التعبُّد المريمي

 

 

التعبُّد المريمي

 

التعبُّد هو إظهار الحبّ الفائق...

ركائز التعبُّد لمريم

1) حبّ المسيح لها

- لماذا أحبّها؟ لأنّ:

... مريم أُمّه، ومَنْ، غير العقوق، لا يحبّ أُمّه؟...

... مريم صُنْع يديه، ومن لا يحبّ صُنْع يديه؟ (رسّام، موسيقي، أديب، مؤسّس رهبانيّة، مهندس... مَثل ميكال أنجيلو وتمثال موسى).

... مريم شريكته في رسالته: جبلته من لحمها ودمها، سهرت على تربيته، وجّهت إليه البشر، رافقته على درب الجلجلة وعند الصّليب.

... أبوه السّماويّ يحبّها لأنّها جَبْلةُ يديه وابنتُه المثاليّة بكمال نقاوتها وطاعتها. وما في قلب الآب، هو في قلب الابن.

- كيف أحبّها؟

... كرّمها بطاعته، وأحاطها بالعناية بعد موت يوسف.

... أنجز أُولى عجائبه عند رغبتها.

... أشركها في عمل الفداء وكرّسها أُمًّا لجميع البشر.

... كانت أوّلَ من ظهر لها يوم القيامة.

... أقامها من القبر بعد قليل من رقادها.

... جعلها سلطانة السّموات والأرض.

هذه هي أُولى ركائز التعبُّد لمريم: حبُّ المسيح لها... رُبَّ قائل يقول: "إذا أحبّها هو، هل من الضروريّ أن نحبّها نحن؟" نعم إذا صحّ المثل القائل: "صديق صديقي صديقي"، وإذا صحّ قول المسيح: "أعطيتُكم المثل، حتّى إلخ... هي ذي أُمّك...".

2) حبّ الكنيسة لها، ونحن من الكنيسة. هذا الحبّ يظهر في:

- إعلان امتيازاتها (الأُمومة الإلهيّة، الحبل بلا دنس، الإنتقال إلى السّماء بالنّفس والجسد، كونها سلطانة السّموات والأرض ووسيطة النّعم).

- وضع الأعياد الكثيرة على اسمها...

- تشييد المعابد... رفع المزارات...

- إقامة الأيّام والهيئات التكريميّة (يوم السبت، شهر الورديّة، الشهر المريمي، الأخويّات، المؤتمرات).

- الكتابات الوافرة عنها واللاّهوت المريمي...

والكنيسة هل هي إلاّ امتداد للمسيح؟ إذَنْ، رغبتُها رغبتُه.

3) كونُها أُمًّا لنا حقيقّة. هذا ما تأمّلنا فيه سابقًا...

8 كانون الأوّل 1904، أُقيمَ في مدينة لُوفين (بلجيكا) احتفالٌ مريميّ في الذكرى الخمسين لإعلان عقيدة الحبل بلا دنس... زينة وإنارة في الشوارع... وَلَد عمرُه عشر سنوات في غاية النّشوة لِما يراه... دنا منه الكاهن، الأب شارل، وقال: "لماذا هذه الشّموع كلُّها؟ - لأنّ اليوم عيد - عيدك أنت؟ - جنَّيت يا أَبتِ؟ عيد الحبل بلا دنس - وبعيدك أنت، بينَوّروا هالقدّ؟ - لا - مانَك غيران؟ - لا - ليش لا؟ - حدا بيغار من أمّو؟...

4) علاقتها بالمسيح. كما أنّنا نكرّم كلّ ما له علاقة بالمسيح (الأرض المقدّسة، أَواني القدّاس، عود الصّليب)، هكذا ينبغي أن نكرّم، وأكثر، تلك التي حملتْه تسعة أشهر، وغذّته بحليبها، وضمّتْه إلى صدرها، وتفانت في سبيله...

5) من قبيل المبادلة. إنّها أظهرت لنا، ولا تزال، حبًّا فائقًا... ومهما عَظُمَت خطايانا فحبُّها يبقى أعظم بكثير...

قصدتْ يومًا إحدى الأرامل الأب جان ماري فْينّاي، خوري أرس، وهي ملبَّكة بمصير زوجها الأبديّ، لأنّ حياته كانت وثنيّة أكثر منها مسيحيّة... طمأَنها الكاهن القدّيس قائلاً: "لا تتلبّكي ولا تيأسي. فزوجك كان، كلّ نهار سبت، يقدّم للعذراء باقة زهور، وأنتِ أيضًا تزيّنين بها شخصها".

في مدينة بُّورتَلاغرآ الإسبانيّة، صاحبةُ وَكْرٍ للدّعارة أُصيبت بالعمى. بعد مضيّ بضعة أشهر، ضاقت ذَرعًا بحالها... فكّرت بسيّدة فاطمة وعجائبها. فقالت: "يا عدرا، إذا بْتشفيني بتوب". راحت إلى فاطمة. حضَرَت القدّاس في ساحة الكاتدرائيّة مع عدد كبير من المرضى، ولِخَجلها ظلَّت بعيدة عنهم... بعد الكلام الجوهريّ، أخذ الكاهن يُطْلِق الإبتهالات، والمرضى يردّدونها بعده: "يا عدرا، إجعليني أمشي... يا عدرا، إجعليني أنهض... يا عدرا، إجعليني أُبصِر..." فقالت من عمق أعماقها: "يا عدرا، إجعليني أُبصِر". وإذا بها ينجلي بصرُها وترى! من؟ العذراء مريم نفسها... ركعت واستغرقت في البكاء، بكاء الفرح وعرفان الجميل... ثمّ راحت تنزوي في أحد الأديار لتكفّر عن ماضيها، وتُبادِل العذراء حبًّا بحبّ.

يا عذراء، أنا أعمى البصيرة، فاجعليني أُبصر. أعطيني الإيمان النيِّر، كي لا أَضِلّ فأَميل إلى كلّ ما هبَّ ودبَّ من بِدَع وهرطقات ونظريّات وعقائد مستورة وهدّامة... اجعليني أكون لك شاهدًا، لا ليهوه... اجعليني أَتبع مسيح القدّيس بطرس، لا المسيح الدجّال... أعطيني الرّجاء النيِّر، كي لا أيأس ولا أتنكَّر للصّليب. أَفهيميني أنّه إذا بحثتُ عن مسيحٍ بلا صليب، أَجِدُ صليبًا بلا مسيح... أعطيني المحبّة النيّرة، كي لا أَنزوي فأنغلق على ذاتي في وجه القريب أيًّا كان... أَمّا الطاعة، فأعطيني طاعتك العمياء حتّى لو قادتني إلى الصّليب...

 

 

التعبير عن التعبُّد

- لا بالحبّ الأناني الذي يهمّه الأخذ (منافع، تعزية، نجاح، شفاء) لأنّ الحبّ الأناني إذا خُيِّبَ يضمحلّ... بل الحبّ الأصيل الذي يهمّه العطاء... أي أن نتعبّد لها ليس فقط لنأخذ منها، بل أيضًا ولا سيّما لنعطيها. ماذا؟ "يا بُنَي، أعطني قلبك"...

- بتعليق صورها في البيوت.

- بالإشتراك في الإحتفالات التكريميّة على اسمها (زيّاح، شهر مريم، شهر الورديّة...).

- بالإشتراك في الأخويّات على اسمها.

- بمساعدة الخطأة بالصّلاة والإرشاد والمثل الصّالح (في جميع ظهوراتها، تهتمّ بوضع الخطأة).

- بالصلاة من أجل اهتداء روسيّا وإقصاء الخطر الشيوعي (هذا ما طلبته في فاطمة).

- بالإقتداء بفضائلها (الإيمان، الرّجاء، المحبّة، التواضع، الخدمة، التحمّل، النّقاء والحشمة...).

- بمشاركة ابنها في رسالته الخلاصيّة بالإشتراك في الحركات الرّسوليّة والمخيّمات الرّسوليّة...

- بالخصب الرّوحي في التعفُّف...

- بتلاوة المسبحة يوميًّا... يقول شارل باغي إنّ صلاة "السَّلام عليكِ يا مريم هي الملجأ الأخير في طريق الخلاص. فمن يصلّيها لا يهلك"... الماريشال فوش، المنتصر في الحرب الكبرى، يقول: "في السّاعات العصيبة، كنتُ ألتجئ إلى سيّدة لورد، وكانت دائمًا تُناصرنا.

- ثقتكَ كبيرة بالعذراء، سيّدي الماريشال - أجل، وإنّي كنت كلّ يوم أصلّي المسبحة - حتّى أيّام المعارك؟ - لا سيّما في تلك الأيّام. هذه العادة تعلّمتُها من أُمّي، وحياتي كلّها لم أخالف إلاّ مرّتين أو ثلاث...".

لا ننسَ أنّ تلاوة المسبحة الورديّة انتشرت أثناء وبعد معركة ليبّنتا، في القرون الوسطى، بين الأسطول المسيحي (30 سفينة) والأسطول العثماني (300 سفينة).

- بالصلاة اليوميّة لثلاث مرّات السّلام عليك يا مريم.

هذه العادة تعود إلى القرن الثالث عشر، وهي مريم نفسها قد نصحت بها القدّيسة ميكتيلدا الطالبة منها أن تساعدها ساعة الممات. قالت مريم: "أعدكِ بذلك ولكن، من جهّتِكِ، صلّي كلّ يوم ثلاث مرّات السَّلام عليك. وجّهي الأولى إلى الله الآب الذي أقامني في المرتبة الثانية بعده... وجّهي الثانية إلى الله الابن الذي شاء أن يغمرني بالمعرفة والعلم حتّى غدوتُ شمسًا ساطعة تنير السّماء... ووجّهي الثالثة إلى الرّوح القدس الذي سكب فيّ من الحبّ والحنان ما لا يفوقه إلاّ الحنان الإلهيّ... فآتي إليكِ ساعةَ الممات، وأُبعِد عنك قوّة العدوّ، وأَغمرك بنور الإيمان والمعرفة، وأَسكُب في نفسك عذوبة الحبّ الإلهيّ، إلى حدّ أنّ آلام الموت ومرارته تتحوّل إلى عذوبة وفرح!.

كان الأب بْرُوفُو يُلقي عظات الرّياضة في إحدى الرّعايا، فقال: "كلّ واحد منكم، اللّيلة، يصلّي قبل أن ينام ثلاث مرّات السَّلام عليك، مع الرّغبة في أن يتوب إلى الله. وأنا أتحدّاه إن هو لا يتوب". رفع التحدّي أحدُ كبار الخطأة. لكنّ مشاعره تحرّكتْ، ولم يَعُد يستطيع التوقُّف عن الصَّلاة هذه، حتّى منتصف اللّيل. في اليوم التالي، ذهب إلى الكنيسة ليعترف. كان الناس متجمهرين حول كرسيّ الإعتراف. رأوه، فلم يصدّقوا أعينهم. شقّ له طريقًا بالقوّة وانهار على المركع... ولمّا نهض صرّح وقال: "تَوبتي كانت بفضل مريم. قولوها للجميع"... بعد مرور سنة عاد الواعظ إلى القرية. رآه فسأله كيف الحال؟ قال: "لم أَعُد أرتكب ولا خطيئة مميتة. لا تجاديف، ولا شراهة، ولا أكل هوا. العدرا سهرانة عليّ، وأنا لها متعبِّد".

فاطمئِنّوا، أيّها المسيحيّون، لأنّ "من كان للعذراء عبدًا، لن يدركه الهلاك أبدًا".

 

 

 

 

                                                           الأب جميل نعمة الله السّقلاوي

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية