التقشّف في البتوليّة

أوريجينس وموضوع التقشّف في البتوليّة

 

أوريجينس وموضوع التقشّف في البتوليّة

 

يعرف الناس أهميّة أوريجينس ونفوذه في الفكر اللاهوتيّ الشرقيّ، وخصوصًا في الفكر اليونانيّ، ولكنّ مساهمته في علم اللاهوت المريميّ لم تبرز إلّا قليلًا. فأوريجينس يرى في مريم مثال الذين يسلكون سبيل القداسة. فكان في هذا المعنى رائدًا للعقيدة الروحيَّة في الحلقات التقشّفيّة في القرن الرابع.

 

وُلِدَ أوريجينس في نحو 187 في الإسكندريّة وتوفّي في صور في 253. يعرف الناس الصفة الرمزيّة والروحيّة لتفسيره الكتاب المقدّس. فهو، في هذا الاتّجاه الرمزيّ، يتناول نصوص الكتاب المقدّس المختصّة بمريم ويشرح هكذا عقيدته الروحيّة، وقد صبغتها الأفلاطونيّة الحديثة وازدراء الجسد على نحو شديد جدّاً.

 

فكما أنَّ العذراء مريم تنال بركة الله، فكذلك كلُّ نفس عذراء تشارك في هذه البركة، لأنّ النفس العذراء وحدها تستطيع الوصول إلى الاتّحاد الكامل بالله. وكما أنَّ يسوع يمثـِّل للرجال باكورة البتوليّة، فكذلك تمثـِّل مريم هذه الباكورة للنساء. وهكذا صارت مريم مثال العذارى المنذورات.

 

ومن جهّة أخرى، إنّ أحد موضوعات أوريجينس الكبرى هو موضوع ميلاد الكلمة في النفس بالإيمان، ثمّ موضوع نموّه التدريجيّ. فيسوع حُبِلَ به في مريم، وعلى كلّ مؤمن أن يقتدي به: "فليس في مريم وحدها، بل فيك أيضًا يجب أن يولد كلمة الله". وقال في مكان آخر: "ماذا ينفعني أنَّ يسوع جاء في الجسد الذي تلقّاه من مريم فحسب، إذا كنت لا أظهر أنّه جاء أيضًا إلى جسدي؟". وهكذا فأمومة مريم تقتضي من المؤمن أن يرى كلمة الله يولد في نفسه، الأمر الذي لا يمكن حدوثه إلّا بفعل الروح القدس.

 

ولكن كما أنَّ مريم تقدّمت في الإيمان، فهي أيضًا مثال قداسة، ولا بُدَّ لها من الخضوع لشريعة النموّ التدريجيّ.

وآخر الأمر، لا يُدرك المعنى الروحيّ لإنجيل يوحنّا إلّا الذي رقد على صدر يسوع، واستقبل مريم أمًّا له، شأن التلميذ الحبيب. فإذا أراد أحدٌ فهم الإنجيل، وجب عليه أن يكون يوحنّا آخر، أي أن يكون روحانيًّا: يحيا المسيح في الإنسان الروحانيّ، ولذلك قيل في يوحنّا: "هذا ابنكِ المسيح". لقد صار يوحنّا مسيحًا آخر، ولذلك صارت مريم أمّه أمّ جميع الروحانيّين، وهم، من خلال يوحنّا، يصيرون مسيحًا آخر.

 

يرى أوريجينس إذا  في مريم مثال جميع الذين يريدون اتّباع المسيح. ففي القرن الرابع، بعد مرسوم القيصر قسطنطين في ميلانو في السنة 313 ونهاية الاضطهادات، ازدهرت جماعات رهبان وعذارى منذورات، حلّت عندها حياة التقشّف والزهد محلَّ الاستشهاد. وهكذا صار يسوع ومريم المثالـَـين اللذَين يجب الاقتداء بهما. عرض أثناسيوس على العذارى المنذورات مثال مريم: "لكُنَّ طريقة الحياة التي هي المثال والصورة للحياة الخاصّة بالسّماء". فالمثال الأعلى للحياة الرّهبانيّة ينعكس على شخص مريم: "نظر الله إلى العالم كلّه، فلم يجد إمرأة شبيهة بمريم، فاختارها أمًّا له. فإذا أرادت فتاة أن تُدعى عذراء، فلتتشبَّه بمريم".

 

"خلاصة اللاهوت المريمي"

الأب أوغسطين دوبره لاتور

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية