العذراء مريم المباركة بين النساء والمكرَّمة من الأجيال كلّها

 

 

العذراء مريم المباركة بين النساء والمكرَّمة من الأجيال كلّها

 

ليست مريم العذراء كما يرى بعض المعترضين والنافخين في بوق التشكيك بمكانتها وقداستها ودورها، والحاملين سيف النقمة على كلِّ مَن يقوم بتكريمها وطلب شفاعتها.

 

الأمر بالنسبة إلينا كمؤمنين، مرتبطٌ بدور مريم في تاريخ الخلاص وبترداد نشيدها منذ بدايات المسيحيَّة، كما هو مرتبط بنصوصٍ كتابيّة نسند إليها إيماننا بأنَّ العذراء مريم جزءٌ أساسيٌّ من عقيدتنا وبأنَّ المسيح المتجسِّد الذي ظهر إنسانًا لا يمكنه فعل ذلك إلّا إنطلاقًا من علاقته الحيويَّة والأساسيَّة مع الخليقة لتكونَ له إطلالة طبيعيَّة وحقّ في دخول عالمِنا.

 

الكنيسةُ الكاثوليكيَّة مُؤتَمنة على إبراز دور مريم وأهميَّتها وتسليم إكرامها لأجيالها المتعاقبة. لقد ظهر إله إبراهيم واسحق ويعقوب عبر وجوه رضيَّة مشعَّة، لكنَّ واحدًا من هذه الوجوه لا يستطيع سبرَ أعماقه بالكامل. إنَّ نشيد مريم يُشير لنا بوضوح إلى أنَّ العذراء هي أبرز هذه الوجوه وأهمّها على الإطلاق،  بشكل أنَّ التوجُّه إلى مريم يصبح أمرًا مستحبًّا عند الله الخالق الذي حَباها بجمالات لا توصَف وبِنِعمٍ فاقت كلَّ نِعَمٍ أخرى، ومن خلال تقليد الكنيسة وتعاقُب أجيالِ المؤمنين في محبَّة مريم، يصبح علم "العذراء مريم" أو ما نسمّيه بـ"الماريولوجي" أمرًا غنيًّا وعميقًا يوفِّر للمؤمنين الدليل على مكانة العذراء في تاريخ الكنيسة والإيمان.

 

 

العناصر الكتابيّة أو البيبليَّة

إنَّ نشيد مريم "تعظـِّم نفسي الربّ، وتبتهجُ روحي بالله مخلّصي" الذي توجَّهت به العذراء إلى الله الخالق، هو أحد ركائز إكرام المؤمنين. لم تفعل الكنيسة جديدًا حين بدأت بتسبيح العذراء وطلب شفاعتها. إنّها قامت بواجبها وبقيت أمينة للرِّسالة التي تلقّتْها منذ بداياتها. يوم نقل الرسول لوقا مقاطع نشيد مريم، كانت الكنيسة لا تزال في عهدها الأوَّل وكانت قد توسَّعت حلقات الإيمان وانتقلت من العِرق اليهوديّ لتطالَ أمَمًا مختلفة من البنط واليونان والعرب والقدس. لقد وحَّدت الصلاة إلى الله عن طريق مريم أعراقًا مختلفة، وهذه التعدديَّات هي التي شكّلت كنيسة المسيح الناشئة. "كُلُّ الأجيال تُطوِّبُني لأنَّ القدير صنع بي العجائب والعظائم"، هذه الصلاة بدأت تحمل معناها التاريخي وحقيقتها المتجسِّدة عند المؤمنين بيسوع. التلميذ لوقا لم يجرؤ على نقل هذه الوقائع الإيمانيَّة لو لم يكن عارفًا ومتيقّنًا من مكانة العذراء. أراد الإنجيلي لوقا وبشكلٍ دقيق ومدروس كتابة أحداث وأمور سمعها منذ البدايات من قِبَل شهود صدق وإيمان، وقد كانوا خدَّامًا أوفياء للكلمة، وكانت غايته نقل ما كان يعتمل في قلب المسيحيَّة الناشئة وما كان يطرب إيمانها ويثلج صدرها. إنَّ نشيد مريم بل نبوءتها يشكّل جزءًا أساسيًّا من هذه العناصر التي انتقلت بالتواتر إلى مسامع الرُّسُل وشهدوا على حقيقتها وتجذّر أصحابها في التقوى والإيمان، لهذا السبب حفظت هذه الكلمات كاملة وهذا دليل آخر على أنَّ هذا النشيد هو تقليد يحفظ الذاكرة المريميَّة ويفرح في تكرار نشيدها وترداده كصلاة مستمرَّة. إنَّ كلَّ عبارات تكريم مريم نقلها الرُّسل بأمانة إظهارًا للمكانة التي تتمتّع بها وللإكرام الذي تستحقُّه. إنَّ كلَّ الجمل والعبارات التي تشير بوضوح إلى تقديس البطن الذي حمل يسوع وإلى الثديَّين اللّذين أرضعاه. نُقلت بأمانة دليلاً على العلاقة الوثيقة بين المسيح وبين مَنْ حملتْهُ إلى العالم. إنَّ تنكُّر المؤمنين لهذه الحقائق المريميَّة وكذلك الكنيسة لا سمح الله، أو تغييبها أو تناسيها يفقد الإيمان أحد أهمّ عناصره، ويبعدنا عن الكتاب المقدَّس الذي خصَّ مريم بعبارات خالدة يجب الحفاظ عليها ونقلها من دون خجل وتردُّد. يقول القدّيس بولس الرسول في رسالته إلى أهل روما "لأنَّ أمورَه غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم.." بهذه المخلوقات يعرّف الله عن ذاته ويكشف وجهه السّنيّ، لكنَّنا نعرف أيضًا الله عبر تاريخ نسجه مع بشر، وهكذا أصبح الله مرئيًّا في هذا العالم من خلال وجوهٍ رضيَّة حملت قسمات الله على محيَّاها وأطلقت عبارات وكلمات وضعها الله على ألسنتهم. إنَّ إلهَ إبراهيم وإسحق ويعقوب أقام علاقات ودٍّ مع بشر حمَّلهم بشائر رسائله وعلامات مجيء ابنه ونطقوا بكلمات حملت إلى العالم بعضًا من كلماته وكانت كلّها براعم نديَّة تنطق بتجليَّاتٍ سوف تأتي لاحقًا. إنَّ نشيدَ مريم يعلن بوضوح أنَّ العذراء هي أحد أبرز هذه الوجوه بل أحبَّها إلى الله لأنّها حملت في حشاها ابنه الوحيد وهدهدته على ذراعيها وقامت برعايته وسهرت على جماله ونُبله وأطعمته من ثديَّيْها وهي دائمًا تتأمَّل وجهه البهيّ بعد أن اكتشفت هويَّته الحقيقيَّة، وقد قال الكتاب بهذا الخصوص "وكانت تحفظ كلَّ ذلك في قلبها".

 

 

المُباركة بين النساء والمكرَّمة من الأجيال كلّها

إنطلاقًا من إكرام الأجيال المسيحيَّة لها تجذَرت المعارف المريميَّة وأصبحت كنزًا إيمانيًّا يتدفّقُ جمالاً وسلامًا وشعرًا. إنَّ مريم هي ابنة صهيون وأمّ المؤمنين. فحين حيَّاها الملاك بدأت مسيرة اللاهوت المريميّ التي من خلالها تدعّم دور العذراء وترسَّخت مكانتها "فدخل إليها الملاك وقال: "سلامٌ لكِ أيَّتُها المُنعم عليها! الربُّ معكِ. مباركةٌ أنتِ في النساء" للوهلة الأولى يبدو هذا الكلام مألوفًا ومنطقيًّا، لكنَّنا حين نردُّه إلى جذوره الأولى أي إلى كلمات العهد القديم فإنَّ هذا السلام يرتدي معنى أكثر عمقًا، وكلام لوقا الذي يتردَّد مرارًا يعلن في تكراره فرحًا مسيحانيًّا جاء على ألسنة صفنيا ويوئيل وزكريا، وجاء في الأناشيد، وهذا هو المعنى العميق "للفرح" الجديد الآتي من الله الذي يضع حدًّا للأزمنة العتيقة الحاملة القلق والاضطراب والحزن. إنَّ الخلاص الذي قدَّمه الله لمريم ليس أمرًا عاديًّا. فحين يجيبُها الله مباشرةً فإنّه من خلالها يخاطب شعب إسرائيل كلّه المنتظِر خلاصَ الربِّ أي البشريَّة جمعاء، ودعوة إلى إعلان ولادة فرح عميق ومن نوع لم تشهده البشريّة من قبل. إنَّ مكمنَ الحزن فينا متأتٍّ من محبَّةٍ باطلةٍ وخادعةٍ لأنَّ الأشياء التي نتعلّق بها ليست سوى سراب. نحن نشعر أنَّنا متروكون لذواتِنا في عالمٍ مليء بالمتناقضات وبأنَّ العلامات المتقطّعة لأنوار الله لا يزال العالم يحاول إخفاءها وطمس بريقها، إنَّ وراء ذلك تكمن قوَّةٌ مظلمة تحمّل الله كلّ عللنا ومآسينا وتظهره ضعيفًا متخاذلاً. إنَّ فرح مريم يبدو غريبًا بل متناقضًا مع عالم مظلم، لكنَّ هذا التناقض سرعان ما يتبدّد حين نسمع الملاك يقول لها "الله معكِ"، إنَّ هذه العبارة لا يمكن فهمَها بالعمق، إنْ لم نعُدْ إلى نصوص الكتاب المقدّس نستنطقها لنُخرجَ منه أجوبةً تطرد عنّا القلق والاضطراب وتؤكّد لنا من دون لبْس أنَّ الله قد وعد إبنة صهيون بمجيئه كمخلّص وسيبقى وسط شعبه. إنَّ حوار الملاك مع مريم يستعيد هذه المواعيد ويؤكّد على تحقّقها لأنّ مريم هي ابنة صهيون شخصيًّا وبأنَّ المسيحَ الذي سيخرج من حشاها هو إله صهيون الحيّ. إنَّ المسيح المنتظَر سيأتي وسيبقى وسط شعبه. إنّه المخلّص وهذا هو معنى "يسوع".

 

 

السلام الملائكيّ نقطةٌ مفصليَّةٌ في اللاهوت المريميّ

القناعات الأولى للتقاليد الكتابيّة ترى أنَّ منزلَ الله هو في "حشا إسرائيل" لا بل في تابوت العهد. لقد أصبح بيت الله واقعًا وحقيقة في حشا ابنة الناصرة التي أصبحت تابوت العهد الحقيقيّ.

 

إنَّ السلام الملائكيّ يشكّل نقطةً مفصليَّةً في علم اللاهوت المريميّ. إنَّ مريم يسكنها المسيح بالكامل، وما هو دور الكنيسة ومهمَّتها إنْ لم تصبح بيت الله ومسكنًا يليق به؟ لا يتوسَّل الله مفاهيمَ مجرَّدة. إنَّه شخص، وكذلك الكنيسة حين تتحوَّل بيتًا لله. الكتاب المقدّس يشبّه البارَّ بشجرةٍ تمتدُّ جذورها إلى مياهٍ تنبع من محيط الله وإنَّ أغصانها تلتقط وتنشر نور السّماء. إنَّ مريم تُدعى "المملوءة نعمة"، الفرحُ إذا متأتٍّ من النعمة. مَن يكون بحال النعمة فإنّه يستشعر بفرحٍ عميقٍ ودائمٍ وبما أنَّ النعمة هي الفرح فإنّها لا تُفهم إلّا من خلال علاقة أو مفهوم علائقيّ. النعمة لا تخبرنا ولا تشرح لنا نوع "الأنا" ولكن تضعنا في علاقة بين ألـ"أنا" والـ"أنت" بين الله والإنسان. اللاهوتيّ Petrus Lombardus يشدِّد على أنَّ النعمة هي حبٌّ وبأنَّ الحبَّ هو الرّوح القُدُس. النعمة ليست شيئًا يأتي من الله ولكنّها الله ذاته.

 

سلام الملاك لمريم يقودنا إلى إرساء قواعد اللاهوت المريميّ ويدفعنا إلى الإجابة عن أسئلة تطال البنية الإيمانيَّة ومستويات التقويّات الشعبيّة مرتكزين على وجه مريم وفق إنجيل لوقا البشير الذي يضعنا أمام مستويَيْن: الأوَّل متعلّق بصلاة مريم. أمام حضور الملاك تملّك العذراء الخوف، إنّه الخوف المقدَّس الذي يجتاح الإنسان عند إقترابه من الله، وهو الآخر المختلف والمتعالي، وكان جوابها الطبيعي "ماذا يعني هذا السلام"، هذا يعني أنّها دخلت في حوار داخليّ مع الكلمة التي أطلِقت باتِّجاهها. وفي مكانٍ آخر يقول الإنجيل "وكانت مريم تحفظ كلَّ ذلك في قلبها"، يدرك الإنجيليّ هنا بأنَّ مريم تمتلك طاقة تستجمع من خلالها الذكريات التي قضتْها مع يسوع وفي استرجاعها لهذه الأوقات تريد أن تفهم أكثر مَن هو يسوع. هذه المقدرة على التأمّل ستلعب دورًا بارزًا، لأنَّ مريم ترى أنَّ الأحداث التي تجري أمامها وكلمات الملاك هي أمورٌ مُثقلة بالمعاني لأنّ ذلك يأتي من عند الله وليس من عند البشر.

 

الكلمة تصبح بذرة مغروسة في قلب أرضٍ جيّدة لأنّها تتجذّر وتنزل في التربة بهدوء لتبقى يقظة بحيث أنَّ تذكارَ الحدث يصبح حقيقةً دائمة وفعّالة. إنَّ الطريق الطبيعيَّ لكلمة الله هي الإصغاء. الرابط العميق والواضح بين اعتراف مريم أمّ يسوع وبين جهوزيَّتها الكاملة للإصغاء لكلمة الله النازلة إلى عقلها وقلبها. وفي إصغائها المتواصل والمتواضع، فإنّها حتمًا تستقبل الرّوح القدس الذي وحده يشرح الأحداث ويدخلنا في المستقبلات.

 

 

الخوري اسكندر الهاشم

 

 

     

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية