أبعاد الحبل البتوليّ

 

 

 

 

أبعاد الحبل البتوليّ

 

 أن تكون مريم أُمًّا بتولاً للمسيح، أن يكون المسيح قد حُبل به بتوليًّا بقدرة الرّوح القدس، أن يكون، كما يقول القدّيس بولس، "مولودًا من امرأة" (غل 4/ 4) لا من امرأة ورجل... يعترف الكثيرون من المسيحيّين بأنّهم لا يفهمون معنى ذلك ولا أبعاده ولا أهميّتة. ذلك أنّه، مع الأسف، كثيرًا ما كان الوُعّاظ يَعرِضون عقيدة الحَبَل البتوليّ وكأنّه أعجوبةٌ خارقة أرادها الله لإعلان شأن البتوليّة، ابتداءً ببتوليّة تلك التي أراد الكلمة أن يولد منها، فيما كانت قد اعتزمت أن تبقى بتولاً.

 

إلى ذلك، كان في أيّامنا إكتشافٌ لقداسة العلاقة الجنسيّة في الزواج... من هنا بعضُ الإرتياب والإحتراس حيالَ الحَبَل البتوليّ الذي يبدو وكأنّه يَحُطّ من قيمة الجنس والزواج. وسرعان ما قالوا: "ما هَمّ أن يكون يسوع قد حُبل به بتوليًّا أم لا؟" إنْ هُم عَنَوا بذلك أنّه كان ممكنًا أن يتحقّق التجسّد بحبلٍ طبيعيّ، فهذا قد يصحّ في المطلق. هذا الإمكان يعترف به حتّى اللاهوتي المحافظ سُواريز القائل: "لا شكّ في أنّ الله كان ممكنًا له أن يولد من اتّحاد رجل وامرأة". أمّا إن هم عَنَوا أنّ الحبل البتوليّ بالمسيح لا ينطوي على أبعاد مهمّة، ففي ذلك تسرُّعٌ مؤسف... ما هي هذه الأبعاد؟

 

ينبغي، بادئَ دي بدء، الإنتباهُ إلى أنّ الحَبَل البتوليّ ليس عقيدةٌ "مريميّة" (تتعلّق بمريم) بل عقيدة "مسيحيّة" (تتعلّق بالمسيح). الكلام ليس هنا عن مريم التي حَبِلَت بتوليًّا، بقدْر ما هو عن يسوع الذي حُبل به بتوليًّا. فالأوّليّة ليسوع لا لمريم. هذا ما ينوّه به قانون إيمان الرّسل ("حُبل به من الرّوح القدس، ووُلِد من مريم العذراء"). فإذا كان الحبل البتوليّ عقيدة أساسيّة، فليس لأنّه يعلّمنا شيئًا عن مريم، أو لأنّه إشادةٌ بحالِ البتوليّة، بل لأمورٍ أُخرى تمامًا. ما هي؟

 

 

تدخُّل مباشر من الخالق

المسيح حُبل به بتوليًّا. إذًا، ولادته الزمنيّة مَنُوطة مجّانًا وحصرًا وقصرًا، بتدخُّلٍ مباشر من الخالق القادر على كلّ شيء، وبدون أيّ دور لذَكَر. لماذا؟ لأنّ المخلِّص من الخطيئة لا يمكنه أن يولد من ذرّيّتنا الخاطئة، بحسب المجرى الطبيعيّ للأمور (من رجل وامرأة) الذي يحتّم علينا الولادة بالخطيئة الأصليّة. لا، ولا يمكنه أن يولد مثْلَ أمّه، بعد أن يُحبل به طبيعيًّا، بلا دنس الخطيئة الأصليّة. فالعذراء أُنعم عليها بذلك بالنّظر المُسبَقْ إلى إستحقاقات المخلّص. أمّا المخلّص نفسه فبالنظر إلى إستحقاقات أيّ مخلّصٍ آخر يُحبل به بلا دنس؟...

 

 

سموّ المسيح

المسيح حُبل به بتوليًّا. إذًا، مجيئُه إلى العالم غيرُ متعلّقٍ بإرادةٍ بشريّة بَحْتة، بل أوّلاً بإرادة الذي أرسله. دخوله العالم لم يكُن ثمرة قرار بشريّ بَحْت: إنّه لم يولد من يوسف ومريم (متّى 1/ 18، لو 1/ 34)، بل من الله ومريم، هو الكائن "في حضن الآب" (يو 1/ 18)، هو الذي "لم يولد من دم، ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من الله" (يو 1/ 13). فإنّ كونَ مريم هي الأمّ العذراء للمسيح، يعني أنّ الله هو أبوه الوحيد، وأنّ المخلّص - وبالتالي الخلاص - ليس ثمرة الوراثة البشريّة (الدمّ)، ولا ثمرة محاولةٍ من قبل الخليقة الخاطئة (مشيئة الجسد)، ولا ثمرة الأُبوّة البشريّة (مشيئة الرّجل). لا، ليس أمرٌ واحد من كلّ ذلك في أصل المخلّص والخلاص، وإنّما الله وحده وتدبيرُه الأزلي باختيار العذراء مريم لتحبل وتلد ابنه الوحيد مخلّص العالم. كلُّ شيء منه وبه، في هذه الخطوة الأولى للتجسّد الخلاصيّ.

 

يقول فيليب كارل: "إن كان الله قد أقصى مساهمة الرّجل عن تجسّد الكلمة، فلأنّه كان على ولادته الزمنيّة أن تتغنّى، في الجسد، بولادته الأزليّة، وعلى أُمومة تلك التي لها وللآب الابنُ نفسه، أن تكون، في الزمن، صدًى لتلك الأبوّة الوحيدة. فكلُّ تدخُّلٍ من رجل يكون، إذًا، في غير محلّه: لا إرتباط للابن الوحيد، حتّى في ولادته الجسديّة، إلاّ بالآب وحده".

 

النتيجة بالنسبة إلى مريم؟ إبنُها ابن الآب. لقد اشتركت في الخصب الإلهيّ، إنّما الآب يَلِد في الأزل وبحسب الطبيعة الإلهيّة، ومريم تَلِد في الزمن وبحسب الطبيعة البشريّة. وهكذا انعقد بين مريم والآب رباطٌ خاصٌّ جدًّا يفوق ما يربط بين الآب وجميع الخلائق البشريّة الأُخرى، إلى حدّ أنّه من الآباء مَن تجاسر ودعا مريم "قرينة" الآب، حتّى لو في هذا القول ما قد يحمل على الإعتقاد الباطل بأنّها تُساهِم في الولادة الأزليّة للكلمة!...

 

 

خلق جديد

في نظر القدّيس بولس (روم 5/ 12 - 21، 1 قور 15/ 42 - 49)، يسوع المسيح هو آدم الجديد الذي بَرَّر كلَّ البشر، فيما آدم الأوَّل جعل منهم خطأة. فمن المسيح نرث، بالقيامة، جسدًا روحانيًّا غير قابلٍ للإنحلال والفساد، فيما كنّا نرث من آدم الأوّل جسدًا حيوانيًّا قابلاً للإنحلال والفساد. في هذا التقارُب بين الإنسان الأوّل والمسيح، يرى الآباء، أيضًا، تقارُبًا بين تكوين آدم والحبل البتوليّ بالمسيح.

 

يقول إيرينايُس: "جوهر الإنسان الأوَّل من إرادة الله ومن أرضٍ بِكْر... فلمّا أراد الربّ أن يجمع في ذاته ذلك الإنسان، إلتزم نظام الجسدانيّة (corporéité) نفسَه، فوُلِد من بِكْر، بإرادة الله"... ويقول أمبروسيوس: "وُلِد آدم من أرضٍ بِكْر، والمسيح من بتولٍ بِكْر. كُوِّنَ آدم على صورة الله، والمسيح هو صورة الله"... وبالإستناد إلى أمبروسيوس، يقول مكسيموس التُوريني: "أراد المسيح أن يتشبَّه كلّيًّا بآدم في ولادته: وُلد آدم من أرضٍ بِكْر، والمسيح من بتولٍ بِكْر... كُوِّنَ آدم من طينٍ جَبَلَهُ الله بيديه، والمسيح كُوِّنَ في الحشا بروح الله. فالإثنان، إذًا، كان الله لهما أبًا، وكانت البِكْرُ أُمًّا. كلاهما، كما يقول الإنجيليّ، ابن الله"... توما الأكويني يتناول أيضًا الفكرة نفسها (In Romanos, c.5 lectio quarta).

 

فمِن آدم الجديد هذا يرث الشّعبُ الجديد البِرَّ بدلاً من الخطيئة، والحياة بدلاً من الموت. والمسيح الذي ليس هو "لحمٌ ودمٌ لا يستطيعان أن يرثا ملكوت الله" (1 قور 15/ 50)، كان أوَّل الدّاخلين إلى السّماء، فأصبح بِكرَ ذُرّيّةٍ جديدة. آدم الجديد هذا كان أكبرَ عطيّةٍ من الله للبشر.

 

 

العذراء ومساهمة الإنسان

نقول في قانون الإيمان: "وتجسَّدَ من الرّوح القدس ومن مريم العذراء". هذه العبارة، إن دلّت في القسم الأوّل منها على دور الله الفائق في الحبل بالكلمة وتجسُّدِه، فهي تدلّ في القسم الثاني على دور الإنسان المتمثِّل بشخص العذراء. إنّها، على حدّ قول اللاهوتي الكبير البروتستانتي كارل بَرْث، تعني أنّ "يسوع المسيح هو ابنُ أمٍّ حقيقيّة، كما هم سائر الأبناء كلِّهم وسائرُ الأُمّهات كلّهنّ. فهو قد وُلد من جسد أمّه، من لحمها ودمها".

 

أمّا دور مريم فكان أن تقبل من الله، وباسم الجنس البشريّ، نعمة التجسّد الخلاصيّ، أن تتقبَّل، بملء الحرّيّة، الخلاص من يد الإله القادر على كلّ شيء... غيابُ الرّجل عن مسرح الحدث دلالةٌ كافية على مجّانيّة التجسّد الخلاصيّ. إن كانت مريم هي حوّاء الجديدة، فإنّ آدم الجديد، هنا، ليس هو يوسف، بل المسيح بِكرُ أخوةٍ كُثُر. هنا، وحدها مريم تُمثِّل الجنس البشريّ. هنا وحدها امرأةٌ تتكلّم باسم الجميع وتتعاون مع الله. ولمّا كان أنّها عذراء، فهي متأهِّبةٌ تمامًا لذلك التعاون، وما من عائقٍ يحول دون العهد والزّفاف بينها وبين الله.

 

 

تجسُّد حقيقيّ

والحَبَل البتوليّ يبيّن أخيرًا أنّ تجسُّد الكلمة تجسّدٌ حقيقي: "والكلمة صار جسدًا"، لا الجسد صار كلمة. فليس التجسّد حركةً إرتفاعيّة. التجسّد حركةٌ إنحداريّة: "هو القائم في صورة الله، تجرّد من ذاته آخذًا صورة العبد، وصار على مثال البشر... فوَضَعَ نفسه" (فيل 2/ 6 - 7). التجسُّد حركةٌ إنحداريّة تستولي على الجسد لتحمله إلى الدّائرة الإلهيّة: "لذلك رفعه الله رِفعةً فائقة، وأنعم عليه بالإسم الذي يفوق كلَّ إسم". فلولا الحبلُ البتوليّ لمّا "صار الكلمة جسدًا" ("صار"، أي "تحوّل"، إن جاز التعبير)، بل لكان تجسُّدُه حلولاً في كائنٍ بشريّ سابق الوجود، في شخصٍ بشريّ، كما كان نسطور يدّعي.

 

وقُصارى القول، إنّ الحبل البتوليّ يعني، أوّلاً أنّ حياة يسوع الزّمنيّة تتأصّل في الله. ثانيًا، أنّ مساهمة الإنسان في التجسّد كانت في تقبُّله عطيّة الله هذه، لأنّه عاجز، من تلقاء نفسه، عن تحقيق الخلاص. ثالثًا، أنّ يسوع هو حقًّا إنسان مولود من امرأة. رابعًا، أنّ الجسد ليس شيئًا محتقرًا طالما أنّ الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس قد تجسّد في جسد مريم ومنه.

 

 

جميل نعمةالله السقلاوي

مرسل لعازريّ

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية