مَن هو مار بطرس؟

 

مَن هو مار بطرس؟

 

 

سمعان بن يونا، مواليد بيت صيدا، على بحيرة جناشر، شمال الجليل. مُتأهِّل وله ابنة عرفها التقليد الكنسيّ باسم بطرسيّة. صيّاد سمك متواضع، صيّرَهُ يسوع صيّادًا للنّاسِ. كان وشقيقه إندراوس، وابن ضيعته فيلبس من رُسُل يسوع الإثنا عشر.

 

 

 

عاش سمعان في بيته مع حماته، في كفرنحوم، وكان يملك قارب صيدٍ يعتاش منه وعائلته. ككثيرين من مُعاصريه اليهود، جُذِبَ سمعان للمعمدان وكرازته بشأن التوبة. ومع أخيه إندراوس عاون يوحنّا في بيت عنيا على الضفّة الشرقيّة للأُردن. يومها، وجوابًا على سؤال مُرسلي محفل اليهود، أشار يوحنّا المعمدان نحو يسوع، إذا كان مارًّا من هناك: "هوذا حملُ الله الحامل خطايا العالم". فتبعَ إندراوس والتلميذ الآخر يسوع، ومكثا عنده النهار كلّه. ولقي بعدها إندراوس أخاه سمعان، ليخبره بأن: "قد وجدنا المشيح"، وأتى به أمام المسيح، الذّي حدّق إليه، وقال: "أنت سمعانُ بنُ يونا، وستُدعى كيفا، أي صخرًا" (يو 1\41-42).

 

 

 

لقد كشف الآب لبطرس الرَّسول عن سرّ "يسوع المسيح إبن الله المخلّص". ودخل يسوعُ بيتَهُ الصَّغير للبشارة، شفاء حماته، وللرَّاحة، وميّزه بأنّه سمّاه "الصّخرة" التي بنى عليها كنيسته، وجعله رأسًا للرُسل إخوته، وميّزه أيضًا بأن شاهد تجليّه على طور طابور. عاين بطرّس مجد المسيح يوم التجلّي وأحبّ أن يُقيم معه في المجد إلى الأبد! فقبل يسوع رغبة بطرس بأن يكون معه في المجد، وعلّمه طريقة المجد الحقيقيّ، أي درب الصّليب. فجُرّب بطرس من الشّيطان، ونكر معلّمه، لكّن هذه التجربة كانت لتقوية محبّة بطرس ليسوع، ولإعداده لأن يكون صخرةً إنسانيّة، ذا قلبٍ من لحم، وليس من حجر، فيكون بذلكَ إنسانًا حقًّا، على مثال معلّمه، يستطيع أن يقود الكنيسة.

 

 

بطرس الّذي رافق يسوع في السرّاء والضرّاء، بطرس الّذي ائتمنَهُ يسوع خلفـًا لهُ كرأسِ الكنيسة المنظور من بعد صعوده ليملك عن يمين أبيه، بطرس الّذي صلّى يسوع من أجلِه ليُقوّي فيه الرّجاء ويُحثُّه على العودة إلى رحاب المحبّة حتى بعد نُكرانه المُرّ، بطرس الّذي كان مستعدًا لأن يذهب مع يسوع إلى النهاية، مهما كان الثمن: السِّجن، الاضطهاد أو الموت! بطرس الّذي تحمّس فضرب بالسَّيف عبد رئيس الكهنة في كرم الزيتون... بطرس هذا، خاف أمام جارية، تنكّر للمسيح "أخذ يحلف ويعلن إنّي لا أعرف هذا الرّجُل" (مر 14\71).

 

 

مار بطرس هو مِثال الرّجل المؤمن المتحمّس لإيمانه. لكنّ هذا الإيمان لم يُمتحَن بعد! لقد سبق الرّبّ فنبّهنا: "يا بُني إن أحببت الرّبّ فأعدِدْ نفسَكَ للتجربة، أرشِدْ قلبَكَ واحتمل" (بن سيراخ 2:1). بهذا المعنى يقول المثل اللبنانيّ: "الله ما بيجرّب إلا خايفينوا". لذا كان على سمعان بن يونا أن يُمَحّص في أتون الإتضاع، ويُمتحن في نار التجارب لكي يوجد أهلاً للمحبّة العُظمى، لقيادة قطيع المسيح يسوع نحو الخلاص، ولخدمة الكنيسة.

 

 

يشرح مار أنطونيوس الكبير سبب التجربة، يُعلّمنا بأنّه "لولا التجارب لا يخلص أحد". لقد كانت هذا التجربة المُرّة لمجد الله، وإظهار غنى رحمتِه، لتعليم رأس الكنيسة المعصوم، بأنّه لا يزال بشريّ، معرّض للخطأ كإنسان، ومعصوم منه عندما يتكلّم في أمور العقيدة، إذ شدَّده يسوع قائلاً: "ولكنّي دعوتُ لكَ ألاَّ تفقد إيمانك. وأنتَ ثبّتْ إخوانك متى رجعتَ". (لوقا 22\32).

 

 

كما بطرس يهوذا الإسخريوطيّ خان يسوع، هذا عن سابق قصدٍ وتصميم، ذاك عن عفويّة وساعة تخلّي. بطرس عرف طريق العودة نحو البيت الأبويّ، نحو الكنيسة، أعني التوبة. يهوذا رفض التوبة. كان كبرياؤه أكبر من أن يسمح له بطلب الغفران من يسوع، فقتله يائسًا. كانت الخطيئة لبطرس درب الألم المؤدّي إلى التواضع، ومعرفة الذات، والإتكال على الله، وطلب الغفران والمسامحة وعيش التوبة. والخطيئة عينها كانت ليهوّذا سبب يأسٍ ونكرانٍ لكلّ ما تعلّمه من يسوع، ولكلّ المحبّة التي شهدها ولمسه من قلبه الحنون. لقد دان يهوذا نفسه، واستكثر على نفسه التوبة والتواضع أمام الله، فأهلكه كبرياؤه. يبقى أنَّ ندامة بطرس الصادقة، وليس خيانته وخطيئته العرضيّة، كانت سبب قداسته وعظمته.

 

 

 

ماذا نتعلّم اليوم من خطيئة مار بطرس وندامته؟

 

 

كُلُّنا معرّضون للخطيئة، كلّ منّا تنكّر ليسوع في يومٍ من الأيّام بأعماله، بإهماله، بكلامه، بمواقفه، بجُبنه... لكّن الله غنيٌ بالغفران، هو كنزُ الرّحمة، ينتظرُ عودتنا، عودة الخروف الضّال. هو الرّاعي الصّالح يتركُ الـ99 خروفاً ليذهب في طلب حملِه الضّال! ويفرحُ برجوعه أي فرح. لقد أجاب يومًا بطرسَ على سؤاله: "كم مرّةً يخطئُ إليَّ أخي فأُسامحه؟ أسبع مرّات؟"، قال يسوع: "لا، أقولُ لك يا بطرس بل سبعين مرّة سبع مرّات". وها هو اليوم يغفر لبطرس بلا حدود أو شروط. فأن تكون عظيمًا في ملكوت السموات يعني أن تتمرّس بالغفران. وهذا ما تعلّمه بطرس من محبّة يسوع اللامتناهيّة، وقد غلبت الموت.

 

 

 

تُفهمُنا خطيئتنا مدى محدوديتنا وتعلّقنا بالله. فنحن بدونه لا يُمكننا أن نفعل شيئًا (يو 15\5). تجعلنا الخطيئة نفهم ضعف إخوتنا جميع البشر، فعلى مثالنا، هُم خطأة. تعلّمنا الخطيئة بالنعمة كيف نغفر لنفوسنا ولإخوتنا، كما غفر الله لنا. خطايانا تذلّنا، تواضعنا، لكي ترفعنا أمام الله، بعد أن تكون حطّتنا عن مجدنا الأرضيّ. تعلّمنا الخطيئة أن نعي قيمة نفسنا، ونعرف محدوديّتنا، فنتكِّل على الله. تعيدُنا الخطيئة بعد التوبة إلى ذواتنا، إلى واقعيتنا، لأنّ الإنسان لا يستطيع أن ينطلق إلاّ من حيث هو، لذا يسمحُ الله بأن نُجرَّب لكي نعي هويتنا، ونفهم مَن نحن، فنعود نتّكلُ على رحمته، ونبدأ من حيثُ نحنُ. فالله لا ينظر إلى سقوطنا، ولا يعُدّ كم مرّة خطئنا فيها، بالحرّي هو ينظر إلى رغبتنا وجهادنا في أن نقف على أرجلنا ونكمل الطريق معه.

 

 

يَعي الخاطئ دون سواه أنّ الغفران هو حقٌ لهُ وعليه. فلا حياة بلا غفران. ولا غفران بلا ندامة، ولا ندامة ما لم يُحرّكنا الرّوح القدس. لأنَّ الرُّوحَ مَتى جاء فهو يُوبِّخُ العالم على الخطيئة". (يو 16\8).

 

 

غُفِرَ لهُ كثيرًا لأنّه أحبّ كثيرًا

 

 

حصل ذلك على شاطئ بحيرة إذ تراءى يسوع لتلاميذه عند الفجر، وبعد أن فطر معهم قال يسوع لسمعان بطرس: "يا سمعانُ بنَ يونا، أتحبُّني أكثرَ مِما يُحبُّني هؤلاء؟..." (يو 21\15). لَم يسأل يسوعُ بطرس عن شيء، لا عن سبب ضعفه، ولا لماذا وكيف خانه، لم يُعاتبه، أو يجافيه، لم يُذكّره بنقاشهما ما قبل الآلام والقيامة... سأله فقط عن المحبّة. "أتُحبّني؟" هذا لسانُ حال يسوع، يسألُ كُلّاً مِنّا قبل وبعد أن يُسامحه. لأنّ مَن يُحِب لا يُمكنه أن يؤذي لا مَن يُحبّه ولا أيّ شخصٍ آخر. إنّ جوهر علاقتنا مع الله قائمٌ على المحبّة.

 

 

 

"والمحبّةُ تصبر، المحبّةُ تخدُم، ولا تحسُد، ولا تتباهى ولا تنتفخُ من الكبرياء، ولا تفعلُ ما ليسَ بشريف ولا تَسعى إلى منفعتها، ولا تحنقُ ولا تُبالي بالسُّوء، ولا تفرحُ بالظلم، بل تفرحُ بالحقّ. وهي تعذرُ كلّ شيء، وتُصدِّقُ كلّ شيء وترجو كلّ شيء وتتحمّلُ كلّ شيء" (1 قور 13\4-7).

 

 

 

عندما يُحبّ الإنسان، يصبح أكثر شبهًا بالله، لأنّ "الله محبّة" (1 يوحنا 4|8). وبالمحبّة أيضا يحقـِّق الإنسان ذاته، لأنّ دعوتنا الأولى في الحياة هي المحبّة أو الحبّ. فالإنسانُ مفطورٌ على البحث عن المحبّة، محبّة الله وقريبه. يسعى الطفل لإرضاء أهله واكتسابِ محبّتهم، ويجتهد التلميذُ لنيل رضى أهله وإعجاب أترابه وتشجيع ومحبّة معلّميه. فالإنسان يعيش بالحبّ ومن أجله، ويكبر فيه. فَمن يُحبّ يصبح أشبه بالله، وأكثر إنسانيّة، لأنّ دعوة الإنسان الأولى هي عيش المحبّة. أوليست وصيّة الله لنا، واختصار الشريعة والأنبياء بأن نحبّ الله من كلّ قلبنا وكياننا، وقريبنا كنفسنا؟! لقد شقَّ المسيح بالمحبّة درب سعادة البشر، وطريقهم إلى الملكوت، وإلى السَّلام على الأرض.

 

 

وكذلك فإنّ خطيئة بطرس الكبيرة غُفرت لأنّهُ أحبَّ كثيرًا. أوَ لَن يصرُخ بنا هامةُ الرُسُل لاحقاً أنَّ "المحبّة تستِرُ جمًّا مِنَ الخطايا"! (1 بطر 4\8) لقد تجسّدت محبّة مار بطرس للمُعلّم بتوبةٍ نصوح، دفعته ليبذلَ كلّ ما لهُ في سبيل بناء الكنيسة، ولمجد الله الآب والإبن والرّوح القدس. ويخبرنا التقليد بأنّ قنواتٍ حُفرت في خديّ بطرس الرّسول لكثرةِ دموعِه التي كان يذرفها يوميًّا عند صياح الديك. يتذكّر ضعفه وعمق غفران يسوع له، فيبكي على خطيئته ندامةً، وفرحًا وشكرانًا لغنى رحمة الله عليه.

 

 

الأب زياد أنطون ر.م.م

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية