البُتوليّة وحياة المتبتّلين

 

 

البُتوليّة وحياة المتبتّلين

 

وقْفٌ لله كلّيّ وجذريّ، إتّحادٌ بالله في التأمُّل والمشاهدة، حبٌّ أسمى، فقرٌ وتجرُّد، تجدُّدٌ في عالم الملكوت، خدمةُ المسيح خدمةً تامّة وامتلاءٌ منه وبه وفيه... هذه كانت أبعاد بتوليّة مريم الدّائمة. وهكذا ينبغي أن تكون أبعاد التبتُّل في الحياة الرّهبانيّة أو ما هو على غِرارها... في وسعنا، إلى ذلك، إضافةُ الملاحظات التالية:

 

 

البُتوليّة والأمومة

إنّ بتوليّة تنغلق على ذاتها، لا ولن تبلُغ الإمتلاء. لا بدّ لها من الإنفتاح على الأمومة الرّوحيّة. فالمرأة، ولو بتولا، هي أبدًا "أُمّ الحياة"، كما كانت تقول العذراء الشهيدة القدّيسة أوجينيا. وللبابا لاون الكبير كلامٌ في "البُتولة الأُموميّة". لا، لا تَناقُض بين البتولة والأمومة. فهذه ليست، عند المرأة، وظيفةٌ عرضيّة. المرأة ليست أُمًّا بالصِدفة. الأمومة عندها بِنْيةٌ أساسيّة. فهي أبدًا أمّ، ولو لم يكن لها ولد، لأنّ ميزة المرأة أن تُنجب الحياة وتتقبّلها وتحميها. وعليه فإنّ البُتوليّة الحقيقيّة خلاّقة. يكفيها لذلك، وعلى مثال العذراء مريم، أن تندمج كلّيًّا في المخطّط الإلهي.

 

للقدّيس أغسطينوس هذا القول الجسور: "وُلِدَ المسيح من بتول. فيا أيّتها النّساء، احتفظْنَ العفّة وارعَيْنَها، تُصبِحْنَ أُمّهات المسيح!" (Oratio 38, 1). وغريغوريوس النيسيّ، بعد أن يُبدي إعجابه كيف أنّ "العذراء هي أمّ، ومع ذلك بقيت عذراء"، يعلّق ويقول: "البُتوليّة لا تمنع الولادة، ولا الولادة تُبْطِل البُتوليّة" (In nativitate Christi).

 

 

البُتوليّة والعفّة

لا تقتصر العفّة على تجنُّب "الزّرع في الجسد" اتّقاءً لحصاد "ثمرة الجسد، الفساد" (غل 6/ 8). العفّة هي، قبل كلّ شيء وبالحبّ الذي منه تنطلق، إعلاءٌ لشأن طبيعة الإنسان الرّوحيّة. هذه الطبيعة قد فُطِرَتْ على الضعف، لأنّها وُسِمَتْ بالخطيئة الأصليّة. ولذا فإنّ العفّة لن تكون بلا قهرٍ للذات: ينبغي السيطرةُ على الحواسّ، لجمُ المخيّلة ("مجنونة الدّار"، كما يقولون في الغرب). ينبغي التغلُّبُ على ميول القلب الطائشة، صرفُ النّظر عن المُهيِّجات. ألم يعاهد أيّوب البارّ عينيه أن "لا يتأمّل في عذراء" (31/ 1)؟ وداود، ألم يرتكب الزّنى والقتل بسبب نظرة واحدة؟ والشّاعر العربي، عنترة بن شدّاد، ألم يقل:

وأَغُضُّ طَرْفي ما بَدَتْ لي جارتي            حتّى يـــــواري جـــارتي مــأواهــــا

إنّي  امرُؤٌ   سَمْحُ   الخليقة، ماجِدٌ            لا أُتْبـِـعُ   النّفسَ   اللّجوجَ   هواهــــا

 

كيف التوصّل إلى ذلك؟ العفّة، السيطرة على الذات، من ثمار الرّوح القدس، كما يقول بولس الرّسول (غل 5/ 23). فإن كانت وُجهتُها السَّماء، ففي السَّماء تتأصَّل. وبقدْرِ ما يسكن الرّوح في الإنسان جاعلاً له فيه مَقرًّا، بهذا القدْر تزداد العفّة عزمًا ونُموًّا.

 

هذا وإنّ العفّة لن تكون بلا تواضع. لقد أدان المسيح الفضيلة المتشامخة عند سمعان الفرّيسي، فيما أشاد بالندامة المتواضعة عند المجدليّة. ويا له مِن ذمٍّ لاذعٍ ينزِل براهبات "بُّور رْوَيّال" الجنسيّات، لمّا قيل فيهنّ: "طاهراتٌ كالملائكة، متكبّراتٌ كالأبالسة!"... مريم، بالعكس، ما زالت، حيال الله والبشر، تلك "البتول الصّغيرة" كما تقول اللّيتورجيا المارونيّة، تلك "المنسحقة في عدمها" كما كانوا يقولون في الجيل السّابع عشر.

 

 

البُتوليّة والحبّ

البُتوليّة أكثر من تحويلٍ أوتصعيد (sublimation) للغريزة الجنسيّة. إنّها حبّ، إنّها هبةٌ للذات، خدمةٌ للربّ وإرضاءٌ له (1 قور 7/ 34). قلبُ المُتبتّل يرفض أن يحبّ غير الحبّ الإلهيّ. أمّا الخلائق فإنّه يُعيرها ما لها عند الله من أهميّة، متحاشيًا في علاقته بها نزعة التملُّك والتلذُّذ. ذلك أنّ طاقة الحنان عنده قد اتّسعت وتوحّدت في سعيه إلى "ذلك الذي يحبّه القلب" (نشيد 3/ 1 - 4): فهو وحده قادرٌ أن يُرضي تمامًا ذلك الميل الذي فيه، طبيعيًّا، إلى تبادل الحبّ. "العذراء الحكيمة" هي، هنا، تلك التي تتبع عريسها، حمل الله، حتّى الجلجلة.

النّفس المكرَّسة تقترن روحيًّا بكلمة الله، مقدّمةً له، على مثال العذراء، "جنّة" قلبها "المُقفلة" (نشيد 4/ 12). أجل، إنّ كلّ من يتكرّس للرَّبِّ دون سواه، يشترك في بتوليّة السيّدة، شرْطَ أن يتركها تُعفـِّـفه كما عفَّفت يوسف...

 

 

البُتوليّة والصداقة

هل يجوز لشخصٍ موقوفٍ لله أن يتصادق وآخر من الجنس الثاني؟ يُخطئ من يتسرّع ويجيب بـ"نعم" أو بـ"كلاّ"... المسألة أَدقُّ من ذلك بكثير... ليس لي هنا إلاّ أن أُقدّم، للتبحُّر الشخصيّ، بعض المنطلقات والمبادئ:

1- للبُتوليّة، كما رأينا، طابعُ الفقر والتجرّد. أمّا والفقير المتجرّد هو، حسب الإنجيل، ذلك الذي لا تتلبّك نفسه بشيء أو بأحد إلى حدِّ عدم الاستغناء، فإذا أصبح ذلك "الآخر" مُثيرًا للرَّغبات ولها مهدِّئًا، أو أصبح هو ميزان السّكينة أو القلق، هذا يعني أنّه أزاح الله في القلب... يقول كتاب الإقتداء بالمسيح: "حرِّمْ على نفسك أن يُؤخَذ بك أحدٌ ما كلّيًّا، أو تُؤخذ أنت كلّيًّا بحبّ أحدٍ ما. بل تصرَّفْ بحيث إنّ المسيح هو الذي يملك فيك وفي أيٍّ كان غيرك" (الباب الثاني، الفصل الثالث، المقطع 3).

 

2- إنْ أنت أظهرتَ الحنان بمُلامساتٍ ودّيّة، أو بتصرّفاتٍ شهوانيّة، أو بتآلُفٍ حسّي، فسرعان ما تجد نفسك سجين عطشٍ قتّال لا يرتوي ساعةً إلاّ ليتأجّج ساعات...

 

3- ومع ذلك، فإنّه لا بدّ من الصداقة لبلوغ الإتّزان المتناغم. كان المطران أنسيل يقول: "كاهنٌ بلا صديق، كاهنٌ في خطر". لماذا؟ لأنّ للصداقة الصّحيحة - عدا كونها عُنصر اتّزان - وجهٌ رسوليّ أساسيّ. فإنْ عاش المرء المكرّس في عزلةٍ غير مستوعَبَة (non assumée)، كيف لا يتأثّر اتّزانُه سلبًا، كما وعملـُه الرَّسوليّ؟ إذًا، فلْيكن للشخص المكرّس صداقات، ولكن لا للتعلّق، ولا للمنفعة، ولا للتعويض عن حبّ محرّم، ولا للحاجة العاطفيّة، بل رغبةً منه في نقل وجه الصداقة الصَّحيحة، المبنيَّة على المحبَّة، إلى من يقوم برسالته حيالهم.

 

4- إستمرار الصداقة بين الجنسين، دون أن تتحوّل إلى إشتهاءٍ جنسيّ، هل هو أمر ممكن؟ سؤالٌ شائكٌ للغاية! ليس من بابٍ للجواب إلاّ لمن يكون نبيًّا، أو يكون مطّلِعًا على كافّة الأحوال التي حدثتْ... مهما يكن، فاعتقادي أنّه صالحٌ ومفيدٌ التمرُّسُ بحياة العزلة المتّزنة. تقول مادلين دَلْبريل: "يوم نُدركُ أنّ التصدُّع المستعصي القائم بيننا وبين الآخرين، إنّما هو لنا الفرصة المؤاتية لنكون ما نحن، ويومَ نُدرِكُ أنّ الله ينادينا باسمنا، من خلال ذلك، يومَها يحدُث فينا الإهتداءُ الكبير الذي يحوّل العزلة السّيّئة إلى عزلةٍ مباركة".

 

وكان الكردينال نْيُومن يقول: "نصيبي أن يُساءَ فهمي. إنّما ذلك كان يُرغمني دومًا على السّعي للإتّحاد الأوثق بالله. وهكذا فهمتُ، مع الأيّام، أنّ عزائي الوحيد لن يكون إلاّ الإفخارستيّا"... والقدّيسة تريزيا الأفيليّة تعترف وتقول إنّها، بعد أن كان لها "فائدةٌ روحيّة كبرى" في التردّد على الأصدقاء، شعَرَتْ بأنّ "الخلائق تُتعِبها"، وأنّ "الخالق وحده يستطيع أن يمنحها العزاء والإمتلاء". فكانت ترفع إليه الصَّلاة التالية: "إجعلني يا ربّ أُفارقُ هذه الحياة، يومَ أعود لا يسعني أن أُحبّ إلاّ إيّاك ولا أستعملُ كلمة "حُبّ" إلاّ لمُحيّاك".

 

5- إن قامت علاقة الصداقة، ينبغي للشَّخص المكرّس، وبمعونة الرّوح القدس، أن يعيشها وهو منفتح على الجميع، دون إنكفاء على نزعة التملُّك الأنانيّ والإستئثاريّ. ولْيعِش المحبّة للربّ والقريب بالنّقاء، والصّفاء، والرّغبة في الإهتمام بحاجة الغير الرّوحيّة، لا بما يغذّي لواعج العاطفة. هكذا كانت صداقة فرنسيس الأسيزي وكلارا، فرنسيس السالسي وشنتال، منصور دي بّول ولويز دي مَريّاك: عاشوا صداقتهم على أنّها موهبة كنسيّة ورسوليّة، وذلك منذ البداية، ودون أيّ إرتخاء أو ضعف... هذا وإنّي أتساءل إن كانت الصداقة التي تنقلب حبًّا، في وسعها بعدُ أن تعودَ صداقة. قد يكون، ولكن ليس قبل إنقطاعٍ طويل، ليس قبل القلْع والقطْع والبَتْر، كما يقول المسيح (متّى 5/ 29 - 30، مر 9/ 43 - 47).

 

 

البُتوليّة والعزوبة المكرَّسة

ليست العزوبة المكرَّسة سوى حالةٍ حياتيّة قد اختيرتْ تلبيةً لنداءٍ معيّن. ولمّا كانت اليوم، من قبل البعض، موضوعَ تشكيك، لا يسعنا إلاّ أن نذكّرهم بقول المسيح: "من يستطيع أن يفهم، فليفهم!" (متّى 19/ 12). الأمانة الزوجيّة نعمة، والعزوبة المكرّسة نعمة هي أيضًا، إذ إنّها علامةٌ لملكوت الله. ففي زوالها إفتقارٌ خطير للرِّسالة المسيحيّة... العزوبة المكرّسة دعوة، وتجرّد، وذات أبعاد "مسيحيّة". وكنسيّة وأُخرويّة.

 

من حيث إنّها دعوة، فالعزوبة المكرّسة تلبيةٌ حرّة وكلّيّة وواثقة، لنداءٍ باطنيّ. بها يدخل المرء في ديناميّة الملكوت الذي من أجله "خَصى" نفسه، فقامت بينه وبين الله معاهدةٌ يُعبَّر عنها بنذور تُبرَز أمام الكنيسة. هذا وإنّ من أراد أن يكون لدعوته أمينًا، لا بدَّ له من أن يغذّيها بالإيمان، والأمانة، والصلاة، والحذر، كيما يعيش تلك "الحماقة" الإنجيليّة الشبيهة بـ"حماقة الصّليب" التي هي "أكثرُ حكمةً من الناس" (1 قور 1/ 18، 25). فالتلاعب محظور، والغشّ، والتهوّر، لأنّ الحبّ الذي ينادي لا يُقابَل إلاّ بحبٍّ يَهَبُ ذاته بسخاءٍ كلّيّ.

 

ومن حيث إنّها تجرُّد، فالعزوبة المكرّسة ليست زُهدًا في العلاقة الجنسيّة والحياة الزوجيّة فحسب، بل هي أيضًا تباعُدٌ عن الأهل والأقارب. فإنّ من يكرّس نفسه لله في العزوبة "يترك كلّ شيء" (متّى 19/ 29) من أجل الربّ يسوع، فيعيش مع إخوة أو أخوات جُدُد، وفي بيتٍ جديد، بالإندراج في دعوةٍ واحدة والقيام برسالة واحدة. فمن أراد بعد ذلك أن يُقيم علاقاتٍ عاطفيّةً جانبيّة، كان كمن "يغشّ"، ولم يعد متأصّلاً في المسيح، ولا قريبًا منه ومن كلامه. فهو، كما يقول القدّيس منصور دي بول، لم يعد "يكتفي بالله".

 

ومن حيث إنّها ذاتُ بُعدٍ "مسيحيّ"، فالعزوبة المكرّسة هي، قبل كلّ شيء، محبّةُ المسيح شخصيًّا. فالمسيح لا يطلب من المكرَّسين أن يتركوا كلّ شيء، هكذا للتَرْكِ ليس إلاّ، بل "من أجل اسمه" (متّى 19/ 29، مر 10/ 29)، من أجل حبّه. فمن أجل هذا الحبّ، من أجله وحده، وليس إحتقارًا للزواج، يتركون الحياة الزوجيّة وعلاقتها الحميمة. هذا هو ثمن الأمانة والفرح والسّكينة وراحة الضمير، في العزوبة المكرسّة.

 

ومن حيث إنّها ذاتُ بُعدٍ كنسيّ، فالعزوبة المكرّسة هي لخدمة الكنيسة والبشر. إنّها للخدمة والشهادة، لا بل للشهادة قبل الخدمة، إذ إنّ مَن "يخصي" نفسه، فليس أوّلاً من أجل التفرُّغ، بل من أجل الشهادة السّاطعة للإيمان بقدرة الله الفاعلة في الحياة الشخصيّة. أمّا الخدمة فهي لا تنبع من تكريس الذات، بل من وصيّة المسيح الجديدة، وصيّة المحبّة الموجّهة إلى الجميع، والتي ينبغي لنا، بموجبها، أن نصير مثله خُدّامًا للجميع حتّى بذل الذات.

 

ومن حيث إنّها ذاتُ بُعدٍ أُخرويّ، فالعزوبة المكرسّة هي، كما جاء في قاموس الحياة الرّوحيّة، "إعلانٌ للملكوت الآتي، وتنبُّؤٌ بمجيء المسيح الثاني. في ملكوت الله لم يَعُدْ من ذكرٍ وأُنثى. فالجنس والزواج يزولان، لأنّهما ليسا هما الوضع الأخير، بل الوضع ما قبل الأخير. "هيئة هذا العالم في زوال" (1 قور 7/ 31)... نداءُ المسيح للعزوبة المكرّسة يبيّن أنّ كلّ شيء سيتحوّل، "فيكون الله كلاًّ في الكلّ". وإنّ نعمته وقوّته تملآن، منذ الآن، حياة من يسعى إليه في العزوبة المكرّسة. ولذا، يستطيع المرء أن يعيش بفقر من ترك كلّ شيء، بالضعف والعزلة، بالنّقص، بالتخلّي عن النّسل. فالعازب المكرّس يعلم أنّ الله يخلّص حياته، وهو ينتظر أن ينهض بها ويُقيمها".

 

 

                                                           الأب جميل نعمة الله السّقلاوي   

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية