الحبل البتوليّ

 

 

 

 

قال الملاك لمريم: "ها أنت تحبَلين في البطن، وتلدين ابنًا..." (لو 1/ 31). الله يتكلّم بملاكه. إذًا، ما يقوله سيحدث بلا ريب. ولكن كيف؟ مريم، على كونها مخطوبةً ليوسف، تستوضح قائلةً: "كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً؟" (بالمعنى الكتابيّ، أي المعرفة الزوجيّة). جاء في الترجمة المسكونيّة (TOB): "كيف يكون هذا طالما أنّي عذراء؟". لِمَ هذا التحوير؟ "إنّي عذراء" تعني: "لم أعرف بعد رجلاً"، فيما تلمّح مريم إلى أنّها، كما سنرى، لا ولن تعرف رجلاً. هذا ما تعبّر عنه الواو الحاليّة في الترجمة العربيّة: "كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً؟"، أي وأنا في حال من لا ولن تعرف رجلاً. (مَثَل: "كيف أفعل كذا وأنا لا أخون" = وأنا لا ولن أخون).

هذا يعني، كما سنرى أيضًا، أنّ مريم كانت قد اعتزمت حال البتوليّة الدّائمة، وأنّ زواجها من يوسف كان (برضاه) بتوليًّا. لهذا السّبب أربكتْها بُشرى الملاك. فماذا وراء سؤال مريم وجواب الملاك؟

 

 

 الحبل البتوليّ

 

أجاب الملاك على سؤال مريم بقوله: "الرّوح القدس يأتي عليك، وقدرة العليّ تظلّلك. لذلك، فالمولود منك يكون قدّوسًا، وابنَ الله يُدعى... لأنّه ليس عند الله أمر عسير" (لو 1/ 35، 37). فاطمأنَّت مريم وقالت: "ها أنا أمَة الرَّبّ، فليكن لي بحسب قولك". في اللّحظة نفسها، "الكلمة صار جسدًا" في بطنها البتوليّ (يو 1/ 14). إجل، "ليس عند الله أمر عسير". فهو سوف يدبِّر الأمور بحيث تحبل عجائبيًّا دون المَساس ببتوليّتها.

ويوسف؟... إنّه، على الأرجح، وكما توحي الآية 18 من الفصل الأوّل في إنجيل متّى، قد علم من مريم نفسها بالحبل العجائبيّ، لكنّه لم يتلقَّ أيَّ إيحاءٍ ربّانيّ يبيّن له دوره. فخاف أن "يأخذ امرأته" (إلى بيته، فتتمّ بذلك مراسيم الزّواج)، فيكون كمن يتدخّل في أمرٍ لم يَعُد يعنيه بعد التدخُّل الربّانيّ. فعَزَم على "تَخْلِيتها سرًّا" عندئذٍ تراءى له ملاك الربّ في الحلم وقال محدِّدًا له دوره: "يا يوسُف ابنَ داود، لا تَخفْ أن تأخذ امرأتك مريم. فإنّ الذي حُبل به فيها إنّما هو من الرّوح القدس. وستلد ابنًا، فسمِّه يسوع، لأنّه هو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم" (متّى 1/ 20 - 21)، وهكذا ينتسب بك إلى ذريّة داود.

 

"الرّوح القدس يأتي عليك"

ماذا يعني مثلُ هذا الكلام لمؤمنيّ العهد القديم - ومريم هي منهم - وأيّة تصوّرات كان يثير في عقولهم؟ تَصَوُّرَ الرّوح القدس، ينبوع الحياة، وهو يقوم بعملٍ خلاّق. ألم يكن في البدء "يُرِفُّ على وجه المياه" (تكوين 1/ 2)؟ وتَصَوُّرَه وهو يكوِّن الإنسان الأوّل، لمّا الربّ الإله "نفخ في فيه نسمةَ الحياة" (تك 2/ 7). وتَصَوُّرَه وهو يرسله الرَّبّ الإله، فيخلق ويجدِّد "وجه الأرض" (مزمور 104/ 30)، حتّى وإنّه يُحْيي العظام البالية (حزقيال 37/ 5 - 6). هذا ما كان عليه إيمان الشَّعب، كما يشهد له أيّوب القائل: "روح الله هو الذي صنعني" (33/ 4). وهذا ما كان إيمان مريم.

 

لكنّ الرّوح لم يكتمل عملُه بالخلق. فهو أيضًا الينبوع الوحيد للحياة المُفعمة غنًى وامتلاءً. هكذا مثلاً هو الذي كان يُعطي القُضاة عُتْنيئيل وجدعون ويفتاح وشمشون أن يقوموا بأعمالٍ خارقة (قضاة 3/ 10، 6/ 34، 11/ 29، 14/ 6، 15/ 14). وهكذا كان النّبي حزقيال يعتبر أنّ امتلاك الرّوح هو الموهبة الأساسيّة لرسالته النّبويّة (حز11/ 24 - 25)... لذا فإنّهم كانوا يعتقدون عمومًا أنّ مُلكَ المسيح وحلول العهد المْشِيحيّ سوف يتميّزان بحلولٍ للرّوح القدس لا مثيل له (يوئيل 3/ 1 - 5، أع 2/ 17 - 21)، وأنّ المَلِك المْشِيحيّ سوف يتمتّع به كلّيًّا (أشعيا 11/ 1 - 2).

 

هذا يعني أنّ مجيء المسيح لن يكون نتيجةً للتحدُّر الداوديّ، بل يتّسم بطابع الجدّة والتدخّل الفجائيّ لروح الله في التاريخ، كيما يحقّق الخلاص (حزقيال 36/ 26 - 27). فالرّوح ينقضّ، يفاجئ، يستولي (1 صموئيل 10/ 10)... الرّوح القدس هو إذًا، كما يظهر في العهد القديم، قُدرة خلاّقة تمنح الحياة والقوّة والنّور. إنّه حقًّا قُدرةُ العليّ الخلاّقة.

 

الجديد هنا، في البشارة، هو أنّ الرّوح القدس يحلّ على أمٍّ لولدٍ لم يُحبل به بعد. هذا الأمر وحيد وفريد في الكتاب المقدّس كلّه. حتّى الآن كان التدخُّل الإلهيّ الرّوحي يقتصر على مَسْحِ الجنين في أحشاء أمّه، كما كان من أمر شمشون أو إرميا أو عبد يهوه (قضاة 13/ 5، إرميا 1/ 5، أشعيا 49/ 1)، أو يوحنّا المعمدان (لو 1/ 15)... الجديد هنا هو أنّ الرّوح القدس لا يحلّ على جنين في بطن أمّه، بل عليها هي مباشرة لكي تحبل به. "لذلك، فالمولود يكون قدّوسًا، وابنَ الله يدعى".

 

 

 

"قدرة العليّ تظلّلك"

 

هنا أيضًا، ماذا يعني هذا الكلام لمؤمنيّ العهد القديم؟ ومريم هي منهم. هذا يعني أنّ الله حاضرٌ فعّال في شعبه: "وكان الربّ يسير أمامهم، نهارًا في عمودٍ من غمام ليهديهم الطريق، وليلاً في عمود من نار ليُضيء لهم" (خروج 13/ 21). "وقال الربّ لموسى ها أنا آتٍ إليك في ظلمة الغمام" (خر 19/ 9). ذلك الغمام كان يغطّي خباءَ المَحضر، وكان مجدُ الربّ يملأ المسكِن (خر 40/ 34). وكان الغمام يغطّي تابوت العهد في قدس الأقداس (عدد 10/ 34). هذا وإنّ الربّ كان يظلّل مَن يحميهم (تثنية 23/ 12، مزمور 91/ 4، 140/ 7)... فالغمام علامةً لمجيء الربّ وحضوره، حضورٍ محجوب لكنّه فعّال.

 

الجديد هنا، في البشارة، أنّ "الظلّ" الإلهيّ تجلٍّ محسوسٌ وأُقنوميّ للرّوح القدس... ولمّا راح المجمع الفاتيكاني الثاني يقابل بين العنصرة والبشارة، كان ذلك منه دعوةٌ لاعتبار البشارة حلولاً أُقنوميًّا للرّوح القدس على مريم التي، حالما قالت: "ليكن"، حَبِلَتْ بالمسيح.

 

 

 

ماذا يعني كلّ ذلك لمريم ولنا؟

 

1- من الثابت أنّ القدّيس لوقا، لمّا استعمل العبارتين "الرّوح القدس يأتي عليك" و"قدرة العليّ تظلّلك"، كان يعلم تمامًا أيَّ تداعٍ للأفكار وأيّة صُوَرٍ سوف يُثير في عقل القارئ اليهوديّ: الحضورَ الإلهي، القدرة الخلاّقة لروح الله الآتي على مريم، زيارة الله لشعبه وتكوينه طفلاً في أحشاء مريم دون زرعِ والدٍ بشريّ، جَعْلَ مريم مِحرابًا لله بالذات. ولذلك فالمولود منها قدّوسٌ هو وابن الله يدعى.

 

2- كما أنّ الغمام كان يظلّل، من الخارج، تابوت العهد، فيما كان مجد الله يملأُه من الداخل، كذلك مريم سوف تكون موضوع ذلك التجلّي المزدوج: الرّوح يأتي عليها من الخارج، وقدرة العليّ تظلّلها من الداخل. وهكذا يكون الملاك جبرائيل قد ساوى بين مريم وتابوت العهد، ويكون أنّ حضور الله في خباء المحضر أو الهيكل، يقابله حضوره في مريم بسرّ تجسّد ابن الله في أحشائها.

 

هناك تلميحٌ إلى هذا التقارب الرّائع بين مريم وتابوت العهد، في كون الملاك جبرائيل يُقيم صلةً بين قدرة العليّ التي تظلّل مريم وقداسة المولود منها وألوهتِه: "لذلك فالمولود منك يكون قدّوسًا، وابنَ الله يُدعى". "لذلك". ماذا يعني؟ لأنّ الولد سوف يُحبل به بتوليًّا؟ كلاّ، فإنّ قداسة الولد الموعود وبنوّته الإلهيّة لا ترتبطان حتمًا بالحَبَل البتوليّ. فهو قدّوس وابن الله في طبيعته الإلهيّة قبل التجسّد... فماذا تعني الأداة "لذلك؟" لماذا المولود منك يا مريم سيكون قدّوسًا وابنَ الله يُدعى؟ لأنّ حشاك سوف يغدو - بقدرة العليّ الذي يظلّلك، وحلول الرّوح القدس - حشًا "متألّهًا"، حيث تستطعين أن تحبلي "إلهيًّا" بابن الإله العليّ في طبيعته الإنسانيّة.

 

وعليه فإنّ مريم ستكون هي الهيكل الحقيقيّ المملوء بالحضور الإلهيّ، هي قُدس الأقداس، هي تابوت العهد، هي خباء الله في ما بيننا، هي الخباء البشريّ الذي يُنصَبُ فيه خباءٌ آخر، خباءُ الكلمة المتجسّد: "والكلمة صار (فيها) جسدًا، ونَصَب خباءِه في ما بيننا. وقد شاهدنا مجده، مجدًا من الآب لابنٍ وحيد ممتلئ نعمة ً وحقًّا، (يو 1/ 14). هل لحظنا الكلمات الثلاث (الخباء، المجد، الإمتلاء)؟ إنّها تُحيلنا، في بداية العهد الجديد، إلى ما استشهدْنا به من سفر الخروج في بداية العهد القديم.

 

3- ليس في تلك الولادة البتوليّة من دورٍ بشريّ إلاّ دور مريم... كانت قد اعتزمتْ، كما سنرى، البقاء بتولاً، حتّى في الزواج، فلا "تعرف رجلاً"، كيما تقف ذاتها كلّيًّا لله. وإذا بها، كما يقول إيرينايُس، "حُبلى بالله!" ألا يعني ذلك أنّ السموّ في الخصب مَنُوطٌ بالسموّ في التعفُّف؟...

 

4- "الأُنوثة تحتفل لأوّل مرّة (يوم البشارة) بزواجها من الألوهة، فتبلُغ هكذا ملءَ اكتمالها. وإذا بملامح الله الأُنثويّة تنكشف في سرّه: فالأُنوثة، يسكنها الله والرّوح القدس" (ليوناردو بُوف).

 

5- يوم البشارة، وبعد موافقة مريم، تركَ الله هيكل أورشليم، وجاء ليسكن في مريم أمَتِه المتواضعة، في الناصرة، في جليل الأمم. فأصبح مَسكِنُ الله شاملاً، إذ هو نَصبَ خباءه المقدّس في وسط العالم أجمع. ومنذئذ صارت ممكنةً عبادتُه "بالرّوح والحقّ"، وليس فقط في أورشليم أو على جبل السَّامريّين، بل حيثما تظهر قدرة الرّوح والحقّ.

 

هذا وإنّ هيكل الله الجديد هو، بعدَ مريم ومثلها، الكنيسةُ الجامعة، جسدُ المسيح القائم من القبر، والتي يسكنها الرّوح القدس (أف 2/ 22). وهي، في سرّ القربان، تحمل حتّى جسد المسيح الإفخارستيّ فتقدّمه للمؤمنين غذاءً لحياتهم الرّوحيّة.

 

وعليه، فإنّ المسيحيّ الذي يتّحد بجسد المسيح، في العماد والإفخارستيّا، يُصبح بدوره هيكل الرّوح القدس (1 قور 6/ 19). وهكذا، على مثال مريم والكنيسة، لا يعود هو لنفسه بل لله.  لا ولم يَعُد يليق به إلاّ أن يعيش بطهارة القلب والجسد، ممجِّدًا الله في جسده... أن يُمجِّد المسيحيّ الله في جسده، ذلك يعني أنّه أدرك قيمة سَكَنِ الرّوح القدس فيه، وقيمة سكنِ مجدِ الله كما في خباء المَحضَر وتابوت العهد. كما ويُدرك أنّه يحمل المسيح ليقدِّمه للآخرين... سوف يذهب القدّيس بولس في القول إلى هذا: "أنا أحيا، لست أنا بل هو، المسيح، يحيا فيّ" (غل 2/ 20).

 

 

                                                           الأب جميل نعمة الله السّقلاوي

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية