إيمان مريم

 

 

 

 

  إيمان مريم

 

 "طوبى للتي آمنت"

إنّ الحبل بمريم بلا دنس الخطيئة الأصليّة، وامتلاءَها نعمة ً، وحبلها البتوليّ بيسوع، وأُمومتها الإلهيّة، ووحدتَها العضويّة مع المسيح، ومشاركتها الفريدة في سرّ الفداء، هذه الإمتيازات كلُّها - وإن كانت لا تفصلها عنّا، طالما أنّها أُعطيَتْ لها لرسالتها لدى المسيح ولدينا - فهي، مع ذلك، خاصّةٌ بها حصْرًا... أمّا إيمانها فإنّه يجعل بيننا وبينها قاسمًا مشتركًا. فهي، مثلنا، خليقة محدودة. ومثلنا، قد اضطرّها الأمر أن تسير في دربٍ وعرة ومظلمة (البشارة، نبوءة سمعان، جواب المسيح في الهيكل وفي قانا الجليل، الجلجلة). لا، لم تكن العذراء تنعم بنورٍ غير عاديّ. لا، ولم تكن في ضياء المشاهدة الطوباويّة. كما وإنّها، مثل ابنها، لم تكن في غمرة المجد قبل الإنتقال إلى العالم الثاني. مريم، كما يقول المجمع، "تقدّمت في غُربة الإيمان"، فشقّت لنا بذلك طريق الإيمان بالمسيح الإنسان الإله المخلّص. علينا، إذًا، أن نتّخذها لنا مثالاً... فكيف كان إيمان مريم؟

 

قبل الدّخول في الموضوع، لا بدّ من كلمة في إيمانها قبل البشارة:

كان إيمانها يتغذّى بجميع المعتقدات والممارسات اليهوديّة المستوحاة من الكتاب المقدّس: الإله الواحد المتسامي، الأبويّ، الرّحوم، الغيور... الملائكة والشياطين... الثواب الأبديّ... القيامة المجيدة... مجيء المسيح... الممارسات الدينيّة، من ذبائح، وتقادم، وأعياد سنويّة، وحجّ، وراحة السّبت، وصلاة، وتأمّل، وتلاوة الأسفار المقدّسة، والرُّتب المجمعيّة، وصوم يوم "كِبّور" (التكفير) وسائر الأصوام...

 

كان كلّ ذلك، في حياة مريم - كما في حياة كلّ يهوديّ صالح - تعبيرًا عن إيمان يحرّك السّلوك اليوميّ، كما سيقول القدّيس بولس: "إذا أكلتم أو شربتم، ومهما فعلتم، فاعلموا كلّ شيء لمجد الله" (1 قور 10/ 31). لولا ذلك، هل كانت مريم تنال "حظوة عند الربّ" (لو 1/ 30)؟

 

حتّى اعتزامُها البتوليّة دليلٌ هو على الإيمان الذي كان يحرّكها: فهو لا يُفهَم على حقيقته، حتّى في البيئة اليهوديّة، إلاّ على ضوءِ آخرِ ما أُوحيَ عن الثّواب في الآخرة، والتقبُّلِ المتحمّس لهذا الوحي... لقد ذهب الأب ليونيه (Lyonnet) إلى حدّ التساؤل عمّا إذا كان اعتزامها البتوليّة لم يصدر عن رغبة عندها في أن تستعجل مجيء المسيح (Ami de Clergé, 1956, p. 43). ذلك أنّ الكتبة والأنبياء كانوا يعلّمون أنّ هذا المجيء مَنُوط بشتّى أنواع الممارسات.

 

والآن إلى إيمان مريم بعد البشارة:

الإيمان المغتبِط

"طوبى للتي آمنت" (لو 1/ 45). "طوبى لمن يسمع كلمة الله" (لو 11 / 28)... في الحقيقة، هذه هي أولى التطويبات.

كلّنا في سعيٍ للطوبى، للسّعادة والغبطة. وهذه الطوبى الأولى دعوةٌ إلى البحث عن ذلك في الإيمان، أكثر منه في سائر مجالات الحياة... لم تقل أليصابات: "طوبى لأمّ ربّي"، بل: "طوبى للتي آمنت". ففي نظرها، كما في نظر الرّوح القدس الذي ألهمها، لمريم الطوبى لا لكونها أمّ المسيح، بل لكونها مؤمنة ً ("طوبى لمن يسمع كلمة الله"، فيؤمن بها ويعمل بموجبها).

 

السّعادة في الإيمان!.. قد يبدو هذا الكلام مُدهشًا، بقدر ما هو مُدهِشٌ كلام المسيح في العظة على الجبل، عندما يقول إنّ السّعادة في الفقر، والوداعة، والعزاء الرّوحي، وأعمال البرّ، والرّحمة ونقاء القلب، والسّعي للسّلام، وتحمُّل الإضطهاد لأجل المسيح... أجل، إنّما ذلك لا يُدرِكه ولا يتقبّله إلاّ كلُّ من لا يُقفِل على نفسه داخِلَ الآفاق الآنيّة والأمور المنظورة والملموسة، بل ينفتح على الأمور العُليا التي تفوق ما هو زمنيّ بَحْت.

 

الإيمان بالمسيح الإنسان الإله المخلّص كان، وسيبقى، سرَّ السّعادة. هذا ما أثبتته كلّيًّا مريم العذراء، وما اعترفت به أليصابات: "طوبى للتي آمنت!".

 

(ونحن؟ أين مصدر سعادتنا؟ أين يتأصّل؟ في المراتب والمناصب؟ في النجاح؟ في المال؟ في الجمال؟ في العلاقات؟... يقول القدّيس منصور دي بّول: "الويل لمن لا يكتفي بالله!").

 

 

الإيمان والتعاون

"طوبى للتي آمنت أنّ (أو لأنّ) ما يقل لها من قبل الربّ سيتمّ" (لو 1/ 45).

كما في التطويبات التي أطلقها المسيح ("طوبى للفقراء، فإنّهم... طوبى للودعاء، فإنّهم...)، هذه التطويبة تحتوي أيضًا على سبب السّعادة التي بلغتها مريم بإيمانها. ما هو ذلك السّبب؟

إنّ الأداة اليونانيّة المعبّرة عن السّبب ("أُتيْ") تحتمل هنا ترجمتَين، إمّا "أنّ" وإمّا "لأنّ": "طوبى للتي آمنت أنّ ما قيل لها سيتمّ"، أو "طوبى للتي آمنت، لأنّ ما قيل لها سيتمّ". أيّ المعنيّين نعتمد؟ الترجمة المسكونيّة (TOB) حلّت المشكلة باستعمالها النقطتين: "طوبى للتي آمنت: ما قيل لها سيتمّ".

 

ما هَمّ؟ بلى، يهمّ جدًّا. فأنْ يقال: "طوبى للتي آمنت أنّ ما قيل لها سيتمّ"، إنّما ذلك قَصْرٌ للكلام على شيءٍ عاديّ جدًّا، و"تحصيل حاصل"، هو موضوع إيمان مريم. هذا الموضوع لا يمكنه أن يكون، كما هو واضح، سوى حصول ما يقوله الربّ ولا شيء آخر... أمّا أن يقال: "طوبى للتي آمنت، لأنّ ما قيل سيتمّ"، فإنّما ذلك كَشْفٌ عن سبب الطوبى: طوبى للتي آمنت، لأنّه إذّاك، وبسبب هذا الإيمان، سيتمّ ما قيل لها من قبل الربّ.

 

هذا السّبب مُهمٌّ جدًّا، لأنّه يبيّن الدّور الأساسيّ لإيمان مريم: طوبى لكِ يا مريم لأنّه، بفضل إيمانك، سيتمّ ما قيل لك من قبل الربّ، ولولا هذا الإيمان لما كان شيء ممّا كان!.. حقًّا، إنّ الإيمان نعمة من الله، ولا فضلَ لنا فيه سوى التجاوب الحرّ. فإيمان مريم عطيّة من الله. لكنّها، لمّا تجاوبت فآمنت، ساهمت في إتمام كلمة الله.

 

يقول المجمع: "وهكذا فإنّ مريم، لمّا وافقت على كلمة الله، أصبحت أمَّ يسوع. ولمّا إعتنقت إرادة الله الخلاصيّة من كلّ قلبها، كرّست ذاتها، كأمَة الربّ، تكريسًا مطلقـًا لشخص ابنها ورسالته، خادمةً، تحت أمره ومعه، سرّ الفداء، بنعمة الله القادر على كلّ شيء".

 

أن يكون الإيمان ممّا يساهم في تحقيق الآيات الإلهيّة، هذا ما تشهد له صفات عديدة من الإنجيل. كم مرّة يقول المسيح لمن أَبرأهم جسديًّا أو روحيًّا: "إيمانك خلّصك" (الأعمى برطيما، النازفة، مريم المجدليّة!)... وكم مرّة يقيم التناسُب بين الإيمان والأمر المطلوب! أتاه يومًا قائد مئة يلتمس شفاء خادمه، فقال له: "إذهب، وليكن لك بحسب إيمانك" (متى 8/ 13). وللكنعانيّة المتوسّلة لابنتها: "إيمانك عظيم. فليكن لكِ كما تريدين" (متى 15/ 28). أمّا لوالد المصروع، الذي لم يُظهر من الإيمان إلاّ القليل ("إن استطعتَ شيئًا، فأغِثْنا")، فإنّه يقول بشيءٍ من المرارة: "إن استطعتُ؟!.. كلُّ شيء مستطاع للذين يؤمنون" (مر 9/ 22 - 23)...

 

أجل، إنّ الله يفعل إذا وَجد الإيمان. وإذّاك يكون للمؤمن تأثيرٌ حقيقيّ على مجرى الأمور... هكذا كان من أمر مريم، يوم البشارة، إذ طـُلِبَ منها فعلُ إيمانٍ أساسيّ: أن تؤمن فتقبل بأن يُحبَل فيها بتوليًّا بالمسيح الموعود... ولا مرّة، قبل ذلك، في بشارات الحَبَل العجائبيّ، كان يؤتَى على ذكر الإيمان والقبول ("ستحبلين"، "ستحبل امرأتك"، وكفى). هنا، بالعكس، يُنَوَّه جليًّا بالإيمان والقبول اللّذين لهما دور أساسيّ في تحقيق سرّ التجسّد الفدائي.

 

مريم آمنت، حتّى قبل أن تفهم كيف، فكان إيمانها مساهمةً منها في سرّ التجسّد الفدائي. يؤكّد أغسطينوس وأمبروسيوس ولاون وغيرهم من الآباء أنّ العذراء مريم "حبلتْ بكلمة الله في روحها قبل جسدها". ويقول المجمع: "إنّ العذراء مريم، يوم البشارة، قبِلَتْ كلمة الله في قلبها وفي جسدها معًا".

 

التجسّد هو، حقًّا، فعل الرّوح القدس. لكنّ إيمان مريم ساهم فيه مساهمةً فعّالة وحاسمة. وهذه المساهمة لم تقتصر على الحَبَل بحدّ ذاته، بل شملت أيضًا تحقيق جميع "ما قيل لها من قبل الربّ" بخصوص رسالة هذا الولد ومصيره. فإنّ كلمة الإذعان، "ليكن لي بحسب قولك"، هي إلتزام برسالة المسيح الفدائيّة كلّها: "طوبى للتي آمنت، لأنّ ما قيل لها - كلّ ما قيل لها - من قبل الربّ، سيتمّ"، لها، لنا ولخلاصنا.

 

(هل نساهم، بالإيمان، في تحقيق التدابير الإلهيّة؟ إيماننا، هل يجعل المسيح "يولد وينمو في قلوب المؤمنين؟" - م 5/ 65 - إيماننا، هل ينتقل إلى الغير بالعدوى؟ هل إنّ مجرى إحتفالاتنا الطقسيّة يُدخِل المؤمنين في جوِّ سرِّ الفداء؟).

 

 

الإيمان والإلتزام

لمّا أذعنت مريم وقالت للملاك: "ليكن لي بحسب قولك"، إلتزمت كلّيًّا مشيئة الله، ووضعت نفسها كلّيًّا تحت تصرّفه. إيمانها فعلُ إيمان بالمسيح الإلهيّ ورسالته يتأصّل في كلمة الله... هل العذراء "رأت" الملاك؟ ربّما لا. إنّما الأكيد أنّها سمعت صوتًا، فآمنت به مستندةً إلى مصدره الإلهيّ لا غير. فاقتنعت والتزمت واعتمدت، دون تحفُّظ، حتّى قبل أن تفهم كيف سيكون الحَبَل البتوليّ.

 

كان إيمانها إعتناق كلمةٍ والتزامَ شخص. هذا هو الإيمان المسيحيّ: تعهُّدٌ بتنفيذ كلمة، وإعتناقٌ لشخص، كلمةِ الله وشخصِ المسيح. ولذا فهو يقتضي المحبّة وبذل الذات.

 

إذعان مريم، عُبّر عنه لا بصيغة القبول، بل بصيغة التمنّي والإختيار. هذا يعني أنّها إعتمدت تجسّد "ابن الله" واختارته وجنّدت قواها ومقدّراتها كلّها لخدمة رسالته الفدائيّة. لقد استسلمت كلّيًّا لابنها... إنّها، كما سيقول بطرس مهنِّئًا المسيحيّين الأُوَل، قد أحبَّت يسوع "قبل أن تراه"، وآمنت به "قبل أن تشاهده" (1 بط 1/ 8). هو هذا الإيمان ما قد مَهَّد الطريق للمسيح، لا بل كان لا بدّ منه لمجيئه. إيمان العذراء كان في صميم التدبير الإلهيّ ومن مقوّماته. أراد الله، سبحانه وتعالى، أن يعلّق تجسّدَ ابنه الأزليّ، وافتداءَه للبشر، بإيمان مريم والتزامها كلامه.

 

 

الإيمان وتقدمة الذات

في الطاعة والثقة

"ها أنا أمَة الربّ، فليكن لي بحسب قولك". "ها"، "ها أنا"... قبل مريم بزمان، كان إبراهيم قد أجاب الربّ قائلاً: "ها أنا" (تكوين 22/ 1، 7، خروج 34)، كما وصموئيل (1 صم 3/ 4)، وأشعيا (أش 6/ 8). ابن الله نفسُه سوف يقول قبل تحرُّكه للتجسّد: "ها أنا آتي لأعمل بمشيئتك يا الله" (عب 10/ 7).

"ها أنا"... إنّها مريم الكلّيّة النّعمة الإلهيّة، تشكر كلّيًّا نعمة الله، في تقدمة ذاتها كلّيًّا لتعمل بمشيئته، كما تفعل خيرةُ "إماء الله"، باستسلامٍ كلّيّ، ودون جَدَل، إلى سيّدها الإلهيّ. لقد إندرجت كلّيًّا في التدبير الإلهيّ، ورضيتْ بدعوةٍ مَهيبة تجعل منها بنت صهيون وأمَّ المسيح العذراء.

"ها أنا... فليكن لي بحسب قولك". يا للبساطة! يا للصّفاء! يا للخضوع! يا للثقة التامّة بوعود الربّ!...

 

 

الإيمان والأمانة

الإيمان أمانة. والأمانة هي بحثٌ وتقبُّل وتناسُق واستمرار، كما يقول البابا يوحنّا بولس الثاني.

أمّا البحث فعن إرادة الله وتدبيره في ما يخصّ الإنسان والعالم. هكذا فعلت مريم يوم البشارة، لمّا سألت: "كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً؟". لا إيمان بلا أمانة. ولا أمانة إن لم يكن بحثٌ حثيث وصبور ومندفع، إن لم يكن هناك في قلب الإنسان سؤالٌ لا جواب عليه إلاّ عند الله، أو بالأحرى، سؤالٌ يكون الله هو الجواب عليه.

وأمّا التقبُّل ففي الإنتقال من ذلك الجواب الإلهيّ إلى القول "ها أنا، فليكن..."، على الرّغم من أنّ هناك، في التدابير الإلهيّة، مواضع غموضٍ أكثر منها مواضع وضوح، وعلى الرّغم من أنّ الإنسان لن يستطيع، مهما يجتهد، أن يفهم كلَّ شيءٍ ويُدركه. عندئذ ليس له سوى أن يقتدي بمريم التي كانت "تحفظ كلّ شيء وتتأمّل فيه في قلبها" (لو 2/ 19)، لا بروحٍ إنهزاميّة بل بروحِ الإنفتاح على الله الفائق الإدراك، والذي هو حاضرٌ فينا ومعنا.

وأمّا التناسق ففي العيش بمقتضى الإيمان، والتكيُّفِ بحسب الإقتناع، على الرّغم من عدم تفهُّم الناس أو معاداتهم... "ليكن لي بحسب قولك" تعني أيضًا: "لأكن بحسب إيماني بقولك".

وأمّا الإستمرار ففي ذلك التناسق، لا نهارًا واحدًا، ولا عدّة أيّام، بل الحياة كلّها... ولا ساعة تسير الأمور على ما يُرام، بل وساعة الإصطدام بالعقبات والشدّة... مريم قالت "ليكن" ساعة التجسُّد، وقالت "ليكن" ساعة الصّلب.

 

 

مريم / زكريّا

إيمان مريم في البشارة مثالٌ للإيمان المسيحيّ الذي هو تقبُّلٌ سريع والتزامٌ كلّيّ لكلام الربّ وشخص المسيح... كم الفرقُ شاسع بين إيمانها وإيمان زكريّا الذي ظلّ مرتابًا، فطالب بعلامةٍ ثُبوتيّة: "بِمَ يتأكَّد لي هذا؟ فإنّي أنا شيخ، وامرأتي قد طَعَنت في أيّامها!" (لو 1/ 18). يظهر له الملاك جبرائيل. يكلّمه. وزكريّا يشكّ!.. مريم سمعته، وربّما لم تره. لكنّها وثقت به، على الرّغم من غرابة العرض. إنّها لم تطلب علامةً ثُبوتيّة، بل إكتفت بطرح سؤال، كما ينبغي، حول كيفيّة الأمر.

 

زكريّا سيُجازَى بالخَرَس، علامةً له لقلّة إيمانه... وإنّ أليصابات التي ظلّت تسعة أشهر شاهدةً لخرس زوجها، سوف تتبيَّن، بكلّ سهولة وإعجاب، إيمان نسيبتها العزوم، التي دخلت إليها وهي تطرح السّلام بالفم الملآن... "طوبى للتي، على خلاف زوجي، قد آمنت!".

 

 

مريم / إبراهيم

مريم هي أمّ المؤمنين، كما كان إبراهيم "أبا المؤمنين". مريم هي، في مطلع العهد الجديد، كما كان إبراهيم في مطلع العهد القديم. هنا وهناك، إنطلق العهد بفعل إيمان: "آمن إبراهيم بالربّ، فحُسِب له ذلك برًّا" (تكوين 15/ 6). بماذا آمن؟ بوعدٍ بذُرّيّةٍ تتبارك بها شعوب الأرض، فيما كان قد طَعَن في السنّ وكانت امرأته عاقرًا. "لقد آمن على خلاف كلّ رجاء، فصار أبًا لأُمم كثيرة... فلم يشكّ في وعد الله، بعدم الإيمان، بل تقوَّى في الإيمان، ممجِّدًا الله، ومُتيقـِّـنًا أنّ الله قادرٌ أن يُنجز ما وعد به" (روم 4/ 18 - 21).

 

فلمّا أطلع ملاك الربّ مريم على أمومة أليصابات العجائبيّة، كان ذلك منه لها دعوةً إلى أن تفعل، مثل إبراهيم، فعل إيمان بذلك الإله الذي كما أنّه إستطاع أن يجمع، في سارة وأليصابات، بين الأمومة والعُقم، كذلك يستطيع أن يجمع فيها بين الأمومة والبتوليَّة، لأنّه ليس "على الربِّ أمرٌ عسير" (تكوين 18/ 14، لو 1/ 37). وعندما قالت: "ليكن لي بحسب قولك"، أعادت فعل إيمان إبراهيم بوعد الربّ بحدَثٍ مِشْيَحِيّ، فكانت أوّل مؤمنة في العهد الجديد، وكانت للمؤمنين في الكنيسة أُمًّا ومثالاً، كما كان إبراهيم للمؤمنين في إسرائيل أبًا ومثالاً.

 

وكما أنّ إبراهيم قد جمع في ذاته إسرائيل كلَّه والوعدَ الإلهيّ كلّه، كذلك مريم، يوم البشارة، جمعت في ذاتها الكنيسة كلّها وتحقيق الوعد كلّه بالتجسّد الإلهيّ. وإن كان إبراهيم يمثّل البشريّة في بداياتها، فإنّ مريم تمثّلها في نهاياتها. كلاهما آمن "ضدّ كلّ رجاء": إبراهيم ضدَّ الشيخوخة والعُقم، ومريم ضدَّ إعتزام البتوليَّة.

 

 

الإيمان والجسارة

يوم نفَذَتِ الخمر مهدِّدةً عرس قانا الجليل بكارثة، تقدّمت مريم من ابنها وقالت: "ليس عندهم خمر"، أَنقِذ الموقف! (يو 2/ 3). يا لَلجسارة! يا لَلثقة! إذ إنّه لم يكن هناك، في الظاهر، ما يشجّع على التقدُّم بمثل هذا الطلب، إلاّ إيمان مريم. فالمسيح لم يكن بعدُ قد صنع أيّة مُعجزة. ومع ذلك، آمنت مريم بقدرته العجائبيّة... سيقول المسيح يومًا: "طوبى للذين يؤمنون ولم يروا" (يو 20/ 29).

 

كانت مريم تعلم أنّ ابنها هو المخلّص، وكانت تترقّب إظهار قدرته العجائبيّة. رأت في نفاذ الخمر فرصةً سانحة... كان إيمانها قد سبق مجيء المسيح إلى العالم، فهل يسبق أيضًا أُولى المعجزات التي تُظهره للعالم؟ أجل. لكنّ المسيح يقابلها بما يشبه الرّفض، لأنّ "ساعته" لم تأتِ بعد، ساعة ظهوره للعالم. تلك "السّاعة" لم تكن، في التدبير الإلهيّ، لمثل هذه المناسبة. فهل يكون طلب مريم محاولةً لتغييرشيءٍ ما في التدبير الإلهيّ؟... فلْيكن!

 

 يقول سعيد عقل، بأسلوبه الشعريّ الرّائع، إنّ مريم، في قانا الجليل، "خَرْبَطَتْ ساعة الله!".

هناك امرأة أخرى، في الإنجيل، سوف "تُخربِط" أيضًا بإيمانها ساعة الله: الكنعانيّة... إبنتها مريضة بـ"شيطان يعذّبها". قصدتْ يسوع الذي كان مارًّا بنواحي صور وصيدا، وراحت تصرخ وتصيح مستغيثة. لكنّه لم يجبها بكلمة. فألحّت:

- يا ابن داود، ارحمني!

- إنّي لم أُرسل إلاّ إلى الخراف الضالّة من بيت إسرائيل. (فجثت عند ركبتيه وقالت:)

- أغثني يا سيّدي!

- لا يحسُن، كما يقول المثل عندنا، أن يؤخَذَ خبزُ البنين ويُلقى لصغار الكلاب.

- أجل يا سيّدي، أجل. لكنّ صغار الكلاب تأكل من الفُتات المتساقط من موائد أربابها.

- إيمانك عظيم، أيّتها المرأة. فليكن لك كما تريدين!

                                                (متّى 15/ 21 - 28، ببعض التصرّف)

 

كان التدبير الإلهيّ يقضي بأن لا يبشّر المسيح بنفسه إلاّ اليهود. وها إنّ الإيمان الجسور، عند تلك اللبنانيّة، "يُخربط" شيئًا ما في ذلك التدبير، فيحمل المسيح على توسيع نطاق عمله الرّسوليّ، ليشمَل الوثنيّين، فيوزّع عليهم من "خبز البنين".

كذلك في قانا الجليل، لم ترتبك مريم لتهرُّب ابنها ("ما لي ولك أيّتها المرأة؟")، بل كان التهرُّب لها، كما للكنعانيّة، إمتحانًا للإيمان، وإذا بها تصمُد وتتجرّأ وتحاول بكلّ جسارة أن "تقدّم" الساعة. فكان أنْ قالت للخدم: "مهما يقل لكم فافعلوه!" (يو 2/ 5). "مهما يقل"، حتّى لو بدا أنّ ما يقوله غيرُ معقول... فكان لها ما أرادت. وإذا بـ"السّاعة" تَدُقّ، وظهورِ المسيح يسطع بتحويله ماءَ الأجاجين الستّ (نحو 600 لتر) إلى خمرٍ ولا أجود... آيةٌ فخمة ترمُز إلى فخامة الزمن المِشْيَحِيّ.

 

أجل، إنّ ألإيمان الذي قد ينقل الجبال (متّى 21/ 21)، في وسعه أيضًا أن يغيّر شيئًا ما في التدبير الإلهيّ. يقول المجمع إنّ مريم، في عرس قانا الجليل، "حَمَلَت يسوع المسيح على صُنع أُولى آياته".

 

ولكن، هل هو صحيح أنّه حدث تغييرٌ في المخطّط الإلهيّ؟ نعم ولا. نعم لأنّه، مهما يقال، هناك "ساعةٌ" قُدِّمَتْ... لا، لأنّ هذا التغيير نفسه كان الربّ قد حسب له حسابًا. فالله يريد أن يكون للإيمان المتوسِّل تأثيرٌ على أحكامه، وذلك حبًّا منه واعتبارًا للبشر. بكلامٍ آخر، إنّ الله يصمّم تدبيرَه بالنّظر إلى الإيمان المتوسِّل. ألم  يكن، في ما مضى، مستعدًّا للصّفح عن سَدُوم، عند توسُّل إبراهيم، لو يوجَد هناك عشرةُ أبرار (تكوين 18/ 20 - 32)؟.. هكذا هو الأمر دائمًا بالنسبة إلى التوسُّل الواثق والجَسور. فلْنتذكَّرْ مَثَلَي الصِّديق المزعج، والأرملة والقاضي (لو 11/ 5 - 8، 18/ 2 - 8).

 

هكذا كان أيضًا بالنسبة إلى مريم التي ساهمت في قانا الجليل، بطريقة حاسمة، في ظهور المسيح وتحرُّك إيمان الرّسل (يو 2/ 11)، وبالنسبة إلى الكنعانيّة التي ساهمت في نشر رسالة المسيح خارجَ العالم اليهوديّ... (هل رَغِبنا مرّةً في تغيير أحكام الله؟ إن نعم، هل حاولنا ذلك؟ هل كانت المحاولة عن إيمانٍ جريء وجَسور؟...).

 

أوّل كلمةِ إيمانٍ لمريم كانت: "ليكن لي بحسب قولك"، وهي كلمة الإلتزام الشخصيّ الجَسور لرسالة المسيح. آخرُ كلمةِ إيمانٍ لها كانت (وهي كلمتها الأخيرة في الإنجيل): "مهما يقل لكم فافعلوه"، وهي كلمة الدّعوة الموجَّهة إلى الجميع لأن يتجاسروا، في الإيمان، ويلتزموا رسالة المسيح...

 

(هل نلبّي الدّعوة؟ ليس فقط لكي نفعل ما يطلبه، بل لنفعله بجرأة وجسارة، مثل الخدم في قانا الجليل، الذين لم يتردّدوا لحظةً واحدة في ملءِ الأجاجين ماءً، فيما كانت الحاجة إلى خمر...).

 

 

إيمان في الظلام

لا نَتَخَيَّلَنَّ أنّ مريم كانت تتمتّع بالرؤيا الواضحة، ولا أنّها كانت لاهوتيّةً تُدرك تمامًا بُنُوّة ابنها الإلهيّة. إنّها لم تكن تتكلّم مثلنا لغة "الطبيعة" و"الأقنوم". إنّما كانت معرفتُها للمسيح أعمق وإنْ أقلّ جلاءً، وأقربَ إلى الحقيقة وإنْ أقلّ إلمامًا وتصوُّرًا. ومع ذلك فإنّ معرفتها للمسيح لم تَخْلُ من الغموض والظلام، وشأنُها في ذلك شأنُ كلّ واحد منّا. يكفي، للدلالة، ما جرى لها بعد العثور على يسوع في الهيكل:

- يا بُنَي، لِمَ صنعت بنا هكذا؟ فها أنا وأبوك نطلبك بغمّ شديد!

- ولمَ كنتما تطلبانني؟ ألم تعلما أنّه عليّ أن أكون في بيت أبي؟

أمّا هما فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما (لو 2/ 46 - 50).

 

"أنا وأبوك"، أي يوسف مربّيك... "عليّ أن أكون في بيت أبي"، أي الآب السّماويّ الذي هو أبوه بالمعنى الحقيقيّ والحصريّ. مريم، كما جاء في الإنجيل، لم تفهم هذا الكلام. لم تفهم، وهي منذ إثنتي عشرة سنة - من يوم البشارة - تعلم أنّ المولود منها يُدعَى "ابنَ الله"؟ هل يُعقل؟ لا، لا يُعقل... فما الذي لم تفهمه؟ ما الذي كانت "تتأمّل فيه في قلبها" (لو 2/ 51)؟ ما لم تفهمه هو لماذا ينبغي لابنها، بصفته ابنَ الله، أن ينحجب، أن يترك، أن يؤلمها. ولماذا ينبغي لها أن لا تقلق ولا تغتمّ... في الواقع، وفي نظر الإنجيليّ، يبدو أنّ السرّ الفصحيّ قد مُهّدَ له وبُوشِر به باختفاء المسيح في أورشليم، ثلاثة أيّام، كما سوف "يختفي" في القبر، ثلاثة أيّام أيضًا.

 

لم تكن مريم مُطّلِعة على المستقبل. لكنّها، لدى جواب يسوع في الهيكل، إستشفّت أنّه ينبغي لابنها أن يعود إلى أبيه السّماويّ، بطُرُقٍ سريّة ومؤلمة، كما كان سمعان الشيخ قد لمّح، يوم التقدمة: "وأنتِ أيضًا سيجوز سيف في نفسك" (لو 2/ 35).

 

أجل، كانت مريم تعلم أنّ ابنها هو، بالمعنى الحصريّ، ابنُ الله. وهي قد أرادت أن تكون، بصراحة وعن علمٍ منها، أُمًّا لابن الله هذا. إنّما المعرفة والإرادة شيء، والإدراك الوافي والشامل شيء آخر...

 

 

إيمان تدريجيّ

كلام الإنجيل القائل إنّ مريم كانت "تحفظ جميع هذه الأشياء وتتأمّل فيها في قلبها" (لو 2/ 19، 51)، أي إنّها كانت "تجمع في ما بينها حاصرةً وعاصرةً"، يعني أنّ الله "لم يَطِبْ له أن ينوّرها تنويرًا تامًّا، ودفعةً واحدة، بشأن تدبيره الخلاصيّ، من جميع الجوانب، بل أراد لها - على الرّغم من كونها مُدرّبةً في كلّ شيء ومثالاً - أن تتقدّم شيئًا فشيئًا، فتكون لنا معلّمةً في علم التنبّه والتمحُّص والمقابلة والنّفاذ والإدراك، وكلُّها أمورٌ تغذّي نظرنا الداخليّ... أراد لها أن تنتقل من النصّ المكتوب إلى النصّ الحيّ (يسوع المسيح). أراد لها أن تُبلوِر وتجمع، بالتعمّق والتوسّع، شهاداتِ جميع الأنبياء وأبعادَ جميع المعطيات، وذلك في ضوء المسيح الحيّ الذي خرج منها والذي كانت تراه يتحرّك ويتكلّم" (Paul Claudel, L'épée et le miroir, p.47).

 

هكذا هو الله. إنّه يدرّب الإنسان بالتدريج وطولِ الأناة (روم 3/ 26، مزمور 103/ 8، لو 9/ 55). هكذا، يوم البشارة، وضعَ مريم أمام سرّ أمومتها بدفعاتٍ أربع، كانت كلُّ واحدة منها فرصةً لفعل إيمان جديد بكلامه:

الأولى، بُشرى الأمومة، بدون الأخذ بعين الإعتبار إعتزامها البتوليّة ("ها أنت تحبلين وتلدين ابنًا، وتسمّينه يسوع")... الثانية، إعلان مِشْيَحِيّة ابنها ("سيعطيه الربّ الإله عرش داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الدّهر")... الثالثة، التوفيق بين البتوليّة والأمومة ("الرّوح القدس يأتي عليك، وقدرة العليّ تظلّلك")... الرّابعة، بنوّة ابنها الإلهيّة ("لذلك، فالمولود منك قدّوس وابن الله يدعى")...

 

دفعاتٌ أربع، أربعةُ أفعال إيمان بكلام الله وبسرّ ولدها... وإنّها - على الرّغم من جهلها لجميع أبعاد التدبير الإلهيّ - وضعتْ نفسها فورًا وكلّيًّا في خدمة ابنها، مهما اقتضى الأمر: "ها أنا أمَة الربّ، فليكن لي بحسب قولك". هذه الخدمة سوف تقتضي منها العذاب. هذا ما سوف يكشف لها عنه سمعان الشيخ. هذا ما سوف تذوق  بَوادرَه عند اختفاء ابنها ثلاثة أيّام. هذا ما سوف تتجرّعه كلّيًّا على الجلجلة. "فلْيكن!...".

 

 

الإيمان والمعاناة

 سوف تتعرّض مريم، مثل إبراهيم، لامتحانٍ إيمانيّ مرير ومأسويّ على الجلجلة، حيث يبدو ابنها وكأنّه قد فشل تمامًا على خشبة "اللّعنة" (تثنية 21/ 23). فكان الصّليب، في الظاهر، تكذيبًا لكلام الملاك جبرائيل، يوم البشارة... لكنّها، مثل إبراهيم أيضًا، لن تتخلّى عن إيمانها بكلام الملاك: "إنّه يكون عظيمًا، وابنَ العليّ يُدعى. وسيعطيه الربّ الإله عرش داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الدّهر، ولن يكون لملكه إنقضاء" (لو 1/ 30 - 34). أجل، إنّها لن تتخلّى عن هذا الإيمان، مهما يكن من مظاهر "اللّعنة" والفشل.

 

كان صليب المسيح قد زَجَّ الرّسل والتلاميذ ومريم المجدليّة في لجّة من الضياع والحيرة، فراحوا يفكّرون مثل تلميذَي عِمّاوس ويقولون: "كان أملـُـنا فيه..." (لو 24/ 21). فكان لا بدّ للمسيح من أن يَظهر لهم، لكي يرمِّم فيهم الإيمان المصدَّع والأمل المُنهار... وإن كان الإنجيليّون لا يأتون على ذكر أيّ ظهور لمريم أمّه، فلأنّهم إعتبروا الأمر غير لازم - حتّى لو صار - طالما أنّها هي لم يتصدّع إيمانُها ولم يَنْهَرْ أملـُها. وكما أنّ الإنجيليّ لم يقل، في رواية قانا الجليل، إنّ مريم آمنت بيسوع، بل إنّ الرّسل هم الذين "آمنوا به" (يو 2/ 11)، كذلك، بعد القيامة، هم الرّسل من "رأوا فآمنوا" (يو 20/ 8، 29)، لا مريم.

 

أجل، إنّ إيمان مريم، في الإمتحان الإيمانيّ الأعظم على الجلجلة، لم يَعتَرِه أيُّ خسوف أو كسوف، بل ظلَّ صامدًا في وجه الظواهر المعاكسة، وظلّت هي على أملها بأنّ الله سيكون أمينًا لوعوده بأنّ ابنها سيكون عظيمًا، وابن الله، ومَلِكًا إلى الدّهر. وهكذا كان في التاريخ حِقْبةٌ من الزّمن كانت فيها مريم، على حدّ قول أحدهم، "العضوَ الحيَّ الوحيد في كنيسة المسيح".

 

وُجود مريم عند الصّليب وهي "واقفة" (يو 19/ 25) بكلّ ثبات وشجاعة، لم يكن مجرّد حضورِ أُمّ قُربَ ولدها، ساعة تنفيذ الإعدام، بل كان شهادة إيمانٍ ورجاء في ذلك الذي بدا وكأنّه قد مُنيَ بالفشل. كلُّهم كانوا، على حدّ قول المسيح، قد "غربلهم الشيطان كالحنطة" (لو 22/ 31)، ما عدا مريم... كلُّهم كان لهم إمتحانُ الصّليب "زوالاً للإيمان" (32)، ما عدا مريم... كلُّهم كانوا ينتظرون مسيحًا زمنيًّا "يَرُدّ المُلك لإسرائيل" (أع 1/ 6)، ما عدا مريم... لماذا؟ لأنّها، منذ أن تنبّأ سمعان الشيخ لابنها بـ"المخالفة" والمناهضة، ولها بـ"إجتياز السّيف في نفسها" (لو 2/ 34 - 35)، منذ ذلك الحين ظلّت متّجهةً كلّيًّا صوب حدثٍ مِشْيَحِيّ لن يتمّ إلاّ من خلال المناهضة واجتياز السّيف. كانت تعلم أنّ ابنها سيكون مسيحًا معذّبًا، ولقد رَضيَتْ بذلك. لماذا؟ لأنّها كانت تعلم، كما سيقول بولس الرّسول، أنّ ابنها هذا المعلّق على الصّليب سوف يَنقُض "حاجز العداوة" بين البشر، فيجمعهم "بإحلال السّلام"، ويكوّن منهم "إنسانًا واحدًا جديدًا"، و"يصالحهم مع الله بالصّليب الذي به يَقتُل العداوة" (أف 2 / 14 - 16).

 

يجدر بنا التوقُّف بعض الشيء عند كلام بولس هذا الأخير: "ويصالحهم مع الله بالصّليب الذي به يَقتُل العداوة". فكأنّي بهذا الكلام يختصر أبعاد سرّ الفداء: بصليبه، قتل المسيح العداوة القائمة بين الله والإنسان من جرّاء الخطيئة الأصليّة. كيف ذلك؟

 

كانت الخطيئة الأصليّة مُقاوَمةً من الإنسان لله، فعداوة ("يوم تأكلان تصيران كآلهة" - تكوين 3/ 5)... لسان حال كلّ مقاوم هو: "إمّا أنا، وإمّا أنت... إمّا مشيئتي وإمّا مشيئتك!" وإنّ آخر ما ترمي إليه المقاومة هو حَذفُ الآخر. من هنا كان السَّجن والنَّفي والإعدام... إلاّ إذا كان هناك من مجال للمصالحة.

 

أراد الإنسان أن يَحذِف الله قائلاً له: "إمّا أنا وإمّا أنت. إمّا مشيئتي وإمّا مشيئتك!" لكنّ الله لا يُحذَف. ولمّا كان أنّه لا بدّ لأحد الطرفَين من أن يُحذَف، كان أنّ الإنسان هو من "حُذِف" بالموت الأبديّ، لأنّ مغبّة المقاومة لله والعداوة له هي الموت المحتَّم والحذف الأبديّ ("يوم تأكل منها، موتًا تموت" - تكوين 2/ 17).

 

هذه كانت مأساةُ الإنسان الكبرى: الموت الأبديّ. فمَن يخلّصه، ومن يصالحه مع الله، فلا يعود موتُه موتًا أبديًّا؟ من يكون الوسيط لهذه المهمّة؟ ليس لذلك سوى كائنٍ صديقٍ لله وللإنسان، لا يكون فيه أيُّ أثر للعداوة والمقاومة، ويكون لسان حاله: "أنت، لا أنا. مشيئتك لا مشيئتي"، فيأخذ عليه خطيئة الإنسان وموته، ويرضى بأن ينفِّذ فيه الحكمُ بالموت، على الرّغم من أنّه لا يستحقّ الموت. ذلك الكائن الذي لا أثر فيه للعداوة والمقاومة، هو يسوع المسيح ابن الله وابن مريم، الذي "صار طائعًا حتّى الموت، والموت صلبًا" (فيل 2/ 8)، فقتل بصليبه العداوة، وأزال بقيامته الموت الأبديّ... وإذا بالإنسان، في المسيح، لم يَعُدْ عدوًّا ولا مقاومًا، بل صديقٌ وابنٌ بالتبنّي. وإذا بموته لم يَعُدْ موتًا أبديًّا، وإن ظلّ جزاءً للمقاومة التي كانت والتي لا يزال يولد فيها وينقاد لها... موتُنا موتٌ مرحليّ تَعقُبه القيامة المجيدة، لأنّ المسيح أبطل، بصليبه، مفعولَه الأبديّ... ليتنا نتذكّر ذلك ساعة موتنا، ونتذكّر أنّ مريم واقفة بالقرب منّا كما كانت واقفة عند الصّليب!..

 

هذا ما قد فهمتْه العذراء التي شاركت ابنها في تقدمة ذاته لقتل الموت بموته، هي الوحيدة التي كان في وسعها أن تشاركه لأنّها الوحيدة التي، بمفعولٍ مُسبَقٍ للفداء، لم يكن فيها أيُّ أثر لعداوة أو مقاومة... إمتُحِن إيمانها عند الصّليب، فصَمَدَتْ، وكان صمودها من إشتراكها في معاني الفداء...

 

نحن أيضًا، كثيرًا ما يُمتَحن إيماننا، ودائمًا إزاء صلبان الحياة: مرض، عاهة، حزن، فشل، كوارث، تهجير، تدمير، إضطهاد، موت. هذه الصلبان تبدو لنا وكأنّها تكذيب لأبوّة الله وجوده... هل لنا من الإيمان المريميّ ما يجعلنا نصمُد، ونحتفظ بالأمل، ونُتِمَّ ما ينقص في جسدنا من شدائد المسيح؟ هل لنا، ساعة موتنا، أن نقول: "موتي جزاءُ مقاومتي، لكنّي أُشركه في موت المسيح. فبين يديك أستودِع روحي، يا ربّ، كفّارة عن معصيَتي".

 

أُولى صفحات الإنجيل ترسم لنا مريم وهي عُرضةً لامتحانٍ إيمانيّ، لمّا فاتَحها الملاك بالأمومة دون أن يشرح لها كيف ستتوافق وبتولتها، فأدخلها بذلك في ظلام كلّيّ... وآمنت! فكان، بفضل إيمانها، أنّ "ما قيل لها من قبل الربّ سيتمّ" (لو 1/ 45)... وصفحات الإنجيل الأخيرة ترسم لنا مريم وهي عُرضةٌ لامتحانٍ إيمانيّ أخير، لمّا وقفت عند الصّليب، في الظلام الدّامس، وظلّت مؤمنة، لا بل شاركت كلّيًّا ابنها في رسالته الأليمة... هذه الرّسالة سوف تواصلها في ما بعد بالأمومة الرّوحيّة. وأوّل مظاهر تلك الأمومة سيكون أن تثبِّت إيمان الكنيسة وتُنْمِيه.

 

إذا صحّ ما يقوله المجمع من أنّ "مريم هي أُمٌّ من حيث النّعمة"، فذلك يصحّ بنوع خاصّ من حيث الإيمان. فإنّها كانت أوّل المؤمنين، لا بل المؤمنة الوحيدة، ما بين جمعة الآلام وأحد القيامة، فاستطاعت أن تنقل إيمانها إلى الجماعة المسيحيّة، وتجعله يشعّ حتّى آخر الزّمان.

 

 

الإيمان والعظمة الحقيقيّة

يقول الأُسقف رومانو غْوارديني في عظمة مريم الحقيقيّة ما يلي: "... أن لا تشكّ في هذا القدّوس الذي أنجبتْه وغذّته وشاهدت ضعفه الطفوليّ... أن لا تشكّ فيه، هي المرأة، لمّا رأته يتجاوزها بقامته اللامتناهيّة، ويبتعد ليعيش في عالمٍ غير عالمها... أن لا تشكّ في محبّته لها، لمّا أدار ظهره لحنانها وعطفها... أن لا تشكّ فيه، بل تقتنع أنّ كلّ ذلك صوابٌ ومتوافقٌ مع مشيئة الله، فلا تَبرُد همّتها... أن تضع خطاها في خطى ابنها الفائق الإدراك...، هذه هي عظمة مريم الحقيقيّة.

 

"كلّما خطا الربّ خطوةً نحو مصيره الإلهيّ، خَطَت مريم معه، في الإيمان. وهي لم تفهم كلّ شيء إلاّ يوم العنصرة، إذ أدركت، هي المؤمنة، ما كانت، حتّى ذلك الحين، "تحفظه في قلبها".

"إيمان مريم هذا يجعلها أقربَ إلى يسوع وفي قلب الفداء، أكثر ممّا تفعله غرائب الأساطير. إنّ في هذه، من الصّور الظريفة، ما قد يَفتِن منّا العقول، لا ما يجعلنا نحيا، لا سيّما من حيث الحياة الجوهريّة".

 

 

خلاصة

1- إيمان مريم هذا يقرّبها كثيرًا منّا. مصيرها ليس ببعيد عن مصيرنا. فلقد طُلِب منها القبول بالخلاص، كما يُطلب منّا. ولذا فإنّ إستجابتها تعلّمنا كيف نكون متأهّبين لتلبية نداءات النّعمة، كيف نظلّ ثابتين في سيرنا نحو الله مهما اقتضى الأمر، كيف نلتزم مشيئة المسيح مهما يقل لنا، كيف لا نشكّ فيه حتّى في أقسى المحن، لأنّ "البارّ بالإيمان يحيا" (روم 1/ 17)... مريم هي مربّية الإيمان فينا.

2- مريم، أمّ المؤمنين، هي صورة الكنيسة ومثال المؤمنين. إنّها تدلّنا على طريق الإيمان الذي هو فِعلُ تقدمة وخضوع وثقة بالله.

تُعبِّر الكنيسة عن إيمانها، في اللّيتورجيا وفي الخدمة الإجتماعيّة. بصفتها عروسَ المسيح، إنّها تعبده في اللّيتورجيا بالرّوح والحقّ. بصفتها خادمة البشر، إنّها تُبدي لهم المحبّة والعطف... كما وإنّها تعبّر عن إيمانها بطاعتها لله لا للبشر، فيما هي ترفع لواء الأخوّة والعدالة والحرّيّة... وتعبّر عنه أخيرًا بثقتها بكلام الله ووعوده، فيما هي تُعلِن كلمة الله عاليًا، وتُؤَوِّن الوعود (تجعلها آنيّة) بمنحها الأسرار السّبعة.

تمنّت القدّيسة تريزيا الطفل يسوع، يومَ وفاتها، لو أنّها كاهنٌ لتُلقي العظات في مريم، وقالت: "يبدو لي أنّ مرّةً واحدة تكون كافية لأُبيّن رأيي فيها فأقول إنّها، كما تظهر في الإنجيل، كانت مثلنا بالإيمان تحيا".

هذا وإنّ الحياة الرّوحيّة لا تكون إلاّ بالإيمان. ذلك أنّه إن كان العِلمُ وحده مفتاحَ الدّنيا، فالإيمان وحده مفتاح العُليا، ولا مجال لتعدّي الواحد على الآخر.

 

 

                                                         جميل نعمة الله السّقلاوي  

مرسل لعازريّ

 

 

          

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية