حضور مريم في العرس

 

حضور مريم في العرس

 

حضور مريم في العرس

 

"وكانت أمّ يسوع هناك. ودعي أيضًا إلى العرس يسوع وتلاميذه". رأينا معنى آية قانا وأهميّتها في إنجيل يوحنّا. ولوجود أمّ يسوع في هذا الحدث معناه وأهميَّته. نحن نعلم أنّ مريم لا تظهر مرَّة ثانية. في إنجيل يوحنّا، إلّا عند أقدام الصَّليب، وقت حضورها ساعة موت ابنها. ويسمِّيها الإنجيليّ، في المرَّتين، "أمّ يسوع" (أو أمّه أربع مرَّات في قانا وأربع مرَّات عند الصَّليب). ويذكر أيضًا ارتباطها الشَّديد بالمسيح باعتبارها أمّ ابن الله بالجسد. ومع ذلك فليست مريم في جماعة التلاميذ وليست واحدًا منهم، بل هي مُصطفاة وترسم مشهدًا من الحدث. هي هناك في العرس. وقد أراد الإنجيليّ، على ما يبدو، أن يُشير إلى تبدّل في علاقة مريم بالمسيح، في عرس قانا. أوَّلًا جاءت مستقلّة، على ما يظهر، لتدخل في مشهد قانا كشخصيّة بارزة. أمّا التلاميذ فقد اختارهم المسيح وجمعهم ثم دعاهم معه إلى العرس. فوصلوا كجماعة مسيحانيّة تشكَّلت. ولم يدع المسيح مريم بالذات لأنّها ليست عضوًا في هذه الجماعة. قامت حتّى هذه السَّاعة بدور أمّ ابن الله، أمّا الآن فقد انتهى هذا الدّور عندما بدأ يسوع رسالته. وها هي تأتي منفردة، انطلاقـًا من مكانتها الإنسانيّة كأمّ لتحضر أوّل ظهور لمجد المسيح، وتمثل مرحلة طبيعة المسيح الإنسانيّة حيث لم يظهر مجده بمعجزة. فآية قانا هي الأولى التي أظهر فيها مجده. ولم يكن المسيح، حتّى هذا التاريخ، قد ظهر علنًا إلّا في طبيعته الإنسانيّة. غير أنّ الأسبوع الأوّل من رسالته قد أظهره معلّمًا، وحكمة الله الذي جمع تلاميذه، والمسيح الذي يؤسِّس جماعته المسيحانيّة، وقدَّمته أولى آياته في قانا، لإيمان التلاميذ، كابن الله الذي سكنه المجد.

 

وسنرى إنّ جواب يسوع لأمه: "ما لي ولك يا مرأة" يسجّل بُعدًا بين الأمّ والإبن. هذا البعد دلّ إليه إخراج مشهد عرس قانا. مريم هنا، أتت وحدها، ووصل يسوع والتلاميذ بدورهم. ثمّ يجري الحوار بين مريم ويسوع فيظهر اختلافًا في موقف الشَّخصيتين من المخطـَّط. ومن ثمَّ تبدو مريم، من خلال الحوار، واعية على حقيقة جديدة فتفهم وضعها الجديد وتدخل في الجماعة المسيحانيّة. وفي نهاية المشهد، نرى الشخصيّات التي أتت الواحدة بمعزل عن الأخرى، تتفـِّـق معًا "وبعد هذا، انحدر إلى كفرناحوم هو وأمّه وإخوته وتلاميذه ولبثوا هناك أيامًا كثيرة" (يو 2/ 12). إنّ يسوع ومريم وإخوته وتلاميذه يشكِّلون جماعة متَّحدة لم نعد نميِّز فيها الأعضاء.

 

لنتبع الآن المشهد فنفهم تطوّر مريم. علينا أن نحدِّد كلّ عنصر من عناصر المشهد بالنسبة لذروة الرواية: تُظهِر المعجزة ـ الآية مجد المسيح وتثير إيمان التلاميذ. فيوحنّا لا يقصّ علينا رواية نفسانيّة بل حدثًا لاهوتيًا، معجزة ـ آية. ونرى منذ البداية، أنّ كلّ شخصيَّة من الشخصيَّات في علاقة بالمعجزة ـ الآية. عندما أُخبر يسوع بمرض لعازر، كان يعلم منذ البدايّة "إنّ هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله لكي يُمَجد ابن الله به" (يو 11/ 4)، وهذا في أسلوب روايات المعجزات. وكان كلام مريم ويسوع، في نظر يوحنّا، في علاقة بالمعجزة التي ستتم في قانا، بل هو يهيِّئها ويتوقعها. وذِكْر نقص الخمر مقصود، في نية الإنجيليّ، وأرادتْه العناية الإلهيّة لتتم المعجزة. وكلام مريم يؤكّد أملها بالمعجزة "ليس عندهم خمر". فهي تعرف، باعتبارها شخصيّة من شخصيّات المشهد، أنّ يسوع قادر على صنع المعجزة فتسأله إيّاها. ولم تكن ملاحظة مريم شفقة إنسانيّة منها لتطلب من ابنها الاهتمام بموقف أصحاب العرس المحرج، فيرسل مثلًا تلاميذه ليبتاعوا من القرية خمرًا. هذه رواية سيكولوجيّة ليس لها ما يبرّرها في رواية المعجزة ـ الآية، في نظر يوحنّا اللاهوتيّ، إنّما ملاحظة مريم تهيّئ المعجزة بل هي أملها وصلاة لتحقيقها.

 

بإمكاننا الآن أن نتبع تطوّر مريم منذ إنجيل الطفولة. تعرف الآن أنّ ابنها، المسيح ابن الله، قادر على صنع المعجزات. وكان اليهود، في الواقع، ينتظرون من المسيح، موسى الجديد، تجديد معجزات الخروج. فإذا كان يسوع هو ذاك المسيح، النبيّ العظيم، موسى الجديد، فإنه يصنع الآيات المنتظرة (راجع لو 2/ 18). ويرافق إيمان مريم بالمعجزة الممكنة إيمانها بيسوع كمسيح وكإبن الله. ويتعمق فيها هذا الإيمان. وهكذا تمثل مريم، في بداية المشهد، الإيمان المسيحانيّ الذي يظهر عند الرّسل بعد المعجزة.

 

ويبدو أن المسيح وافق على صنع المعجزات بشيء من التحفظ، خوفًا من أن يتعلّق الناس بالأمور المُدهشة وبالخوارق أكثر من تعلّقهم بالمعجزات كآيات مجد ابن الله التي تحرّك فيهم الإيمان. يطلب اليهود آيات خارقة تظهر مسيحانية يسوع "أيّة آية ترينا حتّى تفعل هذا؟" (يو: 2/ 18)، وكان يسوع على حذر من هذه الدّعوة إلى صنع المعجزة: "وإذ كان في أورشليم في عيد الفصح آمن كثيرون باسمه حيث شاهدوا آياته التي صنعها. أمّا يسوع فلم يكن يأتمنهم على نفسه، لأنّه كان عارفًا بكلّ أحد ولأنّه لم يكن محتاجًا إلى شهادة أحد عن الإنسان لأنّه كان يعلم ما في الإنسان" (يو 2/ 23 ـ 25).

 

وبعد تكثير الخبز وكلامه عن خبز الحياة، "رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه" (يو 6/ 66) "ويسوع كان عارفًا منذ الابتداء من الذين لا يؤمنون ومن الذي سيسلمه" (يو 6/ 64). فالمعجزة غير كافية لتجذب الإنسان إلى المسيح، بل يجب أن يعطى له ذلك من الآب (يو 6/ 65). يجب ألا نتمسَّك بمشهد المعجزة  بل بالكلام الذي تعنيه، كما فعل بطرس، "يا ربّ إلى من نذهب؟ إنّ كلام الحياة الأبديّة هو عندك فقد آمنّا نحن وعرفنا أنّك أنت المسيح ابن الله" (يو 6/ 68 ـ 69). فالمهم في المعجزة هو معناها، هو الإيمان الذي تحقـِّقه، لهذا يقرن يسوع المعجزات التي تُظهر مجده بكلام يغذّي الإيمان ألم يقل لمقعد بيت ذاتا "ها إنّك قد عوفيت فلا تخطأ بعد لئلا يصيبك أعظم" (يو 5/ 14)، وبعد تكثير الخبز يلقي خطابه عن خبز الحياة (يو 6)، وعندما التقى الأعمى الذي شفاه، سأله هل يؤمن بابن الإنسان (9/ 35) فسجد الأعمى أمامه قائلًا "إنّي أؤمن يا ربّ" (يو 9/ 38). وقبل أن يقيم لعازر من الموت سأل مرتا إذا كانت تؤمن بالقيامة فأجابته "نعم إنّي أؤمن، يا ربّ، إنّك المسيح ابن الله الذي يأتي إلى العالم" (يو 11/ 27).

 

وفي رواية شفاء ابن عامل الملك، راح يسوع يُبدي تحفظه أمام المعجزة: "إن لم تعاينوا الآيات والعجائب لا تؤمنون" (يو 4/ 48). وليس هذا التحفظ رفضًا لصنع العجائب، بل هو تحذير من جاذبية المدهشات والخوارق وإلحاح على الإيمان، ثمرة الآية الوحيدة المقبولة، فيؤمن عندئذِ العامل بكلام يسوع ثمّ يرى المعجزة. وتنتهي الرواية بهذه النتيجة "آمن هو وأهل بيته جميعًا" (يو 4/ 53).

 

آمنت مريم، في قانا بالمسيح  وبقدرته على صنع المعجزات فطلبت منه واحدة: "ليس لديهم خمر". ومع ذلك ربّما بقي إيمانها مرتبطـًا بأعجوبة قدرة المسيح وفعاليتها على الصَّعيد البشريّ. إنَّ أصحاب العرس في موقف حرج. والمسيح هنا قادر على تحقيق معجزة تنقذ موقفًا إنسانيًا. وقد وقف عامل الملك هذا الموقف الرُّوحيّ: إبنه مريض ويسوع وصل، وله المقدرة على الشِّفاء، والمعجزة تنقذ إبنه من الموت. وقد قابلنا هاتين الروايتين، في بنية الإنجيل ورأينا أنّ الأولى توضح الثانية. ومريم، كعامل الملك، مرتبطة بالعلاقة بين المعجزة وبين وضع صعب يمكن إنقاذه. فهْي بشريّة تمامًا في موقفها من الإيمان بالمسيح الكلّي القدرة، وتمثل بذلك موقف  إيمان اليهود  في ذلك العصر "المسيح، كموسى، سيحقـِّق آيات شبيهة بآيات الخروج".

 

مريم في إيمانها وصلاتها تمثـِّـل البشريَّة في صعوبتها وتمثـِّـل اليهوديَّة في رجائها المسيحانيّ. فهي صورة البشريّة وصورة إسرائيل المنتظرَين خلاصًا مسيحانيًا سريًّا، ولكنّه خلاص بشريّ بالنسبة لإسرائيل. عندما طلب عامل الملك شفاء ابنه، حذّر يسوع الجمهور من الآيات والخوارق ليحرّك إيمانًا لا يستند إلى معجزة. وجواب يسوع لأمّه "ما لي ولك يا امرأة" يجب أن يفسّر بمعنى التحذير والدّعوة إلى الإيمان الذي لا يحتاج إلى أعجوبة. وفي ظهوره الأخير بعد القيامة قال لتوما "لأنّك رأيت آمنت فطوبى للذين آمنوا ولم يروا" (يو 20/ 29). هذه الفكرة بالذات يهدف إليها إنجيل الآيات: لم يرفض يسوع الأعجوبة، بل يجب أن يتعلّق الإيمان بمدلول الآية أي بشخص المسيح، ليتمكّن الإنسان من الوصول إلى الإيمان بدون آيات. ها هو الإيمان الكامل. وطوبى لمن لهم مثل هذا الإيمان ولم يروا.

في القسم الأوّل من الرّواية عبّرت مريم عن قلق البشريَّة المنتظرة خلاصًا، وعن الإيمان اليهوديّ بالمسيح الذي يظهر بآيات. فهي رمز البشريّة في انتظارها البشريّ ورمز إسرائيل في إيمانها اليهوديّ. والمسيح، في جوابه لها الذي ليس رفضًا بل دعوة إلى التطلّع إلى أبعد، أخرجها من الموقف البشريّ ومن الإيمان اليهوديّ لترتفع إلى الإيمان المسيحيّ وإلى مكانها كرمز الكنيسة المؤمنة.

 

يسمّي الإنجيليّ "أمّ يسوع" (أو "أمّه") ويسمّيها المسيح نفسه "امرأة"، في كلامه لها على الصَّليب. هذه المُقارنة دليلية. فقد كان اليهوديّ يُناجي أمَّه عادةً "أمًّا" في اللّغة الآراميَّة أو أمِّي. ومن الغريب أن ينادي إبن أمَّه بـ "يا امرأة" (عيتا في الآرامية). واستخدم يسوع هذه الكلمة عندما خاطب عدَّة نساء: السَّامرية (يو 4/ 21)، والكنعانيّة (متى 15/ 28)، والمرأة الزانية (يو 20/ 13). أمّا هنا فيبدو أسلوبه في مخاطبته أمّه غريبًا لأنَّ هذا اللّقب يحلّ محلَّ كلمة "أمّ" المألوفة، من جهّة ومن جهَّة أخرى، يأخذ هذا التبديل صفة رسميّة. وتتكرّر المسألة نفسها عندما يسلّم يسوع، وهو على الصَّليب، أمّه للتلميذ الذي كان يحبّه: "يا امرأة هوذا ابنك" (يو 19/ 26).

 

وقبل أن يحقـِّق آيته الأولى التي أظهرت مجده، أراد القول أنّ العلاقات العائليّة البشريَّة قد انتهت وتوقف دور أمومة العذراء لابن الله بالجسد. كانت مريم، أمّ الله، Theotokos آية لناسوت ابن الله الكامل ولحقيقة التجسّد "الكلمة صار بشرًا" (1/ 14). لم تعد هذه الآية بعد الآن ضروريّة لأنّ المسيح الإنسان أظهر مجده الإلهيّ بطبيعته الإنسانيّة. وروابط القرابة الدمويّة تكاد تحجب طبيعته كإبن الله. وزمن "أمّ الله Theotokos قد انتهى وأتى زمن الكنيسة ـ العروس التي تصبح هي القرابة الحقيقيّة والأخيرة لابن الله. ويجب على مريم أن تنتقل من وظيفتها كأمّ المسيح إلى وظيفتها كإمرأة في الكنيسة. ولكن اسم "امرأة" الذي يعطيها إيَّاه يسوع له صفة رسميَّة، وبين اللّقبين "امرأة" و"أمّ" صلة. فتبدلت وظيفة مريم من أمّ الله إلى إمرأة في الكنيسة بل إلى صورة الكنيسة وبالتالي تبدّل دورها، فبعد أن كانت تقوم بدورٍ بشريّ وروحيّ بصفتها أمّ المسيح، اقتصر دورها الآن على الناحية الرُّوحيَّة بصفتها إمرأة مؤمنة في الكنيسة، فهي أمّ الله وتصبح إمرأة في الكنيسة.

 

"ما لي ولك يا امرأة"، هذا التَّعبير السَّامي يُشير إلى العلاقة بين كائنين سواء أفي الوحدة أم في التباعد. وفي الحالة الخاصَّة واستنادًا إلى معرض النصّ، يجب ترجمة التعبير هكذا: "ما هي العلاقة بيني وبينك يا امرأة". ليس في كلام المسيح لأمّه قساوة ولا فيه رفض لطلبها بصنع المعجزة لأن الواقع لا يدلّ على ذلك. كان يسوع ينوي تحقيق الآية الأولى، وسيحقّقها في القريب العاجل. ولا نتصوّرنَّ، من أسلوب الرِّواية عند يوحنّا، أنّ يسوع لم يكن يعرف ما سيفعله فرفض أوَّلًا طلب أمّه عندما سألته الآية، ثمَّ صنعها نزولًا عند إلحاح أمِّه. فكلام يسوع كان سؤالًا يجب أن يقود مريم إلى التفكير في علاقتها معه بعد الآن وفي دورها وفي معنى المعجزة التي تطلبها. إذًا نستطيع أن نفسّر جواب يسوع على الوجه التالي: "ما هي العلاقة بيني وبينك، يا مرأة، أنا ابن الله وأنت أمّي بحسب الجسد. أمّا الآن فعلاقتنا لا يمكن أن تكون علاقة ابن بأمِّه. لقد دخلت في رسالتي  المسيحانيّة ولم يعد لك من سلطة الأمّ عليّ، بل أنت عضو في الجماعة المسيحانيّة. أنت امرأة في الكنيسة التي أنا رأسها. تطلبين معجزة وها أنا أحقـِّـقها. ولكن هل تُدركين ما تعني المعجزة بالنسبة لي أنا ابن الله؟ ليست قدرة خارقة هدفها الخروج من مأزق بشريّ صعب. بل هي آية مجدي التي تثير الإيمان بكلامي. "يرتكز القسم الثاني من هذا التفسير على المقابلة  بين أعجوبتي قانا. أجاب يسوع عامل الملك الذي طلب منه شفاء ابنه، مع أنّه كان ينوي تحقيق هذا الشِّفاء: "إذا لم تعاينوا الآيات والعجائب لا تؤمنون"؟ (يو 4/ 48) أراد يسوع بهذا السؤال أن ينقل سامعيه من مفهوم المعجزة  المدهش والمنظور إلى مفهوم داخليّ للآية الموجهّة إلى الإيمان الرُّوحيّ الذي يستغني عن الأعجوبة. هذا الموقف يصبح موقف إيمان الكنيسة الطبيعي بعد ظهورات المسيح بعد القيامة.

 

كان جواب يسوع لمريم مرحلة جديدة لها، فلا يعود يدعوها أمّه بل امرأة. ومن كونها أمّ الله تصبح عضوًا في الكنيسة. هذا من جهّة، ومن جهّة أخرى يغيّر مفهوم الأعجوبة الإنسانيّ واليهوديّ عند مريم من حلّ لصعوبة بشريّة إلى مفهوم أكثر عمقًا لآية مجد المسيح التي تحرّك الإيمان. نستنتج هذا من سياق الرّواية وبخاصة من تدخل مريم الثاني.

 

ويتابع المسيح جوابه: "ما هي العلاقة بيني وبينك، يا امرأة. لم تأتِ ساعتي بعد". والسَّاعة التي يتكلّم عنها يسوع، في نظر يوحنّا، هي ساعة الحسم، ساعة ارتفاعه على الصَّليب، ساعة تمجيده وعودته إلى الآب. أراد اليهود أن يقبضوا على يسوع، مرَّتين، في عيد المَظال. إلّا أنّ أحدًا لم يمد إليه يدًا لأنَّ "ساعته لم تأتِ بعد" (يو 7/ 30 ، 8/  20). ولمَّا اقترب يوم موته أعلن يسوع هذا اليوم كساعة مجده: "أتت السَّاعة التي يتمجَّد فيها إبنُ الإنسان... الآن نفسي قلقة فماذا أقول؟ يا أبتِ نجّني من هذه السَّاعة؟ ولكنّي من أجل هذا بلغت إلى هذه السَّاعة. يا أبتاه مجّد اسمك" (يو 12/ 23 ـ 27). وقبل أن يغسل يسوع أرجل تلاميذه فيعلّمهم سرَّ المحبَّة الكامل الذي سيتمُّ على الصَّليب، يقدِّم الإنجيليّ الرِّواية بقوله: "قبل عيد الفصح لمّا كان يسوع يعلم أنَّ ساعته قد أتت لينتقل من هذا العالم إلى الآب وكان قد أحبَّ خاصَّته الذين في العالم، أحبَّهم إلى الغاية" (يو 13/ 1). ويقول يسوع في صلاته الكهنوتيّة: "يا أبتاه، قد أتت السَّاعة. مجّد ابنك ليمجّدك ابنك..." (يو 17 /1). هذه السّاعة هي ساعة الصّليب الأخيرة التي ترفع الابن وتمجّده لينتقل من هذا العالم إلى الآب. وبعد أن نقل يوحنّا كلام يسوع على الصّليب لأمِّه وللتلميذ الحبيب كتب: "ومن تلك السَّاعة أخذها التلميذ إلى بيته" (يو 19/ 27).

ويُعيد يسوع أمّه، في جوابها لها، إلى السّاعة المصيريّة ويوجّهها إلى نتيجة الصَّليب الأخيرة الارتفاع والتمجيد. وهذا لا يعني أنّ يسوع رفض صنع المعجزة في حينها، بل ربما يعني أنّه لم يكن ينوي صنعها قبل اقتراب نهاية رسالته. فلماذا إذن غيّر نيّته بهذه السّرعة؟ هذا مستبعد بل مستحيل. لم يكن جواب يسوع رفض المعجزة المرجأة لساعة متأخِّرة. وإلّا ما استطعنا فهم إلحاح مريم على المعلّم. لا يتعلّق جواب يسوع بتحقيق المعجزة المقرّر كبداية الآيات المسيحانيّة، بل بموقف مريم من المعجزة حتى تفهمها بالإيمان كآية. ويتعلّق أيضًا بوظيفة مريم التي لو تعُد وظيفة أمّ المسيح بل هي وظيفة جديدة ستفهمها عند الصَّليب، إلا أنّها تستطيع فهمها منذ الآن إذا وضعت نفسها ضمن الجماعة المسيحانيّة وفي مستوى المرأة المؤمنة في الكنيسة.

 

يتعلّق جواب يسوع جوهريًا بتطوّر مريم وبوظيفتها الجديدة التي أعقبت وظيفتها كأمّ ابن الله بالجسد وهكذا نستطيع مرَّة أخرى أن نفسّر جواب يسوع لأمِّه على الشكل التالي: "لسنا أنا وأنت على صعيد واحد. أنت تريدين معجزة. وها أنا أحقـِّـق آية تحرّك الإيمان. أنتِ، كأمّ، لا تزالين بشريَّة. ارتفعي إلى مستوى الإيمان الخالص الذي يرى في الآيات وبدونها مجد ابن الله ويتمسّك بكلامه. أنت، كإمرأة، مدعوَّة لمهمّة أكبر من مهمّة أمّ ابن الله التاريخيَّة. إنّ ساعتي لم تأتِ بعد ولا يمكنك أن تفهمي الآن. وإنّما في تلك السّاعة (على الصَّليب) سينجلي لك الوضع والمهمّة الجديدان كاملين". إنّ مريم مدعوّة إلى مستوًى روحيّ أسمى ومرجعة إلى السَّاعة المصيريّة دون أن تعرف ما يعنيه هذا المصير. فتحسّ فقط أنَّ مجد المسيح لا يتمّ بدون عذاب، حسب نبوءة سمعان في الهيكل.

 

نعود هنا إلى الأناجيل الإزائيّة ونتوقـَّف على حدث يهمّ مريم لنفهم ما يعني لها هذا الانتقال من وظيفة أمّ ابن الله إلى وضع المؤمنة في الجماعة المسيحانيّة، في الكنيسة، وضع يأخذ معناه الكامل عند الصَّليب.

أتى إلى يسوع، يومًا، أمّه وأفراد أقربائه وطلبوا التحدّث إليه ولم يستطيعوا الاقتراب منه لازدحام الناس. (متى 12/ 46 ـ 50، مر 3/ 31 ـ 35  لو 8/ 19 ـ 21). وأُخبِر يسوع برغبتهم فأجاب من أعلمه: "مَن هي أمّي ومَن هم إخوتي؟" ثم أشار إلى تلاميذه وأضاف: "هؤلاء هم أمّي وإخوتي لأنَّ كلّ من يعمل مشيئة أبي الذي في السَّموات هو أخي وأختي وأمّي" (متى 12/ 49 ـ 50، مر 3/ 35) أمَّا لوقا فينقل هذا الكلام بصيغة أخرى "إنّ أمّي وإخوتي هم الذين يسمعون كلام الله ويعملون به" (لو 8/ 21).

 

وتفسير هذا الكلام بسيط. بدأ يسوع رسالته تحيط به جماعته المسيحانيّة. ولم يرد أن تقوم روابط القرابة البشريّة بأي الدّور عنده لأنّه قد تحجب أصله الإلهيّ وتعيق رسالته. أنهت مريم دورها كأمّ المسيح بالجسد، كأمّ الله، وحلّت محلّها الجماعة المسيحانيّة أي الكنيسة ـ الأمّ. فأقرباء يسوع الحقيقيون وإخوته هم التلاميذ الذين يحيطون به. والقرابة الروحيّة الدَّائمة تعقب القرابة الجسديّة المؤقتة. ومهمّة أمومة مريم المؤقتة، نحو يسوع التاريخيّ، تمَّحي لتحلّ محلّها مهمّة أمومة الكنيسة، نحو المسيح السرّي، نحو جسد المسيح وأعضائه والتلاميذ المؤمنين وأبناء الآب السَّماوي المولودين بكلام الله. ويشير المسيح هنا إلى أبوّة الله وأمومة الكنيسة التي تلد المؤمنين بكلام الله، أخوّة التلاميذ، أعضاء جسد المسيح. إنّ الكنيسة،أمّ المؤمنين، أسعد من مريم، أمّ الله، لأنّ أمومة هذه زمينة وأمومة تلك أبديّة. مريم عضو في الكنيسة ووُلِدَت هي أيضًا إلى الإيمان بكلام الله الذي سمعته وحفظته وعملت به. أمّها الكنيسة، إخوتها وأخواتها التلاميذ والمؤمنون. هذا هو مكانها الآن: أن تكون في الكنيسة وتتمتَّع بأمومة الجماعة الكنسية الرّوحيّة وبأخوّة أعضاء جسد المسيح الروحيّة أكثر من أي أمومة أو أخوّة بشريّة أو قرابة دموية. عند الصَّليب ستفهم مريم وتعلم أنّ علاقة خاصة قامت بين أمومتها الجسديّة لابن الله وبين أمومة الكنيسة الروحيّة. وعليها في هذه اللحظة أن تأخذ مكانها، في وسط الذين ولدوا بكلام الله، وهم إخوة وأخوات في الجماعة المسيحانيّة، الكنيسة، أمّهم الروحيّة، والمسيح بينهم كالابن البكر يقودهم إلى محبَّة الآب والخضوع إلى مشيئته.

 

فهمت مريم كلام يسوع عن المعجزة المطلوبة. ورواية قانا، في إيجازها، تجعل مريم تتدخل مرَّة ثانية وتعني تطورًا فيها. وقد جمع يوحنّا في هذا الحوار القصير مسلكًا روحيًا عند مريم، ردًا على تحذير يسوع. فتستمرّ في إيمانها بالمعجزة وفي طلبها لأنّ يسوع لم يرفضه وتعرف أنّها ستأتي ساعة تفهم فيها فهمًا أفضل وضعها بالنسبة لابنها، وهي تستعّد الآن لأن تفهم في الإيمان، الذي أراده المسيح الآية التي يأتيها ليظهر مجده. قالت أمّه للخدم إفعلوا ما يأمركم به" (2/ 5).

 

فهمت مريم نيّة يسوع في تحقيق المعجزة، آية مجده جوابًا على طلبها وفهمت أيضًا أنّ عليها أن تضع نفسها على غير صعيد أمومتها الجسديّة لتطابق علاقتها بابنها من وضعها الجديد، وضع إمرأة مؤمنة في الجماعة المسيحانيّة. ويتضح هذا الوضع في السّاعة المصيريّة لرسالة المسيح. طلبت أوّلًا معجزة لتنقذ موقفًا إنسانيًا أشفقت عليه ثم رجت معجزة قدرة إبنها واخيرًا استسلمت له ولكلامه مُبرهنة أنّها أدركت أن المهمّ ليس المعجزة بل شخص المسيح الممجَّد والاستسلام الكامل لإرادته، في الإيمان الخالص وفي الطاعة لأوامره مهما كانت. أدركت جيّدًا إرادة المسيح فلم تزعجه بإلحاح في غير مكانه، بل توجَّهت إلى الخدم لتدعوهم إلى الإيمان والطاعة مهما يكن كلام يسوع وإرادته. فهي تبثهم من إيمانها وطاعتها لكلام المسيح الكلّي القدرة، وهي من بين الذين يؤمنون بكلام الله ويعملون به، وبهذا تجد مكانها الصَّحيح في الجماعة المسيحانيّة كأمّ روحيّة، وأخت للذي كانت حتّى الآن أمّه بالجسد: "إنّ أمّي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها" (لو 8/ 21).

 

عندما دعت الخدم لسماع كلام المسيح وتتميم أوامره مهما كانت، وإلى الاستسلام له في الإيمان والطاعة، انتقلت من أمّ المسيح الجسديّة لها السلطة على ابنها إلى أمّ روحيَّة في جماعة المسيح التي تلد خدّام ابنها إلى الإيمان والطاعة. وقد سبق إيمانها وطاعتها إيمان الخدم والتلاميذ وطاعتهم. هنا تشترك مريم بأمومة الكنيسة الروحيّة التي تلد، بكلام المسيح، أبناء الآب السَّماوي عندما تجعلهم يولدون إلى الإيمان والطاعة. نجد عند بولس فكرة ولادة مؤمنيّ الكنيسة إلى الإيمان، عندما قال لأهل غلاطية، قبل أن يكلّمهم على أورشليم العليا كأمّ روحيّة، "يا بَنيَّ الذين أتمخَّض بهم مرَّة أخرى إلى أن يتصوّر المسيح فيهم" (غل 4/ 19، 26). يرى بولس عمله الرَّسوليّ كأنّه مخاض أمّ تشترك بأمومة الكنيسة الرُّوحيّة. ويعتبر نفسه، في موضع آخر، أبًا: "أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل" (1 قور 4/ 15 راجع أف 2/ 11، ف : 10) وفي جميع الحالات يعتبر بولس الارتداد إلى المسيح ولادة بواسطة كلام الله، تلده الكنيسة ـ الأمّ ويشترك الرَّسول بهذه الولادة.

 

تشترك مريم بأمومة الكنيسة الروحيّة التي تلد تلاميذ المسيح إلى حياة الإيمان. وينتقل إيمان مريم، وهو استسلام تام لإرادة المسيح وكلامه (مهما يقل لكم)، إلى الخدم (فافعلوه)، ويسبق آية مجد المسيح التي تلد إيمان التلاميذ "...فآمن به تلاميذه" ويهيئها. أكملت مريم مهمتها في نقل الإيمان وولدت إيمان الآخرين واشتركت بأمومة الكنيسة ـ الأمّ.

وبعد أن قدّم يوحنّا المعجزة وهيّأ لحضورها، عرض علينا الآية التي أظهرت مجد المسيح وجَرَّت إيمان الرّسل الواضح الذي يلي إيمان مريم. "وبعد هذا انحدر إلى كفرناحوم هو وأمّه وإخوته وتلاميذه ولبثوا هناك أيّامًا غير كثيرة" (2/ 12).

 

نلاحظ في ختام الرِّواية أنَّ مريم شكّلت مع التلاميذ الجماعة المسيحانيّة، متّحدة في إيمان ابن الله الذي أظهر مجده. هذه هي نواة الكنيسة حول ربِّها تُصغي إلى كلامه وتتمِّم إرادة الآب. ومريم حاضرة في هذه الجماعة الكنسية. ويمكننا أن نتصوّر المسيح ينظر إلى هذه المجموعة المحيطة به ويقول: "هؤلاء هم أمّي وإخوتي. مَن يعمل إرادة أبي الذي في السَّموات هم أخي وأختي وأمّي" ولم تعد مريم، في الكنيسة الأمّ، أمّ ابن الله بالجسد، بل هي المرأة المؤمنة ـ الأمّ الروحيّة المشترِكة بأمومة الكنيسة التي تلد إلى الإيمان. لا نرى مريم تتبع المسيح في تنقلاته مع بقيّة النساء اللواتي يذكرهنَّ الإنجيل: مريم المجدليَّة ومريم أمّ يعقوب ويوسى، وسالومة أمّ ابنيّ زبدى، وحنّة إمرأة كوزى، وسوسنة وأخريات كثيرات. (متى 27/ 55 ـ 56 . مر 25/ 40 ـ 41، لو 8/ 2 ـ 3، 24/ 10، يو 19/ 25). وهذا لا يعني أنّ مريم كانت خارج الجماعة المسيحانيّة، بل هي جزء منها، بالإيمان، إن لم يكن بالعيش باستمرار بجانب يسوع.

وستتواجد هؤلاء النسوة جميعهَّن عند أقدام الصَّليب، وعندئذٍ تكون مريم معهنّ. يذكرها القدِّيس يوحنّا، ومن بينهن حميعًا يختارها المصلوب ليقول لها كلامه الأخير.

 

"مريم أمّ الرّبّ ورمز الكنيسة"

ماكس توريان

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية