرتبط بإخراج الشيطان.

 

"ودعا يسوع التلاميذ الإثنيّ عشر وأعطاهم سلطانًا على جميع الشياطين وقدرة على شفاء الأمراض. ثمَّ أرسلهم ليبشِّروا بملكوت الله ويشفوا المرضى" (لو 9/ 1 - 2).

 

وهذا ما قيل عن مارون النّاسك: "إنَّ موزِّع الخيرات بسخاء كان يغدق عليه موهبة الأشفية حتّى ذاع صيته في كلِّ مكان واستجلب عليه الجموع حيثما وُجدوا".

ويواصل تيودوريه كلامه: "فكان يرى الحمّى تزول ببركته، والشياطين يهربون، وكلّ أنواع الأمراض تعالج بدواء واحد. فإنَّ الذين يتعاطون الطبَّ يعالجون كلَّ داء بدواء خاصٍّ. أمّا صلاة القدّيسين فهي علاج عامٌّ للأسقام كلّها".

هكذا كان يفعل يسوع، وهكذا فعل تلاميذه. وهكذا يفعل القدّيسون ومنهم مار مارون. فالنّاسك يصلّي فيُشفى الإنسان. أو يرسل ماء مباركًا، فينال المريض الصحّة. ويرسل هذا الماء إلى الحقول، فتمضي الأمراض بعيدًا.

 

 لم يذكر المؤرِّخ بالتّفصيل الشفاءات التي نالها مارون، لأنَّ هذا القدّيس كان إنتقل إلى السّماء قبل أن يصير تيودوريه أسقفًا على القورشيَّة، وذلك سنة 423، ويروي ما عرفه وما رآه من هؤلاء النسّاك.

 

ولكنَّ العجائب المرويَّة في كتابه "تاريخ أصفياء الله"، مليئة بالمدهشات. فيوليانس الرّهاويّ أصعد الصبيَّ من البئر بعد أن حُسب ميتًا، وأفراهاط الفارسي أباد الجراد الذي إنتشر في المنطقة بعد أن صلّى على جرَّة مليئة بالماء الذي رُشَّ على الحقل. أمّا سمعان القديم فأطفأ الحريق من بعيد بقوَّة كلمته.

معجزات هي أعمال إحسان. والأشفية عديدة. من الأمراض بشكل عامٍّ على ما نقرأ في الأناجيل، "صعد يسوع وجلس هناك. فجاءته جموع كبيرة ومعهم عرج وعميان ومقعدون وخرس وغيرهم كثيرون، فطرحوهم عند قدميه فشفاهم. فتعجَّب النّاس..." ومجَّدوا الله" (متّى 15/ 29 - 31).

 

ذاك ما قرأنا عن مارون. ويمكن أن نقرأه عن يعقوب القورشيّ تلميذ مارون الأوَّل. قال تيودوريه:

وحصل له مكافأة له على هذه الإحتمالات الشاقَّة على مواهب النّعمة الإلهيَّة، فينالها كلُّ الرّاغبين فيها. فببركته كان الذين بهم الحمّى المحرقة يُشفَون فتنزول عنهم، والمصابون بالقشعريرة تهدأ وتتبدَّد تمامًا. وكثير من الشياطين كان يضطرُّهم إلى الهرب، والماء الذي تباركه يمينه يصبح دواء شافيًا.

ومن ذا الذي يجهل قصَّة ذلك الصبيّ الصّغير الميت الذي نال بصلاته القيامة من الموت... مات الأولاد العديدون. نذر الوالد إبنه الأخير. ولمّا مرض حمله إلى "رجل الله"... ميتًا. صلَّى يعقوب "ثمَّ ختم صلاته وقدَّم الولد لأبيه". وينهي تيودوريه الخبر: "وإنّني شاهدتُ أنا نفسي هذا الولد وسمعتُ أباه يروي الأعجوبة. ونقلتُ إلى الكثيرين هذا الحادث المضاهي ما عمله الرّسل. وأنا على ثقة أنّه سيكون جزيل الفائدة لمن يسمعونه في المستقبل".

لا مجال للتوسُّع في كلِّ ما عمله هؤلاء الأبطال من معجزات على المستوى الجسديّ كما على المستوى النفسيّ والمستوى الرّوحيّ: طرد شياطين، تغلُّب على السّحرة، تحرير أشخاص من أمراض نفسيَّة كتلك الفتاة التي إعتبرت نفسها تحت قوَّة السِّحر. شفاها مقدونيوس القورشيّ، "محرِّرًا إيّاها من جنونها".

 

 

الخاتمة

كتب تيودوريه "تاريخ أصفياء الله" لأنّه رأى الله حاضرًا في عملهم، والمسيح يواصل رسالته الخلاصيَّة فيما بين البشر.

 

 فالإنجيل ليس حرفًا ميتًا نقرأه، نردِّده، نحفظه غيبًا. ونضعه في زاوية فيملأه الغبار. الإنجيل شخص حيٌّ هو يسوع المسيح. كان حاضرًا في إسطفانس وبطرس بولس وسائر الرّسل والمبشّرين. كما كان حاضرًا في حياة مارون ورفاقه النسّاك في جبل قورش، إمتدادًا إلى سوريَّة وصولاً إلى جبل لبنان.

 

 

 يسوع مضى إلى البريَّة ومثله فعل مارون وأنطونيوس ويعقوب القورشيّ... ومار شربل والأب مطانيوس شينا... ولا نذكر الأحياء. فهم صلُّوا ويصلُّون في الكنيسة ومع الكنيسة.

 

إنّهم يشبهون إرميا النبيّ الذي قيل فيه: "يحبُّ إخوته، ويكثر من الصّلوات لأجل الشّعب" (2 مك 15/ 14). كما هم إمتداد لصلاة يسوع التي دُعيَت الصّلاة الكهنوتيَّة. "لا أصلّي لأجلهم" (= الرّسل) وحدهم، بل أصلّي أيضًا لأجل من قبلوا كلامهم فآمنوا بي" (يو 17/ 20). وكيف تصبح صلاة  يسوع منظورة؟

 

من خلال الذين يقضون ليلهم ونهارهم في الصّلاة. ولنا تشبيه على ذلك في ما قاله الرّسول عن آلام القدّيسين: أكمّل في جسدي ما نقص من آلام المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة" (كول 1/ 24). هكذا فعلت القدّيسة رفقة. وهكذا أمات النسّاك أجسادهم وحملوا صلبانهم مع صليب يسوع. وهكذا "يكمِّلون في صلاتهم" ما نقص من صلاة يسوع لأجل الكنيسة. كما هم يواصلون المعجزات من شفاء المرضى وإرشاد الضعفاء وحمل الكلمة، كما قيل عن مارون الذي "كان لا يكتفي بشفاء عاهات الجسد، بل كان أيضًا يأتي للنّفوس بالعلاج المفيد... مانحًا التعليم المؤدّي إلى الحكمة، وواصفًا لذلك الإرشادات إلى الفضيلة".

 

لا الإنجيل ما مات. بل هو حيٌّ، ونحن نراه أمامنا. في الذين أسَّسوا كنيسة والذين لا يزالون يسيرون في خطِّ مارون وتلاميذه ورفاقه النسّاك. يبقى علينا نحن بدورنا أن نحمل المشعل ونواصل الرّسالة واضعين نصب عيوننا يسوع المسيح مبدأ إيماننا ومكمِّله، الذي تحمَّل الصّليب مستخفًّا بالعار، من أجل الفرح الذي ينتظره، فجلس عن يمين عرش الله" (عب 12/ 2).

 

 

المونسنيور بولس الفغالي

 

                    

           

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية