إستير ومرتا ومريم، والعذراء مريم

 

 

 

إستير ومرتا ومريم، والعذراء مريم

 

إنتقالها تمام البشرى

        أمُّ يسوع كانت هي الأولى التي تقبَّلت بُشرى الخلاص والأولى التي بدأت تتأمَّلها وتعيشها لحظة بلحظة. رافقت ابنها المخلّص خطوةً خطوة، منذ الولادة حتى البدء في حياته العلنيّة. كما أنّها لم تكن أبدًا، غائبة عن مسيرة السنوات الثلاث العلنيّة بل رافقته بكثير من الاحتجاب والتفهُّم، وظهرت على أقدام الصّليب، تشاركه الألمَ وعذاب النزاع. وكانت حاضرة بعد القيامة، مع الرسل والتلاميذ في العلِّيَّة حيث حلَّ الرّوح القدُس وأطلقهم إلى البشارة. في كلِّ هذه المراحل، كانت مريم المؤمنة الأولى بابنها، كما أنّ مواقفها كانت كلّها علامات إيمان. لذا، فلا غرابة أبدًا أن نرى في موتها انتقالاً إلى حالة الملكوت لكي تتمَّ فيها بشرى الحياة وتصبح بالتالي، مثالاً كاملاً للمؤمن الذي يرى في حياة الأرض تحضيرًا للملكوت الذي بشّر به المخلّص، ويؤمن بأن الملكوت هو التتويج للبُشرى التي بدأ يعيشها ههنا.

 

 

التأويل:

        ما من نصّ كتابي يمكنه أن يشرح لنا حقيقة الانتقال. هناك فقط نصوص تضعنا في أجواء هذه الحقيقة. ولعلَّ أفضل هذه النصوص هو النصُّ المختار من إنجيل القدِّيس لوقا لهذا اليوم. فمرتا ومريم شخصيَّتان متكاملتان، بالرّغم من التركيز في الإنجيل على الفارق بينهما. والإثنان معًا يصوِّران لنا دورَ مريم أمّ يسوع في وجهَي الخدمة والإصغاء. وإذا كان الانتقال تمام البُشرى، فمريم عبَّرت بأفضل صورة، خلال حياتها، عن عيش البشرى، بإصغائها لكلام الله والعمل بموجبه وبخدمة يسوع خدمة عمليّة منذ الحبل به وحتى موته على الصَّليب. لقد أتت خدمتها له تعبيرًا عن إيمانها. لذا ترانا اليوم، في عيد انتقالها، نتوقّف للتأمّل في وحدة حياتها كمثال لحياة المؤمنين المدعوِّين إلى تحقيق مثل هذه الوحدة في حياتهم ليحصلوا هم أيضًا، على تمام البُشرى في الملكوت المعدِّ لهم. فما هو النصيب الأفضل الذي اختارته مريم؟ فلنتبعِ الإنجيل:

 

1- يسوع في طريقه إلى أورشليم، يدخل منزلَ مرتا. ولكنَّ المستفيدة من حضوره هي أختها مريم. فمرتا، قبل أن تستقبل الضيف وتستمع إليه، انهمكت بتحضير الضيافة الواجبة كربَّة بيت يهمّها أن تكرم ضيوفها بتحضير وليمة تليق بهم. فكم بالحريّ إذا كان هذا الضيف هو يسوع بالذات. إنَّ انهماكها بأمور كثيرة، لا يحتاج إلى تبرير موقف. هكذا تقتضي روح الضيافة. لا بل ما يُفهم بشريًّا هو تصرُّف مريم. ومن هنا كان احتجاج مرتا منطقيًّا وطبيعيًّا.

 

2- مريم، المقيمة في بيت أختها، تظهر وكأنّها كانت بانتظار المعلّم. وفور وصوله، "جلست عند قدميه". إنَّ هذا التعبير يُشير بوضوح، إلى وضع التلمذة. فالتلميذ كان يجلس عند قدميّ المعلّم ويُصغي إلى تعاليمه. مريم إذا، دخلت مباشرة في تلمذة الإيمان، وأخذت بالمعلم ونسيت أي شيء آخر سواه. همُّها أن تلتقط كلَّ كلمة يتلفّظ بها ولا تدع شيئًا يفلت منها. إنّها، تجاه يسوع في موقف الإيمان. هي التي بحاجة إليه وليس هو بحاجة إلى خدماتها. وضعها تمامًا عكس وضع مرتا التي تريد أن تؤدّي ليسوع أفضل خدمة ممكنة.

 

        تجاه تشكّي مرتا من مريم لعدم مساعدتها في الخدمة، يُجيب يسوع مؤنِّبًا مرتا على انهماكها بأمور كثيرة مع أنَّ الحاجة إلى أمر واحد. فيسوع ترك كلّا من الأختين تنصرف تلقائيًّا لما اختارت أن تقوم به. فلا هو فرضَ على مرتا أن تمهمكَ هكذا بالضيافة ولا فرضَ على مريم أن تجلسَ عند قدميه وتُصغي إلى كلامه. هذا يدلُّ على مقدار الحريّة التي يتركها يسوع للإنسان في انتقاء الطريقة التي يراها مناسبة له ليُعبِّرَ عن العلاقة التي تربطه به. ولكن، على الإنسان أيضًا، أن يحترم أخاه الإنسان. فبأيِّ حقّ تريد مرتا أن تقيِّد حريّة أختها وتفرض عليها طريقتها في العلاقة مع يسوع. وبما أنَّ مرتا هي التي فتحت مجال التشكّي، فيسوع يستغلُّ الفرصة ليوضح لها حقيقة ما يريد منها. فانماكها بتحضير أمور كثيرة لتُظهر محبَّتها وعنايتها بيسوع أمرٌّ في غير محلّه لأنَّ يسوع يكتفي بالقليل من المأكل والمشرب، ولا لزوم لكلِّ هذا الارتباك. إنَّ مأكله المفضّل هو أن يعمل إرادة الآب وأن يوصل البُشرى إلى قلب الإنسان. هذا هو النصيب الأفضل الذي اختارته مريم: إنَّه نصيب التلمذة للإيمان بيسوع. وحريٌّ بمرتا أن تخفِّفَ من انهماكها وتأتي بدورها لتسمع كلام المعلّم. إنّها هي التي تحتاج إليه وليس هو من يحتاج إليها.

 

 

التأوين

1- إن الموقف الأوّل والأساسيّ المطلوب من المؤمن تجاه ربِّه هو، بدون شكّ، "التلمذة" له أي الإصغاء إليه بشغف وانتباه. إنّه التخلّق بخلق المسيح، كما يقول القدِّيس بولس وتبنّي مسلكيَّة المسيح ومنهجيَّته في الحياة. من هنا، لا يجوز أن نفهم موقف مريم على أنّه حصرًا، موقف صلاة وتأمُّل وعدم القيام بخدمات أخويَّة وضيعة. بل إنَّ المقصود في النَّص هو التشديد على موقف التتلمُذِ أي موقف العلاقة الحميمة بيسوع كأساس لأيّ نشاط يقوم به المؤمن وتتنظّم فيعطي لكلِّ امرٍ أهميَّة انطلاقـًا من هذا الموقف. فالطعام والشراب ضرورة وكذلك الضيافة والاهتمام بالغرباء. ولكن الفوضى والعجقة في هذه الأمور، تمامًا كما يحصل اليوم في الولائم، تجعل من اللقاء بين الأصدقاء مجالَ ارتباك وإسراف فتضيع البساطة وتصبح الأشياء أهمَّ من الأشخاص وكثرة الأصناف أهمَّ من تبادل الأحاديث وشدِّ عُرى الصداقة.

 

2- إن ما يوصي به القدِّيس بولس في رسالته اليوم لجدير بالانتباه، فهو يلخّص مسلكيَّة المؤمن تجاه إخوته. هذه المسلكيَّة تنبع من الإيمان بيسوع الذي أصبح خادمًا للجميع بموته وقيامته. لذا، على المؤمنين أن يتحلّوا بالمحبّة الحقيقيّة لبعضهم البعض كدلالة على إيمانهم بالذي أحبَّهم وبذل نفسه عنهم. وهذه المحبَّة يُعبَّر عنها بالتنافس في إكرام الإخوة والغيرة على خدمتهم. إنَّ هذه المسلكيَّة الأخويَّة هي تعبير عمليّ عن الإيمان الذي يربط المؤمن بربِّه ويخلق بالتالي، مثلَ هذه العلاقة مع إخوته. فمن دون التتلمذ في مدرسة يسوع لا يمكن لهذه المسلكيَّة أن ترى الوجود. مدرسة الإيمان وحدها، تجعلني أبادر المضطهدين بالبركة وأقاسم الإخوة كلّ شيء في السرَّاء والضرَّاء، بروح الفرح والرَّجاء.

 

 

خلاصة

        العذراء مريم، مثال المؤمن عرفت أن تجمع في شخصيَّتها وجهَي مرتا ومريم. وستبقى مدى الأجيال، مثالاً للإيمان. هي أيضًا تعرف كيف تقودنا إلى مدرسة ابنها بالتواضع والثقة المطلقة به. في أستير الملكة نرى صورة لها. لقد اتّكلت أستير على الرَّبّ وغامرت بحياتها لتنقذ شعبها "لم تفرح أمتك... إلّا بكَ، أيُّها الربُّ إله إبراهيم... أنقذني من خوفي". هكذا غامرت أيضًا العذراءُ مريم بكلِّ شيء واستسلمت كلّيًّا، لعناية الله فساهمت لا في إنقاذ شعب وحسب، بل في إنقاذ البشر أجمعين.

 

        في عيد انتقالها تفتح هي، من بعد ابنها، أبواب الحياة الأبديّة أمام المؤمنين. ولأنّها تشارك ابنها مجدَ السّماء، تفتح عيوننا نحن منذ اليوم، على جمال هذه الشركة في المجد الأبديّ حيث تكتمل البُشرى.

 

 

الأباتي بولس تنّوري