"تعظّم نفسي الربّ، وتبتهج روحي بالله مخلّصي"

 

 

 

"تعظّم نفسي الربّ،

وتبتهج روحي بالله مخلّصي"

 

1- مريم لم تقل: "إنّي أعظّم... إنّي أبتهج"، بل: "تعظّم نفسي... وتبتهج روحي". النّفس هي ما يُحيي الجسد. الرّوح هي أسمى ما في الإنسان وأعمقُه، وما يجعلنا نُدرك ما لا يُرى وما هو أبديّ. "تعظّم نفسي، تبتهج روحي"، هذا يعني أنّ التعظيم والإبتهاج قد استوليا على كيانها بأكمله: حياتها، نشاطها، تفكيرها، قواها الجسديّة والعقليّة، كما لو أنّها منخطفة في الله.

 

كم نحن بعيدون عنها، نحن الذين كثيرًا ما نكتفي بالكلام الفارغ، دون أيّ تَحرُّكٍ غير تحرُّكِ الشّفاه أو الأيدي أو الرُّكَب!.. يقول لوثر: "العالم بأسره مليءٌ اليوم بالإحتفالات والمدائح والترانيم والعظات وأنغام الأراغن والأجواق الموسيقيّة. إنّهم يرنّمون نشيد العذراء بأروعِ الألحان. ولكن، كم هو مؤسف أن لا نرنّمه إلاّ عندما يكون لنا ما نريد! وأمّا إن ساءت الأمور، فإنّنا نمتنع عن التّرنيم، ولا نعود نعتبر الله، بل نفكّر أنّه لا يقدر أو لا يريد أن يساعدنا. وإذّاك نَصرِف نشيد العذراء!".

 

أن "نَصرِف نشيد العذراء" في العُسْر والعذاب والمحن، هذا يعني أنّنا لا نحبّ الله ولا نمدحه إلاّ لأنّه صالحٌ "لنا". هذا الحبّ سوف يستنكره المسيح قائلاً: "الحقّ أقول لكم، إنّكم تطلبوني لا لأنّكم عاينتم الآيات، بل لأنّكم أكلتم من الخبز وشبعتم" (يو 6/ 26)... أمّا أن نرنّم نشيد العذراء عندما يكون لنا ما لا نريد، فذلك يعني أنّنا نحبّ الله لأنّه صالحٌ "في ذاته"، ونفرح بالمخلّص أكثر منّا بالخلاص، وبالمُنعِم أكثر منّا بالنِّعَم، وبالخالق أكثر منّا بالخلائق، كالولد الذي يحبّ أباه ويخدمه بطيبة خاطر ومجّانًا، لا لشيء سوى أنّه أبوه.

 

"صَرْفُ نشيد العذراء"، هذا ما لم تفعله تلك الرّاهبات الأربع من جمعيّة بنات المحبّة (ماري مَدْلين فُونتين، ماري فرنسواز لانيل، تريز مَدْلين فانتُو، حنّة جيرار) لمّا، في 26/ 6/ 1794، تقدّمن من المِقْصَلة وهُنّ يرنِّمن النّشيد "السّلام عليك يا نجمة البحر". لم يَصْرِفنَ نشيد العذراء، تلك الساعة العسيرة، لأنّهُنّ لم يكنْ قد فعلنه ولا مرّة. الإنسان يموت، عادةً، كما عاش...

 

2- مريم لا تعظّم نفسها، بل تعظّم الربّ. فهي تعترف بأنّ كلّ ما فيها إنّما هو نعمة من الله وحده، وأنّ ما حدث لها وفيها من روائع إنّما هو لمجد الله وحده، لا لمجدها هي. لقد نالت كلّ شيء من الله، فهي تعيد إليه كلّ شيء، متجرّدةً كلّيًّا من ذاتها.

 

3- قالت مريم إنّ روحها تبتهج بالله "مخلّصها". حتّى لو أنّها قد نُزِّهَتْ من الخطيئة الأصليّة، فإنّ ذلك لم يكن إلاّ إستباقـًا زمنيًّا لاستحقاقات إبنها يسوع الإله المخلّص ومصدر إبتهاجها الوحيد. هذا الإبتهاج هو إبتهاج ملءِ الزمن، الذي به تتنهّد البشريّة فَرِحَةً بانعتاقها النهائيّ من جرّاء حضور الله في مريم، ذلك الآتي ليسكن في ما بيننا ليخلّصنا... في ذلك أيضًا إشعارٌ بالإبتهاج الأخيريّ، إذ ترى الكنيسةُ الربَّ المنتصر على الموت عائدًا بالمجد.

 

4- لم تقل مريم إنّ روحها تبتهج بالله "مخلّصنا"، بل "مخلّصي". ليس ذلك منها كبرياءً أو تبجّجًا أو محبّةً للذات، بل إعترافٌ بأنّها هي "بنت صهيون" النّاطقة بلسان البشريّة ككلّ، فيحقّ لها، بهذه الصّفة، أن تقول "بالله مخلّصي". فلا ريب عندها أنّ بوادر الخلاص قد إنطلقت فيها: رأسُ الحيّة سيُسحَق، والبشريّة ستنطلق على درب الخلاص، والعهد الجديد سيُبْرَم للأبد، وأبواب النّعيم المُغلقة ستنفتح من جديد، طالما أنّ الله قد خلّصها هي أوّلاً.

 

 

"لأنّه نظر إلى تواضع أمته"

1- "نظر"

ليس من شيء فوق الله، ولا ما يساويه. فهو لا يستطيع أن ينظر إلاّ إلى ذاته أو إلى أسفل. يقول النّبي دانيال: "مباركٌ أنت أيّها النّاظرُ الأعماق، الجالسُ على الكروبين" (دا 3/ 55). وصاحب المزامير: "الرَّبُّ عالٍ وينظر إلى التواضع... الرَّبُّ إلهُنا ساكنُ الأعالي، ناظرُ الأسافل في السّموات وفي الأرض" (مز 138/ 6، 113/ 6).

أمّا البشر فكثيرًا ما يكونون، على ما جاء في سفر الأمثال، مثل "جيلٍ مترفّعِ العيون ومتعالي الجفون" (أم 30/ 13). لماذا؟ ليترفّعوا ويتعالوا بالمجد والسّطوة والغنى والمعرفة، على الرّغم من أنّ الرّوح القدس يقول لهم: "لا تتُوقوا إلى الأمور الرّفيعة، بل ميلوا إلى الوضيعة" (روم 12/ 16)، فإنّ الله "يقاوم المتكبّرين، ويُؤْتي المتواضعين نعمة" (1 بط 5/ 5).

هل من متواضع أكثرَ تواضعًا من خادمةٍ مسكينة متجرّدة كلّيًّا من ذاتها ومن مشيئتها؟ هكذا كانت مريم: متواضعة، وضيعة، ومتجرّدة. ولذا فلقد حنا الرَّبُّ عليها أكثر ما يكون من الحُنّو، إلى حدِّ أنّه تجسَّد فيها، وكان واحدًا وإيّاها، فاستطاع القدّيس أغسطينوس أن يقول: "جسد المسيح جسد مريم".

نظرةُ الله هذه إليها، هي أوّل ما تبتهج به العذراء، قبل الإنتقال إلى سائر النِّعم، لأنّ هذه النظرة هي الأهمّ وهي مصدر جميع النّعم. فإنّ نعم الله وعطاياه هي ممّا له، أمّا نظرته فهي ما هو في ذاته. بكلامٍ آخر، عطايا الله هي يده، إن صحّ القول. أمّا نظرته فهي قلبه وروحه ومشيئته... وهذا هو الأهمّ.

عند مريم، كما عند جميع "مساكين يهوه"، ليس من عظمة ولا من ملجأ إلاّ في الله. فهو وحده يستطيع، بنظره العطوف، أن يقضي على فاقة الإنسان.

 

 

2- "إلى تواضع أَمته"

كلمة "تواضُع" لا تعني هنا أوّلاً فضيلة التواضع، بل الحقارة وضَعَة الحال. فمريم كانت من قريةٍ عديمة الشأن، لا يمكن أن "يكون منها شيء صالح"، كما قال نتنائيل (يو 1/ 46). إلى ذلك، فإنّها كانت قد إرتضت لنفسها بـ"عار العُقْم بين الناس"، كما تكلّمتْ أليصابات عن نفسها بعد حَبَلِها العجائبيّ: "ها هوذا ما صنع لي الرَّبّ، في الأيّام التي نظر إليّ فيها، ليَصرف عنّي العار بين الناس" (لو 1/ 25). إرتضت مريم بذلك عن إختيار حرّ، فتكون، على الصّعيد البشريّ، دون سائر النّساء اللّواتي سيُصبحن أُمّهات.

 

كلمة "تواضع" تعني أيضًا كلّ ضيق بشريّ، فرديًّا كان مثل عُقْم حنّة (1 صم 1/ 11) أمّ وطنيًّا مثل حرمان إسرائيل مَلِكًا يقوده (1 صم 9/ 16). إلى كلّ ذلك يلتفت الله، وبه يعتني، كما هو ظاهر في المزامير. وجه الإعتناء الربّانيّ هذا هو، في المزمور 120/ 14 - 21، إعادةُ بناء صهيون.

 

هذا كلُّه تستذكره مريم في هذه الآية من نشيدها: ينظر الرَّبّ بعطف إلى ضَعَة حالها، وإلى ضيق شعبه، وإلى صلاة المعذّبين، فيُرسل المخلّص لإعادة بناء صهيون والعالم. يقول صاحب المزامير: "أرسل الربّ الفداء لشعبه. أَوصى إلى الأبد بميثاقه" (مز 111/ 9). كيف؟ بنظره "إلى تواضع أمته"، بنتِ صهيون الحقيقيّة.

 

وتعني كلمة "تواضع"، طبعًا، فضيلةَ التواضع، أي عدم الإعتداد بالذات، أو إفناء الذات، أو "إفراغ الذات من الذات لإحلال الله محلّها"، كما يقول منصور دي بّول... كم كانت مريم فارغة من يوم البشارة (لو 1/ 29)! كانت تَعُدّ نفسها لا شيء... ولو أنّ الرَّبّ أرسل ملاكه إلى غيرها، لكانت فَرِحَتْ وتهلّلت.

 

يعلّق لوثر ويقول: "مريم تعرف أنّها أمّ الله، فوق البشر أجمعين، ومع ذلك لم تتخلّ عن بساطتها ولا عن هدوئها وتواضعها، غيرَ معتبرةٍ نفسَها أعلى من أحد حتّى ولا من خادمة بسيطة. ونحن؟... إذا كان لنا أدنى خير أو أدنى سلطة أو أدنى إكرام، أو كنّا أجمل بقليل من غيرنا، لا يعود في وسعنا أن نعتبر ذواتنا على مستوى مَن هُم أقلُّ حظوةً منّا، ولا يعود لكبريائنا حدود".

 

أفرغت مريم ذاتها كلّيًّا من ذاتها، فأتى الله واحتلّ فيها المحلّ كلّه، لأنّه "يختار ما هو حماقة في العالم ليُخزي الحكماء، وما هو ضعيف ليُخزي ما هو قويّ، وما هو خسيس وحقير وغير الموجود ليُعدِم الموجود، فلا يفتخر ذو جسد أمام الله" (1 قور 1/ 27 - 29).

 

لم يكن لمريم ما تَعْتَدّ به في مجال المعرفة والخبرة والخصب والوضع الإجتماعي والغنى والقدرة... لذا، فإنّ الرَّبّ إختارها له مَسكِنًا وأُمًّا. فكلّ شيء فيها هو من قبيل النّعمة لا غير، والجودةِ الإلهيّة، والمجّانيّة، والنّظر الإلهي. هو هذا النّظر ما يُثير فيها الإبتهاج، لا نظرُها هي إلى ذاتها.

 

فإذا أردنا أن لا "نَصرِف" نشيد العذراء، علينا أن نَصرِف الإعتداد والأنانيّة ومركزيّة الذات والنرجسيّة (الإفتتان بالذات) والحسد والغيرة والكبرياء. فإنّ "من رَفَع نفسه وُضع، ومن وَضَعَ نفسه رُفِع" (متى 23/ 12).

 

 

"فها منذ الآن،

تطوّبني جميع الأجيال"

1- هذا ما فعلته أليصابات بصوت جهير: "مباركة أنت في النّساء، ومباركة ثمرة بطنك... طوبى للتي آمنت!" (لو 1/ 42، 45). وهذا ما سوف تفعله تلك المُعجبة بالمسيح، إذ رفعت هي أيضًا صوتها وقالت: "طوبى للبطن الذي حملك، والثديّين اللّذين رضِعتهما" (لو 11/ 27). وهذا ما لا يزال العالم المسيحي يفعله، ولن يزال إلى الأبد، فيطوّبها ويباركها معترفًا بأنّ الله قد اختارها مجّانًا للتجسّد الفدائي ولإظهار قدرته وجوده.

 

2- طوباويّة هي، لماذا؟ لأنّ كلّ ما فيها هو من الله، بالله ، لله. وهي أمّ يسوع الإله، وتابوت العهد الذي يأوي الحضورَ الإلهيّ. فهي لن ترتضي التمجيدَ ما لم يوجَّه إلى الله الذي صنع لها العظائم بنعمةٍ مجّانيّة "فيضي فرحًا، يا فيض النّعمة" الإلهيّة!

 

3- كيف لا نذكر هنا أقوالاً لبعض اللاهوتيّين البروتستانت، تبديدًا للفكرة القائلة إنّ إخواننا لا يأبهون لمريم؟

من بُولينغر (Bullinger): "أن يكون للعذراء الأمّ، في عين الله، من تقوى وإيمان ونقاء وقداسة وكلّ الفضائل، ما لا يجيز لنا تشبيهها بأيّ قدّيسٍ آخر، بل يجعلها فوقهم جميعًا، هذا ما هو ظاهر جلّيًّا في الفصول الأولى لإنجيل متّى وإنجيل لوقا، ولا سيّما في نشيدها "تعظّم نفسي الربّ"... ولقد أصاب آباء الكنيسة في تسميتهم لها "طيوتوكُوس"، أي أمّ الله،... وإنْ كانت نساء العهد القديم أمثالُ سارة ورفقة وليا وراحيل وديبورة وحنّة وأبيجائيل وأستير وسوسن ويهوديت وغيرهنّ قد اشتهرن وتميّزن، فكم هي أشهَرُ منهنّ، وأجدر بالمديح، تلك المرأة التي تفوق بالنّضارة والبهاء جميع النّساء، الطوباويّةُ العذراء الأمّ!".

 

من شارل دريكلَنكور (Derlincourt): "إعتقادنا أنّ الله ليس فقط قد أنعم على العذراء القدّيسة الطوباويّة أكثرَ ممّا أنعم به على جميع الآباء والأنبياء والرّسل، بل وأعلى أيضًا شأنها فوق جميع السّرافيم. فإنّ الملائكة ليسوا إلاّ خدّامَ ابنِ الله. أمّا العذراء القدّيسة فهي، على كونها أَمَة الربّ، أُمُّ ذلك الإله الأكبر الحيّ".

 

من كارل بَرْث (Barth)، وهو أكثر البروتستانت روحًا نقديّة: "إنّ جميع الملائكة وجميع السّموات لا نَظَر لها الآن إلاّ حيث هي مريم، تلك الفتاةُ التي لم يَحدُث لها سوى أنّ الله قد نظر إلى حقارتها. كانت تلك اللّحظةُ قصيرة، ولكن ملأَى بأبدٍ متجدّدةٍ أبدًا، وليس في السّماء وعلى الأرض ما هو أعظم. إن كان قد حدث في التاريخ العالميّ أمرٌ أساسيّ، فإنّما هو تلك النّظرة...

 

"ها منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال". إنّه الإنتصار قد أُحرِز. والتاريخ العالميّ، بأصله ومركزه ونهايته، ينظر إلى تلك النّقطة الوحيدة: يسوع المسيح! دَعْوتُنا أن نكون إلى جانب مريم... وليس لنا، على مثالها، إلاّ أمرٌ واحد نفعله: أن ندع الله يفعل. "ليكن بحسب قولك".

 

من ماكس توريان (Thurian) قبل إهتدائه إلى الكثلكة: "كلمة مريم، "تطوّبني جميع الأجيال"، هي الأساس والمبرّر لمنزلة أمّ الربّ في ليتورجيا الكنيسة وكرازتها. فكيف "تطوَّب" إن لم يكن بالطرق العاديّة لإعلان كلمة الله في الكنيسة، أي الليتورجيا والكرازة؟".

 

ومن مرتين لوثر (Martin Luther) في شرحه لنشيد العذراء، موجِّهًا كلامَه إلى جان فريديريك دوق السَكْس: "لا يَلَذّ مريمَ شيءٌ مثل أن تتقدّم بها من الله، وتتعلّم منها كيف تضع في الله ثقتك ورجاءك، حتّى لو كنت محتقرًا ومنسحقًا. مهما يكن ومهما يحدث، في الحياة أم في الموت، فهي لا تريد أن تذهب إليها هي، بل بها إلى الله...

 

"أيّتها العذراء الطوباويّة وأمَّ الله! أنتِ عنوان عطفِ الله علينا. ذلك أنّه، لمّا نظر إلى ضَعَتك وحقارتك بعطفٍ فائق، علِمنا أنّه لن يحتقرنا نحن أيضًا المساكين وعديميّ الشأن، بل ينظر إلينا بعطفه".

 

4- إن تجاسرت مريم وقالت إنّ جميع الأجيال ستطوّبها، فلأنّها كانت مُدرِكةً لما هي في نظر الربّ ولدورها الفريد في التدبير الفدائيّ... وإن استطاع عُزّيّا، رئيسُ شعب إسرائيل، أن يقول ليهوديت: "مباركة أنت يا بُنيّة من الرَّبّ الإله العليّ فوق جميع نساء الأرض...، فإنّه عظّم اليوم إسمَكِ هكذا حتّى إنّه لا يَبْرَحُ مَدْحُك من أفواه الناس الذين يذكرون قوّة الربّ إلى الأبد، الذين لأجلهم لم تُشفِقي على نفسك، بل رَدَدْتِ عنّا الهلاك" (يهوديت 13/ 23، 25)، فكم بالأحرى يصحّ ذلك في العذراء مريم التي بقبولها، يومَ البشارة، ردّت عنّا الهلاك الأبديّ!..

 

 

لأنّ القدير صنع لي العظائم.

واسمه قدّوس"

جاء في سفر التثنية: "إسرائيل! الربُّ فخرُكَ، وهو إلهك الذي صنع لك تلك العظائم التي رأتْها عيناك" (تث 10/ 21). المقصود هنا ما صنع الرَّبُّ من روائع أيّام الخروج: ويلات مصر، عبور البحر الأحمر، المَنّ العجائبي، رعود سيناء، عبور الأردنّ، سقوط أسوار أريحا... أمّا في نشيد العذراء، فالمقصود هو رائعة التجسّد الفدائيّ.

1- "القدير صنع"

هو وحده صنع لها العظائم. "بكلمة واحدة، يقول لوثر، تجرّأتْ وجعلت كلّ المقتدرين مَرضى، كلَّ الأبطال ضعفاء، كلّ الحكماء حُمْقًا...، لِتَنسُب إلى الإله الوحيد كلّ قدرة وكلّ بطولة وكلّ حكمة وكلَّ مجد". ألم يقل القدّيس بولس إنّ الله "يعمل كلَّ شيء على حسب مَرضاته" (أف 1/ 11)، وإنّ "كفايتنا" منه (2 قور 3/ 5)؟... ألا فلْيسقط كلُّ تكبُّر واعتداد ومَكر! والمجد والإكرام لله وحده! ولْننسُب إليه، مِثلَ مريم، الخيرَ الذي فينا أو يأتي على أيدينا!..

2- "صنع لي"

كانت مريم أوّل المستفيدين، وأكبرهم، من نعمة التجسّد الخلاصيّ. بفضل تلك النّعمة، صارت أمّ الإله البريئة من الخطيئة الأصليّة، وتابوتَ العهد الجديد، ومَسكِنَ الرّوح القدس... لهذا السّبب سوف تطوّبها جميع الأجيال.

3- "صنع لي العظائم"

"نقطة عالسّطر"... كم العذراء قليلة "الحَكي!" ما هي تلك العظائم؟ لم تَقُلْها. ربّما لأنّها تعجز عن الكلام. فكلّما كَثُرَ القُربُ من الله، قلّ الكلام. لهذا السّبب يقول المسيح: "في الصّلاة، لا تثرثروا!" (متّى 6/ 7)... يعلِّق لوثر ويقول، بشيء من المرارة واللّذع: "كلُّ الكنائس تَعِجّ اليوم بالصُّداح، بأصوات الأراغن، بالتّرانيم والهتافات والقراءات. لكنّي أخشى أن لا يكون في ذلك إلاّ القليلُ من التّسبيح لله هو الذي يريد، كما يقول، أن يسبَّح بالرّوح والحقّ".

ما عدا تلك المرارة، أليس في ما يقوله شيء من الحقّ؟ إنّي أتساءل إذا ما كانت القلوب تهتزّ، في كنائسنا، كما تهتزّ الألسُن... إذا ما كانت كثرة الكلام تعبّر عن كثرة الشّعور... إذا ما كان القلب هو الذي يحرّك الشّفاه أم، بالعكس، هي الشّفاه تجهَد لاهثةً في تحريك القلب... إذا ما كانت النغام الفَرِحة تعبّر عن فرح القلوب...

لم تكن العذراء مِكثارًا. لماذا؟ ربّما لأنّ "العظائم" التي ينبغي التعبير عنها هي "فائقة" العظمة. ما هي؟ يجيب لوثر ويقول: "كونها قد صارت أمَّ الله، ولا شيء غير ذلك. والحال، إنّ لها وللآب السّماويّ إبنًا واحدًا، وأيّ ابن! فأين لها أن تسمّي ذلك؟ هناك أمور عظيمة لا تُسمَّى ولا تُقاس، حتّى لو كان في الفمّ من الألسن ما على الأشجار من ورق، وفي المروج من عشب، وفي الفضاء من أَنجُم، وفي البحر من رمال".

4- "واسمه قدّوس"

"إسمه"، أي في اللّغة الكتابيّة هو نفسه. فأن يقال إنّ الله "اسمه قدّوس" يعني أنّه المتسامي كلّيًّا، والآخر كلّيًّا، والمختلف كلّيًّا عن كلّ ما ليس هو، والمرتفع كلّيًّا فوق ما يستطيع العقل البشريّ أن يتصوّره أو يعبّر عنه. ولذا، فإنّه لمّا جعل مريم أمًّا لابنه، صنع أمرًا "عظيمًا" يفوق إدراك العقل المخلوق أإنسانًا كان أم ملاكًا.

"إسمه قدّوس" وحده. هذا يعني أنّ شرف الأُمومة الإلهيّة يعود إليه وحده. أمّا مريم فإنّها، وإن إعترفت بهذا الشّرف، لا تطالب لنفسها بأيّ إكرام أو مديح. ومع علمها أنّ جميع الأجيال ستطوّبها لأجل العظائم التي صنعها الربّ لها، فهي تريد أن يعود الفضل كلُّه إليه تعالى، لأنّه وحده "اسمه قدّوس"، فهو وحده جدير بكلّ إكرام ومديح وتمجيد... أمّا هي فسوف تستمرّ في حياتها البسيطة والمخفيّة، بالأعمال البيتيّة اليوميّة.

فإذا ما رأى الناس أن يهنّئوها على ما نحن أو ما نفعل، فلا نَرْفُضنَّ الثناء، كما لو أنّه في غير محلّه، بل فلْننسُبه إلى مصدر كلّ خير، ملتزمين جانب البساطة والتواضع. يسأل القدّيس بولس ويقول: "أيُّ شيء لك لم تَنَلْهُ؟ وإن كنت قد نِلت، فلِمَ تفتخر كأنّك لم تَنَل؟... فمَن  يفتخر، فليفتخر بالرَّبّ!" (1 قور 4/ 7، 1/ 31).

 

 

"ورحمته من جيل إلى جيل،

للذين يتّقونه"

1- بهذه الآية، والآيات الخمس اللاّحقة، تُبَيِّن لنا مريم - من حيث لا تدري - أفضلَ الطرق لمعرفة الله، أي إعتبار أعماله. فإنّ هذه، إن فُهِمَتْ على حقيقتها، تُبيِّن طبيعته ومشيئته وقلبه وأفكاره.

2- الرّحمة هي التحسّس مع الغير، الشّفقة، الطيبة، الحنان، العون... أمّا الذين يتّقون الله وينعمون برحمته، فهم الذين "يحفظون عهده ويذكرون أوامره ليعملوا بها" (مز 103/ 18)، والذين "يحبّونه ويحفظون وصاياه" (خروج 20/ 6)... كانت مريم منهم. كانت ممّن "يسمعون الكلمة ويحفظونها" (لو 11/ 28)، أمثال نسيبَيْها زكريّا وأليصابات اللذين "كانا كلاهما بارَّين أمام الله، سالكين بغير ملامة، في جميع وصايا الرَّبِّ ورسومه" (لو 1/ 6).

3- كانت مريم، والعالم كلُّه من خلالها، موضوع رحمة من قبل الرَّبّ. كانت، كما يقول ماكس توريان، يومَ البشارة ولحظة التجسّد، "العلامة الوحيدة لرحمة الله"، تلك الرّحمة التي سوف تَعُمّ، جيلاً بعد جيل، العالم بأسره، في المسيح وكنيسته.

4- من هم الذين لا يتّقون الله؟ لا يتّقي الله كلُّ من يدّعي أنّه لا يُخطئ... مَن يحكم على الغير دون شفقة ودون أن يترك له مجال الدّفاع عن النّفس... من يحطّم مبدئيًّا كلّ مقاومة أو معارضة... من يتقبَّل الملاحظات "مثلما يتقبّل السِندان ضربات المطرقة" (لوثر)... من يدّعي أنّه عليه أن يطبِّق القانون حتّى لو إقتضى الأمر أن "يتحطّم العالم ويُهشَّم" (لوثر)... من قلبُه متحجّر... من يدّعي أنّه مصيب لأنّه مُحقّ، غيرَ عالمٍ أنّ "طريقة تثبيت الحقّ قد تكون مخطئة وخرقاء" (لوثر)... من، إذا طُلب منه التخلّي عن خيرٍ ما، كالمسؤوليّة وحقل العمل والسّمعة، بداعي المرض أو النّقل أو الإفتراء، يتخلّى عن الله الذي يريد أن نتعلّق به هو لا بخيراته.

 

 

"بَسَطَ قدرة ساعده،

فشتّت ذوي القلوب المتغطرسة"

في هذه الآية، والآيتين التاليتين، تبدو مريم مثل أولئك النّساء الأشدّاء في العهد القديم، اللّواتي دافَعْن عن حقوق الله ومجده وكرامة شعبه: ديبورة (يشوع 4 - 5)، يهوديت (يه 13/ 20، 15/ 9)، حنّة أمّ صموئيل، التي قد أَنشدت: "كُسِرتْ قِسِيُّ الجبابرة، وتنطّق الضعفاء بالقوّة" (1 صم 2/ 4).

1- كانوا يعتبرون القلب مركز الرّغبات والأفكار. فذوو القلوب المتغطرسة هم الذين، بدلاً من أن يعتنقوا أفكار الله ورغباته، يواجهونه بالإدّعاء والإعتداد والإستقلال الأعوج. فالربّ يشتّت، بواسطة الخلائق، صاحب القلب المتغطرس، ويجعله كلا شيء، و"يجتاز على عُنُقه" (هوشع 10/ 11). إنّه "يقتلع بيته" (أمثال 15/ 25)، لأنّه "يقاوم المتكبّرين" (يع 4/ 6، 1 بط 5/ 5). فمن يستطيع الصّمود في وجه الله؟ ليت كلَّ مَن يظلم الناس ويستغلّهم ويشرّدهم يتذكّر ذلك!..

 

2- كما كان الربّ قد جعل شعبه يجتاز البحر الأحمر يساعد موسى، ونهر الأردنّ بحضوره في تابوت العهد، كذلك يُجيز البشر إلى  الشاطئ الأبديّ، إذ هو يخلّصهم من عبوديّة الخطيئة والموت. هذا الخلاص كان قد تمّ في مريم، لمّا أطلقت نشيدها. وهي، بدورها، ستكون للجنس البشريّ، بقبولها تجسُّدَ ابن الله، يهوديت الحقيقيّة، وديبورة، وأستير.

 

3- إذا كان الله قد بَسَطَ قدرة ساعده لفداء العالم، أليس لأنّ مريم الأمينة لدعوتها قد أتاحت للربّ أن يَبسُط قدرة ساعده؟ ذلك العمل الفدائي لا يزال مستمرًّا في العالم، من خلال المسيحيّين. هذه هي دعوتنا. إن كنّا لها غيرَ أمناء، فإنّما نحن نُكبِّل المسيح، نُكبِّل جسده السرّيّ، ونَحُول دون تغلُّبِ الحبّ على البغض، والنّورِ على الظلام، والخيرِ على الشرّ، والحياة على الموت.

 

4- قدرة الله هذه تفعل سرًّا في الأبرار ضحايا الظلم والطغيان. هذا ما قد ظهر في جميع شهداء الإيمان، عِبر تاريخ الكنيسة. يقول القدّيس بولس: "متى ضَعُفتُ، فحينئذٍ أنا قويّ" (2 قور 12/ 10)... لقد ضَعُفَ المسيح إلى الغاية على الصّليب أقوى ما يكون، بتسليمه الطوعيّ والكلّيّ لمشيئة الآب، فاستطاع بذلك أن ينتصر على الخطيئة والشرّ والشيطان، على العداوة والمقاومة، على جهنّم والموت نفسه.

وبالمُقابل، كما يقول لوثر، "فإنّ الله يدع ذوي القلوب المتغطرسة يتعالـَون. يَحجُب قدرته ويتركهم ينتفخون، لأنّ قدرة الله تنحجب حيث تظهر قدرة الإنسان. ولكن، عندما تمتلئ الفُقاعة إنتفاخًا، ويتصوّر كلُّ واحد أنّ الغلبة له، وله الإنتصار، يَثقُب الله الفُقاعة، فينتهي كلُّ شيء". يقول صاحب المزامير: "رأيت المنافق معتزًّا منبسطـًا كالأرزة على جبل لبنان. ثمّ إجتزتُ فلم يكن، والتمستُه فلم يوجد".

علينا، إذًا، أن ننتظر بالإيمان ساعة الله، دون أن نحاول لَمْسَ ذراع الله بالإصبع، فإنّها تَعمل في السرّ. ولمّا كان أنّه لا نستطيع لَمْسَ تلك الذّراع، فنحن معرَّضون للإعتقاد أنّنا هلكنا وأنّ الأشرار ينتصرون، ولربّما الأمر يشكِّكنا. فإنّ الأشرار "ينقلبون مهما تعالوا" (لوثر). هذا ما يؤكّده التاريخ: كيف انتهى جميع الطغاة؟...

 

 

  "حَطَّ الأعزّاء عن عروشهم،

ورفع المتواضعين"

1- تستند هذه الآية، والآية التالية، إلى فكرةٍ تقليديّة هي فكرة إنعكاس الأوضاع، كما في أيّوب 12/ 17 - 24، 5/ 11 - 16 والمزمور 107/ 8، حيث يَحُطّ الربّ الأعزّاء ويرفع المتواضعين، يجرّد الأغنياء ويغمر الجياع بالخيرات.

لماذا؟ لأنّ "من لا يعتمد إلاّ على سلطة أو خيرات، يخطأ في تقديره لمصير الإنسان الحقيقيّ. فالإنسان لم يكن ليكتفي بمفهومٍ كمِّيّ للحياة. فلهذه بُعْدٌ آخر هو البُعد النّوعيّ. وعليه، فإنّ المسيح - شَرْطَ أن لا نَخلِط بين البؤس والفقر - لن يُعطي الفقراءَ غيرَ الفقر. وإلاّ لكان العكسُ تبنّيًا منه لمفهومٍ دنيويّ يصوّره كائنًا يوفِّر البحبوحة، ولكان يُغلِق الإنسان على ما تملك يداه، مفتتحًا عهدًا ذهبيًّا لإرضاء جميع الرّغبات. إنّ من يُرضِي يُغلِق. والإرضاء يسيِّج على الإنسان داخل الإستهلاك المَسعُور لأمورٍ وأمور لا تغيّر حتمًا نوعيّة الحياة. فالإنسان للفقر، أي لبذل الذات لا لامتلاك الذات، للمشاركة لا للبؤس، للإنفتاح والثقة لا للإنغلاق. وهذا يقتضي طبعًا أوضاعًا حياتيّة جديرة بأن تحرِّر الإنسان من البؤس: فالبؤس والغنى وجهان لفخّ واحد. أمّا الفقر فغيرُ ذلك. الفقر يجعل الإنسان حرًّا في حدوده، أخويًّا في علاقاته، كلَّه أمل ومحبّة. هذا هو الفقر الذي تميّزتْ به مريم" (ألبير رويه -Rouet ).

 

2- لم تَقُل مريم إنّ الله يحطّم العروش، بل إنّه يَحُطّ الطغاة عنها. ذلك أنّه، ما دام هناك عالم، لا بدّ من السلطة والإدارة. لكنّ الله لن يرضى طويلاً بأن تكون السلطة ضدّ المستَضعفين، ضدّ الصَّامتين، ضدّ حقوق الإنسان. أين أَشور؟ أين بابل؟ أين صارت في الماضي؟ أين ستصير في المستقبل أشور اليوم وبابل اليوم؟... لا يسع الله إلاّ أن يحطّم كلّ من يحسب نفسه إلهًا مصغّرًا. أمّا المتواضعون المستَضعَفون، فإنّه يرفعهم، لا أنّه يُجلِسُهم محلَّ الذين حطّهم، بل يرفعهم فيه وبالرّوح...

 

3- ليس الحبّ عاطفةً شكليّة، كما بدا من الكاهن واللاّوي حيال ذلك الذي وقع في أيدي اللّصوص. ربّما قالا متأسِّفَين: "يا للمسكين!"، لكنّهما تابعا سيرهما... المُحبّ يتعذّب مع المعذَّب، ويُسرع للمؤاساة والإنهاض والتخليص... هل نعتبر أنفسنا، فرديًّا وكنائسيًّا، معنيّين بما جاء على لسان مريم؟ ماذا نصنع لصالح الممتهَنين حولنا؟...

 

 

"غَمَرَ الجياع بالخيرات،

وأرسل الأغنياء فارغين"

1- تستذكر مريم، في هذه الآية، تقاليدَ البلاطات الشرقيّة، حيث لم يكن من مكان إلاّ للأغنياء. أمّا في الملكوت المِشْيَحِيّ، فالأوّليّة للفقراء ("طوبى للمساكين بالرّوح، فإنّ لهم ملكوت السموات" - متّى 5/ 3)، والمطلوب هو الإهتمامُ بالمسكين (أشعيا 61/ 1، لو 4/ 18، 7/ 22)، ورفعُ من يتّضع (لو 14/ 11، 18/ 14).

 

2- الحبّ يتجسّد عمليًّا، إنسانيًّا، إجتماعيًّا، ولا يكتفي بأن يكون شكليًّا أو عزاءً روحيًّا باطنيًّا. إنّ الغنى، كالكبرياء والتسلُّط، حاجزٌ في درب الحبّ، ومناهضةٌ له، وإساءةٌ به. ولذا فإنّ الأغنياء يُرسَلون فارغين، والمتغطرسين يُشتّتون.

فلْنتذكّر كيف أنّ المسيح قلَبَ موائد الصيارفة، وكيف أنزل الويلات بالأغنياء المنغلقين على الله وعلى الإنسان، أولئك الذين قد نالوا عزاءهم (لو 6/ 24). فكم هو صعب عليهم دخولُ ملكوت الله (متّى 19/ 23)، وكم هو بليغ، من هذا القبيل، مَثَلُ لعازر والغنيّ (لو 16/ 19 - 31)!..

للقدّيس يعقوب أيضًا كلامٌ رهيبٌ موجَّه إلى أولئك الأغنياء: "إبكوا وولوِلوا للشقاوات التي ستنتابكم! إنّ ثراءكم قد عَفِنَ، وثيابكم أكلها العُثّ. ذهبُكم وفضّتكم قد صَدئا، وصدأُهما سيشهد عليكم ويأكل لحومكم كالنار... وها إنّ أُجرة العملة الذين حَصَدوا حقولكم، تلك التي بخستموهم إيّاها، تصرُخ! وصراخُ أولئك الحصّادين قد بلغ إلى أُذُنَيّ ربِّ الصبؤوت. لقد تنعَّمتُم على الأرض، وتَرِفتُم، وأشبعتم قلوبكم ليوم الذّبح (الدينونة)!" (5/ 1 - 5).

 

3- من هم الجياع بحسب الإنجيل؟ هل هم المحرومون ما هو ضروريّ للعيش؟ كلاّ. فكم من محروم يتبرّم فيتذمّر ويدمدم ويجدّف!.. الجائع بحسب الإنجيل هو الذي يتحمّل، صابرًا، الحرمان المحتَّم، لا سيّما ذلك الذي يُفرَض عليه بسبب إيمانه أو حبّه للحقّ، ويضع كامل ثقته بالله. من هذا القبيل، يُعَدُّ أيضًا من الجياع ذلك الغنيّ الذي لا يستغلّ غناه ليفرِض نفسه، ولا لمصلحته الخاصّة فحسب، بل يُشرِك فيه الفقراء المساكين.

 

4- أجل، في ملكوت الله، جميعُ القيم الدنيويّة تنعكس. علامات هذا الملكوت الذي تتغنّى به مريم، هي العدالة الإجتماعيّة، والمساواة في الحقوق، والإشتراك في الخيرات: فإنّ إنجيل الخلاص الأبديّ هو أيضًا إنجيل التحرّر البشريّ.

يقول ماكس توريان إنّ "المسيحيّة الأولى، مريم، هي أيضًا الثائرة الأولى، في النظام الجديد. والكنيسة التي تتمثّل في العذراء مريم، لا تستطيع أن تُعلِن بشارة الخلاص ما لم تُجسِّد، في الوقت نفسه، حبَّ الله للبشر، برفعها لواءَ العدالة والمساكين والجياع. الكنيسة هي أمَة الرَّبّ، مثل مريم، إن كانت مثلها فقيرة، وإن فَرِحَتْ بوجودها مع الفقراء، وإن بحثتْ معهم عن تحريرهم. فهذه هي مشيئة الرَّبّ، هذا هو وعده ونظامه الجديد. مثل مريم، لا يسع الكنيسة أن ترتاح إلى المتغطرسين والمستبدّين وأغنياء العالم. مثل مريم، تُحبّ الكنيسة المساكين والجياع، وتبتهج لكون الرَّبّ يشتّت المتغطرسين، ويَحُطّ المستبدّين عن عروشهم، ويُرسِل الأغنياء فارغي الأيدي. وإذا بهم يذوقون الفقر بدورهم، فيزورهم الرَّبّ بحبِّه ومجده، فيعرفون بدورهم فرح الفقر الذي قد يُرفَع، والجوع الذي قد يُشبَع، بعطف ذلك القدير وحده، والغني وحده الذي يمنح الغنى الحقيقيّ".

 

 

"عَضَدَ إسرائيل فتاه، ذاكرًا رحمته"

في هذه الآية، والآية التالية، ترى مريم في التجسُّد الخلاصيّ تحقيقًا للوعود المِشْيَحِيَّة.

1- كثيرًا ما كان الشَّعب المختار، في الماضي، موضوعًا للرَّحمة الإلهيّة. هذه الرّحمة، يذكرها الله الآن ليشمل بها الشّعب الذي بقي، في الأمور الأساسيّة، "عبدَه" الأمين المطيع، فيُرسِل إليه المسيح الموعود عنوانًا ساميًا لتلك الرَّحمة.

2- تجسُّدُ ابن الله، في حشا مريم، رائعةٌ إلهيّة "عَضَدَتْ إسرائيل فتاه"، أي الجنس البشريّ كلَّه المُمثِّل في الشّعب المختار. وعليه، فإنّ مريم هي "أمَة الرَّبّ" باسم العالم كلّه.

3- خادِمُ الله مُلزَم بـ"خدمة الله". هذه الخدمة تعني، أساسًا، الإعتراف بأنْ لا إله إلاّ الله الواحد الحقيقيّ، كما وتَرْكَه يفعل فينا عملَ التقديس والحقّ والمحبّة. حينئذ فقط نكون شعب الله، شعبًا يستفيد من تجسُّد الابن الذي، على حدّ قول بولس الرّسول، "بذل نفسه لأجلنا، ليفتدينا من كلّ إثم، ويطهِّر لنفسه شعبًا خاصًّا، غيورًا على الأعمال الصّالحة" (تيطس 2/ 14).

4- كان العضد الإلهيّ بأن "يذكر رحمته". فالله لا ينسى. لقد يتباطأ، ولكنّه لا ينسى. فهو الأمين بالذات، لأنّه الحبّ بالذات. فما به يَعِد، به يفي، عاجلاً أم آجلاً.

هل لنا نفس الأمانة في وعودنا للبشر (مسؤوليّة، وظيفة، زواج...)، وفي وعودنا لله (مقاصد، إلتزام، نذور خاصّة ورهبانيّة...)؟

 

 

"على ما وعد به آباءَنا،

لإبراهيم ونسله إلى الأبد"

1- كانت الوعود المِشْيَحِيَّة المجَّانيَّة للآباء، لصالح إبراهيم أبي المؤمنين ولأبنائه الرّوحيِّين، يهودًا أم لا، ورثة إيمانه (يو 8/ 37... روم 4/ 1... متّى 3/ 9). هذه الوعود بالبركة الإلهيّة، في الملكوت الرّوحيّ، سوف تُثَبَّت "إلى الأبد"، بمجيء المسيح الذي هو رحمة الله حيال إسرائيل المؤمنين (غل 4/ 29، 6/ 16).

 

2- إستذكار إبراهيم، ذلك الذي فيه جُمِعَ الشّعبُ المختار، يوحي بأنّ هذا الجمع قد حصل الآن في مريم، يوم البشارة. فِعْل إيمان إبراهيم كان نقطة انطلاق الشّعب المختار في العهد القديم، وها إنّه الآن يقابله فِعْلُ إيمان مريم، الذي هو نقطة انطلاق شعب الله في العهد الجديد.

 

3- كان وعدُ الله لإبراهيم ما يلي: "يميني أنّي أجعلك أُمَّةً كبيرة، وأباركك، وأُعظِّم اسمك، وتكون بركة. وأُبارك مباركيك، وألعن شاتميك، ويتبارك بك وبنسلك جميعُ عشائر الأرض وأُمَمِها" (تكوين 12/ 3، 22/ 18). يسوع المسيح من ذلك النّسل، لا بل هو نفسه المقصود (غل 3/ 16)، وبه ستتبارك جميع الأُمم. وعليه، فإنّ العالم بأسره، بما فيه من عِلم وإنجازات، لن يَنعم بالبركة الإلهيّة بل يغرَق في اللّعنة، إن هو كان خارجًا عن المسيح. فكلُّ بركة وكلُّ خلاص لن يكون إلاّ بالمسيح الذي هو نسلُ إبراهيم الحقيقيّ: "يتبارك بنسلك (المسيح) جميعُ عشائر الأرض وأُممِها". فكلُّ ما يتبارك، بالمسيح يتبارك، حتمًا، وبه وحده لا بسواه. يقول لوثر: "الحقّ يقال، إنّ التوراة كلّها معلَّقة إلى يمين الله هذه، لأنّ كلَّ ما في الكتاب يتعلّق بالمسيح".

 

 

خلاصة

1- من أوَّل النّشيد المريميّ إلى آخره، تُشِعّ نفس مريم من خلال أفكار العهد القديم، فتمنحها سُموًّا لم تبلغه يومًا. فتصبح مريم، بذلك، تشخيصًا لشعب الله الجديد في مسيرته نحو المخلّص.

 

2- خلاصة النّشيد المريميّ هي أنّ الله يُحبّ المساكين المنفتحين عليه. إنّه مخلّصهم ومحرّرهم. وهو سوف يولد من عذراءَ فقيرةٍ ووارثةٍ الوعدَ لإبراهيم، فيتجلّى مجده للبشر.

 

3- يقول جان غيتون: "في النّشيد المريميّ كلُّ النّفحات المختلفة التي هبّت على الكتاب المقدّس: نفحة الإقتدار، نفحة التقليد، نفحة التواضع والحالات الوضيعة... وفيه سِمَةُ الرّوعة والإنتصار... وفيه سِمَةُ الألفة... كلُّ ذلك محمولاً بمدٍّ متواصل، بنهر الأجيال، بمجرًى متصاعدٍ ومُخصِبٍ للكنيسة الإلهيّة التي كان منبعُها في إبراهيم، وشلاّلُها في موسى، وهي تسيل بهدوءٍ بين رمال الصّحاري، باتّجاهِ مَصَبٍّ لا ندري إن كان بعدُ من الزّمن أو من الأبد. مريم لا تعلم بعدُ أنّها هي العين التي منها تنبجس منابع النّهر...

"... إنّها، في نشيدها، تَرسم الخطوطَ الكبرى لتاريخٍ عالميّ... إنّها، ببضع رفرفات، تعرض فلسفة التاريخ. إنّه تاريخُ الله في العالم، وهو معًا تاريخُها هي في الله. إنّها مُدرِكةٌ لذلك السّيل المنطلق من إبراهيم، ومُدرِكةٌ لسُنّتِه الخفيّة البسيطة، التي تُختَصَر بهذا القول: ألله يَحُطّ الطغاة، ويرفع المتواضعين... هذه هي السُّنّة التي سيُعلنها المسيح في التطويبات السّبع، متوسِّعًا بفكرةٍ كانت محتجبة في حشا أُمِّه وكان هو يوحي لها بها".

 

4- يبيّن لنا النّشيد المريميّ كيف ينبغي أن نكرّم العذراء: بأن نعتنق تَضامُنها البشريّ، لا بأن نكتفي بالإسراف في المدح والألقاب والبخور والسُّبحات... علينا أن نخدم مثلها التدبير الإلهيّ الذي، على حدّ قول أحدهم، "يوافي ذوي الرّغبات والنّقص والشرَه ليمنحهم، لا ما يريدون، بقدْر ما يعوزهم حقًّا، أي تجاوُزَ الطّلب بحدّ ذاته: كان الأعمى يأمل حسنةً، فأعطاه المسيح البصر ثمّ الإيمان".

 

5- ولنستشهد، مرّةً أُخرى، بنصٍّ للوثر يبيِّن أنّه، إذا صحَّ الإدّعاء القائل إنّ البروتستانت ينكرون لمريم كلّ وساطة وكلّ شفاعة، فذلك يعني أنّهم قد زوّروا فكرة أحد كبار أركان البروتستانتيّة. يقول: "من الربّ نطلب أن يمنحنا فهمًا صحيحًا لهذا النّشيد المريميّ، فهمًا لا يقتصر على التهلُّل والكلام، بل يُلهِب منّا الأجسام والأرواح، ويُنعِشُها حياة. امنحنا هذا أيّها المسيح، بشفاعة وإرادة أمّك الحبيبة مريم. آمين!".

 

 

                                                            جميل نعمة الله السّقلاوي

مرسل لعازريّ

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية