إشتراك مريم في ذبيحة الفداء

 

 

إشتراك مريم في ذبيحة الفداء

 

 

 إشتراك مريم في ذبيحة الفداء

إنّ المجمع الفاتيكاني الثاني يشرح، بكلام مُقتضب ومكثَّف، إشتراك مريم في عذابات ابنها على الصّليب، بقوله: "سارت العذراء الطوباويّة على طريق الإيمان وهي محافظة على الإتّحاد بابنها حتّى الصّليب حيث، بتدبيرٍ لم يكن غريبًا عن التدبير الإلهيّ، كانت واقفة وهي تتألّم مع ابنها الوحيد أشدَّ الألم، وتشترك بعاطفة الأمّ في ذبيحته، وتعطي تقدمة الذّبيح، المولود منها، رضى حبّها..." ... هذا ويقول الأُسقف بُوسُّويه: "كانت إرادة الآب الأزليّ ليس فقط أن تُقدَّم مريم مع الذّبيح البريء وتُعلَّق على صليب المخلِّص بالمسامير نفسها، بل أن تشترك أيضًا وكلّيًّا في السرّ الذي يتمّ بموته".

 

كانت هناك

القدّيس يوحنّا وحده يذكر وجود مريم عند الصّليب (يو 19/ 25). سائر الإنجيليّين لا يذكرونها بين جماعة النّساء الحاضرات. لماذا؟ لأنّها لم تكن بين اللّواتي "تَبِعْنَ يسوع من الجليل، يَخدُمْنَه" هو والإثنيّ عشر (متّى 27/ 55، مر 15/ 41، لو 23/ 49، 8/ 2 - 3)... ولذا فلم تأتِ ببالهم ضرورة ذكرها بينهنّ على الجلجلة. بَيْدَ أنّ غياب مريم عن السّاحة، أثناء حياة ابنها العلنيّة، يُبرز أهميّة حضورها على الجلجلة. والقدّيس يوحنّا وحده أدرك ذلك.

أجل، كانت هناك "واقفة" وِقفة الصّلابة والشّجاعة، غيرَ محطَّمة بالألم، بل ثابتة في الإيمان المُفعَم رجاءً: "كانت واقفة"، والفعل اليونانيّ يوحي هنا بفكرة الحضور أكثر منه بفكرة الوقوف.

كانت هناك، لأنّها أرادت أن تكون، وربّما على الرّغم من جهود أقاربها لإبعادها عن مشاهدة الصّلب الرّهيب. كانت هناك بإرادتها، لتتبع المخلّص ابنها حتّى النهاية. كان توما مستعدًّا أن "يموت معه" (يو11/ 16). فهل تكون أُمَّه أقلَّ استعدادًا؟ حقًّا، كما يقول المجمع، إنّ حضورها لم يكن "غريبًا عن التدبير الإلهيّ".

لو لم تكن هناك، فإنّ شيئًا مهمًّا جدًّا قد ينقص. ماذا؟ لست أدري بالضّبط. إنّما إعتقادي أنّه لو لم تكن هناك، لكان الدّين المسيحي باردًا مثل كنيسةٍ بلا قربان، كئيبًا مثل عائلة بلا أُمّ. لو لم تكن هناك، لما كانت لُورد وفاطمة والأُيقونة العجائبيّة... كانت هناك، ولذا فنحن نعرف أنّها تُحبّنا. كانت هناك، ولذا فنحن نحبّها ونكرّمها... هذا ما كان قد ينقص، لو لم تكن هناك...

 

فادية مع الفادي؟

 يقول المجمع إنّ مريم قد "أعطت تقدمة الذّبيح، المولودِ من لحمها، رضى حبّها". الرِّضى، في الإيمان والمحبّة، هذا هو سرّ العمل المريميّ: في البشارة، أعطت رضاها بحياة ابنها... على الجلجلة، أعطت رضاها بموت ذلك الابن، لفداء العالم. هنا وهناك، قالت للتدبير الإلهيّ بكامله، دون شرط ولا رجوع: "فلْيكن". وإن أردنا اختصارَ حياة مريم بكلمة، قلنا إنّها استمرار الـ"فلْيكن".

أعطت مريم سرّ الفداء "رضى حبّها". هل يعني ذلك أنّ رضاها، هنا، كان حاسمًا مثل رضاها بالتجسُّد؟ بكلام آخر: إن كان التجسُّد متعلِّقـًا برضى مريم، هل كان الفداء أيضًا متعلـِّـقًا برضاها؟ وقصارى القول: هل العذراء مريم فادية مع الفادي بالتساوي؟

إنّ من يجيب "نعم" فحسب، بدون دقّة ولا توضيح، يرتكب خطأً فادحًا، إذ هو يجعل العذراء فادية بالصّفة نفسها التي هي للمسيح!.. كلاّ، ليست العذراء فاديةً مع الفادي بالتساوي. فإنّها هي نفسها قد افتُديَتْ. وإنّ وضعَها وأبعاد أفعالها قد تغيّرت بين الناصرة والجلجلة. ففي الناصرة، كانت تُمثِّل وحدها البشريّة. أمّا على الجلجلة فهو المسيح من يمثّلها بالأولويّة، ومريم بالدّرجة الثانية، في الإرتباط مع المسيح والتَبَعيّة له. وإن كان رضاها في النّاصرة لا غنى عنه، فالأمر يختلف على الجلجلة. إنّما كان ينبغي أن "تشترك" في العمل الخلاصيّ، بصفةٍ مميّزة، ما دامت، يوم البشارة، قد رضيت بالتجسُّد الخلاصيّ كلّه...

فادية مع الفادي؟ كلاّ، أقلَّه بحصر المعنى. مشتركة؟ نعم. كيف، وبأيّة صفة؟ يقول يوحنّا فم الذّهب: "غَلَبَ المسيح الشيطان بنفس الوسائل التي غلَبَنا هو بها. لقد حاربه بسلاحه، أي بعذراء وخشبة وموت. فالعذراء كانت حوّاء عندما طغاها الشيطان. والخشبة كانت الشّجرة. وكان الموت العقابَ المفروض على الإنسان الأوّل. وهكذا أيضًا أصبحت أدوات انتصارنا عذراء وخشبةً وموتًا، إذ حَلَّتْ مريم محلَّ حوّاء، وخشبةُ الصّليب محلَّ الشّجرة، وموتُ المسيح محلَّ موت آدم" (صلاة المؤمن، الجزء الثاني، 736 - 737). وعليه، فكما أنّه كان لحوّاء دورٌ في الإنكسار، هكذا يكون لمريم دورٌ في الإنتصار (تكوين 3/ 15). فبأيّة صفة اشتركت مريم في سرّ الفداء؟

 

المُفتداة الأُولى

أراد الله أن يخلِّص الإنسان بالإنسان. فمن يكون ذلك الإنسان؟ إنسانًا ليس في حاجة إلى افتداء: إنّه الإنسان الإله، الكلمة المتجسّد، يسوع المسيح. لكنّ المسيح لا يمثِّل ما في الإنسان من أُنوثة، وأُقنوميّةٍ إنسانيّة، وإيمانٍ في الظلام، وصفةِ الكائن الذي هو في حاجة إلى افتداء. فلمّا أراد الله أن يُدرِج البشر، ما أمكن، في عمل الخلاص، فمن يمثِّل تلك النّواحي الإنسانيّة أحسنَ من العذراء مريم، تلك المفتداة الأولى مُسْبَقًا؟

وعليه، فإنّ اشتراك مريم في سرّ الفداء كان حقيقيًّا وضروريًّا، وإن لم يكن - في المطلق - لا غنى عنه. وكان فعليًّا نافذًا، وإن لم يكن مكمِّلاً إلاّ من حيث تناغُمُ سرّ الفداء. لهذه الأسباب، أراد الله اشتراكها الفعّال. "فكما أنّ رضى البريئة وجسدَها قد أُدمجا في سرِّ التجسُّد، كذلك أُدمِج في سرّ الفداء رضاها وعذابها".

ولذا، يسعنا القول إنّ مريم هي الخليقة التي اشتركت، أحسن ما يكون، في الكهنوت الأزليّ، إلى حدِّ أنّ يوحنّا الدّمشقي يقول فيها إنّها "العذراء الكهنوتيّة". ويشرح الأب لورَنتين قائلاً: "كهنوت العذراء مريم هو في خطّ "الكهنوت الملوكيّ"، ولكن على غير ما يشترك فيه سائر المؤمنين. كانت مريم هي العضو الأوّل في جسد المسيح السرّيّ، لمّا تجسّد فيها... ولذا فهي، بصفتها والدة المسيح، تتمتّع شخصيًّا بذلك الكهنوت العامّ الذي يتمتّع به سائر المسيحيّين جماعيًّا".

 

العضو المميّز في جسد المسيح السرّيّ

يقول القدّيس بولس: "إنّي أُتِمّ في جسدي ما ينقص من شدائد المسيح، لأجل جسده الذي هو الكنيسة" (كول 1/ 24). يُسيءُ الفهمَ مَن يعتقد أنّ هناك نقصًا في شدائد المسيح وآلامه الفدائيّة والتكفيريّة، إذ إنّ صليب المسيح لا ينقصه شيءٌ بتاتًا. فإن كان مِن نقص ففي جسده السرّيّ، الكنيسة، أي نحن... فلكي يستقيم معنى كلام القدّيس بولس، يكفي أن نقرأه بشكل آخر (وهذه القراءة ممكنة، بحسب الترجمة المسكونيّة TOB): "إنّي أُتِمّ ما ينقص في جسدي من شدائد المسيح"... يتجاوب توما الأكويني مع هذه القراءة، ويقول: "ما ينقص من آلام المسيح، أي من آلام الكنيسة كلّها التي رأسُها هو المسيح، إنّي أُكمّله، أُضيف إليه قَدْري، إذا تعذّبت شخصيًّا، إذا عَبَرتُ الآلام التي تنقص جسدي. كان ينقص المسيح أن يتعذّب في بولس، أحدِ أعضائه، وفي سائر الأعضاء، كما كان قد تعذّب في جسده هو". ولقد أصاب بسكال عندما قال إنّ المسيح "في حالِ نزاع حتّى انتهاء العالم".

فإن كان للمسيح أن يتعذّب في بولس، أما كان له أن يتعذّب أكثر فأكثر في مريم، ذلك العضو المميّز في جسده السرّيّ؟ وإن صَحَّ أنّ بولس "مصلوب مع المسيح" (غل 2/ 19)، ألا يصحّ ذلك أكثر فأكثر بمريم أمّه؟

يقول القدّيس برنردُس مخاطبًا مريم: "لقد جاز حقًّا سيفٌ في قلبك، يا أُمّنا القدّيسة! هذا السّيف، على كلّ حال، ما كان ليطال جسد الابن لو لم يَجُزْ في نفس الأمّ. ومن المؤكَّد أنّ الحربة التي اخترقت جسمه، بعد أن لفظ الرّوح، لم تَجُزْ في نفسه هو... أمّا في نفسِكِ أنت، فبَلى... ولذا فنحن يسعنا أن نسمّيك شهيدة، وأكثر: فإنّ اشتراكك في آلام ابنك يفوق بكثير شدّة العذاب الجسديّ في الإستشهاد" (الفرض الرّوماني، قراءة نهار 15 أيلول - سبتمبر).

 

أمّا وقد بلغنا هذا الحدّ من التأمُّل في عذاب مريم أُمّ الأوجاع، فلا بدّ لنا من استطرادٍ في موضوع الألم. والسؤال المطروح هو: إن كانت آلام المسيح هي وحدها فدائيّة، إن كانت هي وحدها ما يخلّصنا، فلماذا علينا، كما يقول بولس الرّسول، أن "نحمل في الجسد، كلَّ حين، موتَ يسوع" (2 قور 4/ 10)؟ ذلك أنّه:

أوّلاً، ينبغي لصليب المسيح أن يُعلَن بالفعل كما بالقول. ينبغي لنا أن نكون تبشيرًا حيًّا بالربّ يسوع المصلوب والقائم من بين الأموات. ينبغي لنا، كما لبولس، أن "لا نعرف شيئًا إلاّ يسوع المسيح، وإيّاه مصلوبًا" (1 قور 2/ 2). وينبغي أن نعيش ذلك بكلّ كياننا، روحًا وجسدًا، فنحمل في أجسادنا "سمات الربّ يسوع" (غل 6/ 17)، فنكون حقًّا له لا لغيره... وهكذا ندخل معه في أُلفة خاصّة (العذاب المشترك يقرّب ويوحّد)، ونتفهّم في العمق سرّ تخلّيه وموته، ونتحسّس آلام الناس فنكون لهم أصدقاء ذوي شفقة ومؤاساة وعطف. وهكذا نكون تبشيرًا حيًّا بصليب المسيح.

ثانيًا، إنّ العذاب المتحمَّل بروحٍ مسيحيّة تَشَفُّعٌ هو بالبشر أجمعين. ذلك أنّنا جميعًا جسد واحد. وإذا كان بولس الرّسول قد أجاز لنفسه أن يقول للكولوسيِّين إنّه "يقاسي الآلام لأجلهم" (قول 1/ 24)، في حين أنّه لم يبشّرهم هو بل رفيقه أبَفْراس، ولم يكن قريبًا منهم بل بعيد جدًّا وفي الأسر، فإنّما كان ذلك لإيمانه بعلاقةٍ سرّيّة تربط جميع من يؤمنون بالمسيح، وهم مندرجون في جسده، أي الكنيسة.

ثالثًا، يريد الله - بالعذاب الذي نتحمّله عن رضى، والذي يكمّل فينا صورةَ المسيح المصلوب - أن يجعلنا شركاءَه إذ إنّنا، بالعذاب نتشفّع بأخوتنا البشر الواقعين في الشدّة والضّيق.

اختبرتْ مريم كلَّ ذلك إلى حدٍّ فائق. لقد أتمّتْ ما ينقص في جسدها من شدائد المسيح، لأجل جسده الذي هو الكنيسة...، وارتسمتْ في قلبها سماتُ صليب المسيح...، ودخلت في أُلفة المخلّص، كما لا ولن يدخل أحد...، وأدركتْ، بطريقةٍ فضلى، عذابَ البشر، فهي تستطيع أن تشفع فيهم بشفقة لا متناهية، فتستحقّ لهم العزاء والسّلام... وهي، في ذلك، إنّما تدفعنا إلى إحياء صورة المصلوب في قلوبنا، وإلى عدم الإنكفاء على الذات في الألم الذي من شأنه أن يقرّبنا من المسيح والبشر... إنّها مثالٌ فريد على درب الصّليب، دربٍ تقودنا معها إلى فرح القيامة.

يقول ماكس تُوريان: "نحن نعلم، في خُطى أُمّ الفادي، أنْ ليس من شيءٍ باطل في آلامنا، إن نحن تحمّلناها من أجل المسيح. لا بل نحن على يقين من أنّنا، بالألم، نُحيي في أجسادنا صورة المسيح المصلوب، ومن أنّ صلاتنا من أجل الغير تُصبح ذات قدرة. ولذا، فنحن يسعنا حقًّا أن نعرف الفرح من جرّاء تألُّم المسيح فينا".

كما ويقول البابا يوحنّا بولس الثاني: "إنّ اشتراك مريم في ذبيحة يسوع يُبرِز حقيقةً حياتيّة هي أنّ نصيب من يعيشون متّحدين في العمق بالمسيح أن يشتركوا، في العمق أيضًا، في عذابه الفدائيّ... ألا فلْنطلب معونة أُمّنا مريم، من أجل أن نتمكّن من السّير على درب الصّليب، فتكون حياتنا، بتقدمة آلامنا، أكثرَ خِصبًا".

 

الكلّيّة القداسة

إن كان لا بدّ من اشتراكٍ بشريّ مَحض في سرّ الفداء، إقتضى الأمرُ أن لا يكون في المشترك أيُّ أثرٍ لدنس أو لخطيئة: فإنّ الذبيحة الفدائيّة لا تنطلق إلاّ من جذورٍ كلّيّة  النّقاء والصّفاء. هل لذلك غيرُ التي حُبل بها بلا دنس، مريم العذراء التي عاشت في كمال الإيمان والرّجاء والمحبّة والإتّحاد بالمخلّص؟

هذه الفضائل اللاهوتيّة - مُرتَكَزُ حياة مريم كلّها - جعلت دورها في الفداء لاهوتيًّا مَحْضًا. يقول الأب لُورنتين: "مريم، على الجلجلة، لا تقاسي عذابًا جسديًّا، وهي ليست معلَّقة على صليب قرب صليب ابنها. وهي لا تقوم بعملٍ يُزاد من الخارج إلى عمل المسيح. إنّها تقاسي عذاباته هو. حصّتُها؟ التألُّم معه، والنّفاذُ المعنويّ للسّيف الذي تنبّأ به سمعان الشيخ. آلامها؟ إنعكاسٌ هي لآلام المسيح في مرآة نفسها الأُموميّة. وإنّ ما في نيّتها، إنعاكسٌ هو روحيّ لما في نيّة المسيح الفادي".

 

أُمّ الفادي

إنّ المعلّق على الصّليب هو ابنها. إنّه لها، نوعًا ما. ولقد تكلّم البابا بنيدكتوس الخامس عشر على "حقوق الأمومة" التي ضحّت بها مريم على الجلجلة... عند الصّليب، يقول أيضًا الأب لُورنتين، "ما زال يحقّ لمريم أن تقول ما تقوله كلُّ أمّ عن ابنها: "هذا لحمي ودمي"، وإنّ شعورها مُرٌّ أليم إزاء هذا الجسد المهشَّم والدمّ السّكيب. وفي وسعها أن تضيف قائلة ما تقوله كلُّ أُمٍّ متّحدة في العمق بابنها: "ما لك هو لي، وما لي هو لك. وإنّ هذا القول يبلغ بُعْدَه الفائق إذ يصبح، بنعمة الله: "عذابُكَ عذابي. عملُكَ عملي. والفداء الذي كنت تستحقّه وحدك، أردتَ أن يكون ذبيحتي أنا أيضًا"...

حقًّا، إنّ المسيح "وحده فادي الجميع، ابتداءً بمريم المفتداة الأُولى. المسيح وحده إله، وحده قد مات، وحده أتمّ الذبيحة بالقيامة والعودة إلى الآب. أمّا مريم فإنّها تشترك في الفداء بالتألُّم الذي أراد له الله ما أراد من قيمة... مريم تستحقّ باسم الصداقة الفريدة مع الله، والإشتراك في التحقيق الأساسيّ لفداءٍ استحقّه المسيح باسم العدالة وعلى قدم المساواة مع الله.

"إذًا، ليست مريم على مستوى المسيح الذي استحقّ الفداء، ولا على مستوانا نحن الذين يساهمون، إلى حدٍّ ما، في "نشر" نعمة الفداء، بل هي على مستوى متوسّط... وإنّ ما قالته في نشيدها، يصحّ أكثر ما يكون على الجلجلة: هو الإله الكلّي القدرة من صنع لها العظائم".

هذا الإشتراك، إعترفَ به لها جميع الآباء، ومنهم يوحنّا الدّمشقي القائل: "عندئذ صرخ آدم وحوّاء وكلّ جدودنا، بشفاهٍ باسمة: سَعْدًا لكِ، أيّتها الفتاة التي ألغتْ عنّا عقاب المخالفة!.. نحن أغلقْنا الفردوس، وأنتِ فتحت لنا من جديد ممرًّا إلى شجرة الحياة. بخطيئتنا انقلب الخير إلى شقاء، وبفضلك خرج من هذا الشقاء خير كبير...، وتحرّرنا من سلاسل الموت. هلُمّي إلينا، أيّتها الكنز الإلهيّ حاملة الحياة. هلمّي إلينا يا من شَفيتِ غليلنا!" (صلاة المؤمن، الجزء الثالث، 566).

وإذا قابلنا بين لوقا (لو2/ 34 - 35) حيث سمعان الشّيخ لا يوحي بآلام المسيح إلاّ من خلال تالُّم مريم، وبين سفر الرؤيا (رؤ 12/ 2، 5) حيث يوحنّا الرّسول، بدلاً من أن يصف مباشرةً آلام المسيح، لا يصف إلاّ تألُّم أمّه المعذّبة بآلام المَخاض، لَحَظْنا أنّ كلّ شيء يجري كما لو أنّ آلام المسيح وتألُّم مريم أمرٌ واحد. حقًّا، إنّ المسيح يبقى، في كلا النَّصّين، هو مخلّص البشر الوحيد. بَيْدَ أنّه، في النّصّين كليهما، يُعتبَر عذابُ مريم غيرَ منفصلٍ عن عذابات المسيح الفدائيّة.

لهذا السبب، حُقَّ لبرنار بْرُو أن يقول: "إنّ العذراء القدّيسة لم تتّحد فقط باطنيًّا بيسوع المسيح... لقد صارت "على صورته في الموت"، و"عُلِّقَتْ معه على الصّليب"، نوعًا ما - (فيل 3/ 10، غل 2/ 19) - ... كانت هناك واقفةً، مشتركةً في كلّ شيء، متحمّلةً كلَّ شيء، معه... إنّها تحسّ وتحقّق في ذاتها سرَّ يسوع، إلى حدٍّ من العمق والُألفة لا ولن يبلغه غيرها. ذلك أنّها أُمّه وهي، بهذه الصّفة، مرتبطة به، بامتيازاتٍ فريدة، من حيث الكيان والنّعمة.

"إنّها، في أمور الفداء كما في أمور التجسُّد، على مستوًى منفرد...، وهي لا تضاهيها أقدسُ اللّواتي ارتَسمَتْ في أجسادهنّ سِماتُ جروح المسيح. إنّها، والحقُّ يقال، قد تحمّلت من أجلنا عذابًا عظيمًا، وأتمّت هكذا، في كيانها كلّه، ما كان ينقص بعدُ من شدائد المسيح، من أجل جسده الذي هو الكنيسة".

إشتراك مريم هذا في سرّ الفداء، واضحٌ في التعبير الأُيقونيّ البيزنطيّ:

الإيقونوغرافيّة البيزنطيّة تمثّل دائمًا العذراء مريم مشتركة مع ابنها في عمله الفدائي. هكذا في أيقونة البشارة، نراها واقفة عند شجرة الحياة الفردوسيّة كما ستقف عند خشبة الصّليب. وإن هي مُثَلَّثْ وهي تنسج ستار قدس الأقداس، فإنّ ذلك إشارة إلى حجاب الهيكل الذي انشقَّ اثنين ساعة موت يسوع... وفي أيقونة الميلاد، نراها ممتدّة أمام مغارة تشبه القبر، وحيث الطفل ملفوف بقُمُط تشبه لفائف الموتى وموضوع في مذود يشبه النّعش... وفي أيقونة الصّلب، نراها تمسح دموعها باليسرى وتدلّ على ابنها باليمنى. إنّها أوجاع الولادة الرّوحيّة للبشريّة المتمثّلة في يوحنّا الحبيب... وفي أيقونة احتضانها للمسيح بعد إنزاله عن الصّليب، نراها باسطةً ذراعيها كما لو أنّها قد صُلِبَتْ معه. هذا وإنّ تقاسيم جسدها تبدو وكأنّها بشكل كأس الخلاص... وفي أيقونة الدّفن، نراها تلفّ بيديها جثمان ابنها بالكفن، كما لفّته بالقُمُط يوم الميلاد... وفي أيقونة الصّعود، نراها تتوسّط الرّسل واقفةً وِقفَة الصّلاة، كما لو أنّها تحمل رجاء الكنيسة كلّها... وفي أيقونة "سيّدة الآلام" المعروفة في لبنان باسم "سيّدة المعونة الدّائمة"، نرى في الأعلى الملاك رافائيل وهو يحمل الصّليب، والملاك جبرائيل وهو يحمل الحربة وإسفنجة الخلّ المعلّقة في رأس قصبة. ينظر الطفل الإلهيّ إلى صليبه وعلى وجهه دلائل الخوف. يكتف رِجْلاً على رِجْل فيسقط النّعل من رِجْله، لشدّة الخوف. فيضبط بيديه الصغيرتين على يد أمّه اليمنى. أمّا هي فإنّها تنظر إلى الأمام متأمّلةً، كما لو أنّها تستذكر نبوءة سمعان الشيخ...

 

                                                           الأب جميل نعمة الله السّقلاوي

         

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية