المسألة المريميّة

 

 

"المسألة المريميّة"

 

إنّ الإحتفالات المريميّة، في عهد البابا بيوس الثاني عشر (إعلان عقيدة الإنتقال سنة 1950، السنة المريميّة سنة 1954، اليوبيل المئويّ لسيّدة لورد سنة 1958)، ثمّ التراجع الذي عقب ذلك، والصّعوبات التي برزَتْ في المجمع المسكوني ما بين 1963 و1964، كلُّ ذلك طرح، شيئًا فشيئًا، ما قد سمَّوه بـ"المسألة المريميّة". ألف سؤال وسؤال قد أُثير في الشّعب المسيحيّ: "إن كان موضوع الإيمان هو الله، وإن لم يكن أيُّ قدّيس قد تناوله الإعلان العقائديّ، فلماذا يكون لمريم ما لها من مَقام في العقيدة؟ ولمّا كان سكوت الكتاب المقدّس بشأنها، فلماذا إعطاؤها تلك الأهميّة في الكنيسة؟... ما هي، في ذلك التطوّر الغريب للمعتقد المريمي، حصّةُ الوحي الإلهي وما هي حصّة الخلفيّات النّفسيّة التي يكشف عنها علم النّفس؟ ما هي، في التعبّد المريمي، حصّةُ الإيمان، وما هي حصّةُ العاطفة؟ وإذا حَذَفْنا من المؤلّفات المريميّة التقويّة حصّةَ الوهم والخيال، فماذا يبقى؟ هذا وإنّ العصر المسكوني الذي نحن فيه، ألا يقتضي شيئًا من التعتيم على التكريم المريمي كي لا نُجفِل إخوتنا البروتستانت؟ ولكن... ذلك التعتيم أيكون طبيعيًّا؟ ألا يكون بالعكس تعسُّفيًّا؟" وهَلُمَّ جرًّا...

كيف نستجلي غوامض هذه المسألة؟ لنستعرضْ، كيفما اتّفق، ما يكتنف منزلة العذراء، في الفكر المسيحيّ والحياة المسيحيّة، من إعتراضات وتحفّظات وشكوك وتردُّد. فماذا يقولون، وما هو الردّ؟

 

"مبالغة"

"التكريم المريميّ مُبالغٌ فيه. فمنزلة العذراء في الكنيسة لا تتناسب وما جاء عنها في الإنجيل".

نَسِيَ هؤلاء أنّ الإنجيل يدعوها "أمّ يسوع". ويسوع هذا هو إله. إذًا، مريم هي أمّ الله. فنحن "حِيالَ عالمٍ غير منتظر لا نَستَبينُه، وهو لن يُعتلَن لنا، من أوّل نظرة. إكتشاف المسيحيّة التصاعديّ لسرّ مريم إقتضى أجيالاً وأجيالاً". تبدو المسيحيّة، في مُجمَلِها، وكأنّها "تَنَفُّسٌ" مريميّ. "ألا فلنُصغِ، كما يقول القدّيس بولِن دي نُول، إلى تَنَفُّس جميع المؤمنين، لأنّ الرّوح القدس يتنفّس في المؤمنين".

 

"خطر"

"لمّا كان أنّ الكلام على مريم يقتضي تقديرَ منزلتها في سرّ التجسّد الفدائي، ولمّا كان أنّه ما من أمر يتعلّق بهذا السرّ إلاّ ويتعلّق بمريم أيضًا، أليس من خطرٍ في تناول هذا الموضوع؟".

بلى... وأوّل الأخطار هو التكلّم على مريم وكأنّها كائنٌ إلهيّ غيرُ مخلوق... أمّا الخطر الثاني فهو، بالعكس وكما يقول جان غِيتُون، أن "نُقلِّل من امتيازها فننسى، بستار المحافظة على عزّة الله، أنّه أراد أن يمنح خلائقه، بمقادير متفاوتة، شرف السببيّة"... أجل، خَطِرٌ هو - ومتطلّب - التكلُّم على هذه المرأة التي عَهِدَ الله إليها بأكبر عمل حرّ في التاريخ البشريّ: قبول أو رفض تجسُّد كلمة الله!

 

"تخلُّف وقلّة فائدة"

"ما لنا وللإيمان بمريم وتكريمها؟ إنّه لا يفيد شيئًا أولئك المتضامنين الملتزمين أُمور السّلام والعدالة، إلى أن يضعوا حدًّا لكلّ ظلم وطغيان ويَنهَضوا أخيرًا بالإنسان. فالتكريم المريميّ يبدو وكأنّه تخلُّف!"

تخلُّف وقلّةُ فائدة، فيما تضامنتْ مريم مع ابنها والتزمَتِ اختيارَه في سبيل المساكين الفقراء؟ تخلُّف وقلّةُ فائدة، فيما أنّ من يكرّم مريم تكريمًا صحيحًا، لا يكتفي بالإقتداء بفضائلها الفرديّة، بل يتبنّى أيضًا مسؤوليّتها في تاريخ البشر، من أجل الفداء والتحرير وبناء عالمٍ أكثرَ إنسانيّة؟ تخلُّفٌ وقلّةُ فائدة، فيما كانت مريم خادمةً متأهِّبةً حاضرةً في قلب الكنيسة؟

 

"ألقاب فارغة"

"كانت بعض البحوث اللاهوتيّة تخلع على مريم ألقابًا شَرَفِيّة لا طائل فيها سوى إسباغِ ما أمكن من صفات الابن على الأمّ".

أجل. إنّما اللاهوت المعاصر يَهُمّه إظهارُ ما تتفرّد به مريم شخصيًّا في تاريخ العهد، على كونها كائنًا محدودًا وخاضعًا للإختيار والتطوّر. ولذا فهو يتّقي الوقوعَ في التجريد الوهميّ ويتوقّف عند ديناميّة تاريخ مريم الذاتيّ.

ومع ذلك فهناك سرّ مريميّ، لأنّ دور مريم يندرج في سرّ المسيح والكنيسة. فمن المستحيل، إذًا، أن نَقصُرَها على تصنيفاتنا البشريّة البحتة، ومن التعسُّف أن نُقلّل من قدْرِها. ذلك أنّ لسرّ مريم، في نطاق النعمة المجّانيّة، أهميّة سرّ المسيح في نطاق الطبيعة الإلهيّة.

لهذا السبب، "جميع الأجيال تطوّبها" (لو 1/ 48)، في الليتورجيا والكرازة والتكريم والحياة الرّوحيّة. هل في ذلك خطر الإنزلاق إلى المُغالاة والإفراط؟ أجل. إنّما لا يجوز أن يقودنا الخوف من المُغالاة إلى "السّكوت عن مريم والقبول بغيابها عن الضّمير المسيحيّ. فإنّ في ذلك أيضًا خيانةً لإنجيل المسيح".

فإنْ كان لمريم دورٌ رئيسيّ في التجسّد الفدائي، هل يُستغرَب أن يكون إكرامها "ظاهرةً لا تُقاوم قد طبعتْ تاريخ الكنيسة كلّه؟" (اللاهوتي سيميرلوت).

 

"لم يكن هكذا في فجر الكنيسة"

"ظاهرة لا تُقاوَم؟ لم يكن هكذا في فجر الكنيسة. يومَ العنصرة، لمّا إنطلقت الكرازة الرّسوليّة بدفعٍ من الرّوح القدس، كانت مريم هناك، ولكن لا كشاهدة رسميّة أو خادمة للكلمة، بل كواحدة من المئة والعشرين المجتمعين في العليّة. هو بطرس من تكلّم. وهو لم يأتِ على ذكرها، ولا سائر الرّسل من بعده. إذًا؟...".

لم يأتوا على ذكرها؟ لم يكن لهم أن يذكروها في أوّل الطريق. فالكرازة المسيحيّة الأولى اقتصرت، كما يقول القدّيس لوقا، على "الزمان الذي عاش فيه الربّ يسوع بيننا، منذ معموديّة يوحنّا إلى اليوم الذي فيه ارتفع عنّا" (أع 1/ 21 - 22). في ذلك الزمان كانت مريم، ما عدا مرّتين أو ثلاث، منفصلةٌ عن يسوع.

أجل، كلُّ الأضواء كانت، في البداية وكما هو طبيعيّ، مسلّطة على المسيح في حياته العلنيّة. ولكن سوف يأتي يومٌ يذكرون فيه مريم، يوم يضطرّ الرّسل - في وجه هراطقةٍ أخذوا ينالون من إنسانيّة المسيح ويفوّضونها - إلى تأكيد انتمائه الحقيقي إلى الجنس البشريّ، فيُدخِلون إلى الكرازة، قليلاً بعد منتصف القرن الأوّل، أناجيل الطفولة حيث دورُ مريم في التجسّد الفدائي، وفي أواخر القرن حادثة قانا الجليل حيث تدخُّلُ مريم الإيجابي في خدمة المسيح الرّسوليّة، وحادثة الجلجلة حيث أُعلِنَتْ أُمومتها الرّوحيّة.

 

"أمرٌ مُغضِب"

"يوحنّا بولس الثاني، في المكسيك، تناول التكريم المريميّ بتعابيرَ وطريقةٍ من شأنها إثارة الغضب، ليس فقط عند إخواننا البروتستانت، بل وعند كاثوليك ما بعد المجمع".

ومتى كانت الحساسيّةُ ضدَّ الخُطبِ المريميّة سببًا كافيًا لِشَطبِ عباراتٍ من قانون الإيمان، أو آياتٍ وصفحاتٍ من الإنجيل؟...

 

"لا وسيطَ إلاّ المسيح"

"المسيح هو الوسيط الأوحد بين الله والبشر (1 تيم 2/ 5 - 6). فما لنا ولوساطة مريم؟".

إسألوا الله!... هو الذي رتّب الأمور على هذا النحو، أيّامَ البشارة وقانا الجليل والجلجلة. من القدّيس إيرينايُس، في القرن الثاني حتّى المجمع الفاتيكاني الثاني في القرن العشرين، ما زالت الكنيسة تفسّر الإنجيل وتقول إنّ مريم هي أمّ البشر. أوليس دور الأمّ أن تُجسِّد لأبنائها، بحضورها معهم، الحنانَ الإلهيّ، كي تساعدهم وتساندهم؟ هكذا كانت مريم في عين كارم، في قانا الجليل، عند الصّليب، في العليّة. وهكذا ستكون إلى انقضاء الدّهر... ما لنا ولها طالما أنّ المسيح هو الوسيط الأوحد؟ يقول المجمع: "دور مريم الأموميّ نحو البشر لا يَحجُب، ولا يُنقِض بشيء وساطة المسيح الوحيدة، بل يُظهر قوّتها... دور مريم يرتكز على وساطة المسيح، ويتعلّق بها تمامًا، ويستمدّ كلّ قوّته منها، ولا يُعيقُ اتّحادَ المؤمنين المباشر مع المسيح بل يعزّزه" (م 5/ 60).

 

"ديانةٌ أنثويّة"

"قال أحد الكتّاب الإنكليز إنّ الكثلكة ليست، من جرّاء تكريمها المريميّ، سوى ديانةٍ أُنثويّة... هذا الكلام المبطَّن يعني أنّنا في حاجةٍ إلى ديانةٍ رجوليّة، قويّة، أَبيّة، جديرة بأن تليق بشرف الله (Honest to God)".

يجيب الأب برنار بْرُو على ذلك بقوله: "إنّ الذين يريدون - بحجّة الرُّجولة والصّفاء والقوّة - القضاءَ على ما في عذاباتنا وحاجاتنا من صبغةٍ بشريّة، والذين يبتغون ديانة ً مُصفّاة، هؤلاءِ كلُّهم ينتهون إلى ديانة الإرهاب. فبحُجّةِ أنّ الله ليس بديلاً عمّا قد ينقص الإنسان، ينتهي بنا الأمر إلى ديانةٍ خانقة...، ويُضفي بنا، لا محالة، إلى جميع "آيات الله" أيّةً كانت أسماؤهم أو دياناتهم أو ميولهم" (م 30/ 48 - 49).

ينبغي القول، في ختام هذا المدخل الأوّل، إنّه، في الحقيقة، ما دمنا حيال العذراء مريم مُعارضين أو متحفّظين، فإنّنا لن نذهب بعيدًا في إدراك سرّ المسيحيّة. هذا السرّ قد يُختصَر بخمس كلمات: "اليقين بأنّنا بين يَدَي الله". هذا اليقين، كما يشرح الأب برنار بْرو (م.م 57)، يوحي بالجرأة والثبات والإستسلام.

أمّا الجرأة ففي الإنطلاق على دروب الحياة والوثوق بالله مدى العمر. هذه كانت أولى مزايا العذراء، تلك التي كان لها من الجرأة والشجاعة ما جعلها تنطلق، يوم البشارة، إستنادًا إلى إقتراحٍ غريب من الإله الذي لا يُدرَك: "هل تقبلين، أنت العذراء، أن تحبلي، وأنت عذراء، فتَلِدي مخلّص العالم ابنَ الله؟".

وأمّا الثبات ففي الصّمود العنيد، على الرّغم من المشقّات التي يتّضح دائمًا أنّها أكبر بكثير ممّا يُتصوَّر في البدء... ثبتَت مريم حتّى النهاية، وهي واقفة عند الصّليب، صليب المهانة واللّعنة"، حيث ابنُها الإلهي معلَّق وقد تركه الجميع وتخلّوا عنه، حتّى أبوه السماويّ! أمّا هي فلا. إنّها حاضرة، واقفة، صامدة، غير متخليّة، بل مستسلمة كلّيًّا.

وأمّا الإستسلام ففي استيداع الذات كلّيًّا بين يدَي الله، حتّى ساعة يبدو وكأنّ كلّ شيء يوحي باليأس... ها هي مريم، في أحلك ساعات حياتها، ساعة الفشل الذريع في عين البشر، ها هي تحتفظ بثقتها بالله وترجو "على خلاف كلّ رجاء" مثل إبراهيم (روم 4/ 18). كان ابنها قد قال: "أبتاه، بين يديك أستودع روحي". وها هي تُرجِّع بعدَهُ كالصّدى: "أبتاه، بين يديك أستودع روح ولدي، وثقتي كلّها، لأنّك أنت هو الذي يسهر، ويستبق، ويعلّم كلّ شيء، ويُدرك كلّ شيء، ويقدر على كلّ شيء، ويُصلِح كلّ شيء".

إن كان لنا أن نضع شيئًا نُصبَ أَعيُنِ البشر أجمعين، وأَعيُن المسيحيّين، وأعيُنِ كلّ الّذين نالت منهم صُروفُ الدّهر بخيبةٍ، أو ألم، أو شيخوخة، أو خطر موت، فليس لدينا، كما يقول برنار بْرُو، سوى "وجهِ أُمٍّ، وجهِ أمٍّ حنون، وجهِ تلك التي كانت المغامِرَة الكبرى في جميع الأزمنة"، جرئيةً، صامدةً، واثقةً حتّى الإستسلام، "لأنّها ظلّت على يقينها بأنّنا بين يديّ الله".

 

                                                           الأب جميل نعمة الله السّقلاوي    

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية