الأُسُس الكتابيّة للاّهوت المريمي

 

 

 

الأُسُس الكتابيّة للاّهوت المريمي

 

من الأهميّة بمكان أن نركّز اللّاهوت المريميّ على النّصوص الكتابيّة، وإلاّ كان الإستناد على المُخيّلة والعاطفة... وأمّا ظهورات مريم الخاصّة فإنّها، ولو اعترفت بها الكنيسة، لا تزيد شيئًا إلى الوحي الإلهيّ الذي نزل نهائيًّا في ما سلّمنا إيّاه رُسُل المسيح، إمّا كتابةً وإمّا شفهيًّا. جُلُّ ما هناك أنّ الظهورات تَلفِت النّظر إلى جوانب الوَحْي المتعلّقة خصّيصًا بحاجاتِ هذا أو ذاك من الأزمنة.

 

لا بُدَّ هنا من كلمة في التقليد الكنسيّ. إنّي أستوحيها من كتاب دانيال روبس "أناجيل العذراء" (Les Évangiles de la Vierge, éd. Robert Laffont, 1949):

تنعم الكنيسة بحضور الرّوح القدس، منذ العنصرة. فهي لا تستطيع، في مُجملِها، أن ترتكب خطأً عقائديًّا. فعندما ينبثق المُعتقد من أعماق حسِّها الجماعي، وعندما يُصاغ هذا المُعتقد في صلواتٍ مُصادَقٍ عليها رسميًّا (إبتهالات، عبادات، ليتورجيا)، فإنّ ذلك يتوافق بلا ريب والحقيقة المُوحَى بها. هذا ما عبّر عنه، في الجيل الرّابع، القدّيس بّولن دي نُوْل، بقوله: "فلْنُصغِ إلى تنفُّس الرّوح القدس في المؤمنين، فهو يتنفّس حقًّا في المؤمنين". من هنا كان القول الشائع: "قاعدةُ الصَّلاة، قاعدةٌ للإيمان" (Lex orandi, lex credendi).

 

وعليه، فإنّ المُعتقد الذي يحظى بمواقفه الكنيسة في مُجملها، هو مُعتقد لا يجوز رفضُه، حتّى لو لم تَضمَنْه بعدُ عِصمةُ بابا أو مجمع.

لا ريب حقًّا في أنّ باب الوحي قد أُقفل بموت آخر رسول من رُسُلِ المسيح، ولم يَعُدْ من مجال لإضافة عقيدةٍ واحدة إلى وديعة الإيمان كما سلّمها المسيحُ رُسُلَه. إنّما ما قد يحصل هو نموٌّ متطوِّرٌ للمبادئ والبذور المُحتواة في العقيدة منذ نشأتها. بكلامٍ آخر: الكنيسة لا تبتكر شيئًا، ولا تغيّر شيئًا ممّا هو أساسيّ، بل توضح وتتعمّق وتحدّد، في أضواء الرّوح القدس الذي لا يزال يُحْيي روحها فيُنمي فيها، كالأشجار الباسقة، بذورًا قد زرعها الرَّبّ فيها... فالعقيدة حياة، والرّوح القدس هو ماويّتها. أمّا قاعدة تطوّرها العُضويّ وموجّهُه فهو عندما نتناول عقيدتَي الحبل بلا دنس وانتقال العذراء.

 

نعود إلى الأُسُس الكتابيّة لنقول إنّه ينبغي الإنتقال من الإختبار المريميّ الحاليّ في الكنيسة إلى المقابلة بكلام الله المُعتبر وحْيًا مقياسيًّا ينظّم كلّ ظاهرة كنسيّة ويقدّرها... فماذا يقول الكتاب في مريم العذراء؟

 

يتسرّع الكثيرون، حتّى من الكاثوليك، ويقولون جازمين: "لا شيء تقريبًا، أو لا شيء يبرّر تلك الأهميّة التي أُعطيَت إيّاها!" آنَ الأوان لإزالة الغشاوة عن الأعيُن، بإظهار ما قد جاء في الكتاب من كلامٍ فائضٍ يعبّر عن كلّ ما يختصّ بمريم وبأهميّتها، إمّا صراحةً وإمّا ضمنًا...

في الكتاب المقدّس دلائلُ ذاتُ أبعاد مهمّة ومفيدة جدًّا لفهم مريم. ما هي؟

 

 

أوّلاً - مبادئ عامّة

أنسانَوِيّة سفر التكوين

نجد في الفصول الثلاثة الأولى من سفر التكوين الجوانب الأساسيّة المتعلّقة ليس فقط بالإنسان - ذكر وأُنثى -، بآدم وحوّاء المؤلّفَين للجنس البشريّ، بل بآدم الجديد أيضًا (يسوع) وحوّاء الجديدة (مريم) المؤلّفين للبشريّة الجديدة. كما وإنّ هذه النّصوص تعرض بوضوحٍ ما تقوم عليه الطبيعة البشريّة، وما له قيمة أنطولوجيّة في الكيان الإنساني بحدّ ذاته والذي هو معًا ذُكورة وأُنوثة.

لقد استند القدّيس بولس إلى ما قيل في آدم الأوّل، ليُقيم بينه وبين آدم الثاني مقارنةً متوازية ومتعارضة. ألا ينبغي كذلك أن نستند إلى ما قيل في حوّاء الأولى، فنُقيم بينها وبين حوّاء الثانية نفس المقارنة؟ هذا ما فعله آباء الكنيسة، ومنهم إيرينايُس وأوريجينُس وفمُ الذهب كما والقدّيس برنردُس.

 

لقد بيّن إيرينايُس أنّ التدبير الخلاصيّ ماشى مراحل السّقطة الأولى، وأنّ الله إستعمل للخلاص ما قد ساهم في الهلاك، الأمر الذي يدلّ على مساهمة مريم في التدبير نفسه. أوريجينُس يقول إنّ الخطيئة إنطلقت من امرأة، فمن امرأة ينبغي للخلاص أن ينطلق. يوحنّا فم الذهب يؤكّد ويقول: "عذراء طردتنا من الفردوس، بعذراء وجدنا الحياة الأبديّة" (م 2/ 424، 426، 432). أمّا برنردُس فيقول: "لا ريب في أنّ كلّ شيء، في نظام الخلاص، يأتينا من المسيح. إنّما كان حَسَنًا لنا أن لا يكون الرّجل وحده. فإنّه من اللياقة بمكان أن يشترك الجنسان في افتدائنا كما اشتركا في سقطتنا... وعليه فينبغي أن لا ننظر إلى دور المرأة المباركة بين كلّ النساء كما لو أنّه دورٌ نافلٌ وغيرُ مُجْدٍ. إنّ لها منزلةً واضحة في المُصالحة... إشتركت حوّاء في الإغراء، ومريم في الفداء. الأولى أوحت إلينا بالخيانة، والثانية قدّمت لنا الفداء" (م 23/ 169، 170).

 

وعليه، فكما أنّه لم يكن من آدم بلا حوّاء، كذلك أيضًا لن يكون من آدم جديد بلا حوّاء جديدة. وكما أنّ آدم الأوّل لم يفتتح وحده سُلالة الجنس البشريّ، بل مع حوّاء ("لا يحسن أن يكون الإنسان وحده" - تكوين 2/ 18 -)، كذلك أيضًا لن يفتتح آدم الجديد، بلا حوّاء جديدة، سُلالة البشريّة الجديدة. وكما أنّ الكائن البشريّ ليس، من حيث الكيان، رجلاً أو امرأة، بل هو رجل وامرأة، "ذكر وأُنثى" (1/ 27)، كذلك أيضًا يسوع المسيح، في طبيعته البشريّة، ليس إلاّ نصفَ هذه الطبيعة، نصفَها الذُكوريّ. فكيف يكون عملُ التجسّد والفداء قضيّة الذُكورة وحدها؟ وإن كان الأمر على هذا النحو، فكيف لا يكون الله قد ناقض كلامه القائل: "لا يحسن أن يكون الإنسان وحده؟" كيف لا يكون قد ناقض ذاته إن لم يكن النصفُ الأُنثويّ إلى جانب النصف الذُكوريّ في الخلاص؟...

 

إلى ذلك، فلقد قيل أيضًا: "فيصيران كلاهما جسدًا واحدًا" (2/ 25). الكائن البشريّ هو إذًا - كما هو الإله الثالوث - كائنًا اتّحاديًّا، أي إنّه يتألّف من اثنين يكون الواحد منهما "عونًا" للآخر (2/ 18). ولذا فإنّ يسوع ليس هو الكائن البشريّ بكامله، لا ولم يقم بالتجسّد والفداء بدون إشتراك مريم "عونه".

حقًّا، إنّه وحدَه إله، دون مريم. ووحدَه، مع الآب والرّوح القدس، هو مدبّر الخلق منذ الأزل، دون مريم. إنّما، ومن أجل نجاح التدبير الثالوثيّ للتجسّد الفدائيّ، لقد أراد الله الإشتراك الأنثويّ في العذراء مريم، لأنّ يسوع لم يكن له، في أُقنومه، كلّيّةُ الطبيعة البشريّة.

 

إنّ ما تتميّز به حوّاء، في سفر التكوين، ليس أوّلاً أن تكون لآدم زوجة، بل أن تكون له "عونًا بإزائه" (2/ 18)، أي إنّ آدم لن يستطيع القيام برسالته بدون حوّاء... على هذا النحو سيكون دور العذراء مريم بالنسبة إلى المسيح: دور الأمّ في التجسّد، دور العون في الفداء. هذا ما سوف يظهر بوضوح يوم البشارة في الناصرة، ويوم الصّلب على الجلجلة. وهذا ما سوف يعنيه المسيح بمناداته أمَّه: "يا امرأة!".

 

 

كون العهد الجديد يكمّل القديم

ولمّا كان أنّ العهد الجديد يكمّل، بيسوع المسيح، العهد القديم، أصبح هذا نبوءةً تتعلّق بالمسيح، كما قد أفهم تلميذَي عمّاوس لمّا "فسّر لهما ما يختصّ به في الأسفار كلّها، ذاهبًا من موسى إلى جميع الأنبياء" (لو 24/ 27)، وأفهم سائر الرّسل لمّا قال إنّه كان "لا بدّ أن يتمّ جميع ما كُتِبَ عنه في ناموس موسى وفي الأنبياء والمزامير" (44).

ينتج عن ذلك أنّ ما يتعلّق بالذُكور الذين يرمُزون إلى المسيح في العهد القديم، يتعلّق أيضًا بالإناث اللّواتي لهُنّ دور حيال هؤلاء، واللّواتي، من جرّاء ذلك، تَرمُزْن إلى مريم التي كان لها دور حيال المسيح. هكذا مثلاً إن كان آدم يرمز إلى المسيح، فإنّ حوّاء ترمز إلى مريم، من حيث إنّها "أمّ الأحياء" و "عونٌ" لآدم (تكوين 3/ 20، 2/ 18).

 

 

طريقة الإحتواء

هناك أيضًا، لفهم الدلائل الكتابيّة، ما عدا أنسانَوِيَّة سفر التكوين وكون العهد الجديد مكمّلاً للعهد القديم، الأسلوبُ الإحتوائي أو الإندراج الضمنيّ. ماذا يعني؟

ينبغي لمن يريد إكتشاف كاملِ معاني الكتاب المقدّس أن يعلم أنّهم لم يكونوا، في ما مضى، يكتبون التاريخ كما نكتبه اليوم. فمِن الطُرُق المتّبعة آنذاك كانت طريقةُ الإستشهاد بكتاباتٍ سابقة، أو طريقةُ التّلميح إلى أشخاصٍ سابقين. كان ذلك يوفّر عليهم التوسيع في الشّروحات، أيّام كانت الكتابة عملاً ضخمًا.

 

هكذا مثلاً في إنجيل الطفولة بحسب القدّيس لوقا إستنادٌ إلى سفر صموئيل الأوّل، في فصليه الأوّل والثاني. هذا يعني أنّ القارئ عليه أن يقارن بين صموئيل والمسيح، بين حنّة ومريم، وأنّ ما يقال في صموئيل وأمّه ينبغي أن يقال في يسوع وأمّه. وبكلامٍ آخر، إنّ ما يقال في يسوع ومريم مُحتوىً ومندرجٌ ضِمنًا في ما يقال عن صموئيل وحنّة. طريقة الإحتواء هذه تُظهر كيف أنّ العهد القديم هو نبوءة عن الجديد، وكيف أنّ هذا يكمّل ذلك، وكيف أنّ التدبير الإلهي هو تدبيرٌ متواصِلٌ ينفَّذ باستمرار، وكيف أنّ النّصوص الكتابيّة يوضح بعضُها بعضًا.

 

من يجهل ذلك يتعرّض لخطر إهمال أُمورٍ جوهريّة تتعلّق بمريم. وإنّ من يرفض الإعتراف بطريقة الإحتواء، ما أسهل عليه أن يعتصم بالنّفي قائلاً: "لا، ليس في الكتاب شيءٌ عن مريم!" لكنّه لا يُدرِك أنّه، بذلك، إنّما يتعامى عن الحقيقة ويُعطي عن الكتاب تفسيرًا خاطئًا...

 

للنصّ الكتابي معنًى مباشر، هو المعنى كما فهمه الكاتب المُلهم وأراده. لكن للنصّ أيضًا إمتدادًا يتجاوز المعنى المباشر ليطال معناه العميق كما أراده الواضع الحقيقي للكتاب المقدّس، الرّوح القدس الذي ألهم الكتابة بحيثُ تعبّر عن الحقيقة، بالإرتباط مع سائر النصوص ومع كامل الرّسالة الإلهيّة.

 

في النصوص المقدّسة تلميحاتٌ أو اتّجاهاتٌ تبقى غامضةً إلى أن تتوضّح بالمقابلة أو التبحُّر اللّاهوتي. فالقضيّة قضيّة إظهار ما كان مُضمَرًا أو محتوَيًّا.

 

 

الشخصيّة الجماعيّة

ولنا أخيرًا، لفهم الدلائل الكتابيّة ما يسمّونه "الشخصيّة الجماعيّة"، كشخصيّة آدم وحوّاء اللذين يحتويان "الجماعة" البشريّة بأسرها، أو شخصيّة رئيس الأحبار والملك وصهيون أولئك الذين يحتوون الشعب كلّه... فكرة "الشخصيّة الجماعيّة" هذه تدلّ على أهميّة الذين تُضفَى عليهم... ولمّا كان أنّ أولئك الأشخاص يرمُزون إلى المسيح، في وظائفهم، أصبحت حوّاء الأولى رمزًا لحوّاء الجديدة "عونِ" آدم الجديد، و"بنتُ صهيون" رمزًا لمريم.

 

حقًّا ليس للعذراء مريم، في الكتاب المقدّس - حتّى العهد الجديد منه - أهميّةٌ كميّة (عدد النّصوص واستفاضتها). لماذا؟ يقول القدّيس توما دي فيلنُوف (de Villeneuve): "تساءلتُ لماذا الإنجيليّون كتبوا، بذلك الإيجاز، تاريخ العذراء مريم... لأيّ سبب ليس لدينا كتابٌ يدعَى "أعمال العذراء"، فلم أجد سوى هذا الجواب المُحتمل: تدبير الرّوح القدس. فإنّ مجد العذراء كلّه في الباطن، وهو أسهل على التفكير والتأمّل منه على الكتابة. وقد يكون كافيًا، في تاريخها، أن يُكتب عنها أنّ يسوع وُلِد منها. ماذا تريدون بعد ذلك؟ يكفي أنّها أمّ الله. بالله عليكم، قولوا أيّ جمال، أيّة فضيلة، أيّة نعمة وأيّ مجد لا تستدعي الأُمومة الإلهيّة؟

 

"إنْ كان الرّوح القدس لم يَصِفْها في الكُتُب المقدّسة، إن كان قد ألقى عليكم أمرَ تصوُّرها، فإنّما ذلك ليُفهمكم أنّه لا ينقصها شيء من النّعمة أو الكمال أو المجد أو أيّ شيءٍ آخر يمكن أن يتحلّى به مخلوق. وإلى ذلك، فإنّها تفوق كلّ عقل وكلّ إدراك. فبعد أن قال لنا كلّ شيء جملةً، فلماذا القول بالتفصيل، لا سيّما أنّه لكُنّا إعتقدنا أنّ ما لم يُكتَب لم تَحُزْه؟" (مجمع 12/ 211).

 

كان اللاّهوتيّ اللاّمع والخطيب المفوَّه اُسقُف بُوفيه، بُوسُّويه، يقول: "سكوت الكتاب عن تلك الأمّ الإلهيّة أَبلغُ من كلّ الخُطَب" (عظته في الإنتقال، سنة 1660).

وكتب جان غيتُون العضو في الأكاديميّة الفرنسيّة: "لم يتكلّم الإنجيليّون على أم يسوع إلاّ في المناسبات. لم يفكّروا بكتابة "إنجيل مريم"... ولكنْ "أن يكون الإنجيل لا يأتي على ذكرها إلاّ عَرَضًا، وأن تكون الجماعات المسيحيّة الأولى لم تُوجّه إليها الأنظار، فإنّما ذلك يُضفي على المعلومات التي لنا عنها طابعًا خاصًّا من الصّحة والأصالة: نحن على يقين من أنّ ما قد كُتب عنها لم يُكتب لتبرير تكريم أو لتمرير قضيّة" (م 14/ 23).

 

أجل، ليس هناك الكثير من النّصوص، بَيْدَ أنّ القليل منها يقول فيها كلّ شيء: الحبل بها بلا دنس وبتوليّتها الدائمة وأمومتها الإلهيّة ووقف نفسها لخدمة الربّ (البشارة)... إيمانها والتكريم اللائق بها وإشعاعها (الزيارة)... شفاعتها (قانا الجليل)... إشتراكها بالأوجاع في سرّ الفداء وكونها أمّ البشر (التقدمة، الجلجلة)... مكانها في الكنيسة (العليّة)... مجدها السَّماويّ (امرأة سفر الرؤيا)...

 

هذه هي الأُسُس الكتابيّة للاّهوت المريميّ، ولحضور مريم في الحياة المسيحيّة... حقًّا، إنّ الهدف الأساسيّ للكتاب المقدّس هو أن يؤمِّن المواقف المسيحيّة الأساسيّة تُجاه الآب (ملكوت الله)، والابن (الحياة في المسيح)، والرّوح القدس (التصرُّف بحسب إيحائه). بَيْدَ أنّه لا يسعنا أن نتجاهل الإهتمام الخاصّ الذي يُوليه الكتابُ العذراء مريم التي هي فيه - كما يقول اللاهوتيّ البروتستانتي الكبير، كارل بَرْث - "مميّزةٌ بشكلٍ لا يقبل الجدل". فإنّ دورها في تاريخ الخلاص فريد، وهو يستدعي علاقة مباشرة بها في المديح والإعجاب والتقبّل الإيمانيّ لدورها الأموميّ الأساسيّ. هذا ما هو ظاهر في فجر الكنيسة، كما يُستدلُّ من قول أليصابات، وهو قولٌ كانوا، على ما يُظنُّ، يردِّدونه قبل أن يدوِّن: "مباركةٌ أنت في النساء... طوبى للّتي آمنت" (لو 1/ 42، 45).

 

وعليه، إن كانت الحياة المسيحيّة إنفتاحًا على ملكوت الله، فمريم هي العذراء الفقيرة المنفتحة عليه كلّيًّا وبأفضل ما يكون. إن كانت الحياة المسيحيّة حياةً في المسيح، فمريم هي المؤمنة التي تشترك في العمل الخلاصيّ بأفضل ما يكون من الأمانة والإصغاء والثبات. وإن كانت الحياة المسيحيّة حياةً في الرّوح، فمريم هي الخليقة الأولى التي حلّ عليها الرّوح القدس لكي تتصرّف بقلبٍ متجدّد، وتشهد للمسيح، وتمجّد الله، بأفضل ما يكون، لتدخُّله في التاريخ.

 

وجهُ مريم، كما يُظهره الوحيُ الإلهيّ، هو وجه المؤمنة العابدة لله، والمسيحيّة المتتلمذة للربّ، وأمّ التلميذ المتّحد بالمسيح اتّحادًا حميمًا، والعضو في الجماعة التي تصلّي إلى الرّوح القدس وتتوسّل إليه هو مكوّن الجـِدّة المسيحيّة.

 

العذراء متّجهة كلّيًّا نحو المسيح. إنّها تنتظره وتسهّل له المجيء، تستقبله وتسير في خطاه. إنّها صورة البشريّة المشتركة، بالمسيح، في العمل الخلاصيّ. إنّها حاضرة في سرّ المسيح وسرّ الكنيسة. إنّها "ترتبط بعمل ابنها الخلاصيّ إرتباطًا لا ينفصم. في مريم تنظر الكنيسة بدهشة إلى ثمرة الفداء السَّامية وتُعظّمها، وتتأمّل بفرحٍ ما تريد أن تكون وتشتهيه" (دستور في الليتورجيا المقدّسة، 103).

 

وقُصارى القول، إنّ مريم وحدَها بين جميع القدّيسين حاضرةً في كلّ مراحل الخلاص: في التجسّد (الناصرة)، في انطلاقة المسيح (قانا)، في الموت الفدائيّ (الجلجلة)، في ولادة الكنيسة (العلّيّة). هذا الحضور حضورٌ هادئ وسكوت، يحرّكه الإيمانُ الصّافي والمحبّةُ المتأهّبة لخدمة التدبير الإلهيّ وتعطُّشات البشر.

 

 

جميل نعمةالله السقلاويّ

مرسل لعازريّ

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية