الزيارة بوجهٍ عامّ

 

 

 "الزيارة" بوجه عامّ

 

بشارة / زيارة

زيارة مريم لنسيبتها أليصابات إمتدادٌ للبشارة وتكملة.

1- لمّا قال الملاك، مُبيّنًا لمريم العلامة التي تدلّ على أنّ الحبل البتوليّ أمرٌ ممكن ("وها إنّ أليصابات نسيبتَك قد حبِلَت، هي أيضًا، بابنٍ في شيخوختها. وهذا الشهر هو السادس لتلك التي تُدعى عاقرًا. إذ ليس من أمرٍ مستحيل على الله" - لو 1/ 36 - 37)، فإنّما كان يقيم تقارُبًا بين الحالتين، لكي يكشف لها أنّ الأمومة العجائبيَّة هي نوع من المصير المشترك بينهما، وأنّ الحبل البتوليّ ليس أمرًا يستحيل على الله... فاعتبرت مريم ذلك بمثابةِ دعوةٍ مبطّنة إلى أن تلتقي الامرأتان اللّتان هما على مفترق الطرق بين العالم القديم والعالم الجديد: أليصابات آخرُ امرأةٍ من العالم القديم يَتِمّ فيها حَبَلٌ عجائبيّ، ومريم التي يتحقّق فيها العالم الجديد بالحبل البتوليّ.

 

2- بفضل هذا اللّقاء، سوف ينكشف ما كان مستورًا، أي الحبل بالمسيح في حشا مريم. فالملاك لم يقل شيئًا عن الوقت الذي فيه يتحقّق كلامه. لم يقل سوى أنّها "ستحبل". هذا السرّ سوف يتثبّت ويظهر حسِّيًّا وقتَ الزيارة. فإنّ أليصابات ستؤكِّد، باسم العالم القديم، أنّ الرّجاء المِشْيَحِيّ قد تحقّق في حشا مريم، كما أنّ ابنَ أليصابات سوف يكون له، في ما بعد، أن يدلّ، في شخص يسوع، على المسيح الآتي.

 

3- بفضل هذا اللّقاء سوف تفيض مريم فرحًا، كما قال لها الملاك. سوف تعيش الفرح المِشْيَحِيّ، عند إطـّلاعها على "علامةِ" حَبَلِ أليصابات العجائبي. سوف تعيشه، باسمها واسم الجنس البشريّ، إذ تتغنّى به ("تعظّـِّم نفسي الرَّبّ")، وتُشرِكُ فيه عائلة زكريّا.

 

 

مريم تابوت العهد

في رواية الزيارة تشابُهٌ مع الفصل السادس من سفر صموئيل الثاني، (الآيات 2 - 11)، حيث يُروَى إنتقالُ تابوت العهد. أين التشابه؟

- في الرّوايتين كِلْتَيهما إبداءٌ للفرح وللبركات الإلهيّة.

- مريم، بعد اجتيازها المناطق الجبليّة، تدخل بيت زكريّا، مثلما تابوت العهد، بعد إجتيازه المناطق الجبليّة، أُدخِل بيت عُوْبَيد أَدُوم (2 صموئيل 6/ 10).

 

- صرخت أليصابات قائلةً: "من أين لي هذا أن تأتي إليّ أمّ ربّي؟" (لو 1/ 42)، كما كان داود قد صرخ قائلاً: "كيف ينزل تابوت الربّ عندي؟" (1 صم 6/ 9)... لنلحظْ هنا أنّ الفعل اليوناني المعبّر عن صرخة أليصابات ("أَنآفُنآيْن") لم يُستعمَل في التوراة إلاّ مرتبطـًا برُتَبٍ دينيّة مِحورُها، أغلبَ الأحيان، تابوتُ العهد. ولذا فإنّ الترجمة الأصحّ لهذا الفعل ربّما تكون كلمة "أَنشدَتْ" (1 أخبار 15/ 28، 2 أخبار 5/ 13).

 

- في الرّوايتين كِلْتَيهما مظاهر الإبتهاج (2 صم 6/ 12، لو 1/ 44)... وإنّ كون داود راح "يقفز ويرقُص"، يقابله "إرتكاض" يوحنّا في بطن أمّه (2 صم 6/ 16، لو 1/ 44). لنلحظ هنا أيضًا أنّ الفعل اليوناني المعبِّر عن تحرُّك يوحنّا ووثوب داود ("سْكِيرْتَن")، يدلّ في التوراة على القفز فرحًا لدى مجيء الربّ (ملاخي 3/ 20، مزمور 114/ 4، 6، حكمة 19/ 9).

 

- تبقى مريم عند أليصابات نحو ثلاثة أشهر، كما بقي تابوت العهد ثلاثة أشهر عند عُوبيد أدوم (2 صم 6/ 11، لو 1/ 56).

 

وعليه، فإنّ مريم هي تابوت العهد الحاوي حضورَ الله. إنّها للرَّبِّ مَسكِنَهُ الجديد، مِحرابُه الجديد، هي قُدْسُ الأقداس الحيّ الجديد. ألم يقل لها الملاك إنّ قدرة العليّ ستظلّلها؟

 

هل أدرك القدّيس لوقا هذا التشابُه؟ أدركه أم لم يُدركه، فلا مانع من القول إنّ الرّوح القدس، الكاتبَ الإلهيّ للكتب المقدّسة، قد لمّح إلى هذا التشابُه... من الأمور التي تشجّع على هذا الإعتقاد، هناك تفسير المسيح للعبارة "ربّي" في المزمور 110 القائل إنّ "الربّ قال لربّي..."، تفسيرٌ يلمّح به إلى أنّ هذه العبارة تتضمّن، في النيّة الإلهيّة، سموّ المسيح المدعوّ "ربّي": "إن كان داود يدعوه ربًّا، فكيف مِن ثمّ يكون هو ابنه؟" (متّى 22/ 44، لو 20/ 44، مر 12/ 37). هكذا، بعد قليل، ستقول أليصابات: "من أين لي هذا أن تأتي إليّ أمّ ربّي؟" (لو 1/ 43)... كما وهناك أيضًا "النبوءة" التي أطلقها قيافا، ومن حيث لا يدري، لمّا قال، بدافعٍ سياسيٍّ محض، إنّ المصلحة "تقضي بأن يموت رجل واحد عن الشّعب، ولا تهلك الأمّة بأجمعها"، تحت جزمة الرّومان (يو 11/ 49 - 50). يعلّق القدّيس يوحنّا ويقول: "لم يقل ذلك من نفسه. ولكن، إذ كان رئيس كهنةٍ في تلك السّنة، تنبّأ أنّ يسوع سيموت عن الأمّة، وليس عن الأمّة فقط، بل ليجمع أيضًا في الوحدة، أبناء الله المشتَّتين".

 

أجل، إنّ مريم هي التابوت الحقيقيّ للعهد الجديد، التي حملت إلى أرض اليهوديّة الحضور الإلهيّ، مُفتَتِحة ً صعود المسيح إلى أورشليم.

 

بنتُ صهيون، مَسكِن الله، تابوت العهد، ألقابٌ ثلاثة متكاملة تعني أنّ مريم هي مَحَلُّ زيارة الله النهائيّة لشعبه، وأنّ رسالة الإله المتجسّد فيها قد إنطلقت منها.

 

                                                         

جميل نعمة الله السّقلاوي

مرسل لعازريّ

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية