أساس عقيدة الأمومة الإلهيَّة في الكتاب المُقدّس

 

أساس عقيدة الأمومة الإلهيَّة في الكتاب المُقدّس

 

أساس عقيدة الأمومة الإلهيَّة في الكتاب المُقدّس

 

حتى ننفي عن مريم لقب "أمّ الله" كما يريد النساطرة، يلزم أن يكون واحد من إثنين أي إمّا أن يكون حبلها بيسوع المسيح وإيلادها إيّاه أمرًا موهومًا لا واقعيًّا وحقيقيًّا، على ما ذهب إليه "الأدريون" (gnostiques) وإمّا أن يكون يسوع الذي حملت به العذراء، وولدته ليس هو إلهًا أو على الأقلّ عندما كان في أحشائها الطاهرة لم يكن إلهًا. والحال أنّ كِلا القولين فاسد بشاهد ما جاء في الكتاب الكريم من الآيات التي ولو لم تحدّد تحديدًا صريحًا هذه العقيدة، فمع ذلك تقدّم أساسًا كافيًا لأن ترتكز عليه عقيدتنا هذه الإيمانيّة ولا تتزعزع. وأخصّ هذه الآيات هي التالية:

 

جاء في لوقا البشير (1/ 13) "وها أنتِ تحبلين وتلدين ابنًا وتدعين اسمه يسوع" فمن هذه الآية ينتج:

 

- أوّلاً: إنَّ حبل مريم بيسوع وولادتها إيّاه بالجسد ليس أمرًا موهومًا بل هو شيء واقعيّ ثابت كما يبان من خضوع مريم لأمرٍ سيصير فيها وقد خافت من حدوثه أوَّلا ً ثمَّ أذعنت له لانتفاء ما كانت تخافه. ومن إعلان الملاك ليوسف بعدئذٍ إذ قال له: "يا يوسف بن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتكَ فإنَّ المولود فيها إنّما هو من الرّوح القدس". (متى 1/ 20). ومن حادث ميلاد المسيح الشهير في مغارة بيت لحم في مذود (لوقا 2/ 6 ومتى 1/ 16).

وقد أحسن القدِّيس توما الأكوينيّ بما فسَّر به آية لوقا مبيِّنًا لماذا اقتضى أنَّ ابن الله يأخذ جسمًا بشريًّا حقيقيًّا فقال: "وإنّما قال الملاك "ها أنتِ تحبلين" ليظهر من جهّة سرعة وحصول الحبل في الحالّ ومن جهّة أخرى إنَّ الرَّبَّ اتّخذ أحشاء العذراء النقيّة جسدًا من طبيعتنا وذلك لأنّ الكلمة الإلهيّ أتى ليُصلح الطبيعة البشريّة وولادة الناس وسوابق ولادتهم وعلى ذلك شاء أن تحمله العذراء تسعة أشهر في حشاها ليكون شبيهًا بنا في كلِّ شيء".

 

- ثانيًا: نرى الكتاب المقدَّس يسمّي مريم "أمّ يسوع" أو "أمّ الرَّبّ" كما في قول أليصابات: "من أين لي هذا أن تأتي إليَّ أمُّ ربِّي" (لوقا 1/ 43) وعن المجوس: "وأتوا إلى البيت فوجدوا الصبيَّ مع مريم أمّه" (متى 2/ 11). "وأمّا مولد يسوع المسيح فهكذا كان لما خُطبت مريم أمّه ليوسف" (متى 1/ 18) وفي عرس قانا: "كانت أمَّ يسوع هناك" (يوحنا 2/ 1). وعلى الجلجلة: "كانت واقفة عند صليب يسوع أمّه" (يوحنا 19/ 25). وفي العلّيَّة بعد الصُّعود "كانوا... مع النساء ومريم أمّ يسوع" (أعمال الرسل 1/ 14).  

 

وعليه نقول لمَّا كان الكتاب المقدّس ينسب ما يقال في يسوع كإلى شخص ابن الله الحقيقيّ، أي إنَّ الكلمة المتجسِّد يدعى من جهّة إبن الله وإلهًا بسبب وجوده منذ الأزل في حضن الآب، ومن جهّة أخرى يسمى إبن مريم بما يربط بشريّته من وشائج (قرابة) اللّحم والدّم بمريم، نتج أنّ مريم بحسب الإنجيل هي أمّ أقنوم إلهيّ وبعبارة أخرى أمّ الله لأنّها أمَّ يسوع. وهاك الشهادات البيّنة التي تنطق واضحًا بهذه الحقيقة:

فالقدّيس متّى الذي يتكلّم عن الأقنوم الإلهيّ يعزي إليه حبلا ً وولادة في الجسد إذ يقول: "وكان هذا كلّه ليتمَّ ما قيل من الرَّبِّ بالنّبيّ القائل: ها إنّ العذراء تحبل وتلد ابنًا ويُدعى عمّانوئيل الذي تفسيره الله معنا". (متى 1/ 22) وفي لوقا، الملاك يعلن لمريم أنّها تحبل وتلد "إبن العلّي" "والقدّوس وابن الله" (لوقا 1/ 32-35) وبحسب القدّيس يوحنّا، الكلمة الذي "كان في البدء عند الله وكان هو الله"، هذا الكلمة بعينه "صار جسدًا وحلَّ فينا" (يوحنا 1/ 1 و3 و14) وأين صار الكلمة جسدًا أليسَ في أحشاء البتول؟ وعندما كان حالاً فيها هل تعرّى عمّا كان عليه من اللّاهوت؟ كلا، بل إنّه وُلد منها كلمة إلهيَّة فهي والدة الكلمة الإلهيّة في الزمان.

 

وعلى ذلك قِسْ قول بولس الرّسول "عن ابن الله الذي صار من ذريَّة داود بحسب الجسد". (روما 1/ 3) وكلامه الآخر: "عن المسيح الذي هو بحسب الجسد من بني إسرائيل إنّه على كلِّ شيءٍ إله مبارَك مدى الدهور" (روما 9/ 5). وإنّه "لمّا بلغ ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة" (غلاطية 4/ 4).

 

وقد فسَّرَ أوريجانوس العلاّمة الآية التالية: "لمَّا خُطبت مريم أمّه" (متى 1/ 18) بما يأتي: "أمُّ مَن يريد يا ترى وإلى مَن يرجع الضّمير بلفظة أمّه؟ أفما يريد أمّ الإله الوحيد، أمّ الربّ المكوّن والخالق كلّ شيء، أمّ ذاك الذي هو في الأعالي دون أمّ وفي الأرض من دون أب، أمّ الذي هو في الأعالي وبحسب اللّاهوت في حضن الآب وفي الأرض وبحسب الناسوت الذي اتّخذه هو من حضن الأمّ؟ فيا لها من نعمةٍ عظيمةٍ وعجيبة!" (أوريجان في عظته الأولى على أشياء شتّى).

 

ومن ثمَّ يمكننا أن نستنتج مع القدِّيس توما اللّاهوتيّ: إنَّ مريم بحسب تعليم الكتاب المُقدّس عينه، لها ملء الحقّ بأن تُدعى أمّ الله وذلك بكلِّ معنى الكلمة لأنّها أمّ يسوع الذي هو إبن الله حقـًّا.

 

للأب بولس الخوري م.ل.

مجلّة المنار ة 1931

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية