نعمة الله الحرديني قدّيس القرن الحادي والعشرين

 

 

 

 

نعمة الله الحرديني قدّيس القرن الحادي والعشرين

نعمة الله الحرديني

قدّيس القرن الحادي والعشرين

 

الأب نعمة الله كسّاب الحرديني بين التطويب والتقديس

 

قد يمرّ الزمان على كلّ إنسان وعلى كلّ إنسان وعلى كلّ شعب، ولا يبقى في جعبة التاريخ منه سوى ذكريات عابرات وخلاصات يردّدها الصّغار والكبار على السّواء... أمّا منطق القدّيسين، فيتحدّى هذا المنطق البشريّ ليصل الماضي بالحاضر، ويحوّل كلّ لحظة من حياتهم الغابرة إلى هُنيهة تضجّ بالحياة والحركة والحضور، ذلك أنّ القداسة شمس لا تغيب، وفجر لا مساء له، وحقيقة لا تبلى مع الأيّام.

 

ذكريات التطويب

إنّ أجواء الإحتفالات بتقديس الطوباوي نعمة الله كسّاب الحرديني، الراهب اللبناني الماروني، في 16 أيّار 2004، أجواء الفرح والعيد، لتملأ الناس بهجة واندفاعًا للسير في خُطى هذا المعلّم الصالح، الذي سار على مُعلّمه الإلهيّ يسوع المسيح، بكلّ جرأة وثبات، في حياته وروحانيّته وقداسته.

كان تطويب نعمة الله في 10 أيّار 1998 حدثًا بارزًا في الكنيسة والرهبانيّة ولبنان، إذ أعاد إلى ذاكرة اللبنانيّين صورة "قدّيس كفيفان"، و"معلّم مار شربل"، الذي إنطفأ سراجه برائحة القداسة في 14 كانون الأوّل 1858، في دير كفيفان.

قُدّمت دعواه إلى روما ودعوى رفيقيه شربل ورفقا سنة 1926؛ وراح الجميع ينتظرون دحرجة الحجر عن باب القبر وانبلاج صبح القداسة عن رُفات أولئك العمالقة الثلاثة... هبَّ شربل من نومه العميق سنة 1950، وبلغ مرحلة التطويب في 5 كانون الأوّل 1965، ثلاثة أيّام قبل اختتام أعمال المجمع الفاتيكاني المسكوني الثاني.

وتململت عظام رفقا في 17 تشرين الثاني 1985، فأُعلنت بدورها طوباويّة. وظلّ نعمة الله صامتًا، كما كان في حياته، ساهرًا ينتظر بزوغ الفجر، إلى سنة 1998، يوم عاد إلى دائرة الضوء؛ فكان إعلان تطويبه تكملة وتتمّة طبيعيّة للمثلّث الرهبانيّ شربل - رفقا - نعمة الله.

غمرته الأيّام والسّنون طويلاً، فبين سنة 1858، سنة وفاته، وسنة 1998، سنة إعلانه طوباويًّا، مرّ زمان مديد، نسيَ فيه الناس أنّه، في تلك الزاوية الهادئة من دير كفيفان، يرقد  بالربّ، على رجاء القيامة، كنزٌ كبير، سوف يُشعُّ ضياءً ولمعانًا وقداسة.

وإنْ كان زمن إعلان الطوباويّين والقدّيسين في يد الله وعند تدبير الكنيسة، فإنّ لإطلالة هذا الوجه الرّهبانيّ الصّافي مدلولاتٍ عديدة، ما زلنا، حتّى اليوم، نبحث عنها ونتعمّق في درسها.

أجل! نعمة الله المثقّف والمسؤول والمعلّم، رجل الصّلاة والتأمّل وحفظ النذور والقانون، المغرم بحبّ والدة الإله وعبادتها، صعق بظهوره العجيب عقول إخوته الرّهبان وجميع الناس. ماذا جاء يقول لهم؟ أيّ رسالة يحمل، تختلف عن رسالة زميليه شربل ورفقا؟ هل هو زيادة عدد، أم فيه كاريسما فريدة لا نجدها عند سواه؟

 

طرق القداسة

القداسة واحدة، لكنّ طرقها عديدة بتعدّد الأشخاص الذين يتفاعلون مع النعمة، ويفتحون قلوبهم لهمسات الرّوح القدس الخفيّة. يقول سفر الحكمة: "أمّا الصدّيق، فإنّه، وإنْ تعجّله الموت، يستقرّ في الرّاحة، لأنّ الشيخوخة المكرّمة ليست هي القديمة الأيّام، ولا هي تُقدّر بعدّ السّنين، ولكنّ شيب الإنسان هو الفطنة، وسنّ الشيخوخة هي الحياة المنزّهة عن العيب" (حك 7/ 4 - 9).

نعمة الله عاش خمسين سنة فقط، ثلاثين منها في الدير. ومع ذلك، صنع الله به ومعه عظائم... فهو يخاطب اليوم، بطريقة خاصّة، الشباب والعيال، كما يخاطب النشء الرّهبانيّ، لكي يُسرعوا في مسيرة القداسة دونما إبطاء.

ألم يقل قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني، يوم تطويب نعمة الله، في 10 أيّار 1998: "إنّ الأب نعمة الله الحرديني وجه مثال للبنانيّين، ومعلّم في الحياة الرّوحيّة... وهو أيضًا مثل للعائلات التي من واجبها أن تنقل الإيمان إلى الشبيبة، وتعطيها تذوّق الصّلاة. كانت عائلة الطوباويّ الجديد مَنبت دعوات. فقد عرف الوالدان أن ينقلوا إلى أولادهم الحسّ بالله، وعطاء الذات، والحبّ للمسيح وللكنيسة...".

وعندما سطع نجمه، من جديد، سنة 1998، تقاطرت الجموع غفيرةً إلى ضريحه في كفيفان، يسألونه النعم والبركات، ويسشفعون المشفّع لدى الله بامتياز. وبعد أُعجوبة أندره نجم، أعجوبة أخرى يوم التطويب بالذات للسيّدة روز سعد العمياء التي أعاد الربّ إليها البصر بشفاعة قدّيس كفيفان.

وتتوالى الخوارق والنعم، ويعود حجم نعمة الله إلى "الساحة"، وتشمل بركته الألوف في لبنان والعالم، بهدوء وتواضع وفعاليّة.

وفي روما، سنة 1998، حيث توافد اللبنانيّون من أحد وعشرين بلدًا، ليشاركوا في الإحتفال التاريخيّ الكبير، إنتقل لبنان إلى المدينة الخالدة، رسميّين ومؤمنين، مسيحيّين ومسلمين، يفتخرون بأرضهم المباركة التي تُنبِتُ القدّيسين، الواحد تلو الآخر، دون توقّف.

"لبنان أرض مقدّسة وأرض القدّيسين"؛ هكذا قال الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان"، وهكذا يجب أن تظلّ أرضنا اللبنانيّة. ومن نعم السماء عليها أن لا تثحرم من وجوه مُشرقة تزرع الأمل في السّاعات الصّعاب وفي الأيّام العسيرة.

وتُطوى حفلات التطويب بانتظار حفلات التقديس... وها إنّ العناية الإلهيّة تعود، من جديد، لتوقظ النائمين وتستلهم الهمم: لقد وُلد لكم اليوم قدّيس، هو نعمة الله كسّاب الحرديني، الراهب اللبناني الماروني. فاذهبوا إليه، تجدوا ما تطلبون.

 

 

بين التطويب والتقديس علاقة عضويّة عميقة وكيانيّة. محطّتان في مسارٍ واحد؛ وجهان لقداسة واحدة.

فيا قدّيسنا الجديد نعمة الله! إشفع بنا، بارك وطننا، وامحُ من قلوبنا كلذ كآبة وحزن ويأس. وحرّك في أعماقنا الشّوق إلى التشبُّه بك؛ ومعك ننطلق إلى المسيح، ينبوع كلّ قداسة. له المجد إلى الأبد. آمين.

                                                                       

يُطلُّ علينا من القرن التاسع عشر، ويُشرف على القرن الحادي والعشرين. وُلد في بلدة حردين، العريقة والحضاريّة، سنة 1808، ورقد في الربّ سنة 1858. خمسون سنة فقط جعلت منه قدّيسًا كبيرًا ومعلّم القدّيسين.

سِرُّ قداسة نعمة الله أنّه عايش الواقع الرهباني، كاملا، في الإدارة والتعليم والإرشاد. لم يَنْزَوِ في محبسة نظير مار شربل، بل إلتزم بشؤون وهموم رهبانيّته إلتزاما عملانيًّا. وحين عصفت الرّياح حوله، واضطرب الجوّ العامّ، صرخ بإيمان راسخ وقناعة نادرة: "الشاطر يلّي بيخلّص نفسو".

لم تمنعه وظيفته كمدبّر عام أن يتقدّس، ولا ثقافته أن يتقرّب من الربّ. عرف، في حَدْسِه الداخليّ المرهف، أنّه يستطيع أن يجمع ما يظنُّه البعضُ اليوم مستحيلا، بين الإدارة والقداسة، وبين الثقافة والقداسة.

وهذه، في ظنّنا، الرسالة التي يحملها نعمة الله إلى أبناء عصرنا، رهبانًا ومؤمنين. مَسَحَ حياته القصيرة بحكمة الآباء القدّيسين، ولم يدعْ يومًا واحدًا يَمُرُّ من دون التقرّب فيه من الفادي الإلهي، موضوعِ حُبّه، ومِن أمّه مريم القدّيسة، موضوع عبادته ورسالته.

القدّيس نعمة الله وجه مُشرق من وجوه القدّيسين الشرقيّين، إلى جانب شربل ورفقا. يكفي أن ننظر إلى صورته لنتأكّد أنّ اللّحم والدمّ لا يفيدان شيئًا، بل تلك الجذوةُ الداخليّة التي حوّلته إلى قربان حيّ بين يدي الله.

ومن الضروريّ البَوْحُ، بتواضع، بأنّنا ما زلنا في بداية إكتشافنا لروحانيّة نعمة الله. هناك أمورٌ كثيرة في حياته يلزمها الوقتُ الطويل والتأمّلُ العميق لتنجليَ لنا. فالقدّيس لا يُحْصَرُ ببعض كلمات، ولا يستطيع كاتبٌ، مهما سما شأنه وبيانه، أن يسبر أسرار تلك النّفس التي جاورت الله في حياتها ومماتها.

الآتي إلينا من القرن التاسع عشر يُخاطبنا، واحدًا واحدًا، ويوجّه إلينا كلمات صادقة من القلب إلى القلب. لن نخاف صرامته وقساوته؛ فهو، كما قال قداسة البابا، يوم تطويبه: "كان حنونًا مع إخوته". من هنا قربُه وتفهّمُه لأوضاع إخوته الرهبان والمؤمنين جميعًا.

 

فشكرًا للربّ على نعمة القداسة السّنيّة التي وضعها على دربنا وفي حياتنا، بعمالقة أمثال شربل ورفقا ونعمة الله.

شكرًا له لأنّه خَصّ لبنان وكنيسة لبنان والرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة بهذه القمم المضيئة والمنائر المُشعّة، الباقية على الدهر.

وشكرًا له لأنّه جعل من نعمة الله أستاذًا لنا ومرشدًا ومثالاً، بالرغم من بُعْدِ المسافات الزمنيّة والجغرافيّة.

تبارك الربّ في قدّيسيه. آمين.

 

                                                                        الأباتي يوحنّا تابت

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية