أبعاد سرّ الإنتقال

 

أبعاد سرّ الإنتقال

 

 أبعاد سرّ الإنتقال

 

أوّلاً - بالنسبة إلى مريم

يقول يوحنّا بولس الثاني: "في سرّ الفداء يتجدّد ملكوت الله، ذلك الملكوت الذي انطلق بالخلق نفسه، ثمّ أُصيب بالخطيئة في قلب الإنسان. مريم، أُمُّ الفادي، هي أوّل من اشترك في ملكوت المجد والاتّحاد بالله في الأبديّة...، بفضل استحقاقات المسيح الفادي. والحال، إنّ سرّ الفداء هو أساس تجدُّدِ التاريخ في ملكوت الله. هذا هو معنى انتقالها إلى السّماء: ولادتُها في السّماء، نفسًا وجسدًا".

 

فأبعاد هذا السرّ هي بالنسبة إلى مريم:

 

 

 

إلتقاء واتّحاد

مريم تلتقي بابنها من جديد وتتّحد به إلى الأبد، دون ظلالٍ ولا غموض. كانت تعرف ابنها من خلال علامات غامضة ومحدودة: كلمة، حركة، تصرُّف. فها هي الآن تعرفه وجهًا لوجه، بطريقةٍ ساطعة. كانت، كما يقول الأب لورَنتين، "تعرف لاهوته من خلال ناسوته، فها هي الآن تعرف ناسوته من خلال لاهوته".

 

 

مشاهدة طوباويّة

لمّا كانت شدّة المشاهدة الطوباويّة تتناسب ومقدارَ المحبّة المبرِّرة ساعة الموت (توما الأكويني)، ولمّا كانت مريم قد بلغت في المحبّة، ساعة موتها، ما يفوق محبّة جميع الملائكة والقدِّيسين، فإنّ المشاهدة الطوباويّة قد بلغت فيها، من الشدّة والكثافة، ما يفوق بكثير ما قد بلغتْه في جميع الملائكة والقدِّيسين.

هذا لا يعني أنّها تعرف، مثل الله، جميع المُمكنات (ينبغي لذلك أن تُدرك تمامًا جوهر الله، وهذا مستحيل)، إنّما هي تعلم تمامًا كلَّ ما شاركتْ فيه على الأرض، أي كلّ ما يتعلَّق، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً، بالبشريَّة التي افتداها ابنها يسوع.

 

 

هالة المجد

لمّا كانت مريم على الأرض في كمال البتولة، ولمّا ساعدت الرّسل والمؤمنين الأُوَل بأنوارها ونصائحها، ولمّا تحمّلتْ ما تحمّلته أثناء آلام ابنها إلى حدِّ أنّها، لولا العونُ الإلهيّ، لكان يُقضَى عليها...، فإنّها تتمتّع الآن بهالةٍ من المجد مُثلَّثة: هالة البتولة، وهالة التّعليم، وهالة الإستشهاد.

إلى ذلك، فهي تتمتّع بهالةٍ رابعة هي هالةُ المَلَكيَّة على مجموع المختارين، لأنّها أُمُّهم جميعًا. هذه المَلَكيَّة ليست شرفيّة، بل فعليّة. هذا هو معنى عبارَتين تستعملها اللّغة اللاّهوتيّة، كما واستعملها بيوس التاسع في براءته Ineffabilis Deus  (8/ 12/ 1854): "مريم تعتلي عرشًا إلى يمين ابنها الإلهيّ"، "مريم تؤلِّف نظامًا خاصًّا يفوق بكثير نظامَ الملائكة وسائر القدّيسين".

وأمّا الهالة الأجمل والأبهى فهي المنبثقة من كونها أُمَّ الله. هذه الأُمومة تستحقّ لها مجدًا فريدًا يميّزها عن جميع الملائكة والمختارين، وتشهد لامتيازاتها الفائقة، كما ولتفوّقها السّامي على عالم الملائكة والبشر.

 

 

 

 

ثانيًا - بالنسبة إلينا

يقول المفكّر البيزنطيّ بول أفدُوكيمُوف: "خُلِقَ العالم لكي تتألَّه الخليقة. هذا المصير العامّ قد استُبِقَ تحقيقُه في العذراء. إنّها صورته المُسبقة النّموذجيّة... هذا وفي نطاق النّموذج المثاليّ للقداسة، ولتحقيق الذات الإنسانيّة، إنّ أُقنوم المسيح الإلهيّ يقابله أُقنوم الـ"طيوتُوكوس" الإنسانيّ. هذا ما يفسّره الفنّ الأيقونوغرافي عندما يقابل، من زاويةٍ إزائيّةٍ وجنبًا إلى جنب، بين أيقونة صعود المسيح وأيقونة انتقال العذراء، أي الإله الذي تأنْسَنَ، والإنسان الذي تألَّه. الأمر الذي يوضح القول المأثور عند الآباء: "صار الله إنسانًا، ليصير الإنسان إلهًا..." وعليه، فإنّ مريم هي حقيقةُ الخليقة المكتملة. انتقالها يُقفل أبواب الموت، وخَتْمُ الـ"طيوتُوكوس" يُوضَع على العدم الذي خُتِمَ من الأعلى بالإله الإنسان، ومن الأسفل بأوّل خليقة قد أُقيمتْ من القبر".

 

فبالنسبة إلينا، انتقال العذراء هو:

 

 

إستباقٌ للمصير

إنتقال العذراء إلى السّماء بالنّفس والجسد، استباقٌ لمصير جميع الصدِّيقين. هذا ما يُحْيي فينا الأمل بتحقيق تمجيدنا الأبديّ، نحن الذين لهم مع المسيح شركة "في اللّحم والدمّ" (عب 2/ 14)... وفي الحال إنّ انتقال العذراء دلالةٌ هو على أنّ المسيح يلتزم مصير الكنيسة حتّى النهاية، في الموت وفي القيامة. ما قد جرى لمريم عنوانٌ لما سيجري لنا، أي هبة الله ذاته للبشر، تلك الهبة التي تفعل منذ الآن في التاريخ البالغ "آخر الأزمنة". فالكنيسة، في مريم العضو الأوّلِ الذي ما زال يسبقها، تبلغ النهاية والرّاحة والامتلاء، أي الحضور الجسديّ النهائيّ إلى جانب المسيح القائم من الموت: "أيّها الآب، إنّ الذين أعطيتني، أُريد أن يكونوا هم أيضًا، حيث أكون أنا" (يو 17/ 24).

 

وقـُصارى القول، يعني انتقالُ العذراء أنّ العودة إلى الله، تلك التي اكتملت في إنسانيّةٍ إلهيّة (إنسانيّة المسيح)، قد اكتملت أيضًا في إنسانيّةٍ كلُّها بشريّة (إنسانيّة مريم)، وسوف تكتمل فينا.

 

 

متى يكون لنا هذا التمجيد الجسديّ؟ لمّا كان أنّ بيوس الثاني عشر لم يُوضِح، في إعلانه، أنّ الإنتقال يتعلّق بامتيازٍ فريد قد مُنح للعذراء، فإنّه ترك المجال حُرًّا للنظريّة القائلة إنّ التمجيد الجسديّ قد يلي حالاً ساعة الموت. هذا ما حاول كارل رَهنر (Rahner) إثباته، بالإستناد إلى كون دخولِ المسيح في المجد الأبديّ قد أقام جماعة المُفتدين الجسديّة، وإلى كون "القبور قد تفتّحت" عند موت المسيح، كما جاء في إنجيل متّى، وقام "كثيرون من القدِّيسين الرَّاقدة أجسادُهم فيها"... هذه النظريّة، رَفَضَها بشدّةٍ لاهوتيٌّ آخر كبير، سْخيلبِكس (Schillebeeckz)، ولكن دون أن يناقش حيثيّاتها.

 

 

 

تواصُل دور مريم الأُموميّ

يشهد الأسقف غْرُوار (+ 1931)، من جمعيّة المنذورين لخدمة مريم البريئة (Oblat de Marie Immaculée)، ويقول: "كنتُ في العاشرة، وكنت أُسبِّب لأبي الكثير من الغمّ والحزن، بطيشي الكبير، حتّى أنّه - على الرّغم من كونه شرطيًّا - قد يَئِسَ منّي... أحدَ الأيّام، إذ كنت قد تغيّبت عن المدرسة لأتسكّع و"أتشيطن"، قبض عليّ وقادني إلى الكنيسة. ضغط عليّ من ذراعي وأركعني أمام مذبح العذراء، ثمّ قال: "يا عذراء، إنّه لك. حاولي أن تصنعي منه شيئًا. فأنا قد يئست".

 

 

"يبدو أنّ طلبه قد استُجيب، إذ إنّي بعد قليل قُبِلتُ في المدرسة الإكليريكيّة الصّغرى... ولمّا، بعد عشر سنوات، أعلمتُه بأنيّ ذاهب للرّسالة في كندا، لم يستطع إلاّ أن يشهق ويقول: "ولو... يا عَدْرا! ضروري تِقْبَضِيها بجدّ، لهالحدّ؟".

 

"وإنّي إن اتّخذتُ لي شعارًا، يومَ سيامتي أُسقفًا، العبارة "تحت ذيل حمايتك"، فاستذكارًا لذلك المشهد".

 

 

 

يقول بولس السَّادس، في "فعل الإيمان" الذي كتبه، إنّ مريم "تُواصل في السَّماء دورها الأُموميّ حِيالَ أعضاء المسيح، بمساهمتها في ولادة ونموّ الحياة الإلهيَّة في النّفوس المفتداة"... ويَنقُل لويس ماري غْرينيون دي مُونفُور عن القدّيس أغسطينوس قوله إنّ جميع المختارين، حتّى يكونوا على صورة ابن الله، هم مُحتجَبون، أثناء وجودهم الدنيويّ، في حشا مريم حيث يُحفظون ويُغذَّون، ويُعتنى بهم، ويُنَمَّون على يد الأُمّ الحنون، إلى أن تلدهم في المجد بعد موتهم، ذلك الموت الذي هو فعلاً وحقًّا يومُ ولادتهم، كما تسمّي الكنيسة موتَ الأبرار".

 

 

تلك الأُمومة التي تأسّست يوم البشارة، ثمّ تكرّست على الجلجلة، وأصبحت نافذةً يوم العنصرة لمَّا انطلق نظام النّعمة، والتي عاشتها مريم في الظلام، لقد أصبحت واعيةً في السَّماء، وأصبحت مريم تعرف أبناءَها فرديًّا وشخصيًّا.

 

 

لهذا السَّبب استطاع أحد الكتّاب الرّوحيِّين أن يضع على لسانها كلامًا مثل هذا: "إنّي أُفكّر فيك في الأبديّة، ولا يسعني أن أحوّل تفكيري عنك. إنّك، في الواقع دائمًا أمام ناظريَّ. إنّي أعرفك أحسن ممّا تعرف نفسك. إنّي حاضرةٌ إليك أكثر ممّا أنت حاضر لنفسك". ثمّ يعلّق قائلاً: "إنّ ذلك لَمِن الأمور التي تفوق الإدراك... ولكن، أين العجب؟ إنّه سرّ الإشتراك في الفكر الإلهيّ... عندما يبلّغ الله فِكرَه فكرَ مريم، يمرّ في عقل أُمّنا السّماويّة واقعُ الأمور كلُّه، ويتهافت عليها عالمُها كلّه".

 

 

لكنّ الأمومة ليست فقط بالمعرفة، بل بالفعل أيضًا والعمل. فماذا تفعل لنا مريم في السَّماء؟ مسألة صعبة ومُختلف عليها. فالموضوع يتعلّق بالقدرة الكلّيّة التي لمريم.

 

الشفاعة المريميّة الكلّيّة القدرة

 

 

شفاعة مريم كلّيّة القدرة. هذا ما يشهد له التقليد المسيحيّ بوضوح:

1- هذه الشفاعة موضوع الإيمان في الكنيسة، منذ القِدَم، شرقـًا وغربًا. وهي دائمًا مرتبطة، عند الآباء والملافنة، بأُمومة مريم الإلهيّة.

في الشّرق، يقول مار أفرام إنّ العذراء مريم، بصفتها أُمَّ الله، قادرةٌ على كلّ شيء، ولها على ابنها تأثيرٌ كبير...

والقدّيس أندراوس الكريتي: لأنّها أُمُّ يسوع، تستطيع مريم أن تثنيه بصلواتها، فتنال منه ما تريد...

 والقدّيس جرمانوس القسطنطينيّ: لمريم على الله سلطة أُموميّة، فهو لا يستطيع إلاّ أن يستجيبها في كلّ شيء، من أجل الكلّ وفي الكلّ...

والقدّيس نيسيفورُس: لشفاعة مريم لدى ابنها الإلهيّ قدرةٌ أكيدة، بسبب "حريّة كلامها معه".

 

 

 

في الغرب، يعتقد القدّيس أنسِلم أنّ أُمومة مريم الإلهيّة تجعل قدرةَ شفاعتها تفوق شفاعة سائر القدّيسين كلّهم الذين، إن صلّوا، فبالإتّحاد معها...

ويؤكّد تلميذه إيدمر، بصراحة، أنّ يسوع، ابنَ مريم العطوف، مستعدٌّ أبدًا لمنحها كلّ ما تريد...

ويؤكّد جُوفْروا دي فَنْدوم أنّ مريم لن تُخْزَى في حقّها الوالديّ...

ويقول القدّيس برنردُس إنّ الابن لا يستطيع أن يردّ طلب أُمّه، ولا الآبُ طلبَ الابن...

ويقول نيقولا دي كْليرفُو إنّ الله قد أنعم على مريم بكلّيّة القدرة. فهي تتقدّم من ابنها "لا متوسّلةً بل آمرةً، لا خادمةً بل سلطانةً"...

ويقول توما الأكويني إنّ المرء يستطيع، في جميع المخاطر، أن يتأمّل الخلاص من اُمّ الله، والمعونة من أجل كلّ عمل صالح...

ويقول القدّيس بُونفنتُوره إنّ المسيح لا يستطيع إلاّ أن يستجيب أُمَّه...

هذا من حيث العقيدة. أمّا من حيث طبيعة هذه الشفاعة، فإنّهم يربطونها بالمسيح الذي هو المصدر الوحيد، والعلّة الإستحقاقيّة لكلّ النّعم. أمّا مريم فإنّها، مثل القناة، تُوصِل إلينا النّعم الملتمسة (تْرُومْبلّي)... كما ويقولون إنّ يسوع قادرٌ على كلّ شيء، من جرّاء طبيعته. أمّا مريم فمن جرّاء نعمةٍ مجّانيّة، الأمر الذي يعني أنّها تنال، بصلواتها، كلّ ما تشاء (ألفونس دي ليغُوري).

ولْنلحظ أنّ هذا التّعليم التقليديّ قد أكّده مرارًا، في التّعليم العاديّ، بيوس التاسع ولاون الثالث عشر وبيوس العاشر... وإن سألنا اللاهوت المعاصر، قال إنّ "قدرة الله كائنةٌ في مريم بفضل الرّوح القدس القائم فيها، وبفضل أُمومتها الإلهيّة. فعندما تصلّي مريم من أجلنا، هو الله من يصلّي. وعندما تستجيب صلواتنا، هو الله - في مريم - من يتعطّف بلطفه على أبنائه" (لِيُونَردُو بُوف، م 27/ 86).

 

 

 

 

2- هذه الشفاعة نافذة. لأُمّنا السّماويّة شفاعةٌ شاملة، حيّة ونافذة. فرغباتها رغبات الله نفسه. وإنّه من المُضحك إقامةُ التعارض بين "العدل" الإلهيّ و"الرّحمة" المريميّة... رحمة مريم نافذة لأنّها تعبّر عن رحمة الله.

قد يعترض أحدهم ويقول: "في هذه الحال، لا داعي لشفاعة مريم". كلاّ!.. صحيح حقًّا أنّ الله ليس في حاجة إلى أحد. إنّما الصّحيح أيضًا هو أنّه أراد، في لطفه، أن يُشرك البشر في الفداء ونيل نعمه، حتّى وأن يقوموا بأعمال "أعظم" من أعماله هو (يو 14/ 12). وعليه، يقول الأب لورَنتين، "فكما أنّه من المسيح ينطلق النَّغَمُ التوافقيّ (harmoniques) الذكوريّ، هكذا ينطلق، من قلب مريم، النَّغَمُ التوافقيّ الأُنثويّ... ولذا، فإنّ الله يولي أهميّة كبرى لشفاعةِ إنسانيّة المسيح المقدّسة، وللعذراء المتّحدة به اتّحادًا وثيقـًا ومنسجمًا". ذلك أنّ رغبات مريم هي انعكاسٌ لرغبات الله، وهو يريد أن يستجيب شفاعتها.

 

هل يعني ذلك أنّ مريم تشفع، ثمّ تنتظر لتُعاين ظهورَ قدرة الله؟ كلاّ! فإنّ المشاهدة الطوباويّة تقتضي الاتّحاد والمشاركة في النيّة كما في الفعل. فلمّا كان أنّ نوايا الله ونوايا مريم غيرُ منفصلة، فإنّ عملهما أيضًا غيرُ منفصل: بينهما اشتراكٌ تامّ وتداخُلٌ كلّيّ. ولذا، فكما أنّ النيّة الإلهيّة تحرّك، من الداخل، شفاعة مريم، هكذا أيضًا قدرة الله هي في داخلها، فتجعلها تنال المبتغى.

 

عندما تحدث أُعجوبةٌ بشفاعة مريم، أيكون بفضل حبّ الخالق الكائن في صميم الخليقة، أم بفضل حبّ مريم المُضاف إلى حبّ الله أو المُجانِب له؟ جواب الإيمان واضح: ألله وحده - هو العلّة الأُولى - كلّيّ القدرة على العِلَل الثانية. لكنّ الله أراد، في ملكوت المحبّة، أن يُشرك القدّيسين في جوده وحنانه، فينالوا من الإله الحرّ نِعمًا يوصلونها إلينا.

 

 

وعليه، فإنّ حنان العذراء ليس مُضافًا إلى حنان الآب والابن والرّوح، ولا مُجانبًا له. لكنّ الله الفائق التصوّر، وصاحب الهيبة التي قد تُخفينا نحن أبناءه المساكين، يفضّل أن يُظهر لنا حنانه في جوّ من الحنان الأُموميّ. وإنّ المسيحيّين الذين يعيشون هذه الحقيقة، يعيشون في الفرح والسّعادة. فهم ليس لهم فقط أبٌ في السّموات، بل وأمٌّ على الأرض. ومن لا يصدّق، فلينظر إليهم وهم يعودون من مزار لورد المريميّ، هادئين واثقين، حتّى لو لم "يُستجابوا".

هذا وكما أنّ مريم حاضرةٌ لله، هي أيضًا، مثل الله، حاضرةٌ للبشر. هذا ما قد اختبره العديد من المسيحيّين. وأوّل من تحدّث عن ذلك هم الوعّاظ البيزنطيّون. يقول القدّيس جرمانوس القسطنطيني: "كما أنّكِ مكثتِ جسديًّا مع البشر في الماضي، هكذا تعيشين معنا بالرّوح. وإنّ الحماية التي تشمُليننا بها، علامةٌ هي لحضورك في ما بيننا"... والقدّيس يوحنّا الدّمشقي: "لقد خَلَبَتْ روحي وفَتَنَتْ لساني. وإنّي أتخيّلها ليلاً ونهارًا"...

 

وفي الغرب، يقول بيار دَمْيان: "لطيفٌ هو ذكرها، بَيْدَ أنّ حضورها ألطف"... وتقول ماري كْلير أرنُو من راهبات بُّور رْويّال: "غالبًا ما أكون منشغلة بها وعائشة في ظلّها"... وتقول ماري كُوليت قلب يسوع: "إنّها لا تُبارحني. وإنّي أشعر بحضورها وشفاعتها، وإن تكن غير منظورة"... كما ويقول فينيرابل سآستك (Vénérable Cestac): "إنّي لا أراها. لكنّي أشعر بها، كما تشعر الفرس بيد الفارس الذي يقودها".

 

كم من مرّة اختبر المسيحيّون هذا الشعور بحضورها! يتعلّق الأمر، أغلب الأحيان، بنعم شفاءٍ قد نالوها بفضل ثقتهم بتلك الأُمّ الحنون. يستطيع المرء، حقًّا، أن يطعن بصحّة "الأُعجوبة". ولكن، إن هو رَضِيَ بأن يضع نفسه، من الدّاخل، محلَّ مَن أُسعِدوا بتلك النّعمة، فهو لا ريب قد يدهش للمصادفة المؤثّرة: الأمور لم تتحسّن إلّا بعد أن صلّوا للسيّدة العذراء!.. حقًّا، إنّ للأسباب الطبيعيّة والإنسانيّة دورًا لا يُنكَر (عمل الأطبّاء مثلاً)، لكنّ المؤمن يميّز، وسط ذلك، حضورًا للحبّ الإلهيّ...

 

 

 

وقُصارى القول، إنّ مريم، بموجب أُمومتها الإلهيّة، تنال لا محالة من ابنها كلَّ ما تتوسّط من أجله... وإنّ يسوع، بموجب حبّه لأُمّه، لا يستطيع أن يرفض ما تطلبه بصورةٍ مطلقة... أمّا الطلبات التي نتقدّم بها منها، فلكي تُستجاب ينبغي:

- أن تُقدَّم بحرارة وثبات...

- أن تُعتَبَر للخير الرّوحي...

- أن لا يعاند المعنيُّ بالصلاة، فيرفض الخير الرّوحي المطلوب...

وإن سُئِل ما الفرقُ بين شفاعة مريم وشفاعة سائر القدّيسين، قُلْنا إنّ تلك تشمل - دون تحفّظ ولا استثناء - جميع الحاجات وجميع البشر. أمّا هذه فهي محدودة، وينبغي لها أن تستند إلى شفاعة العذراء.

وإنْ شكَّ أحدٌ في مبرّرات الطلب في الصَّلاة، لأنّ "الآب يعلم بما نحتاج إليه قبل أن نسأله" (متّى 6/ 8)، فلْيعلم أنّ صلاة الطلب تُظهر وتغذّي الثقة، والإيمان، والقُرب، والتبادل، والإشتراك في العمل الخلاّق، والاتّحاد، والتوكُّل، والتضامن البشريّ... المسيح نفسه، ألم يصلِّ ويطلب؟ ألم "يقرِّب تضرُّعاتٍ وابتهالاتٍ، في صُراخٍ شديد ودموع، إلى القادر أن يخلّصه من الموت" (عب 5/ 7)؟

 

 

 

تذكير بحقائق ضروريّة

انتقال العذراء يعني أخيرًا، بالنسبة إلينا، تذكيرًا لحقائق ضروريّة في عصرنا:

يقول بولس السّادس: "تعرض مريم، على الإنسان المعاصر، رؤيا صافية وكلامًا مُطَمْئِنًّا: انتصار الأمل على القلق، والاتّحاد على العزلة، والسّلام على الاضطراب، والفرح والجمال على القرف والغثيان...، والحياة على الموت".

 

وعليه، فإنّ سرّ الإنتقال:

 

- يفتح آفاق السّماء، عندما يُقْصرون المصيرَ البشريّ على الدّنيا الزائلة.

 

- يؤكّد نجاحَ النّعمة نجاحًا تامًّا، حتّى على الصّعيد الجسديّ، عندما يشكّون في الإنسان.

 

- يحرّك الأملَ في أنّ صلبان الحياة ستكون دربًا إلى المجد، عندما يتعذّب المرء في جسده ومن جسده.

 

- يذكّر بأنّ الجسد هو هيكل الرّوح القدس، وأنّ الله يريد أن يمجّده تمامًا كما يمجِّد النّفس التي يحملها، عندما ينغمس المرء في عبادة الجسد حتّى التدنيس.

 

- وعندما، بالعكس، يتجاهل المرءُ جسدَه أو يحتقره، يُعلِن سرُّ الإنتقال كرامة الجسد الفائقة: فهو ليس ثوبًا يهترئ فيُطرَح، بل هو ما يجعلنا من نحن، لأنّه لنا أداةُ وَصْلٍ واتّصال مع الإنسان ومع الله. للنّعمة بُعْدٌ جسديّ، ولذا فقد اتّخذ الله نفسُه جسدًا، فكان يطالنا بجسده، ما بين الجليل واليهوديّة، وهو لا يزال يطالنا اليوم بجسده الإفخارستيّ، في كلّ مكان، ويحوّلنا ويجدّدنا... لا، ليس الجسد شيئًا محتقرًا. وجسدُ مريم "لم يكن رفيق حياتها المادّيّ، بل كان قُماشَ بهائها".

 

 

- وعندما يتضايق المرء من ذاته، عندما يرفض ذاته، عندما تنال منه ظُلُماتٌ خفيّةٌ ولا إراديّة، من جرّاء إعاقاتٍ مؤلمة، يشهد سرُّ الإنتقال أنّ مجال فعل الرّوح القدس هو ما نحن، كما نحن. ألم يقل القدّيس بولس إنّ "الله، في كلّ شيء، يسعى لخير الذين يحبّونه" (روم 8/ 28)؟... فعندما نرزح تحت ثقل الأوجاع والعاهات والمشقّات، يذكّرنا انتقال أمّ الأوجاع أنّ السّلام في أن نتقبّل حدودنا "فنبلغ الكمال، بما نتألّه"، على مثال المسيح الذي تألّم "مع كونه ابنًا" (عب 5/ 8 - 9).

 

 

- وعندما أخيرًا تحُطّ فكرةُ الموت قوى المرء المعنويّة، يبيّن لنا انتقال مريم أُمِّنا أنّ الموت ليس "فزّاعة" أو "بُعْبُعًا" بل هو إشراقُ أنوار الحياة الأبديّة.

 

 

في الموت، هي الزهرة تُصبح ثمرة. انطلق جان غيتُون من هذه الفكرة، ليقول: "كثيرًا ما تتلاقى الفلسفة المعاصرة مع فكرة التكامل (intégration) والتسامي (sublimation). فالثمرة لا تُتلِف الزهرة، بل تكمّلها. تتجاوزها، ولكنّها تجدّدها. تحُلّ محلَّها، ولكنّها تتسامى بها. ما كان في الزهرة يتّخذ، في الثمرة، مصيرًا أسمى وأكثر ضرورة. وعليه، فعندما نتكلّم على قيامة الأجساد، فكأنّنا نقول: "أؤمن بأنّ ما من شيءٍ فيّ، ما من شيء على صعيد الجسد، هذا الجسد القابل للفساد، هذا الوجه وهاتين اليدين... ما من شيء لي على صعيد الذكريات التاريخيّة، وصعيد الطبيعة والسجيّة والذوق والخصائص والرّسالة، ما من شيء من كلّ ذلك يزول ويُمَّحى، بل أنّ كلّ ذلك (وليس فقط ما يتعلّق بالنّفس أو الرّوح أو "الأنا") سوف يُستعاد ويجدَّد، دون أن يُخلَع، في شكلٍ من الوجود يفوق التصوّر. وهكذا، فليست هي النّفس وحدها ما يدخل الأبديّة...، بل الجسد أيضًا، أي غلاف النّفس. هذا ما نقرأه على اللّحود: Vita mutatur, non tollitur، إنّ للحياة تحوُّلاً لا فناءً. هذه الأفكار كلّها، يُعبَّر عنها بكلمةٍ واحدة: "الإنتقال".

 

 

 

 

"مريم، مَن أنتِ؟"

الأب جميل نعمة الله السّقلاوي       

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية