أيقونة غوادالوبي غير المصنوعة بيد إنسان

 

أيقونة غوادالوبي غير المصنوعة بيد إنسان

 أيقونة غوادالوبي غير المصنوعة بيد إنسان

 

يُعدُّ مصدر أيقونة سيّدة غوادالوبي ووجودها لغزًا كبيرًا. أمّا الإنسان المنفتح على الحقيقة، فإنّه يعرف بكلّ يقين، بعد سنوات طويلة من البحث العلميّ، أنّ هذه الأيقونة قد صنعها الله، غير مصنوعة بيد إنسان.

 

صورة العذراء مريم سيّدة غوادالوبي مرسومة على عباءة هنديّة (تيلما) منسوجة من ألياف الصبّار (ماغوي). وكانت التيلما تستخدم لأغراض مختلفة، فعلى سبيل المثال كانت تستخدم كمعطف وفي اللّيل كلحاف وفي بعض الأحيان كأرجوحة للأطفال. كما كانت تستخدم ألياف الماغوي في صناعة الأكياس والحقائب.

يتحلّل هذا النوع من القماش تمامًا بعد عشرين عامًا من صنعه. ولأنّه يشبه قماش الأشولة فلا يصلح أبدًا للإستخدام في الفنّ التصويريّ. ومع ذلك، فإنّ النسيج في هذه الأيقونة يساهم في إعطاء عمق للصّورة. ألوانه منكسرة تمامًا كألوان ريش الطيور أو أجنحة الفراشات. وبعد ما يقرب من خمسة قرون منذ وجوده لا يوجد به أدنى أثر للبهتان أو لتكسر الألياف، مع أنّ هذا النّوع من النسيج كان عليه أن يتحلّل تمامًا. هذه الحقائق تشهد على حقيقة أنّنا نتعامل مع معجزة واضحة.

 

ولقطع الشكّ باليقين، أجريت في عام 1976 بحوث علميّة لتحديد نوع الألياف التي نسجت به قماش صورة سيّدة غوادالوبي. وقد تبيّن أنّه من الألياف المأخوذة من صبّار "الأغاف". ومن المعروف أنّ القماش المنسوج من هذه الألياف يبدأ في التعفّن ويصبح مهلهلاً تمامًا بعد عشرين عامًا. هذه هي معجزة لا يمكن تصوّرها، فقد طبعت مريم صورتها على أكثر الأنسجة زوالاً والذي يستخدم في صناعة أشولة البطاطس. ومع ذلك، لا يزال هذا القماش بالرغم من مرور عدّة قرون، وعلى عكس كلّ قوانين الطبيعة لم يتهلّل أو يتشقـَّق. وهنا يجب أن نذكر أنّ صورة سيّدة غوادالوبي كانت معرّضة دائمًا للظروف المناخيّة القاسية والمدمّرة منذ وجودها في عام 1531، فالهواء رطب وبه جزيئات ملح، إلى جانب التلوّث بسبب الدخان المنبعث من مئات الآلاف من المداخن والسيارات في مدينة كبيرة كمدينة المكسيك التي يبلغ عدد سكّانها أكثر من 20 مليون نسمة. وبالرّغم من مضي أكثر من 479 عامًا، كانت الأيقونة فيها متاحة للعبادة المتواصلة وبالإضافة إلى ذلك الشموع التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى التي أضيئت أمامها - وكلّها تنتج السخام الأسود والأشعّة فوق البنفسجيّة التي تسبب تلاشي اللّون الأزرق وبهتان الألوان - إلاّ أنّ ألوان أيقونة السيّدة العذراء ما زالت برّاقة، كثيفة جدًّا، كما لو كان وضعت لتوّها. وأكثر من ذلك فإنّ الصورة، لأسباب غير معروفة، لا تحتفظ بجزيئات الغبار أو الحشرات.

 

 في عام 1936 إكتشف البروفيسور ريشارد كوهن، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء أنّ الصورة ليس بها أيّ أصباغ عضويّة أو معدنيّة، والأصباغ المستخدمة في هذه الصّورة ليست معروفة للعلم على الإطلاق. كيف إذن رُسمت صورة السيّدة العذراء؟ أكّدت الفحوص المجهريّة المتكرّرة من خلوِّه من أيّ آثار للفرشاة، لذلك علينا أن نتعامل مع حقيقة لا يستطيع العلم أن يفسّرها.

في عام 1963 أجرى خبراء معامل كوداك الشّهيرة دراسة مفصّلة على صورة السيّدة العذراء، وتبيّن لهم أنّها لم تُرسم بيد إنسان، وأنّ لها كلّ خصائص التصوير الفوتوغرافيّ. أكّد العلماء المختصّون بأنّ الصّورة ليس بها أيّ طلاء، ولا يوجد أيّ أثر لاستخدام المواد الخاصّة بالفنّ التصويري، ومن هنا يكون الإستنتاج المنطقيّ أنّ هذا الرَّسم غير مصنوع بيد إنسان.

 

"كلّ شيء يشير إلى أنّه في الوقت الذي تمّ فيه إنشاء الصّورة، تمّ تصوير الرّجل الذي كان بواجهة السيّدة العذراء والذي ينعكس على سطح القرنيّة بطريقة مباشرة".

صورة مريم تشبه وعاء القربان المقدّس الحيّ، تبيّن لنا موقفها وفلسفتها في ألوهيّة الإبن، الذي تحمله في أحشائها. في وسط الصّورة توجد زهرة الياسمين ذات الأربع ورقات، والتي كانت ترمز للشمس عند الهنود.

 

أيضًا في عام 1979 تمّ فحص الصّورة من قبل عالمَين إثنين من علماء جامعة ولاية فلوريدا، هما س. كالاهان وج. ب. سميث، باستخدام التصوير بالأشعّة تحت الحمراء، وهي أداة البحث القياسيّة في دراسة الصّورة الثمينة. أمّا التقنيّة فهي تستخدم قبل بدء أعمال الترميم، لأنّ الأشعّة تحت الحمراء تظهر الرّسوم المبدئيّة المرسومة قبل وضع الطلاء، يمكن أيضًا تحديد طبيعة خلفيّة الصّورة، وطريقة التكوين، وجميع التعديلات وأيّ تلوين لاحق.

 

ووجد هذان الباحثان أنّ الصباغ الورديّ في الصّورة لم يمنع مرور ضوء الأشعّة تحت الحمراء، وهو ما لا يمكن تفسيره، لأنّ اللّون الورديّ لا ينقل الأشعّة تحت الحمراء. واكتشفا أيضًا أنّ ألوان الأيقونة لا يمكن إعدادها باستخدام التقنيّات المعروفة. لديها ميزات تظهر في الطبيعة فقط في ريش الطيور أو أجنحة الفراشات. وأيضًا أكّدت الدراسات بالأشعّة تحت الحمراء أنّه لا توجد على الصّورة أيّ مؤشّرات على الرّسم التحضيريّ أو إعداد للقماش، وهو أمر ضروري للرّسم على القماش، كما أنّ الصّورة لم تثبت بالورنيش.

 

لا توجد تقنيّات في الفنّ التصويري يمكن أن يوفِّر مثل هذه النتائج. لا يوجد تفسير منطقي لنضارة وسطوع الألوان المستمرّة في الصّورة، على الرّغم من مرور ما يقرب من خمسة قرون منذ وجودها في عام 1531.

يجب علينا أن نتذكّر حقيقتين مذهلتين. الأولى، في عام 1791 عندما سقط من أحد موظّفي البازيليكيّة، عن طريق الخطأ، بعض من النتر على الصورة. وهذا النتر يدمِّر السلّيلوز بسرعة. لكن في الواقع نسيج الصّورة لم يتأثَّر وليس به أدنى أثر للحادث. لا يمكن تفسير ذلك إلاّ بالحماية الإلهيّة الخاصّة لهذه الصّورة. الثانية، أثناء إضطهاد الماسونيّة الدّموي للكنيسة الكاثوليكيّة في عام 1921. فقد زرع الملحدون قنبلة أمام أيقونة السيّدة العذراء ليدمّروها تمامًا. دمّر الإنفجار القويّ المذبح وكسر الزجاج الملوّن، ومن شدّة الإنفجار تقوس الصّليب المعدني الذي كان فوق المذبح، ولكنّ الأيقونة العجائبيّة لم تصبها حتّى خدشة. كانت هناك أيضًا العديد من المحاولات الأخرى لتدمير الأيقونة، ولكن كلّها باءت بالفشل. تمّ الحفاظ على الأيقونة بأعجوبة من العدوان غير العقلاني من المستعبدين من قبل قوى الشرّ.

 

"وفتح معطفه الأبيض، الذي كان يحمل فيه الزهور. (...) وحين رأى الأسقف وبقيّة المجتمعين عجبوا في ذهول وجثوا على ركبهم. ثمّ وقفوا لرؤية العباءة".

لا يمكن تقليدها

تلقَّى الرّسَّام  المكسيكي الشّهير ميغيل كابريرا - مؤسّس أوّل أكاديميّة للرّسم في المكسيك عام 1753 - إقتراحًا لرسم نسخة من سيّدة غوادالوبي للبابا بنديكت الرابع عشر. سُمح له بالإقتراب وبدون أيّ حواجز إلى الصّورة حتّى يمكنه التعرّف على نوع النّسيج والألوان وتقنيّة الرّسم.

 

وجد كابريرا ومعه سبعة من الرّسّامين الآخرين أنّه لا يمكن نسخ هذه الأيقونة العجيبة، يمكن فقط إعادة رسمها مثل البروتريت. بعدما إنتهى كابريرا من أبحاثه قام بتدوين ملاحظاته، وكتب فيها أنّه بفحصه لأيقونة السيّدة العذراء إكتشف فيها وجود العديد من المعجزات، أهمّها متانة النّسيج. فالنّسيج الذي يحمل الصّورة يتكوّن من قسمين متساويين، مخيط بخيط رقيق من القطن الذي يحمل ثقل النّسيج الذي كان عليه أن يبلى بسرعة وسط الهواء المالح والعالي الرّطوبة، وبالرّغم من ذلك لم يبلى. إنّها لحقيقة مثيرة للدّهشة.

 

قال كابريرا أنّ النّسيج لم يتمّ إعداده قبل الرّسم، وهي المرحلة الأولى من أعمال الرّسّام، أمّا الرّسم نفسه فهو تحفة غير مسبوقة لأيّ متذوّق للفنون. وأفاد أنّه في حالة هذه الصّورة، لدينا "نوع من أنواع الرّسم غير معروف سابقًا والذي لا يمكن أن يأتي إلاّ من فرشاة سماويّة، لأنّ الصّورة لا تجمع فقط كلّ المهارات المعروفة في فنّ الرّسم، بل تحتوي فوق كلّ هذا على أربعة أساليب مختلفة من هذا الفنّ: الرّسم الزيتي والألوان المائيّة ونوعين من أنواع رسم التمبرا. كلّ واحدة من هذه الأساليب تحتاج لإعداد مختلف للنّسيج الذي لا يحمل أيّ علامة لإعداده. (...) إنّ هذا العمل يتفوّق على أيّ شيء أبدعه أعظم الفنّانين في أيّ وقت مضى".

 

 

حداقة العين الغامضة

لعب التصوير الفوتوغرافي دورًا هامًّا للغاية في البحوث التي جرت على أيقونة سيّدة غوادالوبي. وكانت أولى الصّور الفوتوغرافيّة العالية قد إلتقطها مانويل راموس عام 1928. وعندما تمحصّها بعناية طبيب عيون من تحت عدسة مكبّرة في عام 1929 لاحظ أنّ حدقة العين موسّعة، وفي لحظة هتف مصدومًا ملقيًا العدسة المكبّرة من يده، لأنّه رأى في عين مريم إنعكاس لعدّة شخصيّات. أصبح من الواضح بالنسبة له أنّه أمام "عيون حيّة" ولا يستطيع إنسان أن يرسم مثلها.

 

هذا الإكتشاف أكّده المصوّر والرّسام خوسيه كارلوس ساليناس شافيز في عام 1951. حينها فقط عين رئيس أساقفة المكسيك لويس ماريا مارتينيز لجنة خاصّة مؤلّفة من العلماء لدراسة هذه الظاهرة. وبعد دراسات لمدّة أربع سنوات نشرت اللّجنة وثيقة في عام 1955 تفيد بأنّ عيون مريم تبدو كما لو كانت حيّة ولا يمكن لأيّ إنسان أن يرسمها. في حدقة عين السيّدة العذراء يمكن رؤية شخص رجل، هو على الأرجح الهندي خوان دييغو، لأنّ وجهه في الصّور التي رسمت له وقت الظهورات مشابه جدًّا للوجه المنعكس في عين العذراء اليمنى.

 

أدّت الفحوص اللاّحقة لعيني مريم التي أجراها طبيب العيون الدكتور خافيير تورويلا - بوينو والدكتور رفائيل توريخا لافوانيه في عام 1956 إلى إكتشاف أنّ الشخصيّات تنعكس على قرنيّة مريم العذراء في كلتا العينين. وقد أجريت هذه الدراسات بإجراء تنظير قاع العين. وحين أعلنت النتائج، قال االدكتور لافوانيه: "في قرنيّة كلتا العينين يوجد إنعكاس لشكل رجل. إنطباق وموقف الصّورة البصريّة مماثل لتلك التي يتمّ إنتاجها في العين البشريّة. إذا تمّ توجيه ضوء منظار قاع العين على الحدقة في عين القدّيسة مريم نرى نفس ما نراه في حال العين الطبيعيّة: فالحدقة تعكس أضواء متناثرة، وتعطي إنطباع بوجود نقش بارز. لا يمكن الحصول عليه على سطح مستوي، كما هو لدينا في الصّور العاديّة. لقد درست العيون في اللّوحات والصّور ولم أرى شيئًا من هذا القبيل من قبل. عيون صورة السيّدة العذراء تعطي إنطباع أنّ الحياة تدبّ فيها".

 

تمّ تأكيد هذه النتائج من قبل الأطباء العلماء الآخرين الذين أجروا في ستينات وسبعينات القرن العشرين تجارب مماثلة. قال البروفيسور برونو بونيه إيمار: "كلّ شيء يشير إلى أنّه في الوقت الذي تمّ فيه إنشاء الصّورة، تمّ تصوير الرّجل الذي كان بواجهة السيّدة العذراء والذي ينعكس على سطح القرنيّة بطريقة مباشرة".

مع المزيد من البحوث العلميّة على عيون العذراء تمّ اكتشاف إنعكاسات في طبقات مختلفة من العين (إنعكاسان إثنان معتدلان مباشران ومرّة واحدة مقلوب بدرجة 1800). وهذا ما يسمّى تأثير بوركينيي سانسون، والذي يحدث فقط في العيون الحيّة.

 

فحص عالم البصريّات الأمريكيّ الدكتور تشارلز واليغ مع علماء من المجالات الأخرى الصّورة مكبّرة 25 مرّة ووجدوا إنعكاسين لوجهين جديدين في عينيّ مريم. تمّ التعرّف على واحد منهما. كان وجهه مشابهًا لوجه خوان غونزاليس (مترجم الأسقف زوماراغا) المرسوم على صورة يرجع تاريخها إلى عام 1533 والتي تمّ العثور عليها قبل عامين.

تمّ إستخدام أحدث التقنيّات الرقميّة لفحص صورة غوادالوبي لأوّل مرّة في عام 1979. وتمّ الإستعانة بنفس الأجهزة المستخدمة لإلتقاط صور الأقمار الصناعيّة من قبل وكالة ناسا. وقد مكّنت هذه الأجهزة من تكبير الصّور 2500 مرّة. لم يتمّ العثور في الصّورة على أيّ آثار للطلاء، ولكن ألوانه ما زالت حيّة للغاية، جديدة وبرّاقة. وهذه المسألة لا يمكن تفسيرها علميًّا. ساعدت التحاليل الدّقيقة المجهريّة المكبّرة 2500 مرّة لأجزاء من قزحيّة وحدقة السيّدة العذراء من التعرّف على مشهد إجتماع خوان دييغو مع الأسقف، عندما ظهرت على عباءة الهنديّ الصّورة العجيبة للقدّيسة مريم. فمن الممكن رؤية مجموعة من النّاس بينهم الأسقف زوماراغا ومترجمه خوان غونزاليس وخوان دييغو وسترته المفتوحة، وهنديّ جالس، ومجموعة من الهنود ومعهم طفل وامرأة وملتحي إسباني وفتاة سوداء البشرة وهلمّ جرّا. تجدر هنا الإشارة إلى أنّه قد عثر مؤخّرًا في محفوظات إشبيليّة شهادة الأسقف زوماراغا التي تحوي معلومات عن خادمة سوداء البشرة إسمها مريم، كان الأسقف قد أعتقها. في عيون السيّدة العذراء تمّ حصر 13 شخصًا. قد كانت هي اللّحظة التي نقرأها في مخطوط Nican Mopohua - وهو أوّل وصف تاريخيّ للحدث: "وفتح معطفه الأبيض، الذي كان يحمل فيه الزّهور. (...) وحين رأى الأسقف وبقيّة المجتمعين عجبوا في ذهول وجثوا على ركبهم. ثمّ وقفوا لرؤية العباءة". 

 

تقول الوثائق التاريخيّة أنّه من الصّباح حتّى المساء كان المبشّرون يعمدون طوابير من الهنود وأعطاهم سرّ الزواج. وعلى سبيل المثال، أشار الأب توربيدو الفرنسيسكاني إلى أنّه وكاهن آخر عمّدا خلال خمسة أيّام 14200 شخص.

 

وهنا يجب إقتباس نصّ خطاب خوزيه أستي تونسمان للردّ على شكوك الصحفيّ الألماني بول بادي: "إذا كان هناك صورة واحدة فقط من هذه "الصّور" لاعترفت بأنّك على حقّ. لكن لدينا هنا صورتان إثنتان من الإنعكاسات في كلتا العينين. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ "الصّور" ليست متطابقة، ولكن الإنكسار ونسبته يتطابقان تمامًا مع ما هو حاصل الآن في عينيك، التي يوجد فيها نوعان مختلفان متطابقان للّقطة من نفس المكان. أيضًا في عيني عذراء غوادالوبي هناك "صورتان" إتّخذتا من زاويتين مختلفتين - تتوافقان مع المتّجه التي تتحرّك إليه الصّورة المرئيّة في نفس زوج العيون. وفي هذا تكمن قوّة الثبوتيّة لهذه الصّور. فوجود صورة واحدة من الممكن أن يكون مجرّد مصادفة أو نتيجة لتفسير متعمد. ومع ذلك، ووقفا لجميع قواعد العقل لا يمكن حدوث مثل هذا الشيء في صورتين. لأنّ الإمتثالات  والتشوّهات التي تنجم عن تقوس القرنيّة في العين معقّدة للغاية. (...) لا يوجد إنسان قادر على رسم مثل هذا الرّسم. ومن الذي من الممكن أن يصنع ذلك؟ ولماذا؟".

 

معجزة من أعظم المعجزات

خلال العشر سنوات التي تلت الفتح الإسباني في عام 1521 وحتّى ظهور السيّدة العذراء على تلّة تيبييا، لم يتمكّن المبشّرون الإسبان من تعميد سوى عدد قليل من الهنود. ولكن، بعد ظهورات السيّدة العذراء في عام 1531، في غضون بضع سنوات كان عدد المتعمّدين من الهنود الأكبر في تاريخ البشريّة، فقد كانوا في أغلب الأحيان يحملون العداء لدين وثقافة الغزاة الإسبان، وبفضل ظهورات السيّدة العذراء وصورة غوادالوبي العجائبيّة تمّ تعميد 9 ملايين شخص في 7 سنوات وأصبحوا ممارسين للكاثوليك بجديّة وأمانة. وتقول الوثائق التاريخيّة أنّه من الصباح حتّى المساء كان المبشّرون يعمدون طوابير من الهنود وأعطاهم سرّ الزواج. وعلى سبيل المثال، أشار الأب توربيدو الفرنسيسكاني إلى أنّه وكاهن آخر عمّدا خلال خمسة أيّام 14200 شخص. حدث هذا في جميع البعثات الإرساليّة. يوميًّا، كان الآلاف من الهنود ينتظرون المعموديّة والأسرار الأخرى. ظهور العذراء، ورسالتها المدرجة في صورة معجزة أسرت جميع الهنود، لدرجة أنّهم تهافتوا إلى التوبة بشكل عفوي وقبلوا بشارة الإنجيل وسرّ المعموديّة، ليصبحوا أعضاء مجتمع واحد للكنيسة الكاثوليكيّة. ويا لها من معجزة عظيمة، لأنّ الكراهية والعداء المتبادل بين الهنود والإسبان إختفى. وعلاوة على ذلك، هاتان القوميّتان، حتّى الآن غرباء عن بعضهما البعض ثقافيًّا وعرقيًّا ودينيًّا إتّحدا في أمّة واحدة - المكسيكيّة. إختفت العنصريّة والقوميّة تمامًا. صاروا أولادًا لمريم والدة الإله الحقّ، يسوع المسيح، الذي من أجل خلاصنا تجسّد وصار إنسانًا. معموديّة وتوبة الهنود وتثبيتهم على إيمان الغزاة الإسبان بهذه السرعة وهذا العمق لهو بالتأكيد معجزة من أعظم المعجزات، وواحدة من أهمّ الأحداث في تاريخ البشريّة.

 

الدّور الحاسم

كان للظهور المريميّ وأيقونة العذراء العجائبيّة على عباءة الهنديّ خوان دييغو دورًا حاسمًا في توبة جميع الهنود. فصورة سيّدة غوادالوبي بكلِّ رمزيّتها الغنيّة هي ترجمة رسالة الكتاب المقدّس الرئيسيّة إلى لغة الأزتيك.

عليك أن تتذكّر أنّ أهل الأزتيك كانت لهم ممارسات وحشيّة لا سيّما عبادة أكثر من 200 إله أساسي و1600 من الآلهة الصّغيرة. وكان الأهمّ بين الآلهة هو إله الشمس، الذي نرى أشعّته على أيقونة غوادالوبي وقد خيّمَت عليها مريم. كان إله القمر من الآلهة المهمّين أيضًا، ونراه في هذه الصّورة تحت أقدام مريم. كان أهل الأزتيك أحيانًا يقدّمون أكثر من 20 ألف فردًا للتضحية لآلهتهم خلال أسبوع. لذلك، كانوا يشنّون الحروب المستمرّة ليحصلوا على الأسرى لتقديم قلوبهم النابضة المخلوعة من صدورهم تضحية. هذه التضحيات الدمويّة كانت تقدّم لإله الشمس، لتعطيه القوّة للشروق في صباح اليوم التالي.

 

على صورة سيّدة غوادالوبي تحجب السيّدة العذراء الشمس، ليكون تأكيدًا على أنّه ليس إلهًا ولا يسمح له بالمزيد من تضحيات الشعب. الزهور على ملابس مريم تعني أنّ العالم خلق ليكون رداء لمريم، وعباءة مع النجوم - غطاء رأسها يرمز إلى الكون كلّه. مريم ليست إلهًا لأنّ يديها مطوية في الصّلاة، ولكن هي أمّ إبن الله، الذي تحمله في بطنها.

صورة مريم تشبه وعاء القربان المقدّس الحيّ، تبيّن لنا موقفها وفلسفتها في ألوهيّة الإبن، الذي تحمله في أحشائها. في وسط الصّورة توجد زهرة الياسمين ذات الأربع ورقات، والتي كانت ترمز للشمس عند الهنود. كان علامة واضحة لهم: إنّ العذراء تحمل في رحمها الإله الحقّ الذي صار إنسانًا أمينًا لينقذنا من عبوديّة الشيطان والخطيئة والموت. في وسط زهر الياسمين نرى، باستخدام عدسة مكبّرة، وجه رضيع. النجوم على عباءة مريم تتوافق مع خريطة النجوم على المكسيك في 12 كانون الأوّل/ ديسمبر عام 1531، ولكن من ناحية الكون على الأرض. وبهذه الطريقة، تمّ تثبيت تاريخ ظهور السيّدة العذراء مريم.

 

إسم مريم في لغة ناواتل تعني قاتل الثعابين (Coatlaxopeuh) - وهذا هو الشيطان أكبر عدوّ للإنسان. إبليس، أو الشيطان، الملاك السّاقط، الذي أصبح بالخطيئة "كذّاب وأبو الكذب" في هذا الكون (يو 8/ 44). لأنّه يعيش في حالة إنكار جذريّ لله ولا رجعة فيه، ويسعى إلى فرض مأساته، "كذبته عن الخير" الذي هو الله، على الخالق - على الكائنات الأخرى المخلوقة على صورة الله، وعلى وجه الخصوص على البشر" (يوحنّا بولس الثاني، 13/8/ 1983). إبليس والأرواح الشّريرة الأخرى كلّها تكره الله وتريد أن تنقل هذه الكراهية للبشر حتّى تقودهم للطريق إلى الجحيم - إلى حالة من الأنانيّة المطلقة. يستخدم الشيطان كلّ ذكائه لقيادة الإنسان إلى قمّة الكراهية والكبرياء المُطلق واليأس التامّ. الخلاص الوحيد للإنسان ضدّ هذا الواقع المروّع لقوى الشرّ هو تسليم الذات الكامل، بواسطة العذراء مريم، للسيّد المسيح الذي حرّر كلّ إنسان بآلامه وموته وقيامته من عبوديّة الشيطان والخطيئة والموت.

 

                                                          الأب ميتشيسواف بيوتروفسكي

                                                          (رهبنة المسيح)

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية