أبعاد البتوليّة الدائمة

 

أبعاد البتوليّة الدائمة

 

إنّ المواقف حيال بتوليّة مريم الدائمة تتمثّل في إثنين، في قول متعاكسٍ لكاهنين. الأوّل: "هذا الأمر لا يُثير إهتمامي. فإنّ إيماني لا يستند إليه!" الثاني: "كلُّ شيء قد إنطلق من هذا الأمر. فإن كانت مريم غير بتول، كلُّ شيء ينهار!" مَن على صواب؟ مَن على ضلال؟... الثابت أنّ مُنطلق الواحد ليس مُنطلق الآخر. على كلّ حال، إن صحّ أنّ الإيمان المسيحي لا يستند إلى بُتولة مريم، فالصّحيح أيضًا أنّ هذه البتولة هي من الحقائق الإيمانيّة. والحقائق الإيمانيّة لا يُستخفّ بها... وإنّ صحّ أنّ كلّ شيء لا ينهار إن كانت مريم غير بتول، فالصّحيح أيضًا، في هذه الحال المزعومة، أنّ شيئًا ما مُهِمًّا يتداعى في التدبير الخلاصيّ كما أراده الله...

 

فما هي أبعاد بُتولة مريم الدائمة؟

 

قبل الإجابة، لنقُلْ كلمةً في التبتّل بوجه عامّ. جاء في الرِّسالة الأولى إلى الكورنثيّين: "إنّ الغير المتزوّج يهتمّ بما للربّ، كيف يُرضيه. وأمّا المتزوّج فيهتمّ بما للعالم، كيف يُرضي امرأته. فهو متجزّئ. وكذلك المرأة الغير المتزوّجة والعذراء تهتمّان بما للربّ، لتكونا مقدّستين جسدًا ونفسًا. وأمّا المتزوّجة فتهتمّ بما للعالم، كيف تُرضي رجلها" (1 قور 7/ 32 - 34).

 

أبعاد هذا الكلام أنّ التبتُّل يمهّد لوقْف الذات، كلّيًّا ومباشرة، لخدمة الله، إمّا بالصَّلاة والتأمّل، وإمّا بالتأهُّب التامّ لخدمة الإنسان، وإمّا بالإثنين معًا - التأمّل والعمل - على أن تُمارَس المحبّة، في الحالين كلتَيهما، بنموٍّ متواصل... فالتبتُّل المسيحي، إذًا، ليس هو أوّلاً السّيطرة على الذات، إلى حدِّ خَنْقِ الرّغبة في الزواج. فمَن يتوقّف عند هذه الناحية السّلبيّة، يجعل الإنسان هو نقطة الإهتمام، وينسى ما يتعلّق بالله والقريب... والتبتُّل المسيحي ليس هو فقط الإمتناع عن العلاقة الجنسيّة. فمَن يَحصِره في ذلك دون سواه، جَعَلَه أمرًا مشبوهًا، وركّزه على تصوّرٍ خاطئ يدّعي أنّ العلاقة الجنسيّة، حتّى الشرعيّة، أمرٌ دنيس! حضور مريم في عرس قانا الجليل كافٍ لدحض هذا التصوّر للأمور...

 

التبتُّل المسيحي حُبٌّ يَهَبُ ذاته مباشرةً للحبّ الإلهي، متخلّيًّا عن الحبّ الجسديّ، وساعيًا إلى كمال الحبّ الشمولي في خدمة البشر، بالله وفيه... هذا الحُبّ تَتَوَّجَ في مريم بالخِصْبِ التامّ، إذ إنّه أوجد الكلمة المتجسّد... مِن هذا المُنطلق، فإنّ البتوليّة ليست بُرودةً ولا عجزًا عن العطاء. بالعكس، إنّها القدرة على العطاء بصورةٍ متطلّبة وكلّيّة...

 

 

تكريس لله تامّ وجذريّ

كانت بتوليّة مريم تكريسًا لله تامًّا وجذريًّا، لأنّ الله كان لها نقطة الإرتكاز في مشروعها الحياتيّ. هذا لا يعني الغضُّ من شأن حبّها البشريّ ليوسف وزواجها منه. إنّما هناك، في البتوليّة، من العمق ومن استجماع الذات في الله، ما يجعل أيّ حبٍّ آخر ينبثق من الحبّ لله، فيكون حبًّا في الله...

 

تكريس مريم لله، في البتوليّة، ترمز إليه روايةُ تقدمتِها إلى الهيكل. هذه الرّواية هي على الأرجح أُسطورة تقويّة، لأنّه لم يكن  في الهيكل من خدمةٍ نسائيّة ولا من مكانٍ لسَكَن النساء. إنّما ما ينبغي الإحتفاظ  به هو أنّ العذراء مريم، لمّا إعتزمت البتوليّة فتحصّنت في ذاتها - دون أن تنعزل، ودون أن يعلم بالأمر أحد ما عدا يوسف - كانت، في ما بينها وبين نفسها، كما لو أنّها في الهيكل وجهًا لوجه مع ربّها.

 

 

إتّحاد فريد بالله

وكانت بتوليّة مريم إتّحادًا فريدًا بالله. جاء في سفر الرؤيا أنّ "الأبكار الذين لم يتنجّسُوا مع النّساء، يتبعون الحمل حيثما يذهب. وقد افتُدوا من بين الناس، باكورةً لله وللحمل" (رؤ 14/ 4). إنّهم أبكار، وهم للمسيح وحده. هذا يعني أنّ البتوليّة، هنا، هي علاقةٌ حميمة بالحمل، يسوع المسيح المصلوب. فهي إذًا إتّحادٌ فريد بالله، أي تأهُّبٌ لإرضاء مشيئته، والتصاقٌ به حميم، وتكريسٌ كلّيّ لذلك الذي هو الكلّ في الكلّ.

 

هكذا كانت، أوّلاً بأوّل، بتوليّة العذراء مريم: قُربٌ فريدٌ من الله، علاقةٌ فريدة لم يَسْبِق لها مثيل، قداسةٌ تامّة ("الربّ معك"، لا بل سوف يصير ابنك بيسوع المسيح)... هذا لا يعني أنّ مريم بتولٌ لأنّها قدّيسة، ولا أنّها قدّيسة لأنّها بتول... ينبغي الفصل بين هذين اللّقبَين، وإلاّ كان في الأمر نَيْلٌ من قيمة الزواج المسيحيّ الذي هو أيضًا مقدَّس. مريم قدّيسة لأنّها تجاوبت مع امتلاء النّعمة. ومريم بتول لأنّ حبّ الله يكفيها. فالإنسان كلّما إقترب من الله، مال إلى التبتُّل.

 

هناك رواية حاخاميّة، ذاتُ مغزًى، تقول إنّ صِفُّروة - الزوجة التي لم يَعُدْ موسى "يعرفها" بعد رؤيا العلّيقة المتوقّدة - عندما علِمَتْ بأنّ الرّوح قد حلّ على ألداد ومَيداد (عدد 11/ 26)، صرخت قائلةً: "الويل لنساء هذين الرّجلين!" لماذا الويل لهنّ؟ لأنّ هذا القُرب الإلهيّ يعني، في نظرها، التخلّي عن العلاقة الزوجيّة الحميمة (م 21/ 49).

 

فالعذراء مريم الغارقة في الله، ليس لها حبٌّ أوّليّ سواه. هو موضوع تأمُّلها الوحيد. هو مُستَنَدُها الأوّل، ووعدُها، وغبطتُها، وانتظارُها (مثل كلّ حبٍّ حقيقي). كم مرّةٍ يلمّح الإنجيل إلى حياة مريم هذه التأمُّليّة، والتي كان غذاؤها التبصُّر في سرّ التجسّد الإلهي في أحشائها: "وكانت تحفظ جميع هذه الأشياء، وتتأمّل فيها في قلبها" (يو 2/ 19، 51)!...

 

 

حُبٌّ أَسمى

وكانت بتوليّة مريم حبًّا ساميًا متّجهًا نحو الربّ مباشرةً وشخصيًّا. إنّه حبٌّ قد يُشبَّه بحبّ الزّوجين المتبادلين هبةَ الذات كلّيًّا. هذا الحبّ، كانت مريم قد إكتشفته في الكتاب المقدّس، عند الأنبياء الذين شبّهوا الرّباط بين الشعب ويهوه بالرّباط بين القرينين. واكتشفته أيضًا عند كاتب نشيد الأناشيد الذي يصف الحبّ بكثير من الطراوة والإغراء، حتّى الجسديّ منه. فكان من الطبيعي، واستعداداتُ مريم الباطنيّة هي ما هي، أن تكُنّ لذلك الإله حبَّ الزّوجة المتواضعة. "إنّي لا أعرف رجلاً"، تعني ضمنًا: "إنّي لا أعرف إلاّ الله"، ذلك الإله الذي يقول في نبوءة هوشع، مخاطبًا شعبه بنت صهيون (ومريم هي بنت صهيون الحقيقيّة): "وأتزوّجُكِ إلى الأبد، أتزوّجُكِ بالحبّ والحنان، أتزوّجُك بالأمانة، فتعرفين الرَّبّ" (هو 2/ 21 - 22، قديمًا 19 - 20).

 

كانت مريم قد تشرّبت روح العهد القديم، لا سيّما ذلك المَنحى في العلاقة الحميمة مع الله، على صورة الحبّ الزوجي. وإنّها إن كانت قد إعتزمت أن لا "تعرف" رجلاً، حتّى في الزواج، فلكي لا تعرف إلاّ الله، وجميع أبناء الله...

 

نفهم الآن بوضوحٍ أكبر كيف أنّ مريم، بنتَ صهيون، تُقْدم باسم الشّعب كلّه على إعتزام البتوليّة. فهي ذلك الإعتزام تأكيدٌ للحبّ الرّقيق الحنون بين الله وشعبه. في العذراء يتحقّق أخيرًا، وبالتمام، ذلك الحبُّ البريء الذي تنبّأ به الأنبياء ونشيد الأناشيد.

 

وينبغي لنا، تكملةً لهذه النظرة إلى الأمور، أن نُضيف ونقول إنّ البتوليّة المكرّسة التي أشرقت في مريم، إنّما هي نعمةٌ مسيحيّة. فالعذراء، وإن كانت تمثّل شعب إسرائيل، فهي تمثّل أيضًا، على الصّعيد الشُموليّ، الشّعب المستقبليّ المثاليّ، أي الكنيسة التي "أحبّها المسيح وبذل نفسه لأجلها، ليقدّسها ويطهّرها، إذ كان يريد أن يزفّها إلى نفسه سنيّةً، لا شائبة فيها ولا تغَضُّن ولا عيب" (أف 5/ 25 - 27). وهكذا تكون العذراء مريم قد مهّدت للعذارى المسيحيّات المتكرّسات. هذا ما جعل القدّيس أغسطينوس يتكلّم على "نذر البتوليّة" الذي أبرزته مريم. وذلك إستنادًا، ليس فقط إلى السؤال الذي وجّهته للملاك، بل أيضًا إلى كون مريم كانت، بالنسبة إلى التكريس البتوليّ المتّبَع في الكنيسة، هي الأصل وهي المثال.

 

 

البتوليّة والفقر

بتوليّة مريم، كما يفسّر ماكس تُوريان، علامةُ فقرٍ وتواضع وتجرّد وانتظار لله وثقة به هو الذي يستطيع وحده أن يغمر من يختارهم. وهي أيضًا تخلٍّ عن الحبّ البشريّ الشهوانيّ (Eros) الآيل، بحسب الطبيعة، إلى الولادة. الحبّ البشريّ تملُّكٌ وقدرة على الخلق. لكنّ مريم تخلّت عن كلّ ذلك، وتكرّست للربّ خاليةً من تلك الرّغبة الشّريفة التي تحرّك كلّ امرأة: النّسل والذريّة... هل من فقرٍ أفقر من الفقر هذا، إن جاز التعبير؟ هل من فقرٍ قد تغلغل في قلب امرأةٍ، كما في قلب مريم، إلى حدّ أنّه سَلَبَها أعمق ما فيها من رغبات: الأُمومة؟

 

طبعًا، لم تكن مريم لِتُخامِرَها فكرةُ الأمومة التي قد اختيرت لها. ولكنّها أدركت أنّ بتوليّتها سوف تُرضي الله، وأنّه عليها أن تستودع بين يديه جميع آمالها بالخِصْب. يقول جان غِيتُون إنّ مريم قد أدركت، "كما يوحي به الفكر اليهوديّ بشأن تقدمة البواكير، أنّ أفضل تصرُّفٍ ممكنٍ بأفضل الأمور هو التضحية به". وإذا بالربّ "ينظر إلى تواضع أمته" وفقرها (لو 1/ 48)، فيمنحُها حبًّا ليس بعده حبّ، وخِصْبًا ليس بعده خِصْب، إذ جعل منها أُمًّا لابنه بالذات، بحيث إنّها تستطيع أن تَتَوَجَّه إلى الآب قائلةً: "مَن هو لك هو لي، ومَن هو لي هو لك" (يو 17/ 10).

 

أجل، إنّ بتوليّة مريم كانت، في العمق، فقرًا لا مثيل له، فكانت خِصبًا روحيًّا لا مثيل له. هكذا أيضًا تكون البتوليّة المكرّسة المتّبَعة في الكنيسة، إن هي عيشَتْ بما ينبغي من الحبّ، بنفحة الرّوح القدس الذي هو مبدأ كلّ حياة وكلّ أمومة.

 

الطبيب بّول شُوشار، مدير كلّيّة الدّروس العُليا في فرنسا، والذي اهتدى إلى الكثلكة في سنّه الثلاثين، أصدر سنة 1966 كتابًا اسمه "دعوة الإنسان المسيحيّة". أراد به أن يبيّن القواعد الآيلة إلى جعلنا كائناتٍ سويّة (normaux) ومتطوّرة تمامًا. يقول: "الإنسان السَويّ هو يسوع المسيح، وإنّ بناء الإنسان الجديد سيكون بالإقتداء بالمسيح، بالرّوح التي كانت تحرّكه. وإنْ أفزعنا المثال، فهناك مثالٌ آخر على مستوانا: مريم. فكم يكون مفيدًا لنا إدراكُ تلك العبارة التي لا يفتأ الكاثوليك يردّدونها: "البتول مريم"، ومفيدًا لجميع البشر، البروتستانت منهم والملحدين!

 

"بتوليّة مريم لم تكن أوّلاً لضمان بنوّة المسيح الإلهيّة. بتوليّة مريم هي أوّلاً ما نعرفه فيها من شفافيّة ونقاء وصفاء واستسلام وتجرُّد وفقر وطاعة: أمور وأمور جعلت منها المرأة السَويّة الطبيعيّة الفائقة. رُبَّ قائلٍ يقول: صفاتٌ سلبيّة! بالعكس. إنّها صفات الأقوياء والنشاط والقديرين. مريم مثالٌ لذوي الإرادة، لأنّها مثالٌ في الطاعة لما ينبغي أن يكون.

 

"هذه هي الرّوح البتوليّة التي نحن في حاجة إليها، روحُ مريم المتفرّغة (disponible) أمتزوّجين كنّا أم عُزّابًا: التجرّد من روح الأنانيّة والتملُّك، والعفّة لا ضدّ الجنس بل خدمةً للجنس، بسيطرةٍ مُؤنسةٍ للجنس، أفي العزوبة كان أم في الزواج... يوسف ومريم مثالان للأزواج، لا ليمانعهم من الحبّ الجسديّ، بل ليمارسوه إنسانيًّا بروح اللاتملُّك"... ونضيف عليه قائلين إنّ يوسف ومريم مثالان للمتبتّلين، لا لينكفئوا على ذواتهم الضيّقة، بل لينفتحوا كلّيًّا على ذات الله وذات البشر أجمعين.

 

 

البتوليّة التجدّد

بتوليّة مريم، كما يلحظ أيضًا ماكس تُوريان، إشارةٌ إلى أنّ الله سيأتي بالجديد الجديد، وأنّ الأزمنة تكتمل، وأنّ الملكوت يقترب. ألم يربط المسيح بين العزوبة المكرّسة أو التعفّف أو التبتُّل وبين الملكوت الحاضر والآتي؟ "هناك خِصيان خَصَوا أنفسهم من أجل ملكوت السّموات... مَن ترك أبًا أو أمًّا أو امرأةً أو بنين، من أجل اسمي، يرث الحياة الأبديّة... إنّ أبناء هذا الدّهر يزوّجون ويتزوّجون. أمّا الذين وُجدوا أهلاً لأن يكون لهم نصيبٌ في الآخرة والقيامة، فلا... ذلك أنّه لا يمكن من بعدُ أن يموتوا، لأنّهم يكونون مثل الملائكة. إنّهم أبناء الله، لكونهم أبناءَ القيامة... فمن استطاع أن يفهم، فليفهم!" (متّى 19/ 12، 29، لو 18/ 29، 20/ 34 - 36). والقدّيس بولس ألم يقل: "إنّ الزمان قصير. فبقي إذًا أن يكون الذين لهم نساء كأنّهم بلا نساء" (1 قور 7/ 29)؟

 

في ملكوت الله، في العالم الجديد الذي هو العالم الحقيقي لأنّه العالم الأبديّ (وهل من حقيقيّ إلاّ الأبديّ؟)، في ذلك العالم سيبلُغ الحبُّ امتلاءً يجعل الإنسان لا يعود يشعر بحاجة إلى العلاقة الودّيّة المحدودة. ذلك العالم قد وافانا (متّى 12/ 28). وهو قد إنطلق من مريم، يومَ إعتزمت البتوليّة الدّائمة. وها هو اليوم يتمثّل في المكرّسين لله وجميع المتبتّلين الذين ينذرون عفّتهم للربّ، فيشهدون بذلك لامتلاءِ الحبّ والحياة في العالم الآتي حيث لا موت، فلا خوف على الإستمراريّة، فلا إقبال على التناسل بالزواج، ولا أبوّة عدا أبوّة الآب للملائكة ولمن أصبح "مثلهم"...

 

وكما أنّ بتوليّة مريم تثير الأسئلة حول أبعاد البتوليّة، عسى تبتُّلُ المكرّسين أن يُثير الأسئلة عند أهل العالم، فيتوجّهون إلى التأمُّل بالضروريّ الأوحد: ملءِ محبّة الإله الذي سيكون يومًا كُلاًّ في الكلّ.

 

 

البتوليّة وخدمة المسيح

يقول القدّيس أغسطينوس إنّ "أمومة مريم ما كانت لتفيدَها شيئًا، لو لم تلد المسيح في قلبها، بفرحٍ أكبر". ذلك أنّها مشدودة كلّيًّا صوب المسيح. بتوليّتها وبتوليّة يوسف، كلتاهما في خدمة المسيح كلّيًّا ودون سواه. بتوليّتهما تجرُّدٌ عن كلّ ما في وسعه أن يُبعدهما أو يُشغلهما عن المشاركة الواجبة في رسالته. بتوليّتهما ليست إستخفافًا بالحياة الزّوجيّة، ولا هي مَثَلٌ أعلى. إنّها وَقْفُ الذّات لخدمة الله، ثمّ، بعد البشارة ليوسف، وَقْفُ الذّات لخدمة "إبنهما" وإخوته البشر.

 

جَنّدت مريم، في سبيل ذلك، كلَّ ما لديها من مقدرة على الإصغاء والإنصات والتأمّل. "كانت تتأمّل في قلبها" كلمة الله، و"تعمل بها"، الأمر الذي جعل المسيح يطوّبها، بطريقة غير مباشرة، لمّا أجاب تلك المرأة القائلة "طوبى للبطن الذي حملك، والثديَين اللّذين رضعتهما"، بقوله: "بل طوبى لمن يسمع كلمة الله ويعمل بها" (لو 2/ 19، 11/ 27 - 28). وعليه، فإنّ حياة مريم ستنقضي بالسّهر على تربية إبنها، لكي يتقدّم وينمو "في الحكمة والقامة والنّعمة أمام الله والناس" (لو 2/ 52)، ثمّ في متابعة رسالته الفدائيّة، منذ قانا الجليل حتّى الجلجلة والعلّيّة، مُعلنةً معه للبشر وجه الآب الكلّيّ الجودة.

 

إنّها أمةُ الربّ، أمةُ الربّ يسوع ابنها، وذلك من ألف حياتها إلى يائها. وهذا الابن، ربُّها يسوع المسيح، سوف يكون لها امتلاءً، وما من أمرٍ آخر، بعد البشارة والتجسُّد، يطفح به قلبها. فبتوليّتها الدائمة أنالتْها كلّ شيء لمّا نالت ابنَ الله الصائر ابنها. لقد طفح منها القلب. وهي لن يُشغلَها، من بعدُ، سوى الإبتهاج بالرّوح والتأمُّل في تلك النّعمة الفريدة. إذا قلبْنا إحدى كلمات القدّيس منصور دي بّول، قلنا: "طوبى لها، لأنَّ بتوليّتها جعلتها تكتفي بالله"، تكتفي بيسوع المسيح ابنها وسيِّدها وامتلائِها!..

 

 

جميل نعمةالله السقلاويّ

مرسل لعازريّ

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية