"تعظّم نفسي الربّ"

 

 

 

 "تعظّم نفسي الربّ"

 (لوقا 1 / 46 - 55)

 

كما أنشدت مريم أختُ موسى للرّوائع الإلهيّة لدى عبور البحر الأحمر، وديبُوره بعد هزيمة الكنعانيّين، ويهوديت بعد قطعها رأس أليفانا، وحنّة العاقر بعد إنجابها صموئيل، كذلك تغنّت مريم أمُّ يسوع بفرحها المِشْيَحِيّ، في نشيدها "تعظّم نفسي الربّ"، حيث تُعيد إلى الله مجد الرّوائع التي تَحدُث فيها للعالم أجمع.

أن يكون هذا النشيد أو لا يكون مِن صُنْعِ مريم، أن يكون أو لا يكون مزمورًا سابقًا للمسيحيّة قد تبنّته الجماعة المسيحيّة الأولى، فإنّه، منذ البداية، وبإلهام الرّوح القدس، قد نُسِب إلى مريم التي تعبّر فيه عن مكامن نفسها وخواطرها العميقة.

 

 

مديح إلهيّ

تُشيد مريم بعظمة الله وسخائه نحوها (لو1/ 46 - 49)، ثمّ بتصرّفه حيال "مساكين يهوه" أولئك الذين - على خلاف المتكبّرين والمقتدرين والمتموّلين - يُدركون ما هم عليه من نقص، فينفتحون على الخيرات الإلهيّة، وينتظرون الخلاص من الله، وفيه يضعون ثقتهم (لو1/ 50 - 53) – (مز 25، 31، 35، 55 -).  وتُشيد مريم أخيرًا بما سيفعل الله لتحقيق الوعود الكتابيّة (لو1/ 54 - 55).

نشيد مريم، من هذا القبيل، هو صورة لصلاتها، صلاةٍ كتابيّة هي ثمرة الضّمير التاريخيّ والجماعيّ عند الشَّعب، صلاةٍ جاءت بصيغة الشّكر عمّا يجري، والإشادة بما قد جرى، والتوسُّل الضِمني لما سيجري. يقول البابا يوحنّا بولس الثاني إنّ "هذه العبارات الرّائعة تَنِمّ عن اختبار مريم الشخصيّ، عن إنخطاف قلبها. وهي إشعاع لسرّ الله، ولمجد قداسته الفائقة، وللحبّ الأبديّ الذي دخل تاريخَ الإنسان عطاءً نهائيًّا لا رجوع عنه".

 

أصداء كتابيّة

 نشيد العذراء صلاةٌ كتابيّة. نَفْحَتُه وأصداؤه كتابيّة. هذه النّفحة والأصداء استُعيرَت من سفر صموئيل الأوّل، والمزامير، والنّبي حبقوق، وسفر سيراخ، وسفر التكوين، وسفر التثنية، وأشعيا وأيّوب وحزقيّال وميخا. هناك نحو أربعين إستعارة، في آيات النّشيد العشر. فكم كانت مريم قريبةً من تاريخ شعبها، وكم كانت تتغذّى بكلام الله! لقد إختصَرَت الكتاب المقدّس كلَّه بعشر آيات، وعلّقته بالمسيح الذي هي حاملةٌ به، فكانت بذلك - عند الحدّ الفاصل بين العهدين القديم والجديد - بنت صهيون الحقيقيّة، والتجسيد الأخيريّ لإسرائيل الرّوحيّ الذي يتناول الخلاص الموعود...

يكفينا التوقّف عند إثنتين من تلك الإستعارات:

1- نشيد حنّة

يتعمّد نشيد مريم تقليدَ صلاة حنّة العاقر ونشيدها بعد أن ولدت صموئيل. كانت هذه قد رَفَعَتْ إلى الرَّبِّ الصَّلاة قائلة: "يا ربَّ الجنود، إن أنت نظرتَ إلى عناء أَمتك وذكرتَني ولم تنسَ أَمتك ورزقتَها مولودًا ذكرًا!.." (1 صم 1/ 11). ولمّا إستجابها الربّ، أنشدَت وقالت: "تَهلَّلَ قلبي بالربّ... وابتهجَ بخلاصه... لا قدّوسَ مثل الربّ... لا تُكثِروا من الكلام بالعظائم والإفتخار، ولا يَخرجْ صَلَفٌ من أفواهكم... كُسِرَتْ قِسِيُّ الجبابرة، وتَمنطق الضعفاء بالقوّة. آجَرَ الشَباعَى أنفسهم بالخبز، والجياعُ استغنوا عن العمل... الربّ يُفقِر ويُغني، يَحُطّ ويرفع. يُنهض المسكين عن التراب، ويُقيم البائسَ من المَزبَلة. هو يحفظ أقدام أتقيائه، والمنافقون في الظلمة يُغيَّبون...".

نشيد حنّة أُنشودةٌ مِشْيَحِيّة تعبّر عن رجاء المساكين. وهو ينتهي بذكر المسيح الملك: "الربّ يَدِين أقاصي الأرض، يَهـِب لمُلكه عزّةً، ويرفع قرن (قوّة) مسيحه"... هذا النّشيد المِشْيَحِيّ، على لسان تلك "الأمَة" المسكينة حنّة التي صارت أُمًّا، كان خيرَ ما تستعيره لنشيدها "أمَةُ" الرَّبّ المسكينة، مريم العذراء التي صارت أُمَّ المسيح... لا سيّما أنّ فكرة النّشيدَين الأساسيّة هي محبّة الرَّبِّ للمساكين، ومجدُه السّاطع في رفع شأنهم.

 

2- نشيد حبقوق

نشيد النّبي حبقوق نداءٌ متحمِّس إلى الرَّبِّ لكي يَخرج من جديد "فيمتطي خيله وعجلاته المنتصرة"، و"يجرّد قوسه تجريدًا"، لكي يخلّص الأُمّة ويبدّدَ أعداءَها. إذّاك يصرخ النّبي ويقول: "أمّا أنا فأتهلَّل بالرَّبّ، وأبتهج بإله خلاصي" (حبقوق 3/ 8 - 9، 18).

هذه العبارات هي، كما في نشيد مريم، التعابير التقليديّة المستعملة لوصف تحرير صهيون (مزمور 69/ 30 - 31، 36 - 37، 70/ 5 - 6)، وبنوع خاصّ، لوصف تحرير المساكين المستضعفين (مزمور 9/ 1-2، 10-19، 31/ 8، 40/ 16-17). هذا ما تفعله مريم، من دون أيّة زخرفة.

يقول جان غيتون: "ما أروع نشيد مريم في بساطته وبراءته، وأكادُ أقول في ابتذاله. لم تحاول مريم أن تقول شيئًا خارقًا لم يُقَلْ بعد. إنّها تستعمل موهبتها الشعريّة الخالصة المجرّدة الصافية، مثل "لامَرتين"، مثل "رَسين". يسعها القول عن نشيدها ما قاله "كورو" عن لوحة كان قد رسمها بسرعة: "كم من الوقت إستغرقتْ؟ خمسَ دقائق، وحياتي كلَّها". وعليه، فإنّ نشيد مريم قد يكون إستغرق خمسَ أو ستَّ تنفّسات، إنّما يَروي حياةً بكاملها.

 

 

ذات مريم الرّوحيّة

جميع الأبعاد الرُّوحيَّة التي يتميّز بها النّهج الصّوفيّ عند مساكين يهوه، والتي سوف تُكرّسها التطويبات الإنجيليّة، تلتقي في مريم وترسم ملامح ذاتها الرّوحيّة. هذا ما يظهر في نشيدها: إبتهاج بالخلاص الآتي (46 - 47)، فقر وخدمة (48)، حال التواضع (49)، مخافة الله (50)، إنفتاح على التدبير الإلهيّ وتأهُّب لخدمته (51)، إدراك الضعف الذاتي (52)، حِسّ العدالة (53)، ثقة بالرّحمة الإلهيّة (54) وبتحقيق وعود الإله الأمين (55)... وإن جاز الإختصار قلنا إنّ شخصيّة مريم الرّوحيّة هي شخصيّة إنسان متأصِّل كلّيًّا في الله.

هناك الخلاصة اللاهوتيّة للقدّيس توما الأكويني بعشرات المجلّدات. وهناك الخلاصة المريميّة بعشر آيات...

 

 

روحانيّة التحرّر

جاء نشيد مريم في أوانه، ومن زمن بعيد، ليناقِض المَقولة الماركسيّة المدّعية أنّ المسيحيّة أَفيونُ الشعب وتَهرُّبٌ من الواقع التاريخيّ، فيما المطلوب بإلحاح هو إلتزامُ ترقّي الإنسان بتحريره من كلّ ما "يُؤَلْينُه".

هذا ما تنبّهتْ له مريم، وقبل أن يُعلِن ابنُها أنّه أتى لينادي "للمأسورين بالتخلية" و"يُطلق المُرهقين أحرارًا" (لو 4/ 18)، فكانت رائدةً في ذلك. فنشيدها "تعبير ناجح ومكتمل عن روحانيّة التحرّر، أي الفرح والشّكر من أجل تدخُّل الربّ الذي يحرّر المظلومين ويُذِلّ المقتدرين، التضامن مع المساكين، الأمل الفاعل في تحويل العالم من أجل العهد. وعليه فإنّ المسيحيّ الذي يحدِّق إلى مريم، لا يسعه أن يقتصر على المديح والصَّلاة، بل عليه أن يقف مع إله المساكين كيما يساهم في تحرير العالم من كلّ ظلم. هذا وإنّ مريم، تلك المرأة المختارة لتحقيق التجسّد الفدائيّ، تدعو إلى تجاوز الأحكام المُسْبقة بحقّ المرأة، أحكامٍ كانت تمنعها من الإشتراك والمسؤوليّة، دون تحفُّظ، في شتّى مجالات الحياة الإجتماعيّة والكنسيّة...

"مريم هي المرأة ذاتُ القلب المتجدِّد، المرأة المنفتحة على الرّوح القدس، والتي منها وُلد رأس البشريّة الجديدة، وبفضلها إنطلق في العالم الملكوت الذي لن يكون له إنقضاء (لو 1/ 33). أُمّ يسوع حاضرة في الجماعة المسيحيّة الأُولى (أع 1/ 14) حيث نشأت محاولةٌ رائعة هي الحياة في وحدة القلوب، بالصّلاة واقتسام الأملاك. هكذا، وعلى مثال مريم، يتجدّد المسيحيّ، في الإنصياع للرّوح المسيحيّة في الواقع الإجتماعي".

يقول يوحنّا بولس الثاني: "إنّ الكنيسة، فيما هي تستلهم إيمانَ مريم المعبَّر عنه في نشيدها، تُدرك يومًا بعد يوم أنّ الفصل بين حقيقة الإله المخلّص وبين محبّته التفضيليّة للمساكين والمستضعَفين، إنّما هو أمر مستحيل. وإلى ذلك، ينبغي التشديد على أهميّة المساكين وأهميّة الإختيار لصالحهم... إنّ مريم الواقفة مع ابنها، هي "الأيقونة" الأكمل للحريّة، ولتحرير البشريّة والكون بأجمعه".

 

 

جميل نعمةالله السقلاوي

مرسل لعازريّ

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية