أُمّ الأوجاع

 

 

أُمّ الأوجاع

 

 

أُمّ الأوجاع

ما كانت أوجاع مريم؟

"لم يكن لهما موضع"

لا، لن يولد ابنها في البيت العائلي، بل بعيدًا جدًّا عنه، في بيت لحم (ميخا 5/ 1، متى 2/ 6). صدر الأمر بالإحصاء. فتركت النّاصرة وتحمّلت، وهي حامل، مشقّة السّفر الطويل إلى بيت لحم، قرية يوسف الأصليّة (لو 2/ 4). "وفيما كانا هناك، تمّت أيّام وضعها، فولدت ابنها البكر، فقمّطته وأضجعته في مذود، إذ لم يكن لهما موضع في النزل".

كم تعذّبتْ في قرارة نفسها، هي التي كانت قد سمعت الملاك جبرائيل يقول عن المولود إنّه "يكون عظيمًا، وابنَ العليّ يدعى، وسيعطيه الربّ الإله عرش داود أبيه" (لو 1/ 32)!.. أهذا هو العرش؟ مذود حقير للحيوانات؟... فكم كان إيمانها كبيرًا، حتّى لا يساورها الشكّ!.. أجل، إنّ أُمومتها مطبوعة، منذ البداية، بالتجرّد والتخلّي والتّضحية والسّيف... "فليكن!".

هذه الولادة، لهذا الابن، في مثل هذا العوز!.. يا لَلدرسِ لكبريائنا وعُجْبـِنا وأنانيّتنا وحبّنا للرّفاهيَّة!..

 

"صَعِدَا به ليقدّماه للرَّبّ"

أيّةُ أمّ لا تُصِرّ على أن يكون لها ابنها لها، تمامًا لها؟ أن يكون موضوع آمالها؟ أن يكون مرتبطـًا بها؟ أن يكون رباط ُ القربى هو الأقوى؟... تجرّدت مريم عن كلّ ذلك:

في الهيكل، يومَ التقدمة، كرّستْ لله ابنها الوحيد، معترفةً بأنّه لا يخصّها بل يخصّ الربّ أوّلاً وكلّيًّا. تخلّت عن حقّها الوالديّ. أكّدت أنّها لا تريد أن تتمسّك بابنها، بل هي مستعدّة لأن تتخلّى عنه يومًا، فتُفسِح له كلّيًّا مجال القيام برسالته. إعترفتْ بأنّه ينبغي لها أن "تنقص"، وله أن "ينمو" (يو 3/ 30).

هذا التجرّد عن روابط القُربى الطبيعيّة، سوف يؤكّده المسيح بوضوح، لمّا جاءه يومًا "أمُّه وإخوته" ليروه ولم يستطيعوا بسبب الجماهير المحتشدة، فأجاب مَن أعلمه بالأمر: "مَن أمّي، ومن إخوتي؟" ثمّ أجال النّظر في المتحلـِّقين حوله وقال: "ها أمّي وإخوتي. فإنّ مَن يعمل مشيئة الله، هو أخي وأختي وأمّي" (مر 3/ 31 - 35)... ولمّا علمت مريم بجوابه، فهمت، مرّةً أخرى، كم ينبغي لها ولسائر التلاميذ التجرُّدُ عن روابط الدمّ. فهمت أنّه ينبغي لأُمومتها البشريّة أن تتوارى في وجه أُمومة الكنيسة الرّوحيّة، تلك الكنيسة التي هي فيها عضوٌ بالإيمان والخضوع لمشيئة الله... وهذا لا يكون، طبعًا، بلا ألم: حتّى لو قبلت بأن تتجرّد، حتّى لو تفهّمت تفوُّقَ القرابة الرّوحيّة، فهي لا يسعها إلاّ أن تتألّم في قلبها الوالديّ... (ليأخذ علمًا بذلك كلّ من يعتقد أنّ النّذور الرُّهبانيَّة تحوِّل قلوب البشر إلى قلوب من حجر!).

 

"قُمْ، خُذِ الصّبيّ وأمّه،

واهرب إلى مصر!"

بعد التقدمة بقليل، سوف ترى مريم سِماتِ عذابٍ أحدّ تنطبع فيها، بسبب عَزْمِ هيرودس على "أن يطلب الصّبي ليُهلِكه" (متى 2/ 13). وإذا بملاك الرَّبّ ينصحهم بالهرب ليلاً إلى مصر. فكان الخوفُ على حياة الصّبي، وكان عذابُ التهجير القَسْريّ وبؤس حياة المهجَّرين في أرض غريبة، فيما التهجير في أرض الوطن لا يُطاق... وكان في قلبها الصّدى الأليم، لمّا عَرَفَتْ بالكارثة التي نَزَلَتْ بأُمّهات بيت لحم وجوارها، بعد أن "أنفذ هيرودس فقتل جميع الصّبيان من ابن سنتين فما دون".

(فيا مهجَّريّ العالم في كلّ مكان، تقوَّوا!.. أُمُّكم العذراء هُجِّرَتْ قبلكم).

 

"يا بُنيّ، لِمَ صنعتَ هكذا؟"

 لمّا بلغ يسوع الإثنيّ عشرة سنة، سِنَّ الرُّشد الدينيّ عند اليهود، رافق "أباه" وأمّه إلى هيكل أورشليم، لعيد الفصح. بعد الزيارة، وبعد مسيرة يوم، تجمَّع فوج الرِّجال وفوج النّساء السَّائرين على حدة. ولكن، لم يكن يسوع لا مع الرِّجال ولا مع النّساء. فأين هو؟... وإذا بيوسف ومريم يعودان إلى المدينة ويبحثان عنه قلقين في كلّ مكان، في الشوارع والأزقّة وعند الناس، ويسألان المارّة... ثلاثةُ أيّام مضت وهما لم يَعثُرا عليه! ليلتان ولم يُغمِضا عينًا! أين هو؟ ماذا يصنع؟ ماذا يأكل؟ أين ينام؟ هل حلّ به مكروه؟... من لنا ليصف شعور مريم أثناء ذلك غيرُ واحدة من أولئك الأمَّهات اللّواتي خُطِفَ أحد أولادهنّ؟... في اليوم الثالث، وجداه في الهيكل "جالسًا وَسْطَ المعلّمين، يُصغي إليهم ويسألهم" (لو 2/ 46).

قالت له أُمّه: "يا بُنَي، لِمَ صنعت بنا هكذا؟ ها إنّي وأباك نطلبك في غمٍّ كبير"(48). وإذا به، وكأنّه لم يُراعِ شعورهما، يجيب بلهجة مستغربة وقاسية: "ولِمَ كنتما تطلبانني؟ ألم تعلما أنّه عليّ أن أكون في بيت أبي؟" (49).

"ألم تعلما؟". سؤالٌ مُستهلّ بأداة نفي. فهو، إذًا، يوحي بجوابٍ إيجابيّ: "بلى، نحن نعلم، منذ البشارة والتقدمة، أنّك مكرَّس للآب"... أجل، عليكِ يا مريم أن تتجرّدي، أن تنسلخي، أن تتخلّي عن "حقوقك" فلا تعودي ترين في ابنك إلاّ ابنَ الآب المكرَّس له كلّيًّا. وبهذه الصّفة، عليه أن ينحجب، أن ينطلق، أن يكون في بيت الآب، حتّى لو أنّ في الأمر لك سبَبَ عذابٍ كبير، حتّى لو اضطرّه الأمر أن يلومك على قلقك وغمّك... هذا ما لم "تفهمه" مريم، كما يقول الإنجيليّ (لو 2/ 50).

يومَ التقدمة، تركت مريم التصوّر الشعبي عن مسيحٍ مخلّصٍ دنيويّ. أمّا هنا فإنّها تترك حقّ الأُمومة بالإمتلاك. وكلُّ تَخَلٍّ يسبّب العذاب...

إلى ذلك، فإنّ مريم قد وقعت في الحيرة، من جرّاء ما حدث، وليس فقط لقلق الأيّام الثلاثة الطويلة، ولا لجواب ابنها الغريب، بل أيضًا للتناقض الظاهر بين تأكيده: "عليّ أن أكون في بيت أبي"، وبين عودته معهما حالاً إلى الناصرة حيث، من جديد، سيكون لهما "خاضعًا" (لو 2/ 51)، مُظهرًا بذلك أنّ "تَحرُّره" في الهيكل لم يكن تحرُّرًا حقيقيًّا، بل كان علامةً، صورةً لتحرّرٍ جذريّ يومَ ينقطع فجأةً عن عطفها... حادثة الهيكل في عيد الفصح هي، عمليًّا، في خطّ حادثة الهيكل يوم التقدمة: لقد بدأ السّيف الموعود يفعل فعله. كلُّ ذلك هو في خطّ الذبيحة الفدائيّة التي سيكون لمريم أن تشترك فيها.

أن تكون العذراء قد اغتمّت، هذا أمر طبيعيّ... لكنّ القدّيس لوقا يعبّر عن هذا الغمّ، كما يلحظ الأب لـُورَنتين، بكلمة قويّة جدًّا، هي الكلمة التي يستعملها، في غير مكان، للدلالة على العذاب الجهنّمي (لو 16/ 24 - 25، أع 20/ 38). ذلك أنّه يرى في غمّ مريم أوّل تحقيق لنبوءة سمعان عن "السّيف" الذي سيجوز في حياتها. وهذا التحقيق هو نفسه تنَبُّئيّ، كما لو أنّ لوقا أراد أن يقول إنّ "السّيف والغمّ" يعنيان - في ما أبعد من أيّام طفولة يسوع - الغمَّ المميت أيّام الآلام - كما ويعنيان - في ما أعمق من ذلك - سرَّ عودة المسيح إلى الآب، حيث ينبغي البحثُ عنه.

يقول القدّيس أمبروسيوس إنّ المسيح "قد وُجـِد في الهيكل بعد ثلاثة أيَّام، لتكون في ذلك علامةٌ لقيامته بعد آلامه بثلاثة أيّام". وعليه، فإنّ مريم - في غمّ الأيّام الثلاثة - قد اختبرتْ، من حيث لا تدري، موتَ المسيح ثمّ قيامته. فإنّ الخاتمة التي لم يكن سمعان الشيخ قد فكّر فيها لمأساة "المُخالفة" و"السَّيف"، ينوّه بها العثور على المسيح في الهيكل، أي التلاقي من جديد، في الغبطة والمجد، مع المسيح المنتصر على الخطيئة والموت...

هذه الغبطة قد لمّح إليها المسيح في جوابه السؤال. كانت مريم قد قالت، بصيغة الحاضر: "ها إنّي وأباك نطلبك". فأجاب يسوع، بصيغة الماضي: "لِمَ كنتما تطلبانني؟". بكلام آخر: "كنتما تطلبانني بغمّ شديد. وها إنّكما وجدتُماني، ولم تعودا  تطلباني. فاغطبِتا!".

عودة إلى عذاب مريم.

عادوا إلى النّاصرة، فكانت مريم "تحفظ جميع هذه الأشياء، وتتأمّل فيها في قلبها" (لو 2/ 51، 19). هذا يعني أنّ مريم كانت تُقابل في ما بين الأحداث والأقوال، وتجمعها، وتسلّط أضواء هذه على تلك، منذ بشارة جبرائيل، حتّى حادثة الهيكل، مرورًا بنبوءة سمعان. فاستنتجت من كلّ ذلك خطًّا تسير عليه في علاقتها بابنها الذي لا أبَ له إلاّ الآب السّماويّ، والذي مصيرُه ذبيحةٌ خلاصيّة ينبغي لها أن تشترك فيها.

أدركتْ مريم في النتيجة، أنّ حادثة ضياع يسوع في الهيكل لم تكن مجرَّدَ حادثٍ عابر، بل هي علامةٌ مصيريّة: "عليّ أن أكون في بيت أبي". إذًا، ليس بيت الناصرة هو بيته الحقيقيّ. وإنّ العلاقة المتبادلة بينها وبين ابنها يجب أن تستند إلى الذبيحة الخلاصيّة التي يريدها الآب... أدركتْ أخيرًا أنّ "إنفصالاً أليمًا يتهيّأ...، وأنّ المحنة ستكون، بعدما ذاقت ما ذاقته، عظيمة. وعليه، فإنّ مهمّتها الوالديّة توجّهت، في العمق، نحو الفصل الأخير من المأساة الخلاصيّة".

 

بعض العبر:

- إعطاء الأوّليّة لمشيئة الله.

- أولادنا هم أوّلاً لله. فإن أراد أن يكرِّس له البعضَ منهم، فلا تُقاوِمنّه حتّى لو، مثل مريم، "لا نفهم"!... ولا تُقاوِمْه الشبيبة!..

- لا نيأَسنَّ في ظلام الشكِّ والارتياب. بل فلْنبحث عن النّور في ما نعرفه عن المسيح وأُمّه ومصيرهما. يسوع والصَّليب صِنوان، وكذلك مريم والسَّيف.

- إنْ حدَث و"أضعنا" المسيح، فلْنبحث عنه مُباشرةً حيث هو: في بيت أبيه، أي الكنيسة وأسرارِها (والكنيسة ليست فقط البناءَ من حجر، بل هي أيضًا "البناء" من بشر...).

 

"كانت مريم واقفة عند الصّليب"

إن كان الصّليب، لإيمان مريم، إمتحانًا كبيرًا، فإنّه لفؤادها إعصارٌ رهيب وسيف مميت!.. لنتخيّلْ ما كان في نفسها وقلبها وروحها وَقْعُ ما جرى لابنها، منذ مساء خميس الأسرار حتّى مساء الجمعة العظيمة، وكلّ ما شاهدتْ وسمعت وعلمت به في حينه أو في ما بعد:

- النّزاع في بستان الزيتون.

- خيانة يهوذا الإسخريوطيّ، ثمّ إنتحاره.

- نكران بطرس.

- الإهانات في مقرّ قيافا.

- حُكم المجلس على يسوع.

- صياح الجماهير وهي تطلب إطلاق بَرأبّا المشاغب والمجرم وإعدام يسوع الذي "لم يفعل شيئًا من السّوء" (لو 23/ 41).

- الإزدراء والسّخرية في المحاكمة عند هيرودس.

- ضعف بيلاطس وجُبنه، هو الذي "لم يجد على هذا الرّجل جرمًا".

- الجلد وإكليل الشّوك، وذلك الجسد الملطّخ بالدمّ.

- حُكم بيلاطس الجائر.

- حَمْل الصّليب على درب الجلجلة، وسْطَ الجماهير الحاقدة.

- الصّلب الشّنيع وصرخات ابنها المتألّم، نُصْبَ عينيها.

- إقتسام ثيابه، لا سيّما القميص الطويل الذي كانت قد نسجته بيديها.

- شتائم اليهود وشكاستُهم الجارحة.

- ذلك الجسد الذي كان يتلوّى، لأنّ الإختناق يمنعه من التنفّس.

- أنّات يسوع: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟... أنا عطشان..."

- نَفَسُه الأخير.

- طَعْن تلك الجثّة الهامدة، بالحربة.

- إحتضانها لذلك الجسد المنزوف، جسدٍ كوّنتْه من لحمها ودمها.

- ليلُ تلك الأيّام الثلاثة، أيّام الإنتظار في الإيمان المجرَّد.

- حزنها لكون رؤساء الشّعب المختار قد رذلوا المخلّص الموعود.

- ألمُها لمرأى الرّسل وهم فريسة الخيبة واليأس.

هل من حزنٍ يوازي حزن مريم أُمّ الأوجاع؟ يجيب الأسقف بوسُّويه ويقول: "لمّا كنتَ، أيّها الآب السّماويّ، قد أشركتها، نوعًا ما، في ولادتك البتوليّة الأبديّة لكلمتك، ينبغي أن تكون قد سكبتَ في حشاها من شرارات حبّك الأبديّ لذلك الحبيب... هذا الحبّ يقيم الإتّحاد التامّ بين يسوع المسيح والعذراء القدّيسة... ولذا، فإنّ حزنها لا مثيل له... إن هم غرزوا الشّوك في رأس الابن، فرؤوسُ الشّوك كلُّها تُمزِّق مريم شرَّ تمزيق. وإن هم قدّموا له الخلّ والعلقم، فإنّ مريم تشرب المرارة كلَّها. وإن هم مدّدوا جسده على الصّليب، فإنّ مريم تُقاسي عنف الصّلب. ألهذا الألم سبب آخر غير الحبّ؟...

"وإلى ذلك فهي مضطرّة، مع الأسف، إلى أن تعذّبه بدورها: كلٌّ منهما يَطعن الآخر طعنًا مميتًا. فأمرُ ذلك الابن وتلك الأمّ أمرُ مِرآتين متواجهتين، تعكس الواحدة في الأُخرى كلَّ ما تتلقّاه، فتتكثّر الأشياء وتتضاعف إلى ما لانهاية. وهكذا يزداد ألمهما إلى ما لا حدّ له...".

أجل، إنّ مريم ذاقت مرارة السّيف الذي تنبّأ لها به سمعان الشيخ، والذي ما فَتئَ يجوز في نفسها ويمتحن إيمانها، لا سيّما على الجلجلة حيث رأت ابنها قد مُني، ظاهريًّا، بالفشل الذّريع على صليب الأشقياء، صليب "اللّعنة" (تثنية 21/ 23). أغلبُ الظنّ أنّها قالت مع ابنها: "إلهي، إلهي، لماذا تركته؟ لماذا تركتنا؟ لماذا تخلّيت؟". يقول القس البروتستانتي شارل دْرِيلَنكور (Derlincourt)، مُعبّرًا عن هذا العذاب: "لم يَسِلْ دمٌ من جروح المسيح، أكثر ممّا سالت دموعٌ من مُقلتيّ العذراء. وإنّهم، مع جثمان يسوع، دفنوا قلب مريم".

ويتساءل جان غيتُون: "ما الأسوأ؟ أن يتعذّب المرء أو أن يرى عذابَ من يحبّ؟ مجال النّقاش واسع جدًّا. أُمنية التألُّم أن يتحمّل المحِبّ آلام من يحبّ. سِماتُ فرنسيس الأسيزيّ أراحتْه. أمّا مريم فلم تعرف شيئًا مماثلاً. إذا فهمنا أنّ آلام المسيح لم تكن، في العمق، العذابَ الجسديّ، بقدر ما كانت روحَ الطاعة المطلقة لأبيه، تلك التي جعلته يقدّم ذاته لمجراها الرّهيب، أدركنا اتّحاد الأمّ والابن في تلك "الساعة".

ذلك الإتّحاد لم يكن من قبيل الشّفقة الطبيعيّة، بل من قبيل التّضحية عن رضى، إذ قَدّمتْ مريم للآب عذابها، بالإتّحاد مع عذاب ابنها، لا بل قدّمت ابنها للعدل الإلهيّ، تمجيدًا لمن هو المحبّة اللّامتناهية.

يقول ليون بْلوا (Léon Bloy): "دموع أمّ الأوجاع تملأ الكتاب وتفيض على جميع العصور. دموع جميع الأمّهات والأرامل والعذارى، لا تزيد شيئًا إلى ذلك الإنسكاب الفيّاض الذي قد يكفي ليغسّل قلوب عشرات الألوف من العوالم اليائسة. عذابات كلِّ الجرحى والمحرومين والقوافل المعذّبة التي تعجّ بها دروب الحياة المُريعة، لا تَضيق بها طيّاتُ معطف أمّ الأوجاع. كلّما انفجر أحد بالبكاء، هي نفسها من يبكي، لأنّ جميع الدّموع تخصّها، بصفتها سلطانة السّعادة والحبّ. دموع مريم؟ إنّها دمّ المسيح يُسفَك بطريقة أخرى. تألُّمها؟ إنّه لإنسانيّة المسيح المقدّسة نوعٌ من الصّلب الداخليّ. دموع مريم ودمّ المسيح هما إنسكابٌ مزدوج لقلبٍ واحد. لا بل يسعنا القول إنّ آلام المسيح، بشكلها الأرهب، كانت في تألُّم أمّه مريم".

هل يعني ذلك أنّ مريم هي فادية مع الفادي؟ قد يكون في هذا القول مغالاةٌ والتباس. وقد يكون ذلك هو ما جعل المجمع الفاتيكاني الثاني يتحاشى عبارة "فادية مع الفادي" (Corédemptrice)، كما والبابا يوحنّا بولس الثاني في براءته "أمّ الفادي" (25/ 3/ 1987). مهما يكن، فإنّ مريم، كما سنرى، قد إشتركت في الفداء بطريقة فريدة. وهي ستبقى لنا المثال الأعلى للإشتراك في آلام المسيح.

لا، لم تكن حياة مريم على الأرض حياةً سهلة ودون عناء أو صدمات أو مِحَن. ومع ذلك، كانت تحتفظ بالسّكينة الباطنيّة، لأنّها كانت مع الله في اتّحادٍ حميم، وكانت قد إرتضت أن تحبّ الجنس البشريّ بهذا الثمن...

 

ولا تزال...

وهي لا تزال، مع ابنها ومثله، "في حال نزاع حتّى انتهاء العالم" (بسكال). وإنّي، في هذا الصّدد، أقتطف، من إحدى الصُّحُف الأجنبيّة، مقالاً فيه ما فيه من تقارُب مع الألوف من الأمّهات اللّواتي عذّبتهم الحرب اللبنانيّة:

"أُمّاه! لقد إلتقيتُ بك في "أُولزُن" و "فْرِيدلَند"، وفي المخيّمات الألمانيّة الشماليّة الحزينة. والتقيتُ بك على طريق "بُودَابِّست"، وفي "بَرلين"، وفي قرى "كْرُواسيا"، وتحت خِيَم اللاّجئين والمهجَّرين...

"أنتِ لستِ أُمًّا ألمانيّة أو روسيّة أو بولنديّة أو رومانيّة... لأنّ العذاب لا جنسيّة له. إنّك أمّ الأوجاع، وعلى كتفَيك أكبرُ حصّة من الأوجاع الإنسانيّة. أنتِ واحدة من بين أولئك الملايين من الأمّهات المعذّبة، المهجَّرة، المطارَدة، المضطهدَة، في عصرنا هذا.

"زوجكِ سقط مقتولاً، ربّما، أو هو سجين، أو هو مجهول المصير. بيتك مخرَّب أو مُصادَر. ما لكِ قد تُرك أو خُسِر... وإنّ الأعمال الشّاقّة، في معسكر العبوديّة، قد جعلتْ يديك مثل يدَي العامل. عيناك التعبتان قد أرهقها منظر العذاب. وجهك قد شطّبته سكّين الألم...

"أُمّاه! لم يعد لك سوى أُوقيانوس من الذكريات...، وهذا الولد ابنُ حبِّك والزّوجِ الذي فقدته. من أجل هذا الولد صارعتِ الجلاّدين وموظّفيّ المكاتب. من أجله عانيتِ الجوع. لقد حملتِه السّاعات الطوال على دروب النّزوح والنّفي. من أجله بِعْتِ آخر قطعة من حُلِيَّك. وإنّ فراشك القشّ، وبطّانيّتك، وحصّتك اليوميّة الضئيلة من الأكل، والحطب المسروق، وإعانات المحسنين الآتية بعد الأوان من بلدٍ بعيد: كلّ ذلك كان لولدك...

"يا أمّ الأوجاع! يا أُخت الملايين من المعذّبات مثلك!.. إنّ اليد المُصافِحة، أو الكلمة اللّطيفة، أو صُرّة الملابس، لا تستطيع أن تُصلِح حياةً قد حُطـِّمَتْ... لكنّنا نريد أن نفعل ما في وسعنا. نريد يا مريم، أن نرى فيك أمّ الربّ، المشترِكة في الفداء، الواقفة عند الصّليب الملطَّخ بالدمّ. فلكِ منّا الشُّكر لأنّك تحملين ثقل خطايانا. وإنّ مَثَلَكِ يدفعنا إلى حمل ما يغمّنا، من أجل الآخرين".

 

                                                           الأب جميل نعمة الله السّقلاوي  

                    

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية